الأحد، يناير 25، 2026

قضاءٌ مُسيَّس وسلطةٌ تُنكر جريمتها بقلم: سالم القطامي بعد أن أُخضعت السلطة القضائية لإرادة الحاكم، لم يعد الفارق واضحًا بين قضاءٍ يُفترض به إنصاف المظلومين، وآليةٍ إجرائية تُدار لتصريف الأوامر. فالعدالة حين تُسلب استقلالها لا تموت فجأة، بل تُفرَّغ من معناها تدريجيًا، حتى تصبح الأحكام مراسيم سياسية مُغلَّفة بعباءة القانون. وفي قلب هذا المشهد، لا تقف أزمة مؤسسات فحسب، بل أزمة نفسية-سياسية تُجسّدها النرجسية السلطوية وإنكار الجريمة وتحميل الضحية. أولًا: التاريخ — من قضاء الدولة إلى قضاء الحاكم عرف القضاء المصري، عبر تاريخه الحديث، لحظات استقلال نسبي وشجاعة مهنية. غير أن عسكرة الدولة منذ 1952 وضعت القضاء في مسار انحداري، بلغ ذروته بعد 2013. لم يعد القضاء شريكًا مختلًّا في السلطة، بل تابعًا مباشرًا لها، تُعاد هندسته بالتشريعات والتعيينات، ليؤدي وظيفة واحدة: شرعنة القمع. هنا يلتقي التاريخ بالسيكولوجيا السياسية؛ فالنظام الذي يرى ذاته فوق المجتمع يرى القضاء أداةً لا سلطة. ثانيًا: الدستور — النص الميت والواقع الفج ينص الدستور على استقلال القضاء، لكن النص بلا ممارسة يصبح ديكورًا. تعديلات تُفصَّل على مقاس الحاكم، وقوانين تُحكم السيطرة على الهيئات القضائية، ورؤساء محاكم يُعيَّنون بقرار سيادي. هذا الانفصال بين النص والواقع ليس خللًا تقنيًا، بل آلية إنكار: حين تُخالف الممارسة الدستور، تُعاد صياغة الخطاب لا السلوك. ثالثًا: القضاة — بين الإقصاء والتدجين لم يسلم القضاة من هذا المسار. من تمسّك باستقلاله أُقصي أو شُوِّه، ومن صمت أو تماهى كوفئ. هكذا جرى الفرز على أساس الولاء لا النزاهة. ومع هذا التدجين، تحوّل القاضي من حكمٍ بين السلطة والمواطن إلى موظفٍ يخشى غضب السلطة أكثر مما يخشى ضميره. رابعًا: الضحايا — حين تُقلب المعادلة الأخلاقية الضحية الكبرى هو المواطن، وبخاصة المعارض السياسي: اعتقالات جماعية، محاكمات سريعة، أحكام قاسية تعتمد على تحريات بلا أدلة، وحرمان ممنهج من ضمانات المحاكمة العادلة. الأخطر من القمع ذاته هو خطاب تحميل الضحية: يُتَّهم المقتول بأنه «جنى على نفسه»، وتُقدَّم الرصاصة كفعل دفاع. هذه ليست زلّة خطاب، بل تقنية تبرير تُحوّل الجريمة إلى ضرورة، والجلاد إلى حامٍ. خامسًا: التوصيف النفسي-السياسي — النرجسية السلطوية وإنكار الجريمة في علم النفس السياسي، تُعرَف النرجسية السلطوية كنمط يرى فيه الحاكم ذاته مصدر الحقيقة، وأي اعتراض تهديدًا لصورته المتخيَّلة. لذلك يصبح الكذب ممارسة تلقائية، ويغدو إنكار الجريمة آلية دفاع؛ فالاعتراف يفتح باب المحاسبة. ومع إنكار الجريمة يأتي تحميل الضحية، فتُعاد كتابة الواقع أخلاقيًا: القاتل مُنقذ، والمقتول مُذنب. هكذا يلتقي المرض النفسي بالاستبداد السياسي في دائرة مغلقة من العنف والإنكار. خاتمة — العدالة شرط بقاء المجتمع ما يجري ليس مجرد أزمة قضاء، بل انهيار لفكرة العدالة. وحين يُسخَّر القضاء لخدمة الحاكم، لا يبقى من العدالة سوى اسمها. استعادة الدولة تبدأ باستعادة قضاء حر، وبفضح خطاب إنكار الجريمة وتحميل الضحية، وبالمطالبة الدائمة بمحاسبة قانونية عادلة أمام قضاء مستقل. فالعدالة ليست ثأرًا، بل شرط بقاء المجتمع حيًّا، والحقيقة — مهما طال الزمن — لا تُدفن. سالم القطامي

 

قضاءٌ مُسيَّس وسلطةٌ تُنكر جريمتها

بقلم: سالم القطامي

بعد أن أُخضعت السلطة القضائية لإرادة الحاكم، لم يعد الفارق واضحًا بين قضاءٍ يُفترض به إنصاف المظلومين، وآليةٍ إجرائية تُدار لتصريف الأوامر. فالعدالة حين تُسلب استقلالها لا تموت فجأة، بل تُفرَّغ من معناها تدريجيًا، حتى تصبح الأحكام مراسيم سياسية مُغلَّفة بعباءة القانون. وفي قلب هذا المشهد، لا تقف أزمة مؤسسات فحسب، بل أزمة نفسية-سياسية تُجسّدها النرجسية السلطوية وإنكار الجريمة وتحميل الضحية.

أولًا: التاريخ — من قضاء الدولة إلى قضاء الحاكم

عرف القضاء المصري، عبر تاريخه الحديث، لحظات استقلال نسبي وشجاعة مهنية. غير أن عسكرة الدولة منذ 1952 وضعت القضاء في مسار انحداري، بلغ ذروته بعد 2013. لم يعد القضاء شريكًا مختلًّا في السلطة، بل تابعًا مباشرًا لها، تُعاد هندسته بالتشريعات والتعيينات، ليؤدي وظيفة واحدة: شرعنة القمع. هنا يلتقي التاريخ بالسيكولوجيا السياسية؛ فالنظام الذي يرى ذاته فوق المجتمع يرى القضاء أداةً لا سلطة.

ثانيًا: الدستور — النص الميت والواقع الفج

ينص الدستور على استقلال القضاء، لكن النص بلا ممارسة يصبح ديكورًا. تعديلات تُفصَّل على مقاس الحاكم، وقوانين تُحكم السيطرة على الهيئات القضائية، ورؤساء محاكم يُعيَّنون بقرار سيادي. هذا الانفصال بين النص والواقع ليس خللًا تقنيًا، بل آلية إنكار: حين تُخالف الممارسة الدستور، تُعاد صياغة الخطاب لا السلوك.

ثالثًا: القضاة — بين الإقصاء والتدجين

لم يسلم القضاة من هذا المسار. من تمسّك باستقلاله أُقصي أو شُوِّه، ومن صمت أو تماهى كوفئ. هكذا جرى الفرز على أساس الولاء لا النزاهة. ومع هذا التدجين، تحوّل القاضي من حكمٍ بين السلطة والمواطن إلى موظفٍ يخشى غضب السلطة أكثر مما يخشى ضميره.

رابعًا: الضحايا — حين تُقلب المعادلة الأخلاقية

الضحية الكبرى هو المواطن، وبخاصة المعارض السياسي: اعتقالات جماعية، محاكمات سريعة، أحكام قاسية تعتمد على تحريات بلا أدلة، وحرمان ممنهج من ضمانات المحاكمة العادلة. الأخطر من القمع ذاته هو خطاب تحميل الضحية: يُتَّهم المقتول بأنه «جنى على نفسه»، وتُقدَّم الرصاصة كفعل دفاع. هذه ليست زلّة خطاب، بل تقنية تبرير تُحوّل الجريمة إلى ضرورة، والجلاد إلى حامٍ.

خامسًا: التوصيف النفسي-السياسي — النرجسية السلطوية وإنكار الجريمة

في علم النفس السياسي، تُعرَف النرجسية السلطوية كنمط يرى فيه الحاكم ذاته مصدر الحقيقة، وأي اعتراض تهديدًا لصورته المتخيَّلة. لذلك يصبح الكذب ممارسة تلقائية، ويغدو إنكار الجريمة آلية دفاع؛ فالاعتراف يفتح باب المحاسبة. ومع إنكار الجريمة يأتي تحميل الضحية، فتُعاد كتابة الواقع أخلاقيًا: القاتل مُنقذ، والمقتول مُذنب. هكذا يلتقي المرض النفسي بالاستبداد السياسي في دائرة مغلقة من العنف والإنكار.

خاتمة — العدالة شرط بقاء المجتمع

ما يجري ليس مجرد أزمة قضاء، بل انهيار لفكرة العدالة. وحين يُسخَّر القضاء لخدمة الحاكم، لا يبقى من العدالة سوى اسمها. استعادة الدولة تبدأ باستعادة قضاء حر، وبفضح خطاب إنكار الجريمة وتحميل الضحية، وبالمطالبة الدائمة بمحاسبة قانونية عادلة أمام قضاء مستقل. فالعدالة ليست ثأرًا، بل شرط بقاء المجتمع حيًّا، والحقيقة — مهما طال الزمن — لا تُدفن.

سالم القطامي

ليست هناك تعليقات:

نموذج المتثاقف المُؤجَّر في المنفى بقلم: سالم القطامي في الغربة، وخصوصًا في فرنسا، تعرّفتُ — برأيي — إلى نماذج سيئة من المتثاقفين والمتشاعرِين المستعربين الذين اتخذوا من الإعلام منصةً للإيجار السياسي. ويُعدّ إيلي الملعبي، في تقديري، مثالًا على هذا النمط؛ حيث يتبدّل الخطاب بتبدّل الريح، وتُعاد صياغة المواقف بحسب ميزان القوة لا ميزان القيم. ثقافةٌ سطحية، وحيادٌ انتقائي، وضميرٌ لا يعمل إلا ضمن شروط العقد. قومٌ يرتزقون من تأجير الأقلام والميكروفونات لمن يدفع أكثر، آكلون على كل الموائد، بلا موقف ثابت ولا مبدأ راسخ. هلّلوا لثورات الربيع العربي حين بدا لهم أن الأفق مفتوح، وتغنّوا بالحرية والديمقراطية ما دامت لا تُكلّفهم ثمنًا. فلما انقلب المشهد، سارعوا — في خطابهم العام — إلى تبرير الانقلابات، وتسويغ القمع، وإعادة كتابة الذاكرة، كأن الثورة كانت خطأً، وكأن الضحايا هم الجناة. هؤلاء لا ينتمون إلى معسكر فكر ولا إلى مدرسة نقد، بل إلى سوق نخاسةٍ سياسية، تُقاس فيه الكلمات بسعرها لا بقيمتها، ويُستبدل الضمير بالمنفعة، والموقف بالفرصة. إنهم ليسوا شهود عصر، بل شهود خطابٍ مُكيَّف، يقدّمون تاريخًا مُعلّبًا على مقاس السلطة، ثم يدّعون الحياد وهم غارقون في وحل التبرير. سالم القطامي

  نموذج المتثاقف المُؤجَّر في المنفى بقلم: سالم القطامي في الغربة، وخصوصًا في فرنسا، تعرّفتُ — برأيي — إلى نماذج سيئة من المتثاقفين والمتش...