كان لا بد من تلخيص المقالات الثلاث ، المتعلقة بدراسة جذور كراهية الفاتيكان للقرآن الكريم من خلال محاور القرآن والأناجيل ، القرآن وتأليه يسوع ، القرآن وأهل الكتاب ، وذلك لكى تتضح الرؤية فى نظر القارئ بصورة متكاملة.
لم يحدث أن تم تحريف نص دينى منزّل مثلما قام اليهود والنصارى بتحريف نصوص التوراة والإنجيل. لذلك تم إعادة تنزيل رسالة التوحيد لثالث وآخر مرة من خلال القرآن الكريم ليأتى بالإسلام ، ويعنى أن يسلّم الإنسان نفسه بكل ثقة واطمئنان إلى الله سبحانه وتعالى. لكن رجال الكهنوت والمبشرين والمستشرقين وكل الذين اتبعوا خطواتهم تباروا لإلصاق تهمة الإرهاب بالإسلام فى محاولة مستميته لاقتلاعه من العالم.. وذلك ليس منذ أحداث المسرحية المصنوعة محليا بعنوان 9/11 ، وإنما منذ أن بدأ الإسلام ينتشر. وقاموا بتقديمه على أنه عدوانى النزعة وهرطقة لا بد من إقتلاعها، مع العمل على التلاعب فى تقديم الآيات وبترها أو عدم ذكرها من باب المغالطة.
بل لقد قاموا بإنشاء معاهد ومؤسسات لدراسة القرآن وتمحيصه ، لا لفهمه أو لتطبيقه وإنما لتدارس كيفية محوه .. فهى حرب ممتدة تتواصل من القرن السابع الميلادى حتى يومنا هذا ، إعتمادا على كافة المجالات حتى الإنترنت !
ورغمها ، فإن القرآن والإسلام والمسلمين مازالوا باقون وسيزالوا موجودين بفضل إرادة الله عز وجل الذى خلقنا لنتعارف ونتبادل الخبرات ونتعاون على تطور الدنيا وتقدمها.
والقرآن الكريم لم يحرّض أبدا على اقتلاع الآخر ، حتى الكفرة ، ويقوم بالتفرقة بين ما يتعلق بالمؤمنين من أهل الكتاب والفاسقين منهم. فهو يحتوى على آيات تحث على معاملة أهل الكتاب بالتى هى أحسن ، وهى السمة التى يجب أن تتصدر العلاقة معهم فى معاملات الحياة اليومية ، نذكر منها :
*"ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتى هى أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين"(النحل 125) ؛
* "ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتى هى أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنّا بالذى أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون" (العنكبوت 46).
وهنا لا بد من توضيح أن هذه الآيات الأخيرة يقول فيها الله عز وجل للمسلمين أن يقولوا لأهل الكتاب "إلهنا" أى ربنا نحن المسلمون ، الإله الحق خالق الكون ، وليس يسوع المسيح الذى تم تأليهه ، "إلهنا وإلهكم واحد" أى أن ربنا نحن وربكم واحد لأن يسوع النبى الذى تم تأليهه ليس بإله وإنما هو نبى من الأنبياء. وذلك لأن هذه الجزئية من الآية تحديدا قد تم استخدامها على عكس ما تقول فى أحد لقاءات الحوار بين الأديان التى ابتدعها وفرضها مجمع الفاتيكان الثانى ، زاعمين أن القرآن الكريم يقول إن إله المسيحيين ، أى يسوع ، هو إله المسلمين !!
لذلك نرى أن كل تلك البدع من تأليه يسوع ومقولة ابن الله وغيرها من الانحرافات نجدها موجزة بكلها فى سورة الإخلاص التى تفنِّد كل هذه الخدع من تأليه يسوع وبنوته لله والثالوث ، وتؤكد على التصعيد المطلق لوحدوية الله سبحانه وتعالى . وهى سورة تمثّل فى نفس الوقت الجدار الذى لا يمكن اجتيازه أو الإلتفاف حوله الذى يفصل بين المسيحيين والمسلمين :
*"قل هو الله أحد/ الله الصمد/ لم يلد ولم يولد/ ولم يكن له كفوا أحد"(الإخلاص 1ـ4).
وكذلك فإن القرآن الكريم يتضمن آيات مرتبطة بمضمون السورة ومن هنا لا يمكن أن يُطلق عليها أنها "آيات تحث على الشر وعلى الصراع" أو "على الإرهاب" كما يقولون ، بما أنها فى الواقع عبارة عن توجيهات للمسلمين عليهم أن يتبعونها فى حياتهم اليومية . فالقرآن الكريم لم يسمح للمسلمين أن يدافعوا عن أنفسهم ضد هجمات الوثنيين أو أهل الكتاب إلا بعد عشر سنوات مما كانوا يعانونه من اليهود والنصارى. وهنا لا بد من تحديد أن هذه الموافقة برد الإعتداء كانت مشروطة ومقننة ، كما فى الآيات التالية :
*"وقاتلوا فى سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لايحب المعتدين / واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من القتل ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين / فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم / وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين" (البقرة 190ـ193).
وتظل الفرية الكبرى من جانب الكنيسة ، من الفاسقين من أهل الكتاب ، الذين يدّعون أن القرآن الكريم "يتهم" الكتاب المقدس بأنه محرف !! القرآن "يتهم" .. ولقد أوضحنا فى المقالات الثلاثة السابقة إلى أى درجة يُعد هذا "الإتهام" حقيقة واقعة ، بما أن كل ما يقوله القرآن عن التلاعب بالنصوص ليس مجرد إتهام وإنما هو منزّل من عند الله وكشف فيه ما تم فعله وما يفعلونه حتى يومنا هذا .. ولا يمكن أن يكون الكلام أكثر وضوحا وصدقا ، وليس "إتهاما" بما أنه قد ثبت من خلال كل الأعمال والأبحاث التى قام بها علماء مسيحيون أو ملاحدة أو حتى من رجال الكنيسة ، وأثبتوا فيها كل ما أتى به القرآن الكريم حتى من عبارات من قبيل تحريف وتبديل وإخفاء .. لذلك ليس من المبالغ فيه أن نقول كيدوا كما تشاؤن فانتم المسئولون عن أنفسكم أما الله سبحانه وتعالى :
*"...ولا تكسب كل نفسٍ إلا عليها ولا تزر وازرة وِزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فيُنبئكم بما كنتم فيه تختلفون" (الآية ، الأنعام 164) ؛
* "ولا تزرُ وازرة وِزر أخرى وإن تدعُ مثقلة إلى حِملها لا يُحمل منه شئ ولو كان ذا قربى ..." (الآية، فاطر 18).
ولكى نلخّص مجمل المقالات الثلاثة السابقة من هذا البحث المتعلق بالفاتيكان والقرآن ، لكى نفهم جذور أو سبب تلك الكراهية المتأصلة فى النفوس ، نجد :
أن القرآن الكريم كان أول من نبّه وأدان عمليات التحريف والتزييف التى تمت فى الكتاب المقدس بعهديه، باستخدام نفس الكلمات التى سيستخدمها العلماء والباحثون فيما بعد ، للإشارة إلى كل ما تم من تلاعب بالنصوص . وذلك فى مطلع القرن السابع الميلادى ، أى عندما كان من المحال اكتشاف أى تلاعب تقوم به الكنيسة لأنها كانت تستخدم سلطاتها الرادعة وتبرع فى إخفاء كل ما تقوم به من تحريف وتلاعب.. والقرآن الكريم يؤكد تحريف النصين المنزلين : التوراة والإنجيل ، ويرفض تماما بدعة تأليه يسوع التى هى سُبّة تتفطّر منها السماوات وتنشق منها الأرض وتخر لها الجبال هدا ! والقرآن الكريم يثبت أن يسوع نبى من الأنبياء المكرمين ، بل إن إيمان المسلم لا يكمل إلا إذا آمن بيسوع النبى وبكل من سبقه من الأنبياء .
والقرآن لا يضع اليهود والنصارى فى سلة إدانة واحدة وإنما يفرّق بين المؤمنين والفاسقين منهم ، بين الذين زيّفوا وحرّفوا وبين الذين لا يشركون بالله عز وجل.
ولقد أعلن يسوع عن مجئ نبى من بعده يكمل رسالته أو يستكمل ما لم يتمكن هو من إتمامه . وهو نبى يوحى إليه المولى عز وجل بالسمع والإلهام ويقوم هو بتبليغ الرسالة بالكلمة ، التى هى القرآن الكريم. والفراقليط هذا الذى أعلن عنه يسوع عليه السلام هو سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام بكل تأكيد ، وهو ما يعرفه العلماء من أهل الكتاب لكنهم يخفون الحقيقة كفرا وحقدا .. لأن كل رسالة سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام تلقاها وحيا وهو كان يبلّغها بالكلمة ، بالقول . وهو ما قاله يسوع النبى عليه السلام. إلا أن الكنيسة تصرّ على التحريف هنا أيضا وتقول أن المقصود به الروح القدس ، المواسى أو المعزّى ! والروح القدس بالنسبة للكنيسة هو أحد الأقانيم الثلاثة المكونة لربهم ، أو هو ثلث الثالوث . فكيف يمكن لجزء من هذا الرب الثلاثى وهو هنا الروح القدس ، أن يأتى ليكمل عمل الجزء الثانى من نفسه الرب الذى لم يتمكن يسوع/الرب الأقنوم الثالث من عمله ؟! أو بقول آخر كيف يمكن لجزء من هذا الثالوث أن يكون بحاجة إلى الإلهام من نفسه ؟! وهنا أيضا لا بد من إضافة أن لعبة الفراقليط هذا قائمة على خطأ فى ترجمة كلمة "باراكليت" و "بيريكليتوس"، مثل الكثير من الأخطاء والمتناقضات القائمة على أخطاء فى الترجمة من اليوناني إلى اللاتينية أو باقى اللغات ..
وبما أن القرآن الكريم لا يمكن أن يتم تحريفه لأن الله وعد بحفظه ويؤكد إظهاره على كل الأديان بوضوح، فلا بد من أن نسأل هؤلاء الفسقة المتعصبين من أهل الكتاب : لماذا تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون ؟ لماذا تخلطون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون ؟ لماذا تصدّون من يؤمن بسبيل الله ؟ ولماذا تبغونها عوجا وتصرّون على تضليل المسلمين وتنصيرهم وأنتم شهداء وتعلمون أنهم يتبعون الطريق المستقيم ؟! وفى واقع الأمر أنتم لا تضلون إلا أنفسكم وكل الأتباع الذين ينساقون لكم ، لأنه مكتوب أن كلمة الله راسخة ثابتة لانهائية :
*"... لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم" (الآية ، يونس 64) ؛
* "... ولا مبدّل لكلمات الله ..." (الآية ، الأنعام 34).
وفيما يلى آيتين توضحان بصورة شاعرية يمكن إدراكها بالعقل البشر ، توضح كيف يمكن لكلام الله عز وجل أن يكون لا نهائ وباق إلى الأزل :
*"قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربى لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربى ولو جئنا بمثله مددا" (الكهف 109) ؛
* "ولو أن ما فى الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم" (لقمان 27).
الآن وقد أدركنا سبب هذه الكراهية بوضوح وبالإثباتات ، نتوجه إلى كل هذه القوى ، قوى الشر التى ستجتمع فى سينودس الأساقفة ، الذى سينعقد فى شهر أكتوبر القادم لتخطيط كيفية تنصير العالم ، لنقول لهم :
ألم يحن الوقت لتضعوا حدا لهذا العداء الممتد وهذه الكراهية التى تغذونها بالتضليل ، وتدركوا أن المسألة ليست عداوة ولا منافسة ولكن استمرار وتصويب منطقى لرسالة التوحيد ؟ لقد قمتم بالتحريف والتزييف والتلاعب والتغيير فى نصوص منزّلة ، وتواصلون عداءكم لاقتلاع القرآن والإسلام والمسلمين بدلا من فهم معنى كلام الله سبحانه وتعالى ..
ألم يحن الوقت بعد أربعة عشر قرنا من المذابح ومحاولات الإبادة والإقتلاع أن تنهوا هذه العداوة من جانبكم ؟ أليس أكثر إنسانية أن تجنّبوا البشرية ما تعدونه من مكائد لتنصير العالم وتنزعوا من صدوركم هذه الكراهية لتفهموا كلام الله وتتركوا الناس تعيش فى سلام ؟!
خريطة نشرتها بعض الجرائد الفرنسية توضح نسبة المسيحيين فى لبنان وهم 18,7% من التعداد وفى اليوم التالى تم سحب الخريطة ورفع النسبة إلى 35% فى معظم المقالات رغم شكوة البابا من هجرتهم !
تمثل زيارة البابا بنديكت 16 للبنان (14ـ16/9/2012) الحلقة الثالثة والأخيرة ، فرضا ، من منظومة تدخلاته السافرة فى منطقة الشرق الأوسط ، بزعم حماية الأقليات المسيحية التى "تعانى من الإضطهاد" كما يقول .. فقد أعرب عن أمنيته هذه حين كان فى قبرص ، فى يونيو 2010 ، حيث أطلق صيحته بضرورة عمل سينودس أساقفة لتدارس الوضع فى الشرق الأوسط. وتم له ذلك فى أكتوبر 2010 بعد أن أرسل لهم الخطوط العريضة التى عليهم تناولها ، لتبدو قراراتهم وكأنها نابعة من كافة الأساقفة ، فيما يتعلق بمستقبل المسيحيين فى الأراضى المقدسة وما يحيط بها من مصر إلى العراق .. وبعد ثلاثة أسابيع من المناقشات والتداول بين كافة أساقفة المنطقة والعديد من الخبراء ، أصدروا الوثيقة التى سبق وتناولتها بعنوان "سينودس الشرق الأوسط" والتى بنى عليها بنديكت 16 وثيقة "الإرشاد الرسولى" التى وقّعها فى لبنان، وتعد بمثابة البرنامج التنفيذى الذى ستتبعه جميع الكنائس فى الشرق الأوسط لنشر المسيحية بزعم حماية أتباعها ...
شارة زيارة البابا : شجرة الإرز رمز لبنان وعليها صورة السيدة مريم رمزاٌ لتنصير لبنان بالكامل..
وقبل تناول نص هذه الوثيقة تجدر الإشارة فى عجالة إلى أصل لبنان ، فقد أوضحت العديد من الصحف التى تناولت موضوع الزيارة "أنه البلد الوحيد فى العالم العربى الذى يترأسه مسيحى ، حتى وإن كان المسيحيون يمثلون 35 % من الشعب اللبنانى الذى 65 % منه مسلمين" ! ومن الواضح أنه تم تعديل النسبة ورفعها بعد سحب الخريطة التى كانت توضح ان نسبتهم 18.7 %. وتشير معظم هذه الجرائد "أن بلد الإرز كما يطلقون عليه تم تخليقه بعد الحرب العالمية الأولى وهزيمة الدولة العثمانية ، وتم تفصيله ليكون بلدا مسيحيا، وتم تحديد أن يكون رئيس الدولة مسيحى مارونى، ورئيس الوزراء مسلم سنى، ورئيس البرلمان مسلم شيعى ؛ كما ينص القرار على أن تكون عضوية البرلمان مناصفة بين المسيحيين والمسلمين ، ونفس الشئ بالنسبة للوظائف المدنية" ! وبعد هذه التقسيمة المغرضة وغير العادلة يقولون أن النفوس محتقنة وأن المسلمين إرهابيون ، وأن المسيحيين مضطهدون فى كل مكان فى الشرق الأوسط !
ورغم الأحداث الجارية فى المنطقة فقد رفض البابا تأجيل زيارته للبنان لأن تفعيل وتنفيذ "الإرشاد الرسولى" أو خارطة الطريق التى أتى لتسليمها لكنائس الشرق الأوسط مرتبطة بما بعدها من أحداث ، أى بالسينودس الذى سوف يُعقد فى الفاتيكان فى ألشهر القادم ، من 7 ـ 28 أكتوبر ، تحت عنوان "التبشير الجديد لنشر الإيمان المسيحى" والذى يواكب فى نفس الوقت الإحتفال بمرور خمسين عاما على بداية أعمال مجمع الفاتيكان الثانى (1962ـ1965) الذى قرر تنصير العالم ، والإحتفال ببداية تخصيص عام "للإيمان المسيحى" .. وكلها أحداث متسلسلة ومتواكبة من أجل تنفيذ قرار تنصير العالم.
ويمكن تلخيص هدف هذه الزيارة فى عبارات لها مغزاها ، صاغتها الصحافة الفرنسية حين أوضحت "أن البابا أتى لتشجيع المسيحيين على عدم بيع ديارهم للمسلمين ، والبقاء فى بلدهم ، وعدم الهجرة لكى لا تتحول لبنان إلى مجرد متحف مفتوح ، وهو ما يرفضه الفاتيكان رفضا قاطعا" ، وبديهى أن المقصود بالمتحف هو الآثار والأماكن والمنازل المسيحية وقد خلت من المسيحيين ! وأعرب المتحدث الرسمى بإسم الفاتيكان قائلا : "أن الوثيقة عبارة عن برنامج أساسى لحياة الكنيسة ورسالتها التبشيرية فى الشرق الأوسط ، ودورها الرئيسى فى الحوار ومع السلام" !!
وهو ما يكرره الأب عبده أبو قاسم ، المسؤل عن الإتصالات أثناء زيارة البابا : "إن البابا يطلب منا أن نقاوم وأن نبقى فى الشرق الأوسط لإتمام مهمتنا كشهداء للمسيح ، لكنه يطلب منا أن ننمى علاقات طيبة مع كل شخص وتحديدا مع المسلمين المحيطين بنا. إن ما يطلبه منا هو أن نظل نشطاء وألا نترك هذه الأرض والا نعتبر أنفسنا أقلية فى خطر" ..
وفى الخطاب الذى ألقاه بنديكت 16 فى حفل توقيعه على وثيقة "الإرشاد الرسولى" قال بوضوح :
"إن الوثيقة خاصة بإقامة الكنيسة العالمية وتكتسى أهمية خاصة بالنسبة لمجمل الشرق الأوسط (...) ، وأن المصادفة الإلهية وحدها شاءت أن يتم توقيعها يوم عيد الصليب ، الذى أُنشئ عام 335 [أى بعد عشر سنوات من تأليه المسيح] ، عند إنشاء كنيسة البعث التى شيدها الإمبراطور قسطنطين. و خلال شهر سنحتفل بمرور 1700 عام على الرؤية التى لاحت للإمبراطور ورأى الصليب يفترش السماء بينما صوت يدوى قائلا له : "بهذا سوف تُقهِر "، وبعدها قام قسطنطين بتوقيع مرسوم ميلانو (...). ثم يواصل البابا قائلا : "ويبدو لى أنه يجب قراءة وثيقة "الإرشاد الرسولى" وتفسيرها على ضوء عيد الصليب المجيد وخاصة على ضوء شارة إسم المسيح ، قراءة تؤدى إلى إعادة إستكشاف هوية المسيحيين وهوية الكنيسة" .. (ومرسوم ميلانو ، لمن لا يعرف ، هو المرسوم الذى أصدره قسطنطين فى القرن الرابع وسمح فيه للمسيحيين أن يمارسوا ديانتهم مثلهم مثل الديانات الوثنية الأخرى ، دون أن تتم مضايقتهم أو إزعاجهم ،).
ثم تناول البابا فى خطابه ذلك السينوس الذى أقيم فى أكتوبر 2010 ، وكانت هذه الوثيقة نتيجة له، قائلا بنفس الوضوح أيضا :
"إن الآباء المجتمعين قد تدارسوا أفراح وآلام ومخاوف أتباع المسيح الحىّ فى هذه الأماكن ، وكل الكنيسة سمعت صرختهم ورأت نظراتهم اليائسة وهم يعيشون مواقف إنسانية ومادية صعبة ، يعيشون توترات شديدة من الخوف والقلق ، ويريدون إتّباع المسيح لكن كثيرا ما يتم منعهم . فبتوجيهاته الإنجيلية والرعوية وبدعوته إلى التعميق اللاهوتى ونداءاته للحوار فإن هذا "الإرشاد الرسولى" يسمح لنا بإعادة تأمل الحاضر لمواجهة المستقبل بنفس نظرة المسيح . إنها توجيهات ترمى إلى تحديد الطريق للعودة إلى الأساسى وهو : إتباع خطى المسيح، وذلك فى مناخ صعب ، قد يؤدى إلى إغراء تجاهل أو نسيان الصليب المجيد" !
ثم يتناول البابا نقطة أخرى لها مغزاها قائلا :
"إن هذا الإرشاد يفتح الطريق إلى حوار حقيقى بين الأديان ، قائم على إله واحد وخالق . (...) أنها وثيقة تستلهم قواها من وصية الذى صحى من الموت ، إذ قال : "إذهبوا وكرزوا كل الأمم باسم الآب والإبن والروح القدس" .. وقد تغافل البابا أن هذا الثالوث الذى يضعه على لسان يسوع قد تم إختراعه وفرضه على الأتباع فى مجمع القسطنطينية سنة 381 ، فكيف يوجد فى الأناجيل التى صاغها بشر، كما يقول الفاتيكان، فيما بين النصف الثانى من القرن الميلادى الأول ومطلع القرن الثانى ؟؟
ثم قام بتوسيع نطاق مناشداته قائلا : "أننى أناشد المجتمع الدولى ! أناشد البلدان العربية حتى تقوم بإقتراح الحلول التى تسمح بالتعايش وتحترم كل إنسان وتحترم حقوقه وديانته ! فمن يريد بناء السلام يجب أن يكف عن أن يرى فى الآخر شر يجب إقتلاعه. فليس من السهل أن نرى فى الآخر شخصا علينا إحترامه وحبه ، ورغمها فذلك ضرورى إن كنا نود بناء السلام، إن كنا نود الأخوة" .. ويا لها من إسقاطات !
ثم راح يشرح معنى كلمتا "الشراكة" و"الشهادة" اللتان تمثلان العنوان الفرعى لهذه الوثيقة ، ويطالب بتنفيذهما قائلا :
"الشراكة تعنى الإنضمام الفعلى للمسيح ، والشهادة هى إشعاع لسر المناولة وعيد الفصح الذى يعطى كامل معناه للصليب المجيد" .. وهى أحد المطالب الرئيسية للبابا فى إرشاده الرسولى. ثم نصل إلى آخر فقرة فى خطاب حفل توقيع هذه الوثيقة إذ يقول البابا لأتباعه بلا مواربة :
"لا تخشى أيها القطيع الصغير وتذكر الوعد الذى تم لقسطنطين : "بهذه العلامة سوف تُقهِر" ثم وجه خطابه للكنيسة قائلا : "كونى بلا خشية ، كنيسة الشرق الأوسط ، فالرب معك حتى نهاية العالم . لا تخشى شيئا فالكنيسة العالمية تصاحبك بقربها إنسانيا وروحيا ! وعلى الأتباع أن يعملوا بهذه المشاعر والآمال والتشجيع بفاعلية من أجل الإيمان بالشراكة والشهادة" ..
وقد آثرت بداية المقال بتقديم ما قاله بنديكت 16 عند توقيعه على وثيقة "الإرشاد الرسولى" فكل العبارات التى قالها مأخوذة من الوثيقة وبأرقامها، وكأنها تمثل فى نظره أهم ما تحتوى عليه فيما عدا تعليماته اللاهوتية من أجل ضرورة توحيد كافة الكنائس للتصدى للإسلام.
وتتكون الوثيقة من مقدمة وثلاثة فصول وخاتمة ، وتقع فى 92 صفحة، موزعة تعليماتها على مائة بند. ننقل منها بعض المقتطفات ليرى القارئ ما يرمى إليه البابا بحضوره إلى لبنان :
* "إن كانت الشراكة موجهة تحديدا إلى المسيحيين بسبب إيمانهم الرسولى، فذلك لا يعنى أنها ليست موجهة لأخواننا اليهود والمسلمين وإلى كل إنسان ، فالجميع مأمورون بأن يكونوا شعب الله. والكنيسة الكاثوليكية فى الشرق الأوسط تعرف أنه لن يمكنها إتمام ذلك على مستوى توحيد الكنائس وبين الأديان إن لم تعش ذلك كاملا وبين كافة تدرجات الوظائف الكنسية" (3).
* "المسيحيون يعرفون أن المسيح وحده الذى مر بتجربة الموت والبعث هو الوحيد القادر على أن يأتى بالخلاص والسلام لكافة سكان هذه المنطقة" (8).
* " إن الكنيسة أيضا تساند وتشجع كل الجهود من أجل السلام خاصة فى الشرق الأوسط . فهى لا تضن بجهودها وبأساليبها المختلفة لمساعدة الناس على أن يعيشوا فى سلام ، وهى تثمّن أيضا الترسانة القانونية الدولية التى تساندها" (10).
* "إن الحوار بين الأديان قائم على الأسس اللاهوتية التى تناشد الإيمان وهى ناجمة عن النصوص المقدسة وموضحة فى وثيقة "العقائد الكنسية" ، و"نور الأمم" ، و"فى زماننا هذا" ، بما أن اليهود والمسيحيين والمسلمين يؤمنون بالإله الواحد خالق كل البشر. ليت اليهود والمسيحيون والمسلمون يعيدوا استكشاف إحدى الرغبات الإلهية وهى وحدة العائلة الإنسانية. و بدلا من أن تستخدمها الصراعات المتكررة وغير المبررة للمؤمن الأصيل ، فإن الإعتراف بإله واحد يمكنه المساهمة فى السلام والحياة المحترمة بين سكان المنطقة" (19).
* "إن الكاثوليك فى الشرق الأوسط ، الذين أغلبيتهم مواطنون أصليون من واجبهم المساهمة فى الحياة الوطنية بالعمل على تشييد وطنهم. ويجب أن يتمتعوا بمواطنة كاملة وألا تتم معاملتهم كمواطنين أو مؤمنين من الدرجة الثانية. ومثلما كانوا فى الماضى رواد النهضة العربية وكانوا جزء لا يتجزأ من الحياة الثقافية والإقتصادية والعلمية فى مختلف حضارات المنطقة ، فهم يرغبون اليوم أن يتقاسموا تجاربهم المعيّنة مع المسلمين" (25).
* "إن الحرية الدينية هى قمة الحريات وهى حق مقدس وغير قابل للنقاش. فهى تتضمن على المستوى الفردى والجماعى حرية أن يتبع الفرد ضميره فيما يتعلق بالدين وحرية العبادة. كما تتضمن حرية إختيار الديانة التى نراها أنها الحقيقية وأن نمارسها علنا. يجب أن يتمكن الشخص من ممارسة ديانته وإعلان رموزها بحرية دون أن يعرض حياته للخطر (...) وبالنسبة للمسلمين فهم يتقاسمون مع المسيحيين قناعة أنه لا إكراه فى الدين وخاصة بالقوة. فهذا القهر الذى يمكن أن يأخذ أشكالا متعددة على المستوى الشخصى والجماعى والإدارى والسياسى مخالف لإرادة الله" (26).
* "لا تخشوا ولا تخجلوا من الإعراب عن صداقتكم للمسيح فى المجال الأسرى والعام. قوموا بذلك مع مراعاة المؤمنين الآخرين ، اليهود والمسلمين ، الذين تتقاسمون معهم الإيمان بالله خالق السماء والأرض. لا تخشوا ولا تخجلوا كونكم مسيحيون" (55).
* "إن توصيل الإيمان المسيحى هو الرسالة الأساسية للكنيسة. ولكى نواجه تحديات العالم اليوم ، دعيت أتباع الكنيسة إلى تبشير جديد. ولكى تأتى بثمارها لا بد وأن نظل فى الإيمان بيسوع المسيح. وفى المواقف المتغيرة الحالية فإن هذا التبشير الجديد يود أن يعلّم الأتباع بأن شهادته تعطى القوة حين يتحدث بصراحة وبشجاعة عن نبأ الخلاص السعيد. لذلك فإن الكنيسة الكاثوليكية الموجودة فى الشرق الأوسط بمساعدة الكنيسة العالمية مدعوة للمساهمة فى هذا التبشير مع مراعاة التمييز بين المضمون الثقافى والإجتماعى الحالى ، والتمييز بين تطلعاته وحدوده" (74).
* "التعريف بإبن الله الذى مات وصحى أنه المنقذ الوحيد للجميع ، هو واجب أساسى مكوّن للكنيسة ومسؤلية قهرية على عاتق كل مسيحى (...) أننى أقوم بتشجيع المؤسسات الدينية والحركات على تطوير حقيقى للنفحة التبشيرية التى ستكون بالنسبة لهم تجديدا روحيا. ومن أجل هذه المهمة فإن الكنيسة الكاثوليكية فى الشرق الأوسط يمكنها الإعتماد على الكنيسة العالمية" (88).
والبابا الذى وضع رحلته إلى الشرق الأوسط تحت لافتة "السلام" ، لم يشر بحرف واحد إلى الصهيونية التى ترتع فى فلسطين ، وفى كل منطقة الشرق الأوسط ، ولا أية همسة عن 280000 إنسان من اللاجئين الفلسطينيين المكدّسون فى مخيمات مريرة فى لبنان ، ولا أية إشارة أو إدانة إلى التدخل الإجرامى لمنظمة حلف الأطلنطى فى ليبيا وقتلها آلاف الأبرياء ، ولا تورّط هذه المنظمة فى الحروب الجارية بمساعدة بعض القادة المسلمين الخونة لدينهم وبلدانهم، بل ولم يشر إلى الإعتداءات الصهيونية على المنشآت المسيحية فى الأراضى المقدسة والتى يقول عنها بعض اليهود المتعصبين : "إن تلطيخ الرموز الدينية المسيحية واجب دينى بالنسبة لنا"، ولم ينطق بحرف عن ذكرى مجزرة صبرا وشاتيلا التى وافقت ذكراها نفس أيام وجوده فى لبنان ، وهى المجازر التى قامت بها الميليشيات المسيحية اللبنانية بمساعدة بعض الصهاينة والسلطات الفرنسية والتى لم يتم محاكمة مرتكبيها حتى اليوم بعد مرور ثلاثين عاما.. فكل الذى يعنيه هو الإعلان عن تنصير الشرق الأوسط بمساعدة الكنيسة العالمية وبمساعدة ترسانة القوانين الدولية التى ستسمح له بذلك ..
وفى نهاية هذا العرض الخاطف لبعض ما تحويه الوثيقة من وضوح الأهداف ، ولما تعنيه زيارة البابا بنديكت 16 إلى لبنان ، لا يسعنى إلا أن اقول بكل أسف : ألف تحية لك يا بنديكت ، فقد بح صوتى للتحذير مما يدور منذ عشرات السنين ومما تقوم به أنت منذ توليك كرسي البابوية إعتمادا على الأكاذيب ولىّ الحقائق وعمليات الإسقاط على الآخر حتى وصفتك صحيفة "ليبراسيون" الفرنسية بعبارة "كذاب محترف".. لكن لا حياة لمن أنادى من المسئولين فى العالم الإسلامى والعربى ، الذين بيدهم الكثير إن أرادوا فعلا الدفاع عن الإسلام ...
ألف تحية لك يا بنديكت ، يا من تجيّش الجيوش والمؤسسات السياسية والإجتماعية والدينية والقانونية لتساندك ، وتستميت لفرض مسيحيّتك على العالم ، وأنت أول من يعرف مدى تحريفها وتحريف نصوصها وتبديلها وتزويرها بل وكيفية صياغتها عبر المجامع على مر العصور، وهو ما أبعد الأتباع عنها فى الغرب حينما أكتشفوا حقيقة كل ذلك فألحدوا أو كفروا بالدين .. لكنك لا تبالى ، وتواصل عمليات فرض التزوير المتواصل بأكبر طاحونة للتزوير..
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق