صنم الزهد... حين كان الاشتراكيون يرثون الرأسمالية
في الذكرى السادسة والخمسين لموت عبدالناصر
بقلم: سالم إسماعيل القطامي
في مثل هذا اليوم مات جمال عبدالناصر، لكن الصنم الذي صنعته الدعاية لم يمت.
مات الرجل وبقيت الأسطورة تردد علينا حتى اليوم: الزعيم الزاهد، الفقير، الذي لم يترك وراءه ثروة ولا قصورًا، وإنما ترك لنا «المشروع» و«العدالة الاجتماعية»!
حسنًا... فلنضع قليلًا من البخور جانبًا، ونفتح دفاتر التاريخ.
المفارقة الأولى أن تركة عبدالناصر الشخصية عند وفاته كانت بالفعل محدودة؛ إذ أوردت صحافة مصرية أن حسابه في بنك مصر كان نحو 3718 جنيهًا، إلى جانب أسهم وسندات ووثائق تأمين وممتلكات أخرى محدودة.
إذن، لا أحتاج إلى اختراع ثروة سرية له كي أنتقده.
فالفضيحة السياسية ليست في رصيد الرجل البنكي، وإنما في أن يتحول هذا الرصيد إلى صك غفران لنظام كامل.
أما المفارقة الثانية، فهي أكثر إثارة للسخرية:
الرجل الذي رفع راية الاشتراكية، وحارب الرأسمالية والإقطاع، ترك أبناءه ــ بعد رحيله ــ يدخلون عالم الأعمال.
وتوثق تقارير صحفية أن أبناءه الثلاثة، عبدالحكيم وعبدالحميد وخالد، شاركوا في تأسيس وإدارة شركات، وأن عبدالحكيم أسس مع شقيقه عبدالحميد شركة للمقاولات عام 1977، ثم توسعت أعمالها، بينما دخل أفراد آخرون من الأسرة في مجالات اقتصادية مختلفة.
وهنا تبدأ الكوميديا السوداء:
الأب اشتراكي... والأبناء رجال أعمال!
يا لها من مرونة أيديولوجية مذهلة!
اشتراكية للأب، ورأسمالية للأبناء؛
مصانع الدولة للشعب، وشركات العائلة للأهل؛
والشعار للجماهير... أما دفتر الحساب فله حكاية أخرى!
لكن الإنصاف واجب حتى مع الخصوم: ممارسة التجارة أو امتلاك شركة ليست جريمة، ولا تثبت وحدها فسادًا أو استغلال نفوذ. كما أنني لا أملك دليلًا موثقًا يبرر اتهام أشقاء عبدالناصر أو أبنائه جميعًا بالفساد لمجرد انتمائهم إلى أسرته.
المسألة إذن ليست محاكمة عائلية، وإنما محاكمة للأسطورة.
فالزهد الشخصي ــ حتى لو كان حقيقيًا ــ لا يجعل الاستبداد ديمقراطية، ولا يجعل القمع عدالة، ولا يجعل احتكار السياسة والاقتصاد حرية.
ومن عجائب الصنم الناصري أن بعض مريديه يريدون منك أن تناقش عدد الجنيهات التي تركها الرجل، وكأن مصر كانت بنكًا شخصيًا، بينما السؤال الحقيقي هو:
ماذا فعل بالحكم؟ وبالحريات؟ وبالمؤسسات؟ وبالاقتصاد؟ وبالإنسان المصري؟
إنني لا أريد عبدالناصر غنيًا كي أدينه، ولا أحتاج إلى أن يكون أبناؤه فاسدين كي أنتقد أباه.
يكفيني أن أقول إن الزهد الشخصي ليس شهادة نزاهة سياسية.
أما الصنم، فليظل في ضريحه.
وأما التاريخ، فلن يقدم له التحية العسكرية.
سالم إسماعيل القطامي
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire