أكذوبة "الزهد" الخاوية: فساد العائلة والنخبة الحاكمة في ذكرى موت عبد الناصر
بقلم: سالم إسماعيل القطامي
في مثل هذه الأيام من كل عام، تجترّ الآلة الإعلامية وشبكات الدعاية الموروثة عن عقود الاستبداد معزوفة "زهد" جمال عبد الناصر، محاولةً رسم صورة نبيٍّ فقير يعيش على الكفاف، لم يترك في جيبه إلا بضعة جنيهات، بينما كان يرسخ -في واقع الأمر- لركائز الدولة العميقة التي نهبت مصر وشعبها على مدار ثمانية عقود. إن تفكيك هذه الأسطورة ليس مجرد نبش في أوراق الماضي، بل هو ضرورة واعية لفهم الجذور الهيكلية للفساد المستشري الذي وصل بذروته ونهاياته الكارثية في زمن عبد الفتاح السيسي.
الزهد المسرحي وامتيازات الطبقة الحاكمة
لقد قامت الدعاية الناصرية على صناعة نقيضين غير واقعيين: تصوير العهد الملكي على أنه أصل الفساد، وتلميع العهد العسكري الجديد كرمز للنقاء الاجتماعي والعدالة. غير أن الحقائق التاريخية والشهادات والوثائق التي انكشفت لاحقاً كشفت حجاب الرياء عن هذه المسرحية:
العائلة المقربة والثراء المفاجئ: بينما كان الشعب يُطالب بالتقشف، ويقف في طوابير الجمعيات للحصول على أدنى مقومات الحياة، كانت دوائر المقربين والأشقاء والأبناء يستمتعون بنفوذ مطلق، واستثناءات اقتصادية، وأرصدة وتسهيلات أتاحت لبعضهم السيطرة على قطاعات تجارية وتسهيل الصفقات وشراء الأراضي والتصرف في المقدرات دون خضوع لأي أجهزة رقابية أو مسألة قانونية.
إقطاعية الضباط الجدد: لم يقم نظام يوليو بتفكيك الإقطاع ليعيد الأرض للشعب، بل أزاح الإقطاع التقليدي ليحل محله "إقطاع الضباط". تحول مجلس قيادة الثورة وشركاؤه إلى طبقة أوليغاركية جديدة تملك العقارات والشركات، وتُدار لها المصانع، وتُمنح لها الامتيازات والتسهيلات التي حُرم منها المواطن العادي.
الفساد الهيكلي وغياب الشفافية: إن الأخطر من الفساد المالي المباشر هو الفساد الهيكلي الذي أسسه عبد الناصر؛ حيث تم إلغاء الحياة النيابية الحقيقية، وحل الأحزاب، وتدجين القضاء، وتحويل الإعلام إلى بوق للترويج للزعيم الفرد. وفي ظل غياب الصحافة الحرة والأجهزة الرقابية المستقلة، نمت شبكات الفساد في الظلام بعيداً عن أي عيون قادرة على المحاسبة.
من عبد الناصر إلى السيسي: الامتداد الطبيعي لنهج الاستبداد
إن ما نعيشه اليوم من تفريغ لمؤسسات الدولة، وتغول المؤسسة العسكرية على الاقتصاد، والتفريط في الأصول الوطنية، وتفقير الشعب لصالح ثراء ثلة من متنفذي السلطة، ليس سقطة طارئة، بل هو التطور الطبيعي والبذرة الخبيثة التي غرسها عبد الناصر عام 1952. لقد تعلم الخلف من السلف كيف يُغلف البطش بشعارات "البناء والتضحية"، وكيف يُطالب الشعب بالجوع والتقشف بينما تعيش النخبة الحاكمة في معزل عن واقع الناس وأوجاعهم.
إن الشعوب لا تُخدع بالأساطير إلى الأبد. لقد سقط صنم "الزهد الزائف" كما سقطت من قبل شعارات "القومية" و"الكرامة" التي انتهت بهزائم عسكرية وتجريف إنساني واقتصادي. إن كشف حقائق الفساد الذي ترعرع تحت عباءة عبد الناصر وعائلته ونخبته هو الخطوة الأولى لكسر الحلقة المفرغة من الحكم العسكري، وتأسيس دولة العدل وسيادة القانون التي لا تقدس الأفراد، بل تخضع الجميع للمحاسبة والشفافية.
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire