السيسي والدستور: «محدش هيمسه»… حتى إشعار آخر!
بقلم: سالم إسماعيل القطامي
يبدو أن الدستور المصري في عهد عبد الفتاح السيسي صار كقطعة أثاث في قصر الرئاسة: ممنوع الاقتراب منه، إلا إذا اقتضت الضرورة بقاء صاحب القصر في مكانه!
بالأمس، يخرج علينا السيسي ليقول إن هناك دستورًا للدولة، وإنه لن يمسه أحد. عبارة تبدو للوهلة الأولى دفاعًا عن دولة القانون، لكنها تستدعي سؤالًا لا مفر منه: أي دستور يقصد سيادة الرئيس؟ دستور الأمس، أم دستور اليوم، أم دستور الغد الذي قد يُعاد تفصيله إذا ضاقت الولاية بصاحبها؟
فلنعد إلى الوقائع، لا إلى النوايا التي لا يعلمها إلا صاحبها.
في نوفمبر 2016، وخلال زيارته البرتغال، تحدث السيسي عن تداول السلطة واحترام قواعد الحكم. وفي عام 2017، أكد في تصريحات علنية أنه لا يسعى إلى البقاء في السلطة أكثر من المدد الدستورية المقررة. ثم جاء عام 2019، فشهدت مصر تعديلات دستورية رفعت مدة الولاية الرئاسية من أربع سنوات إلى ست، ووضعت أحكامًا انتقالية أتاحت للسيسي الترشح لولايتين إضافيتين، بما يسمح باستمرار حكمه حتى عام 2030 إذا استوفى شروط الترشح والفوز.
هنا تكمن المفارقة التي لا تحتاج إلى شتيمة كي تكون فاضحة سياسيًا: الدستور الذي قيل إن الرئيس ملتزم بحدوده، عُدّلت حدوده نفسها بما أتاح له البقاء مدة أطول.
فما قيمة التعهدات السياسية إذا كانت القواعد التي تنظّم السلطة قابلة للتغيير عندما تصبح عائقًا أمام استمرار الحاكم؟ وما معنى احترام الدستور إذا تحول احترامه إلى شعار مطاط، يتسع حين يخدم السلطة وينكمش حين يقيّدها؟
إن الدساتير ليست تعاويذ تُتلى في المؤتمرات الصحفية، ولا ديكورات تُعلّق على جدران القصور. إنها عقد بين الدولة والمجتمع، وُضع أصلًا لتقييد السلطة، لا لمنحها مفاتيح إعادة تشكيل قواعدها كلما اقترب موعد الحساب.
أما عبارة «محدش هيمسه»، فالسؤال الذي يفرض نفسه هو: من الذي يملك حق المساس بالدستور أو تعديله؟ في الدولة الدستورية، لا يملك الرئيس الدستور كما يملك موظف مكتبه؛ فهناك إجراءات دستورية ومؤسسات واختصاصات يجب احترامها، وهناك شعب يفترض أن تكون إرادته الحرة هي أساس الشرعية.
ولذلك، فإن القضية ليست في جملة عابرة قالها رئيس، بل في سجل سياسي ينبغي أن يُقرأ كاملًا: تصريحات عن حدود الحكم، ثم تعديلات غيّرت تلك الحدود، ثم تأكيدات جديدة على حماية الدستور.
فهل أصبح الدستور خطًا أحمر لا يجوز تجاوزه، أم خطًا بالقلم الرصاص يمكن محوه وإعادة رسمه متى اقتضت حسابات السلطة؟
يا سيادة الرئيس، الدستور ليس ملكًا شخصيًا لأحد، ولا تفويضًا مفتوحًا للحاكم كي يحدد بنفسه متى يلتزم ومتى يطلب تغيير القواعد. ومصداقية التعهدات لا تُقاس بحرارة التصريحات، بل بمدى اتساقها مع الأفعال.
أما المواطن المصري الذي يواجه أعباء المعيشة وتراجع قدرته الشرائية وضيق المجال العام، فمن حقه أن يسأل عن ضمانات تداول السلطة، وعن استقلال المؤسسات، وعن قدرة المجتمع على محاسبة الحاكم دون خوف.
الخلاصة: حين يقول الحاكم «محدش هيمس الدستور»، فإن أفضل ضمانة لصدقه ليست التصفيق، بل دستور لا يُفصَّل على مقاس الحاكم، ومؤسسات لا تخضع لإرادته المنفردة، وتداول حقيقي للسلطة لا يتوقف على وعود أصحابها.
فالدساتير تبقى، أما الحكام فيرحلون؛ وتلك هي الحكمة التي ينبغي ألا ينساها أي رئيس.
سالم إسماعيل القطامي
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire