الخطايا العشر للزند… ملك الفِشَر
بعد ثلاثة عشر عامًا: حين يعود المقال القديم ليفتح ملفًا لم يُغلق
بقلم: سالم إسماعيل القطامي
رحل أحمد الزند.
وفي لحظة الرحيل، لا أستعيد الرجل لأشمت في الموت؛ فالموت نهاية محتومة لكل إنسان، ولا يملك أحد أن يجعل من وفاة خصمه مناسبةً للتشفي. وإنما أستعيد مواقفه وسجله العام، لأن الأشخاص يموتون، أما ما تركوه من مواقف وآثار في المجال العام فيظل خاضعًا للنقد والتقييم.في السادس والعشرين من سبتمبر 2026، أُعلن وفاة المستشار أحمد الزند، وزير العدل الأسبق ورئيس نادي قضاة مصر السابق، عن عمر ناهز الثمانين عامًا. وقد تولى رئاسة نادي القضاة في مرحلة شديدة الاستقطاب السياسي، ثم أصبح وزيرًا للعدل عام 2015 قبل إعفائه من منصبه في مارس 2016.لكنني، وأنا أتابع خبر رحيله، تذكرت مقالًا كتبته قبل ثلاثة عشر عامًا، حمل عنوانًا صاخبًا بقدر صخب المرحلة:
الخطايا العشر للزند… ملك الفِشَر».كان ذلك زمنًا مختلفًا، لكن بعض الأسئلة التي طرحها المقال لم تمت بموت صاحبها.
بل ربما أصبح من حق التاريخ الآن أن يعيد طرحها بهدوء أشد، وبوثائق أكثر، بعيدًا عن ضجيج اللحظة.
الخطية الأولى: تسييس موقع القاضي كان أحد أبرز الاعتراضات التي وجهتها إلى الزند هو ما رأيته آنذاك خروجًا بالقضاء من وظيفته الطبيعية إلى قلب الصراع السياسي.فالقاضي، في التصور الديمقراطي، ليس لاعبًا في المنافسة السياسية، وإنما يفترض أن يكون جزءًا من مؤسسة يفصل استقلالها بين الخصوم ويحميها من الاستقطاب.وهنا كان السؤال الذي طرحته قبل ثلاثة عشر عامًا:
ماذا يحدث عندما يتحول صوت القاضي إلى صوت سياسي؟
الخطية الثانية: معركة النائب العام من الملفات التي تناولها المقال القديم قضية المستشار عبد المجيد محمود، التي كانت جزءًا من الصراع الكبير حول منصب النائب العام بعد ثورة يناير.
لم تكن المسألة بالنسبة لي مجرد اسم شخص أو منصب قضائي؛ وإنما كانت سؤالًا أكبر:من يملك حق إدارة مؤسسات العدالة في الدولة الانتقالية؟وهل يكون ذلك عبر المؤسسات الدستورية والقانونية، أم عبر موازين القوى والضغط السياسي؟الخطية الثالثة: تفويض القوات المسلحة ومن أكثر النقاط التي أثرتها في المقال القديم ما نسبته إلى الزند من الدعوة إلى تفويض القوات المسلحة لإدارة شؤون البلاد.وهذه ليست مسألة هامشية.ففي أي دولة، العلاقة بين المؤسسة العسكرية والسلطة المدنية المنتخبة ليست تفصيلًا سياسيًا عابرًا؛ إنها إحدى القضايا الأساسية المتعلقة بطبيعة النظام السياسي نفسه.الخطية الرابعة: نادي القضاة والحسابات وتوقفت في المقال القديم عند قضية مراجعة الجهاز المركزي للمحاسبات لحسابات نادي القضاة.وهنا ينبغي اليوم، بعد ثلاثة عشر عامًا، أن نفرق بين الادعاء السياسي وبين ما يمكن إثباته بوثيقة أو حكم أو تقرير رسمي.فالاختلاف السياسي لا يكفي وحده لإدانة أحد، كما أن شبهة المخالفة لا تصبح حقيقة لمجرد تكرارها.ولهذا فإن إعادة نشر المقال اليوم يجب أن تكون فرصة لإعادة فحص كل نقطة منه في ضوء الوثائق المتاحة.الخطية الخامسة: حدود العمل القضائي
السؤال الخامس كان عن الحدود الفاصلة بين العمل القضائي والعمل السياسي.فحين يدخل القاضي إلى المجال العام، يصبح السؤال أكثر حساسية:هل يتحدث بصفته الشخصية، أم بصفته ممثلًا لمؤسسة يفترض فيها الحياد؟وهذه المسألة لم تكن تخص أحمد الزند وحده، وإنما كانت جزءًا من أزمة أكبر عاشتها الدولة المصرية بعد يناير.الخطية السادسة: الصراع مع السلطة المنتخبةكان الزند أحد أبرز الأصوات القضائية التي دخلت في مواجهة سياسية مع جماعة الإخوان المسلمين وحكم الرئيس محمد مرسي.واليوم، وبعد مرور أكثر من عقد، يمكن قراءة تلك المرحلة باعتبارها واحدة من أكثر مراحل التاريخ المصري الحديث استقطابًا بين مؤسسة القضاء والسلطة التنفيذية والقوى السياسية.لكن التاريخ لا ينبغي أن يكتب بمنطق:«كان معنا، إذن كان على حق»ولا بمنطق:«كان ضدنا، إذن كان على باطل».بل بالسؤال عن الوقائع والقانون والدستور والممارسة الفعلية.الخطية السابعة: الحنين إلى ما قبل ينايرومن النقاط التي حملها مقالي القديم اتهام الزند بالدفاع عن عودة ممارسات وشبكات النظام السابق.وهذه النقطة تحتاج اليوم إلى قراءة أكثر تدقيقًا.القول إن شخصًا «يريد عودة النظام السابق» يحتاج إلى أدلة على مواقفه وتصريحاته وتحالفاته، لا إلى مجرد الاستنتاج السياسي.لكن الثابت أن الزند كان من أبرز الوجوه المناهضة لحكم الإخوان، وأنه أصبح لاحقًا وزيرًا للعدل في نظام ما بعد 2013.
الخطية الثامنة: ما الذي كان يخشى أن تكشفه الرقابة؟
كانت عبارتي القديمة أكثر حدة من اللازم، وربما أكثر اندفاعًا مما أقبل به اليوم.
لقد تحدثت آنذاك عن «أمور» في نادي القضاة وطرحت سؤال الرقابة المالية.
أما اليوم فأعيد صياغة السؤال بصورة أكثر مهنية:
ما الذي أظهرته التقارير الرسمية فعلًا؟
وإذا لم توجد وثيقة تثبت مخالفة بعينها، فلا ينبغي أن تتحول الاتهامات السياسية إلى حقائق تاريخية بمجرد تداولها.
وهذا هو الفرق بين مقال المعارضة في لحظة اشتعال وبين التوثيق التاريخي بعد مرور ثلاثة عشر عامًا.
الخطية التاسعة: نادي القضاة كفاعل سياسي
كان نادي القضاة في تلك المرحلة أكثر من مجرد نقابة أو نادٍ مهني في نظر كثير من المصريين.
لقد أصبح أحد مراكز الصراع السياسي حول مستقبل الدولة.
وهنا كان اعتراضي الأساسي:
هل يجوز أن تتحول مؤسسة تمثل القضاة إلى طرف في الصراع على السلطة؟
إنه سؤال لا يخص الزند وحده، ولا الإخوان وحدهم، ولا الجيش وحده.
إنه سؤال عن استقلال مؤسسات الدولة كلها.
الخطية العاشرة: عندما يصبح القاضي رمزًا للصراع
أما الخطية العاشرة في مقالي القديم فكانت خلاصة كل ما سبق:
أن يتحول القاضي من رمز يفترض فيه الفصل بين المتخاصمين إلى طرف من أطراف المعركة السياسية.
وهنا يصبح الخطر أكبر من شخص أحمد الزند نفسه.
فالدول لا تنهار فقط عندما يفسد السياسيون؛ وإنما يمكن أن تدخل مناطق خطرة أيضًا عندما تفقد المؤسسات الفاصلة بين السلطات قدرتها على البقاء خارج الاستقطاب.
بعد ثلاثة عشر عامًا… ماذا بقي من «الخطايا العشر»؟
هذا هو السؤال الذي يهمني اليوم.
لم أكتب ذلك المقال لأنني كنت أمتلك كرة بلورية أعرف بها المستقبل.
كتبته لأنني كنت أرى في لحظة سياسية مشتعلة ممارسات ومواقف اعتبرتها جديرة بالنقد.
واليوم، بعد ثلاثة عشر عامًا، أعود إلى المقال لا لأقول:
«لقد كنت أعرف كل شيء».
بل لأقول شيئًا أبسط:
لقد كان من حقنا أن نسأل.
ومن حق الأجيال التالية أن تعيد السؤال.
لقد رحل أحمد الزند، كما رحل قبله كثيرون ممن كانوا في قلب الصراع السياسي المصري.
لكن الملفات لا تموت بموت أصحابها.
والتاريخ لا ينبغي أن يكون محكمة انتقام، كما لا ينبغي أن يكون دفتر مديح.
إنه ذاكرة الشعوب.
ولذلك، فإن إعادة نشر «الخطايا العشر للزند… ملك الفِشَر» اليوم ليست احتفالًا بالموت، وإنما إعادة فتح لنص سياسي كتبته قبل ثلاثة عشر عامًا، مع ضرورة إخضاع عباراته واتهاماته للتمحيص والتوثيق.
يموت الأشخاص… وتبقى المواقف.
وبين الموقف والذاكرة، يكتب التاريخ حكمه.
سالم إسماعيل القطامي