تعد المقاهي من معالم المدينة الحديثة, شرقا وغربا . فالمقهى هو محط رحال بالنسبة الى المستعدين لسفر او الوافدين منه. وهو المكان الذي يحتضن الفرد والجمع على السواء. انه مكان لقاء ونقاش وتفاعل واسترخاء وتسلية. وهو يبدو, بالإضافة الى ذلك, م ط لا يحول الخارج الى فرجة ومشهد, فيبدو الجالس داخل المقهى كأنه امام حفل مشهدي لا بداية له ولا نهاية. من ضمن هذا المنظور هل يمكن ان نتخيل مدينة باريس من دون مقاهيها, مقاهي الرصيف التي تتناقل الألسن اخبارها كأنها صروح فعلية من صروح المدينة العريقة التي يؤمها سنويا اكبر نسبة من السياح في العالم؟ وبعض هذه المقاهي كان مسرحا للعديد من الافلام السينمائية المعروفة, كما كان ملتقى للادباء والفنانين والمبدعين في مختلف المجالات الإبداعية. من مقهى "لوبروكوب" الاقدام في باريس واوروبا والذي كان يجمع في القرن التاسع عشر كبار الشعراء والمثقفين الفرنسيين وفي مقد مهم كل من ارتور رامبو وبول فيرلين, الى مقاهي المونبارناس في باريس التي عرفت بوصفها مقاهي الادباء والفنانين الطليعيين من جنسيات مختلفة في النصف الاول من القرن العشرين, وكان يرتادها من هؤلاء: الاسباني بيكاسو والانكليزي بايكن والايطالي موديلياني والروماني الاصل ايونسكو, وكذلك المغربي ادمون عمران المالح الذي لا يزال يقيم في الحي ذاته. وفي مقهى "لاكوبول", التقى في العشرينات من القرن الماضي الشاعر الفرنسي اراغون بإلسا تويوليه الآتية من موسكو, وعرف الاثنان منذ اللقاء الاول الذي جمعهما في المقهى ان لقاءهما طويل الامد وسيستمر حتى نهاية الرحلة, على الرغم من قصيدة اراغون المعنونة" لن نشيخ معا ". في مقهى آخر يدعى "لي دوماغو" في شارع" سان جيرمان دي بري" كان يلتقي ايضا الثنائي الشهير الآخر جان بول سارتر وسيمون دوبوفوار. ولا ننسى الدور الذي لعبته المقاهي في الانتفاضة سنة 1968 بحيث شكلت الفسحة الضيقة للمقهى الواجهة الامامية لتلك المعارك التي اشتعلت بين الطلاب والشرطة في شوارع العاصمة الفرنسية. وحتى بعدما انتهى العصر الذهبي للمقاهي الثقافية, فلا تزال باريس تحتضن عددا من المقاهي التي يؤمها بصورة دورية الأدباء والفنانون والفلاسفة ويحيون فيها نقاشات ولقاءات ساخنة. لقد أسس نشوء المقاهي الى اجتماع من نوع آخر. وكانت المقاهي انتشرت, اول ما نتشرت, في الشرق, وجاءت امتدادا لارتشاف القهوة وتذوقها. ومن المعروف ان عادة تناول القهوة بدأت في اليمن مطلع القرن السادس عشر ثم انتشرت في الجزيرة العربية قبل ان تصل الى العديد من المدن الشرقية: اسطنبول ودمشق والقاهرة وحلب وبيروت وغيرها من مدن الامبراطورية العثمانية في حينها. ولقد توزعت المقاهي في البداية قرب المساجد والى جانب الاسواق والحمامات وشكلت مظهرا من مظاهر الحياة الاجتماعية المستحدثة. الا ان ارتياد المقاهي واحتساء القهوة ما كانا دائما بالامر السهل ذلك ان بعض المؤرخين كشف كيف ان تناول القهوة كان يعد مشروبا محرما وذلك في بداية انتشارة في اسطنبول عاصمة الامبراطورية العثمانية في القرن السادس عشر, حتى قيل إن احد السلاطين امر بإغراق السفن المحملة بنا . وفي كتاب بعنوان" مقاهي الشرق" الصادر في باريس عن دار" مركز الابحاث العلمية" (اشرف عليه كل من فرنسوا جورجون, الباحث في تاريخ الامبراطورية العثمانية, وإيلين غريغوار, عالمة الاتنولوجيا المتخصصة في الشرق الاوسط), ورد حكاية مفادها ان السلطان مراد الرابع الذي حكم في النصف الاول من القرن السابع عشر طالب بالموت لكل من تسول له نفسه احتساء القهوة, وكان يتنكر في الليل والنهار بحثا عن الذين يعصون اوامره ليعتقلهم ويحاكمهم. ولم تبدأ عادة تناول القهوة بشكل واسع في المجتمع الاسطنبولي, وبصورة طبيعية, اي بلا خشية ولا خوف من ملاحقة, الا في القرن الثامن عشر وفي المقاهي التي عرفت بالتركية باسم "قهوة خانة" التي كان يرتادها موظفو الدولة والشعراء والادباء لتمضية الوقت وإحياء النقاشات. ولقد تحولت اسطنبول الى مقهى كبير في القرن التاسع عشر بعدما انتشرت المقاهي ليس فقط قرب الجوامع بل ايضا على ضفاف البوسفور وفي جميع المناطق. وكما في اسطنبول كذلك الامر بالنسبة الى سائر مدن الامبراطورية العثمانية كالقاهرة ودمشق وحلب حيث ترك المقهى اثرا في العلاقات الاجتماعية, بل ان بعض مؤرخي دمشق اعتبر ان المقاهي لعبت دورا مهما في الاربعينات والخمسينات من القرن التاسع عشر لانها شهدت ما عرف باسم اليقظة العربية وفيها تبلور الوعي الأدبي والسياسي, هذا بالاضافة الى تحول بعض مقاهي سوريا, في دمشق وحلب بالاخص, الى مسرح يروي فيه الحكواتي ـ لا سيما في شهر رمضان المبارك ـ سيرة عنترة والظاهر بيبرس. ولا يزال هذا النمط من المقاهي قائما في دمشق حتى اليوم على الرغم من تغير الاوضاع الاجتماعية وانتشار التلفزيون في المنازل. يبقى ان نشير الى الدور الذي لعبته مدينة بيروت حتى بداية الحرب الاهلية في منتصف السبعينات من القرن العشرين . فلقد شهدت تلك المقاهي ولادة تيارات فكرية وادبية حديثة وكانت مسرحا لتبادل الآراء وللقاء المثقفين العرب الآتين من دول عربية مختلفة, كما كانت منبرا للشعراء والفنانين والإعلاميين, اي انها كانت رمزا من رموز الثقافة الحديثة التي كانت بيروت مسرحا لها. |
بداية الصفحة |
القاهرة ـ أحمد عبدالفتاح:
عندما وج ه جمالي الغيطاني سؤاله الى كاتبنا الكبير نجيب محفوظ حول اثر المقاهي على إبداعه صمت قليلا وكأنه يتذكر لحظات ميلاد إبداعه التي شهدتها المقاهي.. وأوضح ان جلسات السهر واللعب والضحك على مقهى الفيشاوي من الصعب ان ينساها.. وانه كان يجلس بالساعات على المقهى ولا يمل حيث كان يراقب الوجوه والشخصيات ويراقب تفاصيل الحياة.. مؤكدا ان المقهى هو النافذة الاساسية التي كان يطل منها على الحياة.. وهي نافذة تكشف الكثير لكنها بحاجة الى عين خاصة تستطيع ان تتأمل تلك التفاصيل اليومية التي يشهدها هذا المكان الخاص جدا ! وقد ظهر دور المقهى في ابداع نجيب محفوظ فكتب (الكرنك وقشتمر) , وكثير من ابداعه ولد في هذا المكان! وليس محفوظ وحده الذي تأثر بفكرة المقهى انما كثير من مبدعينا الكبار, والمقهى لم يكن مجرد مكان للتسلية او الترفيه وقتل الوقت انما هو مكان شهد حركات سياسية وثقافية عديدة, وتاريخ المقاهي طويل وعريق في الشارع المصري.. والمقهى تحول الى جزء من ملامح هذا الشارع.. ولا يمكن تصور ملامحه بدون المقهى! ويرى البعض ان المقهى ليس مصريا اصيلا حيث انه جاء مع الفاطميين القادمين من شمال افريقيا فالمقهى كان اساسا في شمال افريقيا وبلاد المغرب وعندما دخل الفاطميون مصر اسسوا ملامح المقهى.., ويرى البعض الآخر ان المقهى كان موجودا منذ قرون طويلة وان هناك رسومات تكشف جلسات المقاهي.., ولكن شرعية المقهى بالشكل الحالي وضحت مع محمد علي الذي يعتبر اول من جاء بالنارجيلة (الشيشة) من البانيا واخذت شكلها الحالي.., والمقهى قديما لم يكن مجرد مشاريب و(شيشة) فقط انما كان هناك رقص وعوالم وموسيقى وغناء.. حيث كان الصورة المصغرة من الكازينوهات التي ظهرت بعد ذلك.. ومع الحركات السياسية ونمو الفكر الوطني بدأت تتحول, المقاهي الى مأوى لهذه الجلسات ثم تحولت الى مكان للجلسات الثقافية, وقد اوضح الكاتب الراحل احسان عبدالقدوس اسباب اختيار المقهى لتكون ملجأ المثقفين مشيرا الى ان جلسات الأدباء والمثقفين كانت في الماضي مكانها الصالونات الابداعية او الادبية في منازل الاثرياء وبعد ان اختفت هذه الظاهرة تدريجيا وتحت شعار البعد عن حركة المنزل ظهرت المقاهي لتحل هذه المشكلة.والقاهرة مليئة بالمقاهي الشهيرة ولعل ابرزها (الفيشاوي) في حي الحسين.. وهي من المقاهي التي يتردد عليها السائحون كثيرا لشهرتها.. وكذلك المصريون.. فالفيشاوي من اشهر الاماكن السياحية في القاهرة.. وفي ليالي رمضان تأخذ طابعا متميزا ومختلفا . والسهر فيها حتى الصباح ولياليها لا تعرف النوم, وهناك مقهى (ريش) في وسط البلد وهو اشهر المقاهي الثقافية حيث يجلس فيه المثقفون والمبدعون وقد تم فتحه مؤخرا بعد ان كان مغلقا لسنوات طويلة وعلى واجهته صور للقاهرة القديمة ومن ضمنها صورة للمقهى قديما لما يدل على ان المقهى ظاهرة قديمة جدا في الشارع المصري, وهناك مقهى (زهرة البستان) وهو المقهى الذي اشتهر بعد غلق ريش.. ولعل شهرته جاءت صدفة عندما لم يجد المثقفون مكانا قريبا من (ريش) فكان هذا المقهى هو الاقرب فجلسوا عليها واكتسبت شهرتها من هنا, وهناك مقهى (علي بابا) وهو من المقاهي التي كان يجلس عليها نجيب محفوظ ومقهى (ركس) في شارع عماد الدين, ومقهى (الجيزة) التي كان يجلس عليها محمود السعدني ورفاقه وغيرها من المقاهي الشهيرة التي كان لها اثر كبير على الحركة الابداعية في مصر. والمقهى بشكل عام مكان محبب لدى الجميع لأنها غير مكلفة وفيها يقضي معظم الفئات اوقاتهم سواء كانوا متزوجين او عزابا .. فهي ملجأ المتزوجين الهاربين من مشكلات الحياة.. وملجأ الشباب لشغل وقت الفراغ! وهي تحمل ملامح الحياة والحركة والحيوية, وقد قال الفنان عادل امام عن دور المقهى في حياته (المقهى المصري مدرسة حقيقية تخرج منها اشهر الشعراء وابدع الموسيقيين واعظم السياسيين واغلب المشايخ وأخف المضحكين ظلا ". واشهر مقهى عند عادل امام هي مقهى (عكاشة) التي تعلم عليها اشياء كثيرة! فالمقهى جزء من تاريخ الشعب المصري وجزء من فولكلوره واذا هبط اي مصري في اي مكان يكون اكثر شيء يفتقده هو (المقهى)!! |
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق