حققت مخطوطة قرآنية نادرة ترتبط بمكتبة الإمبراطور المغولي أكبر مبلغ في مزاد دار «سذبيز» بلندن، ب863,600 جنيه إسترليني ، أي أكثر من 14 ضعف أعلى تقدير لها، بعد مزايدة استمرت 15 دقيقة.
وتعود المخطوطة إلى أواخر القرن السادس عشر، وتجمع النص القرآني مع ثمانية تفاسير، وتحمل أختاماً ونقوش فحص تتيح للباحثين تتبع مسارها داخل المكتبة المغولية عبر أجيال متعاقبة.
هذا وعُرضت المخطوطة، المكونة من 4 مجلدات، كقطعة افتتاحية في مزاد «سذبيز» لفنون العالم الإسلامي والهند الذي أقيم بتقدير يتراوح بين 40 و60 ألف جنيه إسترليني. وبلغ السعر النهائي، بعد احتساب علاوة المشتري، 863,600 جنيه، متجاوزاً التوقعات بفارق كبير، وفق ما نشره موقع «تايمز أوف إنديا» استناداً إلى تقرير الدار بعد المزاد.
مخطوطة بختم المغول
فيما أفادت سجلات كتالوج الدار بأن المخطوطة كانت في حيازة الإمبراطور أكبر (1542–1605) بحلول عام 1602، وهو الذي حكم من عام 1556 حتى وفاته، ما يثبت ارتباطها بالمكتبة الإمبراطورية في عهده. وبقيت بعد ذلك ضمن المجموعة الملكية بالتوارث حتى عهد محمد شاه، إذ يؤرخ الكتالوج هذه المرحلة بنحو 1717–1727، قبل أن تصبح في أوائل السبعينيات ملكاً لدبلوماسي من الشرق الأوسط في المملكة المتحدة.
في حين حفظت الصفحات الأخيرة بعضاً من أوضح الأدلة على ماضي المخطوطة، فالمجلد الرابع حمل انطباعات أختام مرتبطة بأمناء المكتبة المغولية، إلى جانب نقوش تسجل عمليات فحص العمل.
بينما ظهرت بعض هذه العلامات ملطخة أو واضحة جزئياً، لكن ما نجا منها ساعد الباحثين على تتبع تاريخ المخطوطة عبر العهود المتعاقبة.
مصحف من زمن المغول مذهب ونادر - مزاد سذبيز بلندن
ويعود أبرز الأختام إلى محمد يوسف، أمين المكتبة الذي نشط في أواخر عهد أكبر وأوائل عهد خليفته جهانجير، وحمل تاريخاً يوافق السنة الملكية السادسة والأربعين لأكبر.
كما ضمت الصفحة ختماً مرتبطاً بشاه جهان، ونقشاً فوق إحدى ملاحظات الفحص يشير إلى الإمبراطور عالمجير المعروف باسم أورنكزيب، إضافة إلى أختام تعود إلى فترة محمد شاه. وتدل هذه العلامات مجتمعة على أن المخطوطة فُحصت وحُفظت ضمن تقاليد المكتبة المغولية جيلاً بعد جيل، ولم يكن ارتباطها بالإمبراطورية مجرد نسبة لاحقة.
تفاسير وزخارف ذهبية
إلى ذلك، تميزت المخطوطة بأنها تجمع النص القرآني مع ثمانية تفاسير، وهي شروح علمية توضح معاني الآيات وتفصّل دلالاتها، ما يضم قروناً من الجهد العلمي باللغتين العربية والفارسية. وتمتد هذه الأعمال نحو خمسة قرون وصولاً إلى عهد أكبر، وتشمل أعمالاً لعلماء مؤثرين مثل القشيري والبغوي والزمخشري والبيضاوي، إضافة إلى عالمين مرتبطين بتفسير الجلالين.
أما من حيث الصنعة، فقد كُتبت المخطوطة على ورق مرشوش بالذهب، وتتألف من أربعة مجلدات تضم مئات الأوراق، ويبلغ عددها الإجمالي وفق «سذبيز» ما يقارب ألف ورقة. ويظهر النص القرآني بخط النسخ الأسود العريض، تصحبه ترجمة فارسية بين السطور بخط النستعليق الأحمر.
وفصلت بين الآيات دوائر ذهبية مزينة بنقاط حمراء وزرقاء، بينما تظهر عناوين السور بحروف بيضاء على خلفية ذهبية داخل لوحات زخرفية ملونة. وأطرت النص خطوط ذهبية وحمراء وزرقاء وسوداء، وزينت الهوامش زخارف نباتية مذهبة. وشغل التفسير الهوامش الأربعة المحيطة بالنص القرآني مع إبراز الكلمات الرئيسية باللون الأحمر، وتميزت صفحات الافتتاح بتذهيب بديع منه زخارف دائرية ذهبية تعرف بالشموس، وغلف كل مجلد جلد بني مزخرف بالذهب.
تفسير نادر وفرضية
ومن بين التفاسير الثمانية برز «التفسير المحمدي» لندرته، وهو من تأليف العالم الصوفي الكيشستي الغوجاراتي الشيخ حسن محمد بن الشيخ أحمد ميانجي كيشستي، المتوفى عام 1575. ووفق كتالوج «سذبيز» لا يُعرف أن هذا التفسير نجا في نسخ مخطوطة أخرى، ما يجعل وجوده إلى جانب سبعة أعمال معروفة على نطاق واسع أمراً غير معتاد.
وقضى حسن محمد كيشستي جزءاً كبيراً من حياته المهنية برعاية حكام غوجارات قبل أن يضم أكبر الإقليم عام 1573، وارتبط اسمه بمسجد حسن محمد كيشستي في أحمد آباد الذي بُني في 1565–66. ولأن اهتمام أكبر بالتصوف الكيشستي موثق جيداً، طرحت «سذبيز» فرضية أن تكون المخطوطة أُنتجت في ورشة إمبراطورية، وهي المشغل الذي كانت تُنسخ فيه المخطوطات وتُعدّ للبلاط، إما في حياة العالم أو بعد وفاته بوقت قصير.
ويكتسب التأريخ أهمية خاصة، فختم أمين مكتبة أكبر يثبت وجود المخطوطة بحلول 1602، أي بعد 27 عاماً فقط من وفاة حسن محمد كيشستي، غير أن الكتالوج يقدم الصلة الإمبراطورية فرضية وليس رواية مؤكدة لمكان صنع المخطوطة.
مخطوطة قرآنية نادرة - مزاد دار «سذبيز» بلندن
وكان بيع المخطوطة جزءاً من مزاد حقق إجمالاً قدره 10,088,793 جنيه إسترليني مقابل تقدير مسبق بين 4.4 و6.6 مليون جنيه، وبيع ما يزيد قليلاً على نصف القطع بأعلى من تقديراتها العليا بمشاركة مزايدين من 25 دولة. وجاء القرآن بين أبرز النتائج إلى جانب زوج من المسدسات المزينة بالفضة المصنوعة لتيبو سلطان، بيع بنحو 1.1 مليون جنيه مقابل تقدير بين 60 و80 ألفاً.
وتبقى أهمية المخطوطة أبعد من سعرها، فصفحاتها تحفظ مزيجاً من الدراسات الدينية والترجمة الفارسية وصناعة الكتاب المعقدة وأدلة الملكية الملكية، وتربط الأختام وملاحظات الفحص جسماً باقياً بالأشخاص والمؤسسات التي تعاملت معه. وبعد أكثر من أربعة قرون على دخولها مكتبة أكبر، عادت المخطوطة إلى الواجهة في قاعة مزادات دولية، حيث ساعد محتواها الغني وتاريخها المغولي الموثق في جعلها من أبرز قطع المزاد