mardi, août 18, 2026

"شعرت إن عاد لي البصر من تاني".

 من رحم المعاناة، وُلدت فكرة تحولت إلى وسيلة لرؤية العالم من زاوية مختلفة. فبعد أن فقد الشاب المصري مارك مراد بصره، لم يستسلم لواقع فرضته عليه الإصابة، بل قرر أن يحول تجربته الشخصية إلى حل يساعد فاقدي البصر حول العالم. وبينما كان يبحث عن طريقة يتجاوز بها حدود فقدان البصر، بدأ في تطوير تطبيق "سكرايب مي"، الذي أصبح يستخدم في 140 دولة حول العالم، ليمنح مستخدميه وسيلة للتعرف على ما يحيط بهم والتفاعل مع تفاصيل الحياة اليومية بصورة أكثر استقلالية.

"عين" بالتكنولوجيا

يعتمد تطبيق "سكرايب مي" على تحليل ما تلتقطه كاميرا الهاتف وتحويله إلى وصف صوتي يستطيع الشخص فاقد البصر فهمه، ولا يقتصر الأمر على وصف الأشياء بصورة عامة، وإنما يشمل النصوص والصور والرسومات والمخططات البيانية والتفاصيل الموجودة في المكان، بما يمنح المستخدم قدرة أكبر على فهم ما أمامه دون الحاجة في كل مرة إلى طلب مساعدة شخص آخر.

ومع استمرار تطوير الفكرة، انتقل مارك بها إلى مستوى أكثر تقدماً من خلال دمج التطبيق مع النظارات الذكية من شركة "ميتا"، لتتحول النظارة إلى ما يشبه عينًا إضافية للمستخدم، تقدم له وصفًا صوتيًا متواصلًا لما تلتقطه الكاميرا أمامه، سواء الأشخاص أو الأماكن أو الأشياء والتفاصيل المحيطة به، بما يساعده على التعامل مع العالم من حوله بصورة أكثر استقلالية.

رحلة بدأت مبكرًا

وأوضح مارك في تصريحاته لـ"العربية./ الحدث" أن تجربته بدأت عندما كان في الحادية عشرة من عمره، بعدما بدأ يعاني ضعفًا في النظر. وفي البداية، اعتقد أن الأمر طبيعي، لكن حالته تغيرت تدريجيًا، فكان يتابع مع الأطباء داخل مصر وخارجها، إلى أن أجمعوا في النهاية على أنه سيفقد بصره، وهو ما حدث بالفعل عندما كان في الصف الأول الثانوي.

وبعد فقدان البصر، أصبح مارك، 20 عامًا، يعتمد بدرجة كبيرة على الآخرين في المذاكرة، وكان يحتاج إلى من يشرح له بعض التفاصيل التي لم تكن الكتب أو الأدوات المتاحة وقتها تتيح له فهمها بسهولة. وكان حلمه الالتحاق بكلية الهندسة، لكنه بدأ يفكر في طبيعة الدراسة داخل الكلية، خاصة المواد التي تعتمد على الرسومات الهندسية والأشكال والرسوم التوضيحية، وكيف يمكن لشخص فاقد للبصر أن يفهم تلك التفاصيل من دون وجود شخص بجانبه يشرح له كل شيء بصورة مستمرة.

من المعاناة للحل

ومن هنا بدأ البحث عن حل، إذ كان يريد الوصول إلى وسيلة تجعل الشخص فاقد البصر قادرًا على فهم ما يراه الآخرون من حوله، لكنه لم يجد في البداية ما يبحث عنه، فبدأ رحلة تطوير "سكرايب مي"، مستعينًا بالتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي لتحويل ما تلتقطه كاميرا الهاتف إلى وصف صوتي يمكن للمستخدم فهمه.

من فكرة لشركة

ومع الوقت، لم يعد المشروع مجرد فكرة، إذ أوضح مارك أنه شارك في عدد من المسابقات والفعاليات في أوروبا، بينها مسابقة في ألمانيا، تمكن خلالها فريقه من الوصول إلى قائمة أفضل 5 فرق من بين 150 فريقًا. وبعد ذلك بدأ في تكوين فريق متكامل للعمل على تطوير التطبيق بصورة أكبر، وصولًا إلى إنشاء شركة في إسبانيا، بينما توسع استخدام التطبيق تدريجيًا حتى أصبح مستخدموه موجودين في 140 دولة حول العالم.

شقيقة تختبر الفكرة

وكانت شقيقته الصغرى إحدى أهم الشخصيات في رحلة تطوير المشروع، بعدما تعرضت هي الأخرى لفقدان البصر، إذ لم تكن مجرد مستخدمة للتطبيق، وإنما شاركت في اختباره وتطويره، وساعدت تجربتها مارك وفريقه على فهم ما يحتاج إليه فاقدو البصر بصورة فعلية.

جملة لا تُنسى

ويستذكر مارك إحدى اللحظات التي تركت أثرًا كبيرًا فيه، عندما استخدمت شقيقته التطبيق خلال رحلة سفاري، وبدأ "سكرايب مي" في وصف المشاهد والتفاصيل الموجودة أمامها، قبل أن تقول له جملة لم ينسها: "شعرت إن عاد لي البصر من تاني".

وبالنسبة إلى مارك، لم تكن العبارة مجرد رد فعل على تجربة ناجحة، وإنما أصبحت دافعًا للاستمرار، بعدما شعر أن ما بدأه بسبب معاناته الشخصية لم يعد يخصه وحده، بل تحول إلى وسيلة يمكن أن تساعد أشخاصًا آخرين على استعادة جزء من استقلاليتهم وثقتهم في قدرتهم على التعامل مع العالم من حولهم.

Aucun commentaire:

في بلاد النيل: يجب تلافي ما حدث في تشيرنوبل بقلم: سالم إسماعيل القطامي ناشط سياسي ومفكر تُعيد التقريرات الصحفية والتغطيات الإعلامية الأخيرة – وفي مقدمتها ما نشرته منصة "بوليتيكو" (Politico) – تسليط الضوء على الأبعاد الجيوسياسية والأمنية والبيئية للمشاريع النووية الكبرى حول العالم، وفي قلبها مشروع "مفاعل الضبعة" النووي في مصر. إن البدء في مثل هذه المشاريع العملاقة لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مجرد إنجاز هندسي أو طفرة في طاقة المستقبل، بل يتطلب وقفة جادة وقراءة متأنية للدروس التاريخية القاسية، وعلى رأسها كارثة "تشيرنوبل" عام 1986. 1. الشفافية وأمان التشغيل: الدرس الأول من تشيرنوبل إن أكبر خطأ أدى إلى فاجعة تشيرنوبل لم يكن الخلل الفني والتصميمي فحسب، بل تمثل في سياسة التكتم، وغياب الشفافية، وتأخير الإفصاح عن المخاطر الحقيقية أمام الرأي العام والخبراء. في بلد يعتمد حياتياً واقتصادياً على شريان أزرق واحد وهو "نهر النيل"، إضافة إلى الشريط الساحلي المأهول، فإن أي مشروع للفيزياء النووية يتطلب أعلى درجات الإفصاح، والرقابة المستقلة، والتدقيق الدائم في السلامة الهيكلية والأنظمة الذاتية للأمان دون إخضاع ذلك لأي حسابات سياسية أو إعلامية ضيقة. 2. التبعية التكنولوجية والاعتمادية الجيوسياسية تناول تقرير "بوليتيكو" أبعاد الاعتماد المباشر على الشركات الأجنبية الموردة للتكنولوجيا النووية (مثل شركة "روساتوم" الروسية)، وما يرافقه من تعقيدات في سلاسل التوريد والصيانة وتدريب الكوادر المحلية على المدى الطويل، لاسيما في ظل الاضطرابات والأزمات الدولية الراهنة. إن توطين المعرفة الأمنية والتقنية بدقة، وإيجاد كوادر وطنية عالية الكفاءة قادرة على الإدارة والرقابة دون الارتهان الكامل للطرف الخارجي، يمثل حجر الزاوية لحماية الأمن القومي. 3. الأمان البيئي والتخلص من النفايات المشعة لا تقف مخاطر الطاقة النووية عند محاذير التشغيل والأخطاء البشرية، بل تمتد إلى التحدي الأكبر والمتمثل في إدارة ونقل وتخزين "النفايات المشعة" عالية الاستقطاب والتأثير. إن أي تهاون في التعامل مع المخرجات الذرية أو الاستهانة بمعايير العزل على السواحل والأراضي الزراعية القريبة قد يمثل تهديداً وجودياً ومستداماً للأجيال القادمة في أرض النيل. إن الاستثمار في الطاقة والنهضة الصناعية مطلوب، ولكن ليس على حساب السلامة القومية أو الاستهانة بالمعايير البيئية الحاكمة. إن تجربة تشيرنوبل لم تكن مجرد حادثة في كتاب التاريخ، بل كانت تحذيراً أبدياً للبشرية جمعاء من خطورة تقديم الدعاية السياسية والسرية الإدارية على حساب السلامة الإنسانية. يجب على مصر أن تضع السلامة المطلقة والشفافية والرقابة الوطنية المستقلة في أعلى قائمة الأولويات بمشروع الضبعة، حتى لا تدفع أجيال المستقبـل ثمن خطأ واحد لا يمكن معالجته.

 في بلاد النيل: يجب تلافي ما حدث في تشيرنوبل بقلم: سالم إسماعيل القطامي ناشط سياسي ومفكر تُعيد التقريرات الصحفية والتغطيات الإعلامية الأخيرة...