jeudi, août 27, 2026

حين يُوجَّه غضب المقهورين إلى المقهورين بقلم: سالم إسماعيل القطامي من أكثر المشاهد إيلامًا في المجتمعات المقهورة أن ترى المظلوم يفرغ غضبه في مظلوم مثله، وأن يتحول القهر المتراكم إلى سوطٍ يجلد به الفقيرُ فقيرًا، والمحتاجُ محتاجًا، بينما يظل أصحاب القوة والثروة والنفوذ بعيدين عن مرمى الغضب الشعبي. شعبٌ يُسلب حقه، ويُنهك بالفقر، وتُثقل كاهله الأسعار والضرائب والديون، ثم يُقال له: ابحث عن عدوك في الشارع! فينظر إلى بائعٍ بسيط، أو عاملٍ معدم، أو شابٍ دفعه الجوع واليأس إلى سرقة ما يسد به رمقه، فيصب عليه كل ما تراكم في صدره من غضب وقهر. وهكذا يصبح صغير اللصوص هو اللص الذي يراه الناس، بينما يختفي كبار اللصوص خلف القصور والشركات والمكاتب الفاخرة. أنا لا أدافع عن السرقة، ولا أبرر الاعتداء على حقوق الناس؛ فالفقير الذي يسرق يظل مسؤولًا عن فعله. لكن العدل يقتضي أن نسأل أيضًا: لماذا نرى يد السارق الصغير ولا نرى المنظومة التي قد تدفع الملايين إلى حافة الجوع؟ ولماذا تكون مطاردة المعدم أسهل من محاسبة صاحب النفوذ؟ ولماذا يتحول القانون أحيانًا إلى مطرقة ثقيلة فوق رأس الضعيف، بينما يبحث الأقوياء عن أبوابٍ خلفية للنجاة؟ المأساة الأكبر ليست أن يسرق جائعٌ رغيفًا؛ المأساة أن يتحول المجتمع كله إلى حارسٍ على رغيف الجائع، بينما تمر أمام عينيه عمليات نهب أكبر وأخطر وأكثر تنظيمًا. إن أخطر ما يمكن أن يحدث لشعبٍ مقهور هو أن يفقد البوصلة؛ فيعتقد أن عدوه هو الأضعف منه، وأن المشكلة في المتسول، أو البائع الجائل، أو العامل البسيط، أو اللاجئ، أو المعدم، أو الشاب اليائس، بينما تُنهب مقدرات البلاد أمامه. الغضب في ذاته ليس عيبًا. الغضب قد يكون بداية الوعي. لكن السؤال هو: أين نضع غضبنا؟ هل نضعه في وجه من لا يملك إلا قوته اليومية؟ أم في وجه الفساد والاستبداد وسوء الإدارة واحتكار الثروة والامتيازات التي تصنع الفقر وتعيد إنتاجه؟ الشعوب لا تُستعبد بالسلاح وحده؛ أحيانًا تُستعبد حين يُنجح المستفيدون في إقناع المقهورين بأن بعضهم هو عدو بعض. فيصبح الفقير غاضبًا من الفقير، والعامل من العامل، والمواطن من المواطن، وينشغل الجميع بمعارك صغيرة، بينما تبقى المعركة الكبرى بعيدة عن الأنظار. إنني أرفض أن يتحول الشعب إلى شرطي يحرس امتيازات الأقوياء ويطارد الضعفاء. وأرفض أن تكون كرامة الإنسان مرهونة بقدرته على دفع المال، أو بمكانته الاجتماعية، أو بقربه من أصحاب السلطة والنفوذ. المطلوب ليس أن نبحث عن كبش فداء بين المعدمين، وإنما أن نستعيد القدرة على التمييز بين اللص الصغير الذي سرق ليأكل، وبين منظومة الفساد التي قد تسرق مستقبل أمة بأكملها. المطلوب أن يتحول الغضب من نقمة عمياء إلى وعي، ومن صراع بين الفقراء إلى مطالبة بالعدل، ومن كراهية الضعفاء إلى مساءلة الأقوياء. فحين يوجه المقهور غضبه إلى المقهور، ينتصر الظلم مرتين: مرةً حين يسلبه حقه، ومرةً حين يجعله يكره أخاه بدل أن يسأل: من الذي صنع هذا الظلم؟ والشعب الذي يستعيد بوصلته لا يطارد ضحايا الفقر؛ بل يطالب بالعدالة، وسيادة القانون، ومحاسبة الفاسدين، وتكافؤ الفرص، وكرامة الإنسان. فالمشكلة ليست أن الشعب غاضب. المشكلة أن غضبه، حين يُضلَّل، قد يصبح سلاحًا في يد من يقهره.

 

حين يُوجَّه غضب المقهورين إلى المقهورين

بقلم: سالم إسماعيل القطامي

من أكثر المشاهد إيلامًا في المجتمعات المقهورة أن ترى المظلوم يفرغ غضبه في مظلوم مثله، وأن يتحول القهر المتراكم إلى سوطٍ يجلد به الفقيرُ فقيرًا، والمحتاجُ محتاجًا، بينما يظل أصحاب القوة والثروة والنفوذ بعيدين عن مرمى الغضب الشعبي.

شعبٌ يُسلب حقه، ويُنهك بالفقر، وتُثقل كاهله الأسعار والضرائب والديون، ثم يُقال له: ابحث عن عدوك في الشارع! فينظر إلى بائعٍ بسيط، أو عاملٍ معدم، أو شابٍ دفعه الجوع واليأس إلى سرقة ما يسد به رمقه، فيصب عليه كل ما تراكم في صدره من غضب وقهر.

وهكذا يصبح صغير اللصوص هو اللص الذي يراه الناس، بينما يختفي كبار اللصوص خلف القصور والشركات والمكاتب الفاخرة.

أنا لا أدافع عن السرقة، ولا أبرر الاعتداء على حقوق الناس؛ فالفقير الذي يسرق يظل مسؤولًا عن فعله. لكن العدل يقتضي أن نسأل أيضًا: لماذا نرى يد السارق الصغير ولا نرى المنظومة التي قد تدفع الملايين إلى حافة الجوع؟ ولماذا تكون مطاردة المعدم أسهل من محاسبة صاحب النفوذ؟ ولماذا يتحول القانون أحيانًا إلى مطرقة ثقيلة فوق رأس الضعيف، بينما يبحث الأقوياء عن أبوابٍ خلفية للنجاة؟

المأساة الأكبر ليست أن يسرق جائعٌ رغيفًا؛ المأساة أن يتحول المجتمع كله إلى حارسٍ على رغيف الجائع، بينما تمر أمام عينيه عمليات نهب أكبر وأخطر وأكثر تنظيمًا.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث لشعبٍ مقهور هو أن يفقد البوصلة؛ فيعتقد أن عدوه هو الأضعف منه، وأن المشكلة في المتسول، أو البائع الجائل، أو العامل البسيط، أو اللاجئ، أو المعدم، أو الشاب اليائس، بينما تُنهب مقدرات البلاد أمامه.

الغضب في ذاته ليس عيبًا.
الغضب قد يكون بداية الوعي.

لكن السؤال هو: أين نضع غضبنا؟

هل نضعه في وجه من لا يملك إلا قوته اليومية؟
أم في وجه الفساد والاستبداد وسوء الإدارة واحتكار الثروة والامتيازات التي تصنع الفقر وتعيد إنتاجه؟

الشعوب لا تُستعبد بالسلاح وحده؛ أحيانًا تُستعبد حين يُنجح المستفيدون في إقناع المقهورين بأن بعضهم هو عدو بعض.

فيصبح الفقير غاضبًا من الفقير، والعامل من العامل، والمواطن من المواطن، وينشغل الجميع بمعارك صغيرة، بينما تبقى المعركة الكبرى بعيدة عن الأنظار.

إنني أرفض أن يتحول الشعب إلى شرطي يحرس امتيازات الأقوياء ويطارد الضعفاء.

وأرفض أن تكون كرامة الإنسان مرهونة بقدرته على دفع المال، أو بمكانته الاجتماعية، أو بقربه من أصحاب السلطة والنفوذ.

المطلوب ليس أن نبحث عن كبش فداء بين المعدمين، وإنما أن نستعيد القدرة على التمييز بين اللص الصغير الذي سرق ليأكل، وبين منظومة الفساد التي قد تسرق مستقبل أمة بأكملها.

المطلوب أن يتحول الغضب من نقمة عمياء إلى وعي، ومن صراع بين الفقراء إلى مطالبة بالعدل، ومن كراهية الضعفاء إلى مساءلة الأقوياء.

فحين يوجه المقهور غضبه إلى المقهور، ينتصر الظلم مرتين:

مرةً حين يسلبه حقه، ومرةً حين يجعله يكره أخاه بدل أن يسأل: من الذي صنع هذا الظلم؟

والشعب الذي يستعيد بوصلته لا يطارد ضحايا الفقر؛ بل يطالب بالعدالة، وسيادة القانون، ومحاسبة الفاسدين، وتكافؤ الفرص، وكرامة الإنسان.

فالمشكلة ليست أن الشعب غاضب.

المشكلة أن غضبه، حين يُضلَّل، قد يصبح سلاحًا في يد من يقهره.

Aucun commentaire:

ثقافة تحويل القهر: حين ينجو القتلة ويُصلَب الضعفاء بقلم: سالم إسماعيل القطامي في المجتمعات التي رزحت طويلاً تحت وطأة القمع والانسداد الساسي، تظهر ظاهرة اجتماعية ونفسية خطيرة تُعرف في علم النفس الجمعي بـ "إزاحة الغضب" أو "تحويل القهر". حين يفقد المقهور قدرته على مواجهة مصدر قهره الحقيقي، فإنه يبحث عن كبش فداء أضعف منه ليمارس عليه سلطته المفنية، فتتراجع الشجاعة أمام القوي، وتستنسر الذئاب على الضعيف.مظاهر الأزمة واختلال الموازين:صغار اللصوص تحت المجهر: يفرغ الشارع غضبه الساطع على فقير سرق رغيف خبز أو بضاعة زهيدة ليقتاد بها أطفاله، فيُقام عليه حد التشهير والسحل، بينما يُغض الطرف عن الجرائم الكبرى. التعامي عن اللصوص الكبار: يمر الفساد الممنهج، وتفريغ أصول الدولة، وصفقات الفساد المليارية دون أن تحرك ساكناً في الضمير الجمعي بنفس الحدة، حيث تحصن شبكات المصالح والحكم العسكري نفوسها بالخوف والترهيب.إزاحة الخوف إلى البطش: يستمد الفرد المقهور شعوراً زائماً بالسيطرة والأخلاقية عندما يمارس الدور الرقابي والعقابي على من هم أضعف منه في السلم الاجتماعي.الخطر السلوكي والنسيج الاجتماعي:إن أخطر ما يهدد الشعوب في هذه المراحل ليس فقط الحرمان الاقتصادي، بل حالة "العمى الأخلاقي" التي تجعل الجمع يعاقب الضحية ويتسامح مع الجاني الحقيقي. يتيح هذا النمط السلوكي للطبقات المتنفذة ولصوص المال والأعمال الاستمرار في نهب مقدرات الأمة بأمان، طالما أن طاقة الغضب الشعبي تستهلك نفسها في معارك جانبية بين الضحايا أنفسهم.إن تحرير الشعوب يبدأ أولاً بتحرير الوعي الجمعي من إعادة إنتاج القهر. لا يمكن لأمة أن تسترد كرامتها أو تقيم عدلاً وهي تسلط سيف عقابها على المحتاجين والضعفاء، بينما تطأطئ الرأس أمام من ينهبون حاضرها ومستقبلها. إن توجيه البوصلة نحو الفساد الممنهج ومسببات البؤس الحقيقية هو الخطوة الأولى للخروج من دائرة الهوان.

 ثقافة تحويل القهر: حين ينجو القتلة ويُصلَب الضعفاء بقلم: سالم إسماعيل القطامي في المجتمعات التي رزحت طويلاً تحت وطأة القمع والانسداد الساسي...