ثقافة تحويل القهر: حين ينجو القتلة ويُصلَب الضعفاء
بقلم: سالم إسماعيل القطامي
في المجتمعات التي رزحت طويلاً تحت وطأة القمع والانسداد الساسي، تظهر ظاهرة اجتماعية ونفسية خطيرة تُعرف في علم النفس الجمعي بـ "إزاحة الغضب" أو "تحويل القهر". حين يفقد المقهور قدرته على مواجهة مصدر قهره الحقيقي، فإنه يبحث عن كبش فداء أضعف منه ليمارس عليه سلطته المفنية، فتتراجع الشجاعة أمام القوي، وتستنسر الذئاب على الضعيف.مظاهر الأزمة واختلال الموازين:صغار اللصوص تحت المجهر: يفرغ الشارع غضبه الساطع على فقير سرق رغيف خبز أو بضاعة زهيدة ليقتاد بها أطفاله، فيُقام عليه حد التشهير والسحل، بينما يُغض الطرف عن الجرائم الكبرى.
التعامي عن اللصوص الكبار: يمر الفساد الممنهج، وتفريغ أصول الدولة، وصفقات الفساد المليارية دون أن تحرك ساكناً في الضمير الجمعي بنفس الحدة، حيث تحصن شبكات المصالح والحكم العسكري نفوسها بالخوف والترهيب.إزاحة الخوف إلى البطش: يستمد الفرد المقهور شعوراً زائماً بالسيطرة والأخلاقية عندما يمارس الدور الرقابي والعقابي على من هم أضعف منه في السلم الاجتماعي.الخطر السلوكي والنسيج الاجتماعي:إن أخطر ما يهدد الشعوب في هذه المراحل ليس فقط الحرمان الاقتصادي، بل حالة "العمى الأخلاقي" التي تجعل الجمع يعاقب الضحية ويتسامح مع الجاني الحقيقي. يتيح هذا النمط السلوكي للطبقات المتنفذة ولصوص المال والأعمال الاستمرار في نهب مقدرات الأمة بأمان، طالما أن طاقة الغضب الشعبي تستهلك نفسها في معارك جانبية بين الضحايا أنفسهم.إن تحرير الشعوب يبدأ أولاً بتحرير الوعي الجمعي من إعادة إنتاج القهر. لا يمكن لأمة أن تسترد كرامتها أو تقيم عدلاً وهي تسلط سيف عقابها على المحتاجين والضعفاء، بينما تطأطئ الرأس أمام من ينهبون حاضرها ومستقبلها. إن توجيه البوصلة نحو الفساد الممنهج ومسببات البؤس الحقيقية هو الخطوة الأولى للخروج من دائرة الهوان.
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire