رابعة: حين يصبح الدم شاهدًا على سقوط الدولة
بقلم: سالم القطامي
في الرابع عشر من أغسطس، لا تستعيد مصر ذكرى عابرة من تاريخها السياسي؛ بل تستعيد واحدة من أكثر الصفحات دموية وظلمة في تاريخها الحديث: مجزرة فضّ اعتصام رابعة العدوية.
ذلك اليوم الذي تحولت فيه الساحات إلى مسرح للرصاص، وتحولت فيه الدولة ــ التي يفترض أن تكون حامية لحياة مواطنيها ــ إلى طرف مسلح في مواجهة مواطنين تجمعوا في ميدان سياسي مفتوح.
لم تكن رابعة مجرد ميدان.
كانت امتحانًا للدولة، وللقانون، وللضمير الإنساني.
وكانت النتيجة كارثية.
لقد قُتل مئات المعتصمين خلال عملية الفض، وفق تقديرات حقوقية مختلفة، بينما بقيت المسؤولية السياسية والأمنية عن القرار واستخدام القوة واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل والمطالبة بالمحاسبة في مصر الحديثة.
وأنا، في ذكرى رابعة، لا أكتب لأعيد إنتاج الكراهية، ولا لأستبدل استبدادًا باستبداد، ولا لأحوّل الضحايا إلى وقود لمعركة انتقامية.
أكتب لأن الذاكرة مقاومة للنسيان.
وأكتب لأن الدم الذي يسقط بلا محاسبة يتحول، في التاريخ، إلى رخصة لدم جديد.
السيسي والمسؤولية السياسية
عبد الفتاح السيسي لم يكن يومها مجرد ضابط بعيد عن مركز القرار.
كان وزيرًا للدفاع وقائدًا عامًا للقوات المسلحة، وكان جزءًا مركزيًا من منظومة السلطة التي قادت المرحلة التي انتهت بعملية الفض.
ولهذا فإن السؤال التاريخي ليس فقط: من أطلق الرصاص؟
السؤال الأعمق هو:
من اتخذ القرار؟ ومن أعطى الأوامر؟ ومن خطط؟ ومن كان يعلم بما سيحدث؟ ومن سمح باستمرار العملية رغم سقوط هذا العدد من القتلى؟
هذه أسئلة لا تجيب عنها البيانات الرسمية، ولا تمحوها السنوات.
فالعدالة الحقيقية لا تبدأ بتسمية الضحية، وإنما تبدأ بتحديد المسؤول.
رابعة ليست تفويضًا للقتل
يمكن أن نختلف جذريًا مع جماعة الإخوان المسلمين، ومع سياساتها، ومع خطابها، ومع الرئيس محمد مرسي، ومع الاعتصام نفسه.
لكن الاختلاف السياسي لا يمنح الدولة شيكًا على بياض لقتل المواطنين.
هذه هي النقطة التي يجب ألا تضيع وسط الاستقطاب.
حقوق الإنسان لا تُمنح لمن نتفق معهم فقط.
إذا كان الإنسان لا يستحق الحماية إلا عندما يكون من أنصارنا، فإننا لم نعد نتحدث عن حقوق، وإنما عن امتيازات سياسية.
ولهذا فإن الدفاع عن ضحايا رابعة لا يعني بالضرورة تبني مشروع الإخوان السياسي.
إنه يعني ببساطة رفض تحويل الدولة إلى آلة عقاب جماعي.
من المسؤول عن الدم؟
من السهل أن تتحول المأساة إلى خطاب شعاراتي يتحدث عن مؤامرات كبرى وأطراف خارجية، لكن التاريخ أكثر قسوة من الشعارات.
هناك مسؤوليات يمكن إثباتها بالوثائق والشهادات والتحقيقات، وهناك اتهامات سياسية تحتاج إلى أدلة.
أما المؤكد فهو أن قرار الفض كان قرارًا سياسيًا وأمنيًا بالغ الخطورة، وأن العملية انتهت بمقتل عدد كبير من المعتصمين، وأن السنوات التالية لم تشهد محاسبة شفافة ومستقلة تتناسب مع حجم الكارثة.
وهنا تكمن المأساة الثانية.
المجزرة لا تنتهي عندما يتوقف إطلاق النار؛ يمكن أن تستمر عندما يُدفن السؤال عن المسؤولين معها.
إلى الذين يريدون دفن رابعة
يمكن للسلطة أن تمنع صورة.
يمكنها أن تمنع تجمعًا.
يمكنها أن تمنع لافتة.
يمكنها أن تحاصر ميدانًا.
لكنها لا تستطيع أن تحاصر الذاكرة إلى الأبد.
فالذاكرة ليست حجرًا في شارع يمكن إزالته.
إنها روايات الأمهات، وأسماء القتلى، وصور الجنازات، وشهادات الناجين، والأسئلة التي يحملها أبناء الضحايا بعد سنوات.
وكلما حاولت السلطة أن تقول إن الصفحة أُغلقت، يعود السؤال نفسه:
من قتل هؤلاء؟ ولماذا؟ ومن سيحاسب؟
رابعة ليست ملكًا لجماعة
أرفض أن تُختزل رابعة في شعار حزبي أو تنظيمي.
رابعة ملك لكل أم فقدت ابنًا، ولكل أب فقد ابنته، ولكل إنسان يرى أن حياة الإنسان أكبر من موقعه السياسي.
وإذا كانت بعض القوى السياسية قد حاولت توظيف الدم سياسيًا، فهذا لا يبرر تجاهل الدم.
الضحية لا تفقد إنسانيتها لأننا لا نحب جماعتها السياسية.
وهذه قاعدة أخلاقية يجب أن تبقى فوق الصراع:
لا أحد يستحق الموت لأنه ينتمي إلى الطرف الخطأ.
ذاكرة لا تطلب الانتقام
بعد ثلاثة عشر عامًا، لا أريد لرابعة أن تكون دعوة إلى انتقام جديد.
أريدها أن تكون دعوة إلى العدالة.
فالعدالة أقوى من الانتقام، لأنها لا تبحث عن دم جديد، وإنما تبحث عن الحقيقة.
نريد تحقيقًا مستقلًا.
نريد تحديد المسؤوليات.
نريد معرفة سلسلة القرار والأوامر.
نريد معرفة ظروف مقتل الضحايا.
نريد محاسبة كل من تثبت مسؤوليته، أيًا كان منصبه.
ولا ينبغي أن تكون رتبة عسكرية، أو منصب سياسي، أو انتماء حزبي، حصانة أمام الحقيقة.
في ذكرى رابعة
أقف اليوم أمام ذاكرة رابعة لا باعتبارها ذكرى موت فقط، وإنما باعتبارها سؤالًا عن مصر التي نريدها.
مصر التي يصبح فيها المواطن مواطنًا قبل أن يكون إخوانيًا أو ليبراليًا أو يساريًا أو ناصريًا أو إسلاميًا.
مصر التي لا يكون فيها اختلاف الرأي جريمة تستحق الرصاص.
مصر التي تكون فيها المؤسسة العسكرية جيشًا للدولة، لا بديلًا عن الدولة.
ومصر التي لا يحتاج فيها المصري إلى أن يكون قويًا سياسيًا حتى يستحق حقه في الحياة.
لقد مضى عام بعد عام.
لكن الدم لا يملك ساعةً سياسية.
والعدالة لا تسقط بالتقادم في ضمير الشعوب.
رحم الله ضحايا رابعة وكل ضحايا العنف السياسي في مصر.
ولتبقَ رابعة سؤالًا مفتوحًا في وجه كل سلطة:
من أعطى الأمر؟ ومن قتل؟ ومن سيحاسب؟
سالم القطامي
14 أغسطس
