لماذا يرتبك معسكر الاستبداد أمام نجاح الديمقراطية؟
بقلم: سالم القطامي
ليست كل الانتصارات مجرد أرقام تُسجَّل في صناديق الاقتراع، وليست كل الهزائم مجرد خسارة لمقعد أو منصب. فبعض الانتصارات تحمل رسائل سياسية تتجاوز حدود الانتخابات، وتفتح نوافذ جديدة للنقاش حول معنى السلطة، وحق الشعوب في الاختيار، وقدرة الديمقراطية على تجديد الحياة السياسية.
إن فوز عبدالرحمن محمد السيد يطرح سؤالاً يتجاوز شخص الفائز ونتيجة المنافسة: لماذا يثير نجاح التجارب الديمقراطية كل هذا الجدل لدى أنصار الحكم الفردي والأنظمة المغلقة؟ ولماذا يتحول الاحتكام إلى إرادة الناخبين، في بعض الخطابات السياسية، إلى مصدر قلق بدلاً من أن يكون مناسبة للاحتفاء بإرادة الناس؟
أولاً: الديمقراطية تكسر احتكار الحقيقة والسلطة
تكمن قوة الديمقراطية في أنها لا تمنح أحداً صكاً دائماً للحكم، ولا تعتبر السلطة ملكية خاصة، ولا تجعل بقاء المسؤول في موقعه أمراً مضموناً إلى الأبد.
في النظام الديمقراطي، يستطيع المواطن أن يمنح صوته لمن يراه مناسباً، وأن يغيّر اختياره في الانتخابات التالية، وأن يحاسب ممثليه عبر المؤسسات والقانون.
وهذه هي النقطة الجوهرية التي تميز التداول السلمي للسلطة عن الحكم القائم على احتكار القرار: الأول يجعل شرعية الحاكم مرتبطة بإرادة المواطنين، والثاني يميل إلى جعل إرادة الحاكم هي المرجعية التي ينبغي للمواطنين التكيف معها.
ثانياً: نجاح المنافسة الانتخابية يبعث برسالة تتجاوز الحدود
عندما تنجح تجربة انتخابية في إنتاج قيادة جديدة، فإن أهميتها لا تتوقف عند حدود الفائز أو برنامجه السياسي، بل تمتد إلى إثبات أن التغيير يمكن أن يحدث من خلال المؤسسات، وأن الاختلاف السياسي لا يستلزم الصدام، وأن المنافسة لا تعني بالضرورة انهيار الدولة أو تفكك المجتمع.
وهنا تظهر حساسية الخطابات التي تنظر إلى الديمقراطية باعتبارها تهديداً لاحتكار السلطة، لا باعتبارها وسيلة لتنظيم الاختلاف وإدارة التعددية.
لكن من المهم ألا نخلط بين النقد السياسي المشروع لأي تجربة انتخابية وبين رفض مبدأ الانتخابات الحرة نفسه. فالديمقراطية لا تعني إعفاء الفائز من المساءلة، بل تعني إخضاعه لها.
ثالثاً: الخوف الحقيقي ليس من الفائز، بل من فكرة التغيير
إن أخطر ما في نجاح أي تجربة ديمقراطية بالنسبة إلى أنصار الحكم المغلق، إذا ثبت أنهم ينظرون إليها بهذه الطريقة، ليس بالضرورة هو البرنامج السياسي للفائز، وإنما الرسالة التي تحملها التجربة: لا أحد فوق إرادة المواطنين، ولا توجد سلطة أبدية، ولا ينبغي أن يكون تداول الحكم استثناءً نادراً.
فالديمقراطية تفتح المجال أمام ظهور وجوه جديدة، وأفكار مختلفة، وقيادات لم تكن جزءاً من دوائر النفوذ التقليدية.
كما أنها تمنح المواطن شعوراً بأن صوته ليس مجرد رقم، بل أداة سلمية للتأثير في مستقبل بلاده.
رابعاً: الديمقراطية ليست انتصار شخص على شخص
من الخطأ اختزال أي فوز انتخابي في انتصار فرد على منافسيه. فالقيمة الأعمق لأي انتخابات نزيهة تكمن في احترام قواعد المنافسة، وضمان تكافؤ الفرص، وحماية حق التصويت، والقبول بالنتائج، وصيانة حق المعارضة في العمل السياسي.
ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي أمام عبدالرحمن محمد السيد، كما هو أمام كل من يصل إلى موقع المسؤولية عبر الانتخابات، يتمثل في تحويل الثقة الانتخابية إلى إنجازات ملموسة، واحترام التنوع، والالتزام بالقانون، وعدم التعامل مع الفوز باعتباره تفويضاً مفتوحاً بلا حدود.
فالناخب الذي يمنح ثقته اليوم يظل صاحب الحق في المحاسبة غداً.
خامساً: معيار النجاح هو المؤسسات لا الأشخاص
لا تُقاس قوة الديمقراطية بمجرد وصول مرشح إلى السلطة، وإنما بقدرتها على بناء مؤسسات مستقلة، وحماية الحريات، وضمان تداول السلطة، واحترام حقوق الأقليات، وتوفير قضاء عادل وإعلام قادر على ممارسة دوره الرقابي.
ولهذا ينبغي ألا تتحول الاحتفالات بالفوز إلى تقديس للفائز، كما لا ينبغي أن تتحول الخلافات معه إلى عداء للديمقراطية ذاتها.
الديمقراطية الحقيقية أكبر من الأشخاص، وأبقى من المناصب، وأوسع من الحسابات الحزبية الضيقة.
الخاتمة: حين يصبح صوت المواطن هو مصدر الشرعية
إن فوز عبدالرحمن محمد السيد، إذا كان قد جاء عبر منافسة انتخابية حرة ونزيهة، يستحق أن يُقرأ في سياق أوسع من مجرد إعلان نتيجة انتخابية. إنه يفتح باباً للتساؤل عن مستقبل المشاركة السياسية، وعن قدرة المؤسسات الديمقراطية على تجديد قياداتها، وعن الفرق بين سلطة تستمد شرعيتها من المواطنين وسلطة تسعى إلى تحصين نفسها من مساءلتهم.
والرسالة الأهم ليست أن شخصاً انتصر على آخر، بل أن حق الاختيار يجب أن يظل حقاً أصيلاً للمواطنين، لا منحة من الحاكم، ولا امتيازاً تحتكره نخبة سياسية.
فالأوطان لا تصبح قوية بإسكات الاختلاف، ولا تستقر بإغلاق أبواب التغيير، وإنما تزداد مناعة حين يستطيع أبناؤها أن يختلفوا ويتنافسوا ويتداولوا السلطة في ظل القانون.
فالاستبداد قد يستطيع إغلاق أبواب كثيرة، لكنه لا يستطيع أن يجعل إرادة الشعوب بلا قيمة إلى الأبد. والديمقراطية، مهما تعثرت، تظل فكرة جوهرية: السلطة مسؤولية مؤقتة، والشعب هو صاحب الحق في منحها ومحاسبة من يتولاها.