في المقابلة المطولة التي عُثر عليها في وثائق جيفري إبستين، يشرح المجرم المدان بالتحرش الجنسيفي المقابلة المطولة التي عُثر عليها في وثائق جيفري إبستين، يشرح المجرم المدان بالتحرش الجنسي واستغلال القاصرين، للإعلامي والمسؤول السابق في إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الأولى ستيف بانون، مفهومه عن الثروة. يبدي إبستين فهما عميقا لأسواق المال والأعمال، ومفهوما نخبويا عن الثروة، فيلقي باللوم في الأزمة المالية لعام 2008، على بيل كلينتون، الرئيس الديمقراطي الأسبق، لأنه حسب قول إبستين، خفف قواعد الرهن العقاري فسمح للفقراء الذين لا يمتلكون تصنيفا ائتمانيا جيدا بالحصول على قروض عقارية بضمان حكومي وشراء منازل ما كان لهم أن يمتلكوها أصلا، ثم انفجرت الفقاعة عندما عجزوا عن السداد.
يسأله بانون في نهاية المقابلة: "هل يتعين على المؤسسات الخيرية قبول تبرعاتك؟"، يرد إبستين: "يقول ديريك باك البروفيسور في هارفارد إن قبول الأموال من أجل أعمال خيرية أمر جيد". يسأله بانون مجددا: "هل ثروتك هي أموال قذرة؟"، يرد إبستين: "لا ليست كذلك. يسأل بانون مرة أخرى: لماذا لا تعتبرها قذرة؟ فيرد إبستين: "لأنني كسبتها بتعبي". يرد بانون: "لقد كسبتها من خلال تقديم النصح لأسوأ أنواع البشر في العالم وهم يقترفون أمورا سيئة للغاية، هذا ما يجعلها أموالا قذرة"، ثم يجيب بانون في ما يعتبره غطاء أخلاقيا لجرائمه، التي كانت حتى ذلك العام قاصرة على إدانته وسجنه بتهمة تسهيل الدعارة في عام 2009: "عليك أن تسأل أمهات الأطفال في باكستان والهند اللواتي يتلقى أطفالهن لقاح شلل الأطفال من تبرعاتي، إذا ما كان يتعين عليهن قبول هذه الأموال أم لا".
ربما يختزل ذلك المقطع الأخير مفهوما براغماتيا عن الثروة التي تتولد وتتكاثر من أعمال غير مشروعة وعلاقات متشابكة مع رموز السلطة والمال عالميا، لكنها في الوقت نفسه تحتفظ بشقها الإحساني Philanthropy. حسب ذلك المفهوم الذارائعي، لا يهم مصدر المال طالما أنه لم يُضبط متلبسا بجرم تحت طائلة القانون، لكن المهم هو قدرة المال القذر على غسل نفسه من خلال شبكة العلاقات وأفعال البر. لذلك كانت مساهمات إبستين العديدة في تمويل الجامعات والبحث العلمي ومراكز البحث السياسي.
لم يحصل إبستين المولود في عام 1953 على شهادة جامعية، فعمل مدرسا للحساب في نيويورك، لكنه وبفضل دعم والد أحد تلاميذه حصل على وظيفة في وول ستريت، متعاملاً Trader، ومثل ذلك بداية الطريق الذي مكنه من تكوين ثروة بلغت قيمتها عند موته/انتحاره في مركز للشرطة بنيويورك عام 2019 حوالي 600 مليون دولار.
رغم ذلك لم يكن إبستين خلال مسيرته في وول ستريت، متعاملا عاديا ولا بارعا، فقد كان طموحه أن يتخصص في إدارة ثروات الأغنياء فقط، لذلك لم تستمر رحله عمله مع شركة "بير ستيرنز" طويلا، فقد بدأت في 1976 وانتهت في 1981 عندما أسس شركة خاصة تحمل اسمه، وبدأ يعزز علاقاته في كل المجالات التي جعلت بيته ودائرته نقطة جذب للمشاهير والأثرياء والسياسيين من كل أنحاء العالم. استهدفت شركته الجديدة ثروات المليارديرات لإدارتها وكان نجاحه الأكبر هو استقطاب الملياردير ليزلي وازنر، مؤسس ورئيس مجموعة L Brands التي كانت تملك أسماء شهيرة منها "فيكتورياس سيكريتس". كانت علاقة الطرفين التي استمرت قرابة 7 سنوات أهم تحول في حياة إبستين ليسقط في غرام الثروة والنفوذ والانحراف، وفي تلك الفترة تملك عدة عقارات في نيويورك وفلوريدا وباريس وجزر العذراء، واستقل الطائرات الخاصة وبدأت تجمعه العلاقات برؤساء الدول والحكومات وعمالقة صناديق الثروات.
هؤلاء من أوصى إبستين بتوزيع ثروته عليهم
قبل انتحاره في محبسه في نيويورك، وقع إبستين وصية لتوزيع ثروته، التي كانت تقدر وقتها بـ600 مليون دولار، وخص فيها صديقته كارينا شوياك، التي كان يعتزم تزوجها، بحصة كبيرة منها، إضافة إلى 39 اسما آخر بينها شقيقه مارك وصديقته السابقة غيزيل ماكسويل التي تقضي عقوبة السجن 20 عاما بعد إدانتها بجرائم جنسية.
وتقول الوثيقة التي وقعها إبستين وتحمل اسم "صندوق 1953 الائتماني" إشارة إلى سنة ميلاده، إن شوياك ستحصل على 100 مليون دولار من تركته، تقسم إلى معاش سنوي بقيمة 50 مليون دولار لمصلحتها وجزء كبير من ممتلكاته، التي تم بيع القسم الأكبر منها لسداد التعويضات.
أما المستفيدان الرئيسيان إلى جانب شوياك، فهما محاميه الشخصي دارين إنديك، ومحاسبه الخاص، ريتشارد كان. ونصّ الصندوق على أن يحصل إنديك على 50 مليون دولار، وأن يحصل كان على 25 مليون دولار. ويتولى الرجلان مسؤولية الإشراف على تركة إبستين وتنفيذ وصيته.
ويظهر اسم شولياك، وهي من مواليد بيلاروسيا، مراراً في الوثائق التي أصدرتها وزارة العدل. وتُظهر الملفات أنها كانت تعرف إبستين منذ عام 2012 على الأقل. وقد ساعدها إبستين في دفع تكاليف دراس
تها في كلية طب الأسنان، ويُعتقد أنها تقيم في مدينة نيويورك.
نخبة عريضة بارزة عالميا استمرأت كل هذا الحضيض الأخلاقي والمروق القيمي والانفلات القانوني واعتادته وتطبعت معه واستغفلت مجتمعاتها وأنظمتها ومؤسساتها، وامتنعت في فضاءاتها الواقعة "خارج نطاق التغطية" عن تشغيل المبادئ، وتنزيل الشعارات والتقيد بالقانون.ترسم هذه الفضائح تصورا تقريبيا نادرا عن نمط عيش مجتمع "الواحد في المائة"، الذي تمثله العينة المكثفة المشار إليها في تقارير إبستين المعدودة بالملايين، كما تفصح عنها وزارة العدل الأمريكية بالقطارة.تبين للأنظار كيف يدير رجال النخبة المحظية ونساؤها نمط حياة منفلت العقال يتجاوز توقعات "مجتمع الـ 99%"، حسب تعبير معتصمي حركة "احتلوا وول ستريت" التي نشطت في ميادين نيويورك في خريف 2011.
على أن فضائح إبستين تمثل عينة من واقع مستتر قد يختزن بؤرا أخرى من حيث لم يحتسب أحد، وحق للخيالات الخصبة اليوم، مع كافكا أو بدونه، أن لا يحدها حد في تخمين ما هو كائن في فضاءات المحجوب من وقائع أخرى مذهلة على هذا النحو أو سواه.
فثمة انزلاقات خارج مجال الرؤية يتواطأ العارفون بها والضالعون فيها على سترها رغم أنها في حكم المعلَن في أوساطهم، فكيف يستقيم في حالة إبستين أن المخازي المارقة كانت سرا مطبقا، وقد تورط بها كل هؤلاء الواقعين والواقعات تحت الأضواء؟
من بواعث الصدمة في هذه القضية أنها ليست فضيحة فرد آثم استبدت به نزوة عابرة في مخبأ ما؛ فهي حكاية تواطؤات متواترة ومتشابكة عبر أطياف من النخب المتصدرة في حقول شتى على مدار ألف ليلة وليلة استغفلت الأمريكيين وشعوب الأرض.
فما جرى في حضرة إبستين استغرق ردحا من زمن مديد ناهز جيلا في تبدلات الأعمار، دون أن يتفوه أحدهم أو إحداهن من تلكم الجمهرة الغفيرة بكلمة إفصاح، أو أن يتحرك ضميره باعتراف علني في بؤرة العالم الحديث قبل أن تخرج هذه الملفات إلى العلن لتصفع مزاعم "الشفافية" وادعاءات "الإفصاح" وفاعلية "دولة القانون".
ثمة عظة شبيهة نسبيا مستقاة من سنة 2017 عندما انفجرت فضيحة هارفي واينستين، ديناصور هوليود المتنفذ، فقد اتضح حينها سريعا أن الصفوة الفنية والمالية والمجتمعية التي ترتع في حفلات الاستقبال وتنهض للتصفيق في فعاليات الأوسكار، وبعض النخبة السياسية من حولها أيضا، تواطأت على التغافل عما اقترفه وحش السينما سنين مديدة من استغلال بشع لفتيات طامحات إلى مجد الشاشات التي يملك المنتج الشهير مفتاحها.
انفجرت الفضيحة بعد أن تضخمت وقائعها وملفاتها فتخطت عوائق البوح وكوابح الإفصاح وتجاوزت ترهيب المتنفذين في المجتمع والمال والإعلام، ضحايا الاستغلال المتوحش.
انطلقت يومها حملة البوح الجماعي المسماة "أنا أيضا" أو "MeToo" التي فضحت تقاليد الاستغلال والتحرش المستشرية في الفن والسينما والإعلام والثقافة والحياة البرلمانية على جانبي الأطلسي، ولم يسلم منها البرلمان الأوروبي المكلل بشعارات أخلاقية وضوابط صارمة بشأن استغلال النساء والفتيات.
كشف ذلك الموسم عن سلوك التجاهل المطبق إزاء تجاوزات رائجة مسكوت عنها، وعن استشراء تقاليد التغافل عن انتهاكات مريعة تجري في مراتب النخبة ضمن مجتمعات حديثة "حرة" ومكللة بشعارات تتذرع بالمرأة.
ثمة محجوب آخر على هذا المنوال تتكشف ذيوله في كل موسم، عن ملاذات الأموال الطائلة التي تستتر بها نخبة العالم في المغارب والمشارق عن الأنظار، مثل تسريبات "أوراق بنما" سنة 2016 و"أوراق باندورا" سنة 2021، وغيرها من التفاصيل التي تنفجر في وجه شعوب مقهورة وطبقات مسحوقة دون أن يتغير الواقع بعدها جوهريا.
وقد نقلت صحيفة نيويورك تايمز عن دانيال وينر، محامي التركة، إن أيا من المستفيدين من وصية إبستين لن يحصل على أموال التركة "ما لم تُسدَّد أولاً وبالكامل جميع الديون والمطالبات على التركة، بما في ذلك مطالبات التعويض المقدَّمة من النساء اللواتي تعرّضن لإساءة على يد السيد إبستين".
وتشير مذكرة قضائية حديثة إلى أن ثروة إبستين قد تقلصت إلى ما يُقدر بـ 120 مليون دولار في الوقت الراهن. لكن من الممكن أن تكون التركة أكبر قيمة، لأن عدداً من استثمارات رأس المال المغامر لا يزال مُقيَّماً وفق قيمته عند وفاته عام 2019. وأسس محامي إبستين ومحاسبه الشخصي، صندوقا لتعويض الضحايا بقيمة 121 كما دفعت التركة قرابة 50 مليون دولار تعويضات إضافية لضحايا الاعتداءات الجنسية المنسوبة إلى إبستين. واستغلال القاصرين، للإعلامي والمسؤول السابق في إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الأولى ستيف بانون، مفهومه عن الثروة. يبدي إبستين فهما عميقا لأسواق المال والأعمال، ومفهوما نخبويا عن الثروة، فيلقي باللوم في الأزمة المالية لعام 2008، على بيل كلينتون، الرئيس الديمقراطي الأسبق، لأنه حسب قول إبستين، خفف قواعد الرهن العقاري فسمح للفقراء الذين لا يمتلكون تصنيفا ائتمانيا جيدا بالحصول على قروض عقارية بضمان حكومي وشراء منازل ما كان لهم أن يمتلكوها أصلا، ثم انفجرت الفقاعة عندما عجزوا عن السداد.
يسأله بانون في نهاية المقابلة: "هل يتعين على المؤسسات الخيرية قبول تبرعاتك؟"، يرد إبستين: "يقول ديريك باك البروفيسور في هارفارد إن قبول الأموال من أجل أعمال خيرية أمر جيد". يسأله بانون مجددا: "هل ثروتك هي أموال قذرة؟"، يرد إبستين: "لا ليست كذلك. يسأل بانون مرة أخرى: لماذا لا تعتبرها قذرة؟ فيرد إبستين: "لأنني كسبتها بتعبي". يرد بانون: "لقد كسبتها من خلال تقديم النصح لأسوأ أنواع البشر في العالم وهم يقترفون أمورا سيئة للغاية، هذا ما يجعلها أموالا قذرة"، ثم يجيب بانون في ما يعتبره غطاء أخلاقيا لجرائمه، التي كانت حتى ذلك العام قاصرة على إدانته وسجنه بتهمة تسهيل الدعارة في عام 2009: "عليك أن تسأل أمهات الأطفال في باكستان والهند اللواتي يتلقى أطفالهن لقاح شلل الأطفال من تبرعاتي، إذا ما كان يتعين عليهن قبول هذه الأموال أم لا".
ربما يختزل ذلك المقطع الأخير مفهوما براغماتيا عن الثروة التي تتولد وتتكاثر من أعمال غير مشروعة وعلاقات متشابكة مع رموز السلطة والمال عالميا، لكنها في الوقت نفسه تحتفظ بشقها الإحساني Philanthropy. حسب ذلك المفهوم الذارائعي، لا يهم مصدر المال طالما أنه لم يُضبط متلبسا بجرم تحت طائلة القانون، لكن المهم هو قدرة المال القذر على غسل نفسه من خلال شبكة العلاقات وأفعال البر. لذلك كانت مساهمات إبستين العديدة في تمويل الجامعات والبحث العلمي ومراكز البحث السياسي.
لم يحصل إبستين المولود في عام 1953 على شهادة جامعية، فعمل مدرسا للحساب في نيويورك، لكنه وبفضل دعم والد أحد تلاميذه حصل على وظيفة في وول ستريت، متعاملاً Trader، ومثل ذلك بداية الطريق الذي مكنه من تكوين ثروة بلغت قيمتها عند موته/انتحاره في مركز للشرطة بنيويورك عام 2019 حوالي 600 مليون دولار.
رغم ذلك لم يكن إبستين خلال مسيرته في وول ستريت، متعاملا عاديا ولا بارعا، فقد كان طموحه أن يتخصص في إدارة ثروات الأغنياء فقط، لذلك لم تستمر رحله عمله مع شركة "بير ستيرنز" طويلا، فقد بدأت في 1976 وانتهت في 1981 عندما أسس شركة خاصة تحمل اسمه، وبدأ يعزز علاقاته في كل المجالات التي جعلت بيته ودائرته نقطة جذب للمشاهير والأثرياء والسياسيين من كل أنحاء العالم. استهدفت شركته الجديدة ثروات المليارديرات لإدارتها وكان نجاحه الأكبر هو استقطاب الملياردير ليزلي وازنر، مؤسس ورئيس مجموعة L Brands التي كانت تملك أسماء شهيرة منها "فيكتورياس سيكريتس". كانت علاقة الطرفين التي استمرت قرابة 7 سنوات أهم تحول في حياة إبستين ليسقط في غرام الثروة والنفوذ والانحراف، وفي تلك الفترة تملك عدة عقارات في نيويورك وفلوريدا وباريس وجزر العذراء، واستقل الطائرات الخاصة وبدأت تجمعه العلاقات برؤساء الدول والحكومات وعمالقة صناديق الثروات.
هؤلاء من أوصى إبستين بتوزيع ثروته عليهم
قبل انتحاره في محبسه في نيويورك، وقع إبستين وصية لتوزيع ثروته، التي كانت تقدر وقتها بـ600 مليون دولار، وخص فيها صديقته كارينا شوياك، التي كان يعتزم تزوجها، بحصة كبيرة منها، إضافة إلى 39 اسما آخر بينها شقيقه مارك وصديقته السابقة غيزيل ماكسويل التي تقضي عقوبة السجن 20 عاما بعد إدانتها بجرائم جنسية.
وتقول الوثيقة التي وقعها إبستين وتحمل اسم "صندوق 1953 الائتماني" إشارة إلى سنة ميلاده، إن شوياك ستحصل على 100 مليون دولار من تركته، تقسم إلى معاش سنوي بقيمة 50 مليون دولار لمصلحتها وجزء كبير من ممتلكاته، التي تم بيع القسم الأكبر منها لسداد التعويضات.
أما المستفيدان الرئيسيان إلى جانب شوياك، فهما محاميه الشخصي دارين إنديك، ومحاسبه الخاص، ريتشارد كان. ونصّ الصندوق على أن يحصل إنديك على 50 مليون دولار، وأن يحصل كان على 25 مليون دولار. ويتولى الرجلان مسؤولية الإشراف على تركة إبستين وتنفيذ وصيته.
ويظهر اسم شولياك، وهي من مواليد بيلاروسيا، مراراً في الوثائق التي أصدرتها وزارة العدل. وتُظهر الملفات أنها كانت تعرف إبستين منذ عام 2012 على الأقل. وقد ساعدها إبستين في دفع تكاليف دراستها في كلية طب الأسنان، ويُعتقد أنها تقيم في مدينة نيويورك.
وقد نقلت صحيفة نيويورك تايمز عن دانيال وينر، محامي التركة، إن أيا من المستفيدين من وصية إبستين لن يحصل على أموال التركة "ما لم تُسدَّد أولاً وبالكامل جميع الديون والمطالبات على التركة، بما في ذلك مطالبات التعويض المقدَّمة من النساء اللواتي تعرّضن لإساءة على يد السيد إبستين".
وتشير مذكرة قضائية حديثة إلى أن ثروة إبستين قد تقلصت إلى ما يُقدر بـ 120 مليون دولار في الوقت الراهن. لكن من الممكن أن تكون التركة أكبر قيمة، لأن عدداً من استثمارات رأس المال المغامر لا يزال مُقيَّماً وفق قيمته عند وفاته عام 2019. وأسس محامي إبستين ومحاسبه الشخصي، صندوقا لتعويض الضحايا بقيمة 121 كما دفعت التركة قرابة 50 مليون دولار تعويضات إضافية لضحايا الاعتداءات الجنسية المنسوبة إلى إبستين.ولا ينفك منحى انفجار الوقائع المذهلة في وجوه الشعوب عن الظاهرة الشبكية المستجدة التي سمحت بتخطي احتكار الحكومات والصناعة الإعلامية، امتياز البث الجماهيري الواسع، فأوجدت أوساطا نشطة تصنع الاهتمامات وتتفاعل على نحو لم تَحزه البشرية من قبل.
كانت لحظة انبثاق "ويكيليكس" سنة 2006 إيذانا بدخول عالمنا حقبة التسريبات المدوية التي كشفت عن عالم مستتر له لغته وتعبيراته وانزلاقاته التي تتجنب الأضواء، وكان على جوليان أسانج أن يطارد ويعاقب؛ لأنه اجترأ على تمكين جماهير الأرض من استراق السمع عبر جدران غليظة.
يحمل أحدهم مصباح المخبر فيضيء به نطاقات معتمة من المحجوب لنكتشف عبر حافظة بياناته عالما مستترا لا يوافق ظاهره، فتتجلى بعض الشخصيات المرموقة عالميا في هيئة مسوخ تحولت عن هيئتها الرصينة المعهودة في المشاهد المصورة.
ولما عدت قضية إبستين حزمة فضائح بحيالها تلطخ صفوة الصفوة المتنفذة عالميا، فإن هذا يحيل التدبر الواجب إلى مفهوم الفضيحة ذاته، من حيث إنها انكشاف واقع مطمور أو مستتر، فالمستجد هو معرفة الجمهور بالمحجوب لا وجود الواقع المحجوب الذي جرى إدراكه على نحو متأخر. على أن ما يتسرب من فضاءات المحجوب يبقى بعضا من كل، ما يشير إلى أن ما يتراءى للعيان لا يتعدى قمة جبل الجليد تقريبا.
أبانت فضائح إبستين عن تقاليد الحجب، التي تنغلق بمقتضاها ممارسات شائنة على أوساطها، فتلوذ بمكان موصَد يتيح تصميم عالم خاص بأولئك المحظيين والمحظيات، منقطع عن مشهود جماهيرهم، فيتخذ القوم ملاذا لهم في قصر مسور أو جناح فندقي محروس بعناية، أو في جزيرة محاطة بالماء من كل صوب؛ منعا لاستراق الأسماع أو تلصص الأبصار.
وقد تتفشى الخطيئة المتواطأ عليها حتى في أديرة تحتجب عن مشهود بيئاتها، كما تبين من واقع فضائح هوَت بادعاءات الفضيلة والرفعة الأخلاقية لنخبة كهنوتية آثمة ومتسلطة يفترض أنها منقطعة للعبادة الخالصة.
وللصفوة المحظية المتعالية فضاءات خصصتها للانقطاع بما ترغب عن دنيا الناس، وقد تريدها فردوسا أرضيا لنزواتها الجامحة. ومن شأن هذا الانقطاع عن المشهود أن يربك الأنظمة التي يرعاها بعض هؤلاء أو يعلنون الامتثال لها أو يحاسبون غيرهم على أدنى مما يقترفونه، فنظام الرقابة والمساءلة الأرضي له نطاقات لا يتخطاها، ما يتيح انفلات الممارسات الشائنة من عقالها خارج سلطانه، مثل سفينة تلقي بمواد ملوثة في أعالي البحار لغياب كاميرات المراقبة عن سطح الماء.
يتعين الانتباه إلى أن الأمم الديمقراطية الحديثة لم تتجاوز تقاليد انقطاع نخبتها المتنفذة عن الجماهير في فضاءات خاصة، وقد تجتمع في بعضها صفوة القرار والتأثير على نحو يمثل اجتماعا احتكاريا للثروة والسلطة في رواق واحد أحيانا؛ كما يحصل مثلا لا حصرا في اجتماعات "مؤتمر بيلدربيرغ" السنوية المثيرة للجدل التي تلتزم التكتم الشديد على وقائعها، وهذا غيض من فيض الأمثلة المعروفة التي لا حاجة إلى "نظريات مؤامرة" للتعرف عليها.
إن معرفة العالم بعد فضائح إبستين بمدى الانحطاط المذهل الكامن في المحجوب عن أنظار الجماهير لا يجعل هذا الواقع طارئا أو مستجدا، فالطارئ هو الإحاطة بالواقع- أو بعضه على وجه التدقيق- والمستجد هو تجاوز حالة جهل به لا بغيره.
يجدر اعتبار ملفات إبستين لحظة كاشفة لعينة مكثفة من واقع المحجوب العالمي أو بعضه في مستويات النخب التي تكتنز الامتيازات المركزة، وهي تشير إلى وهم الامتثال المبدئي والرفعة القيمية والامتياز الأخلاقي في عالمنا إن اكتفى البشر باحتساب ما يتجلى للعيان في الفضاء المشهود وحده الذي لا يبرأ هو الآخر من المثالب.
لنتخيل ما كانت تفعله النخبة الاستعمارية في مستعمرات قاصية عن المراكز مثلا، فأي انفلات كان يجري حينها في غياب التوثيق والتصوير والشبكات؟! لم يبرأ واقع النخبة المتصدرة عالميا من هذا المروق الشائن، وقد رصدت كتب ودراسات وروايات منقولة أقساطا مرعبة منه، لكن عالمنا اليوم يمنح إطلالات غير مسبوقة نسبيا على بعض الواقع المتواري، ففيه كاميرات تلتقط وأجهزة تختزن وشبكات تحمل بعض المخبوء إلى جماهير الأرض.وعلى هذا المنوال ما زالت نخب متصدرة في منظمات "إنسانية" و"خيرية" مرموقة، مكللة بضوابط "الحوكمة" و"مواثيق الشرف"، تتواطأ على اقتراف انتهاكات استغلالية، بعضها موثق في تقارير منشورة، بحق مجتمعات "المستفيدين من خدماتها" في بيئات البؤس البعيدة عن مراكزها في الشمال الغربي، حسب تقارير متضافرة يدفع بها كل موسم.
تخطئ الاستنتاجات إن اعتبرت ملفات إبستين تعبيرا عن انحطاط مستجد، فالمعرفة بفحواها المذهلة هي التي طرأت، لا أكثر، وهي معرفة قاصرة ومبتورة ومتأخرة ببؤرة واحدة من بؤر شتى يختزنها واقع المحظيين المتنفذين في عالم يخذل قيمه المرفوعة وشعاراته المعلنة. خلاصة الاستنتاج أن واقع النخبة العالمية المتنفذة لم يسقط في بئر الخطيئة أخيرا، فهو قابع في قعرها أساسا.
600 مليون دولار جمعها بطرق ملتوية ووزعها في وصية مكتوبة