الصورة واللغة
السيميولوجيا هو علم العلامات أو الإشارات أو الدول اللغوية أو الرمزية سواء أكانت طبيعية أم اصطناعية، ويعني هذا أن العلامات إما يضعها الإنسان اصطلاحا عن طريق اختراعها واصطناعها والاتفاق مع أخيه الإنسان على دلالاتها ومقاصدها مثل: اللغة الإنسانية ولغة إشارات المرور، أو أن الطبيعة هي التي أفرزتها بشكل عفوي وفطري لادخل للإنسان في ذلك كأصوات الحيوانات وأصوات عناصر الطبيعة والمحاكيات الدالة على التوجع والتعجب والألم والصراخ مثل: آه، آي ...
وإذا كانت اللسانيات تدرس كل ماهو لغوي ولفظي، فإن السيميولوجيا تدرس ما هو لغوي وماهو غير لغوي، أي تتعدى المنطوق إلى ماهو بصري كعلامات المرور ولغة الصم والبكم والشفرة السرية ودراسة الأزياء وطرائق الطبخ. وإذا كان فرديناند دو سوسير F.De.Saussure يرى أن اللسانيات هي جزء من علم الإشارات أو السيميولوجيا ٍSémiologie، فإن رولان بارت R.Barthes في كتابه" عناصر السيميولوجيا" يقلب الكفة فيرى بان السيميولوجيا هي الجزء واللسانيات هي الكل. ومعنى هذا أن السيميولوجيا في دراستها لمجموعة من الأنظمة غير اللغوية كالأزياء والطبخ والموضة والإشهار تعتمد على عناصر اللسانيات في دراستها وتفكيكها وتركيبها. ومن أهم هذه العناصر اللسانية عند رولان بارت نذكر: الدال والمدلول، واللغة والكلام، والتقرير والإيحاء، والمحور الاستبدالي الدلالي والمحور التركيبي النحوي.
وإذا كان الأنگلوسكسونيون يعتبرون السيميولوجيا إنتاجا أمريكيا مع تشارلز ساندرز پيرس في كتابه" كتابات حول العلامة"، فإن الأوربيين يعتبرونها إنتاجا فرنسيا مع فردينان دوسوسير في كتابه " محاضرات في علم اللسانيات" سنة 1916م. وإذا كانت السيميولوجيا الأمريكية مبنية على المنطق وفلسفة الأشكال الرمزية الأنطولوجية (الوجودية) والرياضيات، فإن السيميولوجيا الفرنسية مبنية على الدرس اللغوي واللسانيات.
وإذا كان مصطلح السيميولوجيا يرتبط بالفرنسيين وبكل ماهو نظري وبفلسفة الرموز وعلم العلامات والأشكال في صيغتها التصورية العامة، فإن كلمة السيميوطيقا الأمريكية Sémiotique قد حصرها العلماء في ماهو نصي وتطبيقي وتحليلي. ومن هنا يمكن الحديث عن سيميوطيقا المسرح وسيميوطيقا الشعر وسيميوطيقا السينما. وعندما نريد الحديث عن العلامات علميا أو نظريا أو تصوريا نستخدم كلمة السيميولوجيا Sémiologie.
وتتعدد الاتجاهات السيميولوجية ومدارسها في الحقل الفكري الغربي، إذ يمكن الحديث عن سيميولوجيا بيرس، وسيميولوجيا الدلالة، وسيميولوجيا التواصل، وسيميولوجيا الثقافة مع المدرسة الإيطالية (اومبرتو إكو Eco وروسي لاندي Landi)، والمدرسة الروسية" تارتو Tartu" (أوسبنسكي Uspenski ويوري لوتمان Lotman وتوبوروڤ Toporov وإڤانوڤ Ivanov وبياتيگورسكي Pjtigorski)، ومدرسة باريس السيميوطيقية مع جوزيف كورتيس Cortés وگريماس Greimas وميشيل أريفي M.Arrivé وجان كلود كوكيه Coquet وكلام Calame وفلوش Floche وجينيناسكا Geninasca وجيولتران Gioltrin ولوندوڤسكي Landovski ودولورم Delorme، واتجاه السيميوطيقا المادية التي تجمع بين التحليلين: النفسي والماركسي مع جوليا كريستيڤا J.kréstiva، ومدرسة ليون التي تتمثل في جماعة أنتروڤرن Groupe d'Entroverne، ومدرسة إيكس AIXمع جان مولينو J.molino وجان جاك ناتيي J.Natier التي تهتم بدراسة الأشكال الرمزية على غرار فلسفة إرنست كاسيرر Cassirer. ولكن على الرغم من هذه الاتجاهات العديدة يمكن إرجاعها إلى قطبين سيميولوجيين وهما: سيميولوجيا التواصل وسيميولوجيا الدلالة. إذاً، ماهي منهجية التحليل السيميوطيقي؟
2- خطوات المنهج السيميولوجي: قلنا سابقا إن السيميولوجيا علم الدوال اللغوية وغير اللغوية، أي تدرس العلامات والإشارات والرموز والأيقونات البصرية. كما تستند السيميولوجيا منهجيا إلى عمليتي التفكيك والتركيب (تشبه هذه العملية تفكيك أعضاء الدمية وتركيبها) على غرار البنيوية النصية المغلقة. ونعني بهذا أن السيميوطيقي يدرس النص في نظامه الداخلي البنيوي من خلال تفكيك عناصره وتركيبها من جديد عبر دراسة شكل المضمون وإقصاء المؤلف والمرجع والحيثيات السياقية والخارجية والتي لا ننفتح عليها إلا من خلال التناص لمعرفة التداخل النصي وعمليات التفاعل بين النصوص وطبيعة الاشتقاق النصي وتيئير الترسبات الخارجية والمستنسخات الإحالية داخل النص المرصود سيميائيا.
وعليه، فالسيميوطيقا هي لعبة التفكيك والتركيب تبحث عن سنن الاختلاف ودلالاته. فعبر التعارض والاختلاف والتناقض والتضاد بين الدوال اللغوية النصية يكتشف المعنى وتستخرج الدلالة. ومن ثم، فالهدف من دراسة النصوص سيميوطيقيا وتطبيقيا هو البحث عن المعنى والدلالة واستخلاص البنية المولدة للنصوص منطقيا ودلاليا.
ونحصر منهجية السيميوطيقا في ثلاثة مستويات وهي:
أ- التحليل المحايث: ونقصد به البحث عن الشروط الداخلية المتحكمة في تكوين الدلالة وإقصاء كل ماهو إحالي خارجي كظروف النص والمؤلف وإفرازات الواقع الجدلية. وعليه، فالمعنى يجب أن ينظر إليه على أنه أثر ناتج عن شبكة من العلاقات الرابطة بين العناصر.
ب- التحليل البنيوي: يكتسي المعنى وجوده بالاختلاف وفي الاختلاف. ومن ثم، فإن إدراك معنى الأقوال والنصوص يفترض وجود نظام مبني على مجموعة من العلاقات. وهذا بدوره يؤدي بنا إلى تسليم بأن عناصر النص لا دلالة لها إلا عبر شبكة من العلاقات القائمة بينها. ولذا لا يجب الاهتمام إلا بالعناصر التي تبلور نسق الاختلاف والتشاكلات المتآلفة والمختلفة. كما يستوجب التحليل البنيوي الدراسة الوصفية الداخلية للنص ومقاربة شكل المضمون وبناه الهيكلية والمعمارية.
ت- تحليل الخطاب: إذا كانت اللسانيات البنيوية بكل مدارسها واتجاهاتها تهتم بدراسة الجملة انطلاقا من مجموعة من المستويات المنهجية حيث تبدأ بأصغر وحدة وهي الصوت لتنتقل إلى أكبر وحدة لغوية وهي الجملة والعكس صحيح أيضا، فإن السيميوطيقا تتجاوز الجملة إلى تحليل الخطاب.
و تسعفنا هذه المستويات المنهجية كثيرا في تحليل النصوص ومقاربتها. ففي مجال السرد يمكن الحديث عن بنيتين : البنية السطحية والبنية العميقة على غرار لسانيات نوام شومسكي Chomsky. فعلى المستوى السطحي يدرس المركب السردي الذي يحدد تعاقب وتسلسل الحالات والتحولات السردية، بينما يحدد المركب الخطابي في النص تسلسل أشكال المعنى وتأثيراتها.
وإذا انتقلنا إلى البنية العميقة فيمكن لنا الحديث عن مستويين منهجيين: المستوى السيميولوجي الذي ينصب على تصنيف قيم المعنى حسب ما يقوم بينهما من العلاقات والتركيز على التشاكلات السيميولوجية، والمستوى الدلالي وهو نظام إجرائي يحدد عملية الانتقال من قيمة إلى أخرى ويبرز القيم الأساسية والتشاكل الدلالي.
ويعد المربع السيميائي Le Carré Sémiotique حسب گريماس المولد المنطقي والدلالي الحقيقي لكل التمظهرات السردية السطحية عبر عمليات ذهنية ومنطقية ودلالية يتحكم فيها التضاد والتناقض والتضمن أو الاستلزام.
أما سيميولوجيا الشعر فتحلل النص من خلال مستويات بنيوية تراعي أدبية الجنس الأدبي كالمستوى الصوتي، والمستوى الصرفي، والمستوى الدلالي، والمستوى التركيبي في شقيه: النحوي والبلاغي، والمستوى التناصي.
أما فيما يتعلق بالمسرح فيدرس من خلال التركيز على العلامات المسرحية اللغوية والعلامات غير اللغوية. وبتعبير آخر يدرس المسرح عبر تفكيك العلامات المنطوقة (الحوار والتواصل اللغوي بصراعه الدرامي وتفاعل الشخصيات والعوامل الدرامية....) والعلامات البصرية (السينوغرافيا- التواصل- الديكور- الركح- الإنارة- الأزياء- الإكسسوارات- البانتوميم- الكوريغرافيا...).
3- سيميولوجيا التواصــل : يستند التواصل حسب رومان جاكبسون R.Jakobson إلى ستة عناصر أساسية وهي: المرسل والمرسل إليه والرسالة والقناة والمرجع واللغة. وللتوضيح أكثر نقول: يرسل المرسل رسالة إلى المرسل إليه حيث تتضمن هذه الرسالة موضوعا أو مرجعا معينا، وتكتب هذه الرسالة بلغة يفهمها كل من المرسل والمتلقي. ولكل رسالة قناة حافظة كالظرف بالنسبة للرسالة الورقية، والأسلاك الموصلة بالنسبة للهاتف والكهرباء، والأنابيب بالنسبة للماء، واللغة بالنسبة لمعاني النص الإبداعي...
هذا، وتهدف سميولوجيا التواصل عبر علاماتها وأماراتها وإشاراتها إلى الإبلاغ والتأثير على الغير عن وعي أو غير وعي. وبتعبير آخر تستعمل السيميولوجيا مجموعة من الوسائل اللغوية وغير اللغوية لتنبيه الآخر والتأثير عليه عن طريق إرسال رسالة وتبليغها إياه.ومن هنا فالعلامة تتكون من ثلاثة عناصر: الدال والمدلول والوظيفة القصدية[1]. كما أن التواصل نوعان: تواصل إبلاغي لساني لفظي (اللغة) وتواصل إبلاغي غير لساني (علامات المرور مثلا).
ويمثل هذه السيميولوجيا كل من برييطو Prieto ومونان Mounin وبويسنس Buyssens الذين يعتبرون الدليل مجرد أداة تواصلية تؤدي وظيفة التبليغ وتحمل قصدا تواصليا. وهذا القصد التواصلي حاضر في الأنساق اللغوية وغير اللغوية. كما أن الوظيفة الأولية للغة هي التأثير على المخاطب من خلال ثنائية الأوامر والنواهي، ولكن هذا التأثير قد يكون مقصودا وقد لايكون مقصودا. ويستخدم في ذلك مجموعة من الأمارات والمعينات Indications التي يمكن تقسيمها إلى ثلاث: 1- الأمارات العفوية وهي وقائع ذات قصد مغاير للإشارة تحمل إبلاغا عفويا وطبيعيا مثال : لون السماء الذي يشير بالنسبة لصياد السمك إلى حالة البحر يوم غد. والأمارات العفوية المغلوطة التي تريد أن تخفي الدلالات التواصلية للغة كأن يستعمل متكلم ما لكنة لغوية ينتحل من خلالها شخصية أجنبية ليوهمنا بأنه غريب عن البلد.3- والأمارات القصدية التي تهدف إلى تبليغ إرسالية مثل : علامات المرور، وتسمى هذه الأمارات القصدية أيضا بالعلامات.[2]
وكل خطاب لغوي وغير لغوي يتجاوز الدلالة إلى الإبلاغ والقصدية الوظيفية، يمكننا إدراجه ضمن سيميولوجيا التواصل. وكمثال لتبسيط ما سلف ذكره : عندما يستعمل الأستاذ داخل قسمه مجموعة من الإشارات اللفظية وغير اللفظية الموجهة إلى التلميذ ليؤنبه أو يعاتبه على سلوكاته الطائشة فإن الغرض منها هو التواصل والتبليغ.
4- سيميولوجـيا الدلالة: يعتبر رولان بارت خير من يمثل هذا الاتجاه، لأن البحث السيميولوجي لديه هو دراسة الأنظمة والأنسقة الدالة. فجميع الوقائع والأشكال الرمزية والأنظمة اللغوية تدل. فهناك من يدل باللغة وهناك من يدل بدون اللغة المعهودة، بيد أن لها لغة خاصة. ومادامت الأنساق والوقائع كلها دالة، فلا عيب من تطبيق المقاييس اللسانية على الوقائع غير اللفظية أي الأنظمة السيميوطيقية غير اللسانية لبناء الطرح الدلالي. وقد انتقد بارت في كتابه " عناصر السيميولوجيا" الأطروحة السوسسيرية التي تدعو إلى إدماج اللسانيات في السيميولوجيا مبينا بأن" اللسانيات ليست فرعا، ولو كان مميزا، من علم الدلائل، بل السيميولوجيا هي التي تشكل فرعا من اللسانيات".[3]
وبالتالي، تجاوز رولان بارت تصور الوظيفيين الذين ربطوا بين العلامات والمقصدية، وأكد وجود أنساق غير لفظية حيث التواصل غير إرادي، ولكن البعد الدلالي موجود بدرجة كبيرة. وتعتبر اللغة الوسيلة الوحيدة التي تجعل هذه الأنساق والأشياء غير اللفظية دالة. حيث "إن كل المجالات المعرفية ذات العمق السوسيولوجي الحقيقي تفرض علينا مواجهة اللغة، ذلك أن " الأشياء" تحمل دلالات. غير أنه ما كان لها أن تكون أنساقا سيميولوجية أو أنساقا دالة لولا تدخل اللغة ولولا امتزاجها باللغة. فهي، إذاً، تكتسب صفة النسق السيميولوجي من اللغة. وهذا مادفع ببارت إلى أن يرى أنه من الصعب جدا تصور إمكان وجود مدلولات نسق صور أو أشياء خارج اللغة، فلا وجود لمعنى إلا لما هو مسمى، وعالم المدلولات ليس سوى عالم اللغة".[4]
أما عناصر سيمياء الدلالة لدى بارت فقد حددها في كتابه" عناصر السيميولوجيا"، وهي مستقاة على شكل ثنائيات من الألسنية البنيوية وهي: اللغة والكلام، والدال والمدلول، والمركب والنظام، والتقرير والإيحاء(الدلالة الذاتية والدلالة الإيحائية).
وهكذا حاول رولان بارت التسلح باللسانيات لمقاربة الظواهر السيميولوجية كأنظمة الموضة والأساطير والإشهار... الخ
ويعني هذا أن رولان بارت عندما يدرس الموضة مثلا يطبق عليها المقاربة اللسانية تفكيكا وتركيبا من خلال استقراء معاني الموضة ودلالات الأزياء وتعيين وحداتها الدالة ومقصدياتها الاجتماعية والنفسية والاقتصادية والثقافية. ونفس الشيء في قراءته للطبخ والصور الفوتوغرافية والإشهار واللوحات البصرية.
ويمكن إدراج المدارس السيميائية النصية التطبيقية التي تقارب الإبداع الأدبي والفني ضمن سيميولوجيا الدلالة، بينما سيميوطيقا الثقافة التي تبحث عن القصدية والوظيفة داخل الظواهر الثقافية والإثنية البشرية يمكن إدراجها ضمن سيميولوجيا التواصل. ولتبسيط سيميولوجيا الدلالة نقول: إن أزياء الموضة وحدات دالة إذ يمكن أثناء دراسة الألوان والأشكال لسانيا أن نبحث عن دلالاتها الاجتماعية والطبقية والنفسية. كما ينبغي البحث أثناء تحليلنا للنصوص الشعرية عن دلالات الرموز والأساطير ومعاني البحور الشعرية الموظفة ودلالات تشغيل معجم التصوف أو الطبيعة أو أي معجم آخر.
خاتمـة
يتبين لنا من خلال هذا العرض الوجيز أن السيميولوجيا باعتبارها علما للأنظمة اللغوية وغير اللغوية قسمان: سيميولوجيا تهدف إلى الإبلاغ والتواصل من خلال ربط الدليل بالمدلول والوظيفة القصدية. أما سيميولوجيا الدلالة فتربط الدليل بالمدلول أو المعنى. وبعبارة أخرى إن سيميولوجيا الدلالة ثنائية العناصر(ترتكز العلامة على دليل ومدلول أو دلالة)، بينما سيميولوجيا التواصل ثلاثية العناصر(تنبني العلامة على دليل ومدلول ووظيفة قصدية). وإذا كان السيميوطيقيون النصيون يبحثون عن الدلالة والمعنى داخل النص الأدبي والفني، فإن علماء سيميوطيقا الثقافة يبحثون عن المقصديات والوظائف المباشرة وغير المباشرة.
"الهدهد والمعدية"عنوان المعرض الشخصي الخامس والثلاثين للفنان المصري أحمد عبد الكريم الذي أقامه الفنان بقاعة اكسترا بالزمالك في القاهرة 2010 وضم خمسة وعشرين عملا من تجربة جديدة للفنان مكونة من ستين عملا أنجزها أحمد عبد الكريم في السنوات الثلاث الأخيرة تحتوي علي رموز وعلامات سيميوطيقية الفنون البصريةوحول معرضه قال الفنان أحمد عبد الكريم وهو أستاذ أسس التصميم بكلية التربية الفنية جامعة حلوان:
إن الرموز والعلامات دلالات بصرية تعبر عن أشياء وأمور عديدة مثل البيئة التي يعيش فيها الفنان _ ثقافة الفنان _ رؤيته الفنية لكل ما يحيط به وما يدور في مخيلته من أفكاره وطروحاته وأحلامه - أمنياته الخاصة به أو المجتمع الذي يعيش فيه وثمة أمور أكثر من ذلك .
وفي معرضه اتخذ أحمد عبد الكريم من البيئة التي يعيش فيها بقرية "دهشور" التي تحتوي مفردات رمزية تراثية من الحضارة الفرعونية مثل هرم سنفرو والهرم الأحمر الدهشوري والهرم الأسود الطيني لأمنمحات الثالث والد إخناتون وما يحيط بهم من تلال رملية تتماوج وتتلون طوال سطوع أشعة الشمس عليها منذ شروقها حتي غروبها وتستطيع أن تستشف المعاني وروحانية الأشياء وعبق التاريخ التراثي الذي في حالة انتظار طوال الزمان والمكان ويطل بأمور لا تصل إلا لمتذوق من طراز رفيع يكون له إطار معرفي ذو عمق ثقافي وروحاني لاستقبال أشعة التجليات للشمس والقمر في الليل والنهار في تعاقب سرمدي له طعم الصفاء والراحة والخلود .
بجوار هذه التلال تقع القرية الدهشورية بمفرداتها من طيور تهاجر إليها طوال فصل الشتاء لتستقر علي الجزر المنتشرة في بحيرة "الملك" والتي تقع بين الاهرامات والقرية بمساحة تقترب من خمسمئة فدان ولكن يقف "الهدهد" ملك الطيور في أنفة واستقلال وحرية وأناقة بين تلك الطيور في تأمل وهدوء وصفاء وينظر بعينيه الضيقتين للطيور القادمة من ثلوج الشمال إلي أرض دهشور مرحبا بها في أدب جم ودون تكليف معبراً عن ترحابه بتلك الضيوف العابرة من الشمال الي الجنوب ، والهدهد له صدي في تاريخ الشعوب والأديان فهو رمز الحكمة في الحضارة المصرية القديمة و رمز استشراف المستقبل في القصص الديني وله عمق في الثقافة الشعبية المصرية ، ولذلك اتخذه الفنان الدكتور أحمد عبد الكريم وكيل كلية التربية الفنية رمزا دراميا مستقبليا في لوحاته ، ودائما ما يقف علي قمم الأشياء في لوحاته فهو في مقدمة المعدية علي رأس الأشخاص النساء والرجال والأطفال يدلهم علي الخير والحب والنماء مهللاً بالقدوم لا ينظر الي الخلف ولا الي اليمين أو اليسار بل الي الأمام دائما .
و المعدية كما يشير الفنان أحمد عبد الكريم رمز آخر متلاحم مع الهدهد فالمعدية مركب دائم العبور من الغرب الي الشرق والعكس علي طوال ضفاف النيل بمصر المجيدة والمعدية رمز للعبور من زمان ومكان إلي زمان ومكان آخرين ، ثم إنها المعدية الساكنة في عقول وروحانيات الإنسان . فكثيرا ما نعبر عبر أذهاننا وعقولنا وتأملاتنا ونحن جالسون أو نائمون من هنا الي هناك دون الحركة أو العبور الفعلي ـ فأنا هنا في دهشور كثيرا ما أعبر منها الي عالم آخر حيث كنت في الماضي أو ما أتمني أن أكون هناك في المستقبل ـ العبور حالة من حالات الاندهاش والفرحة والحزن والبقاء والانتقال والرغبة في التغير والحب واللهو ، العبور مادي ومعنوي العبور حالة جمالية في هذا المعرض يتصادق فيها كل من الهدهد والمعدية إلي رحاب العالم المفتوح والأفق السعيد والأمل في حالة من حالات الاستقرار المنشود .
وهذا المعرض جاء بعد ثلاث سنوات من الإنتاج المستمر وحالة من حالات الهدوء والفرحة بعد فترة من السكون ومتغيرات الحياة التي قد تأتي بما لاتشتهي السفن ولكن قدر الله ـ وماشاء فعل ـ والأمر جاء بالهدهد والمعدية ، الهدهد المتأمل إلي الأمام وإلي مستقبل الأيام إلي الأفق الرحب الي العالم الصادق الي كل لحظة تأتي بالفرحة والأمل .
السيميولوجيا هو علم العلامات أو الإشارات أو الدول اللغوية أو الرمزية سواء أكانت طبيعية أم اصطناعية، ويعني هذا أن العلامات إما يضعها الإنسان اصطلاحا عن طريق اختراعها واصطناعها والاتفاق مع أخيه الإنسان على دلالاتها ومقاصدها مثل: اللغة الإنسانية ولغة إشارات المرور، أو أن الطبيعة هي التي أفرزتها بشكل عفوي وفطري لادخل للإنسان في ذلك كأصوات الحيوانات وأصوات عناصر الطبيعة والمحاكيات الدالة على التوجع والتعجب والألم والصراخ مثل: آه، آي ...
وإذا كانت اللسانيات تدرس كل ماهو لغوي ولفظي، فإن السيميولوجيا تدرس ما هو لغوي وماهو غير لغوي، أي تتعدى المنطوق إلى ماهو بصري كعلامات المرور ولغة الصم والبكم والشفرة السرية ودراسة الأزياء وطرائق الطبخ. وإذا كان فرديناند دو سوسير F.De.Saussure يرى أن اللسانيات هي جزء من علم الإشارات أو السيميولوجيا ٍSémiologie، فإن رولان بارت R.Barthes في كتابه" عناصر السيميولوجيا" يقلب الكفة فيرى بان السيميولوجيا هي الجزء واللسانيات هي الكل. ومعنى هذا أن السيميولوجيا في دراستها لمجموعة من الأنظمة غير اللغوية كالأزياء والطبخ والموضة والإشهار تعتمد على عناصر اللسانيات في دراستها وتفكيكها وتركيبها. ومن أهم هذه العناصر اللسانية عند رولان بارت نذكر: الدال والمدلول، واللغة والكلام، والتقرير والإيحاء، والمحور الاستبدالي الدلالي والمحور التركيبي النحوي.
وإذا كان الأنگلوسكسونيون يعتبرون السيميولوجيا إنتاجا أمريكيا مع تشارلز ساندرز پيرس في كتابه" كتابات حول العلامة"، فإن الأوربيين يعتبرونها إنتاجا فرنسيا مع فردينان دوسوسير في كتابه " محاضرات في علم اللسانيات" سنة 1916م. وإذا كانت السيميولوجيا الأمريكية مبنية على المنطق وفلسفة الأشكال الرمزية الأنطولوجية (الوجودية) والرياضيات، فإن السيميولوجيا الفرنسية مبنية على الدرس اللغوي واللسانيات.
وإذا كان مصطلح السيميولوجيا يرتبط بالفرنسيين وبكل ماهو نظري وبفلسفة الرموز وعلم العلامات والأشكال في صيغتها التصورية العامة، فإن كلمة السيميوطيقا الأمريكية Sémiotique قد حصرها العلماء في ماهو نصي وتطبيقي وتحليلي. ومن هنا يمكن الحديث عن سيميوطيقا المسرح وسيميوطيقا الشعر وسيميوطيقا السينما. وعندما نريد الحديث عن العلامات علميا أو نظريا أو تصوريا نستخدم كلمة السيميولوجيا Sémiologie.
وتتعدد الاتجاهات السيميولوجية ومدارسها في الحقل الفكري الغربي، إذ يمكن الحديث عن سيميولوجيا بيرس، وسيميولوجيا الدلالة، وسيميولوجيا التواصل، وسيميولوجيا الثقافة مع المدرسة الإيطالية (اومبرتو إكو Eco وروسي لاندي Landi)، والمدرسة الروسية" تارتو Tartu" (أوسبنسكي Uspenski ويوري لوتمان Lotman وتوبوروڤ Toporov وإڤانوڤ Ivanov وبياتيگورسكي Pjtigorski)، ومدرسة باريس السيميوطيقية مع جوزيف كورتيس Cortés وگريماس Greimas وميشيل أريفي M.Arrivé وجان كلود كوكيه Coquet وكلام Calame وفلوش Floche وجينيناسكا Geninasca وجيولتران Gioltrin ولوندوڤسكي Landovski ودولورم Delorme، واتجاه السيميوطيقا المادية التي تجمع بين التحليلين: النفسي والماركسي مع جوليا كريستيڤا J.kréstiva، ومدرسة ليون التي تتمثل في جماعة أنتروڤرن Groupe d'Entroverne، ومدرسة إيكس AIXمع جان مولينو J.molino وجان جاك ناتيي J.Natier التي تهتم بدراسة الأشكال الرمزية على غرار فلسفة إرنست كاسيرر Cassirer. ولكن على الرغم من هذه الاتجاهات العديدة يمكن إرجاعها إلى قطبين سيميولوجيين وهما: سيميولوجيا التواصل وسيميولوجيا الدلالة. إذاً، ماهي منهجية التحليل السيميوطيقي؟
2- خطوات المنهج السيميولوجي: قلنا سابقا إن السيميولوجيا علم الدوال اللغوية وغير اللغوية، أي تدرس العلامات والإشارات والرموز والأيقونات البصرية. كما تستند السيميولوجيا منهجيا إلى عمليتي التفكيك والتركيب (تشبه هذه العملية تفكيك أعضاء الدمية وتركيبها) على غرار البنيوية النصية المغلقة. ونعني بهذا أن السيميوطيقي يدرس النص في نظامه الداخلي البنيوي من خلال تفكيك عناصره وتركيبها من جديد عبر دراسة شكل المضمون وإقصاء المؤلف والمرجع والحيثيات السياقية والخارجية والتي لا ننفتح عليها إلا من خلال التناص لمعرفة التداخل النصي وعمليات التفاعل بين النصوص وطبيعة الاشتقاق النصي وتيئير الترسبات الخارجية والمستنسخات الإحالية داخل النص المرصود سيميائيا.
وعليه، فالسيميوطيقا هي لعبة التفكيك والتركيب تبحث عن سنن الاختلاف ودلالاته. فعبر التعارض والاختلاف والتناقض والتضاد بين الدوال اللغوية النصية يكتشف المعنى وتستخرج الدلالة. ومن ثم، فالهدف من دراسة النصوص سيميوطيقيا وتطبيقيا هو البحث عن المعنى والدلالة واستخلاص البنية المولدة للنصوص منطقيا ودلاليا.
ونحصر منهجية السيميوطيقا في ثلاثة مستويات وهي:
أ- التحليل المحايث: ونقصد به البحث عن الشروط الداخلية المتحكمة في تكوين الدلالة وإقصاء كل ماهو إحالي خارجي كظروف النص والمؤلف وإفرازات الواقع الجدلية. وعليه، فالمعنى يجب أن ينظر إليه على أنه أثر ناتج عن شبكة من العلاقات الرابطة بين العناصر.
ب- التحليل البنيوي: يكتسي المعنى وجوده بالاختلاف وفي الاختلاف. ومن ثم، فإن إدراك معنى الأقوال والنصوص يفترض وجود نظام مبني على مجموعة من العلاقات. وهذا بدوره يؤدي بنا إلى تسليم بأن عناصر النص لا دلالة لها إلا عبر شبكة من العلاقات القائمة بينها. ولذا لا يجب الاهتمام إلا بالعناصر التي تبلور نسق الاختلاف والتشاكلات المتآلفة والمختلفة. كما يستوجب التحليل البنيوي الدراسة الوصفية الداخلية للنص ومقاربة شكل المضمون وبناه الهيكلية والمعمارية.
ت- تحليل الخطاب: إذا كانت اللسانيات البنيوية بكل مدارسها واتجاهاتها تهتم بدراسة الجملة انطلاقا من مجموعة من المستويات المنهجية حيث تبدأ بأصغر وحدة وهي الصوت لتنتقل إلى أكبر وحدة لغوية وهي الجملة والعكس صحيح أيضا، فإن السيميوطيقا تتجاوز الجملة إلى تحليل الخطاب.
و تسعفنا هذه المستويات المنهجية كثيرا في تحليل النصوص ومقاربتها. ففي مجال السرد يمكن الحديث عن بنيتين : البنية السطحية والبنية العميقة على غرار لسانيات نوام شومسكي Chomsky. فعلى المستوى السطحي يدرس المركب السردي الذي يحدد تعاقب وتسلسل الحالات والتحولات السردية، بينما يحدد المركب الخطابي في النص تسلسل أشكال المعنى وتأثيراتها.
وإذا انتقلنا إلى البنية العميقة فيمكن لنا الحديث عن مستويين منهجيين: المستوى السيميولوجي الذي ينصب على تصنيف قيم المعنى حسب ما يقوم بينهما من العلاقات والتركيز على التشاكلات السيميولوجية، والمستوى الدلالي وهو نظام إجرائي يحدد عملية الانتقال من قيمة إلى أخرى ويبرز القيم الأساسية والتشاكل الدلالي.
ويعد المربع السيميائي Le Carré Sémiotique حسب گريماس المولد المنطقي والدلالي الحقيقي لكل التمظهرات السردية السطحية عبر عمليات ذهنية ومنطقية ودلالية يتحكم فيها التضاد والتناقض والتضمن أو الاستلزام.
أما سيميولوجيا الشعر فتحلل النص من خلال مستويات بنيوية تراعي أدبية الجنس الأدبي كالمستوى الصوتي، والمستوى الصرفي، والمستوى الدلالي، والمستوى التركيبي في شقيه: النحوي والبلاغي، والمستوى التناصي.
أما فيما يتعلق بالمسرح فيدرس من خلال التركيز على العلامات المسرحية اللغوية والعلامات غير اللغوية. وبتعبير آخر يدرس المسرح عبر تفكيك العلامات المنطوقة (الحوار والتواصل اللغوي بصراعه الدرامي وتفاعل الشخصيات والعوامل الدرامية....) والعلامات البصرية (السينوغرافيا- التواصل- الديكور- الركح- الإنارة- الأزياء- الإكسسوارات- البانتوميم- الكوريغرافيا...).
3- سيميولوجيا التواصــل : يستند التواصل حسب رومان جاكبسون R.Jakobson إلى ستة عناصر أساسية وهي: المرسل والمرسل إليه والرسالة والقناة والمرجع واللغة. وللتوضيح أكثر نقول: يرسل المرسل رسالة إلى المرسل إليه حيث تتضمن هذه الرسالة موضوعا أو مرجعا معينا، وتكتب هذه الرسالة بلغة يفهمها كل من المرسل والمتلقي. ولكل رسالة قناة حافظة كالظرف بالنسبة للرسالة الورقية، والأسلاك الموصلة بالنسبة للهاتف والكهرباء، والأنابيب بالنسبة للماء، واللغة بالنسبة لمعاني النص الإبداعي...
هذا، وتهدف سميولوجيا التواصل عبر علاماتها وأماراتها وإشاراتها إلى الإبلاغ والتأثير على الغير عن وعي أو غير وعي. وبتعبير آخر تستعمل السيميولوجيا مجموعة من الوسائل اللغوية وغير اللغوية لتنبيه الآخر والتأثير عليه عن طريق إرسال رسالة وتبليغها إياه.ومن هنا فالعلامة تتكون من ثلاثة عناصر: الدال والمدلول والوظيفة القصدية[1]. كما أن التواصل نوعان: تواصل إبلاغي لساني لفظي (اللغة) وتواصل إبلاغي غير لساني (علامات المرور مثلا).
ويمثل هذه السيميولوجيا كل من برييطو Prieto ومونان Mounin وبويسنس Buyssens الذين يعتبرون الدليل مجرد أداة تواصلية تؤدي وظيفة التبليغ وتحمل قصدا تواصليا. وهذا القصد التواصلي حاضر في الأنساق اللغوية وغير اللغوية. كما أن الوظيفة الأولية للغة هي التأثير على المخاطب من خلال ثنائية الأوامر والنواهي، ولكن هذا التأثير قد يكون مقصودا وقد لايكون مقصودا. ويستخدم في ذلك مجموعة من الأمارات والمعينات Indications التي يمكن تقسيمها إلى ثلاث: 1- الأمارات العفوية وهي وقائع ذات قصد مغاير للإشارة تحمل إبلاغا عفويا وطبيعيا مثال : لون السماء الذي يشير بالنسبة لصياد السمك إلى حالة البحر يوم غد. والأمارات العفوية المغلوطة التي تريد أن تخفي الدلالات التواصلية للغة كأن يستعمل متكلم ما لكنة لغوية ينتحل من خلالها شخصية أجنبية ليوهمنا بأنه غريب عن البلد.3- والأمارات القصدية التي تهدف إلى تبليغ إرسالية مثل : علامات المرور، وتسمى هذه الأمارات القصدية أيضا بالعلامات.[2]
وكل خطاب لغوي وغير لغوي يتجاوز الدلالة إلى الإبلاغ والقصدية الوظيفية، يمكننا إدراجه ضمن سيميولوجيا التواصل. وكمثال لتبسيط ما سلف ذكره : عندما يستعمل الأستاذ داخل قسمه مجموعة من الإشارات اللفظية وغير اللفظية الموجهة إلى التلميذ ليؤنبه أو يعاتبه على سلوكاته الطائشة فإن الغرض منها هو التواصل والتبليغ.
4- سيميولوجـيا الدلالة: يعتبر رولان بارت خير من يمثل هذا الاتجاه، لأن البحث السيميولوجي لديه هو دراسة الأنظمة والأنسقة الدالة. فجميع الوقائع والأشكال الرمزية والأنظمة اللغوية تدل. فهناك من يدل باللغة وهناك من يدل بدون اللغة المعهودة، بيد أن لها لغة خاصة. ومادامت الأنساق والوقائع كلها دالة، فلا عيب من تطبيق المقاييس اللسانية على الوقائع غير اللفظية أي الأنظمة السيميوطيقية غير اللسانية لبناء الطرح الدلالي. وقد انتقد بارت في كتابه " عناصر السيميولوجيا" الأطروحة السوسسيرية التي تدعو إلى إدماج اللسانيات في السيميولوجيا مبينا بأن" اللسانيات ليست فرعا، ولو كان مميزا، من علم الدلائل، بل السيميولوجيا هي التي تشكل فرعا من اللسانيات".[3]
وبالتالي، تجاوز رولان بارت تصور الوظيفيين الذين ربطوا بين العلامات والمقصدية، وأكد وجود أنساق غير لفظية حيث التواصل غير إرادي، ولكن البعد الدلالي موجود بدرجة كبيرة. وتعتبر اللغة الوسيلة الوحيدة التي تجعل هذه الأنساق والأشياء غير اللفظية دالة. حيث "إن كل المجالات المعرفية ذات العمق السوسيولوجي الحقيقي تفرض علينا مواجهة اللغة، ذلك أن " الأشياء" تحمل دلالات. غير أنه ما كان لها أن تكون أنساقا سيميولوجية أو أنساقا دالة لولا تدخل اللغة ولولا امتزاجها باللغة. فهي، إذاً، تكتسب صفة النسق السيميولوجي من اللغة. وهذا مادفع ببارت إلى أن يرى أنه من الصعب جدا تصور إمكان وجود مدلولات نسق صور أو أشياء خارج اللغة، فلا وجود لمعنى إلا لما هو مسمى، وعالم المدلولات ليس سوى عالم اللغة".[4]
أما عناصر سيمياء الدلالة لدى بارت فقد حددها في كتابه" عناصر السيميولوجيا"، وهي مستقاة على شكل ثنائيات من الألسنية البنيوية وهي: اللغة والكلام، والدال والمدلول، والمركب والنظام، والتقرير والإيحاء(الدلالة الذاتية والدلالة الإيحائية).
وهكذا حاول رولان بارت التسلح باللسانيات لمقاربة الظواهر السيميولوجية كأنظمة الموضة والأساطير والإشهار... الخ
ويعني هذا أن رولان بارت عندما يدرس الموضة مثلا يطبق عليها المقاربة اللسانية تفكيكا وتركيبا من خلال استقراء معاني الموضة ودلالات الأزياء وتعيين وحداتها الدالة ومقصدياتها الاجتماعية والنفسية والاقتصادية والثقافية. ونفس الشيء في قراءته للطبخ والصور الفوتوغرافية والإشهار واللوحات البصرية.
ويمكن إدراج المدارس السيميائية النصية التطبيقية التي تقارب الإبداع الأدبي والفني ضمن سيميولوجيا الدلالة، بينما سيميوطيقا الثقافة التي تبحث عن القصدية والوظيفة داخل الظواهر الثقافية والإثنية البشرية يمكن إدراجها ضمن سيميولوجيا التواصل. ولتبسيط سيميولوجيا الدلالة نقول: إن أزياء الموضة وحدات دالة إذ يمكن أثناء دراسة الألوان والأشكال لسانيا أن نبحث عن دلالاتها الاجتماعية والطبقية والنفسية. كما ينبغي البحث أثناء تحليلنا للنصوص الشعرية عن دلالات الرموز والأساطير ومعاني البحور الشعرية الموظفة ودلالات تشغيل معجم التصوف أو الطبيعة أو أي معجم آخر.
خاتمـة
يتبين لنا من خلال هذا العرض الوجيز أن السيميولوجيا باعتبارها علما للأنظمة اللغوية وغير اللغوية قسمان: سيميولوجيا تهدف إلى الإبلاغ والتواصل من خلال ربط الدليل بالمدلول والوظيفة القصدية. أما سيميولوجيا الدلالة فتربط الدليل بالمدلول أو المعنى. وبعبارة أخرى إن سيميولوجيا الدلالة ثنائية العناصر(ترتكز العلامة على دليل ومدلول أو دلالة)، بينما سيميولوجيا التواصل ثلاثية العناصر(تنبني العلامة على دليل ومدلول ووظيفة قصدية). وإذا كان السيميوطيقيون النصيون يبحثون عن الدلالة والمعنى داخل النص الأدبي والفني، فإن علماء سيميوطيقا الثقافة يبحثون عن المقصديات والوظائف المباشرة وغير المباشرة.
والمعدية جاءت للعبور عبر الأفق في رحاب الهدهد للوصول إلي الجديد والكريم والأمل المشرق.
والمتأمل للأعمال في هذا المعرض يجد اللون له البطولة في عناصر اللوحة فاللون الذهبي والدرجات الدافئة جاءت لتكمل رؤية الفنان لمفرداته ، فاحتضان الهدهد الذهبي للهدهدة الذهبية وامتلاكه زمامها حالة من حالات الاستقرار علي سطح اللوحة ، وحضور المعدية بجوارهما في حالة انتظار تعني الكثير من المعاني ذات الدلالات المعنوية والبصرية والمستقبلية ، فالكريم قادم إليهم داخل المعدية في حالة كمون ، والهداهد في حالة انتظار هذه الحالة الترقبية سوف تعلن عن ميلاد فجر جديد قادم مشرق .. ناصع .. دافئ .. تلتف حوله الرموز من الأسماك والنخيل والمراكب والأصداف والطيور ترفرف عليه معلنة زمن القدوم .
والفنان أحمد عبد الكريم خريج كلية التربية الفنية وكان أول دفعته عام 1981 م ، وحصل علي الماجستير عام 1985 م ، وحصل علي الدكتوراة عام 1990 م ثم علي درجة الأستاذية في أسس تصميم الفن الإسلامي الهندسي عام 2000 م ، ويعمل الآن وكيلا لكلية التربية الفنية بالزمالك ـ جامعة حلوان .
والمتأمل للأعمال في هذا المعرض يجد اللون له البطولة في عناصر اللوحة فاللون الذهبي والدرجات الدافئة جاءت لتكمل رؤية الفنان لمفرداته ، فاحتضان الهدهد الذهبي للهدهدة الذهبية وامتلاكه زمامها حالة من حالات الاستقرار علي سطح اللوحة ، وحضور المعدية بجوارهما في حالة انتظار تعني الكثير من المعاني ذات الدلالات المعنوية والبصرية والمستقبلية ، فالكريم قادم إليهم داخل المعدية في حالة كمون ، والهداهد في حالة انتظار هذه الحالة الترقبية سوف تعلن عن ميلاد فجر جديد قادم مشرق .. ناصع .. دافئ .. تلتف حوله الرموز من الأسماك والنخيل والمراكب والأصداف والطيور ترفرف عليه معلنة زمن القدوم .
والفنان أحمد عبد الكريم خريج كلية التربية الفنية وكان أول دفعته عام 1981 م ، وحصل علي الماجستير عام 1985 م ، وحصل علي الدكتوراة عام 1990 م ثم علي درجة الأستاذية في أسس تصميم الفن الإسلامي الهندسي عام 2000 م ، ويعمل الآن وكيلا لكلية التربية الفنية بالزمالك ـ جامعة حلوان .
الفنان أحمد عبد الكريم خريج كلية التربية الفنية وكان أول دفعته عام 1981 م ، وحصل علي الماجستير عام 1985 م ، وحصل علي الدكتوراة عام 1990 م ثم علي درجة الأستاذية في أسس تصميم الفن الإسلامي الهندسي عام 2000 م ، ويعمل الآن وكيلا لكلية التربية الفنية بالزمالك ـ جامعة حلوان .
معرض' اخناتون التحول ـ2' للفنان أحمد عبد الكريم عرف كيف يمكن أن ننقل فن قديم' فرعوني' ونراه بعين حداثية تعيد كتابة المسلات والبرديات مرة أخري بلغة معاصرة, فتحيل أكفان الممياوات الي حياة مشرقة بالأمل, أملا في استعادة حضارتنا الفرعونية مرة أخري, لقد كانت الحضارة الفرعونية حضارة فن وما أحوجنا الي استعادتها الآن.
وأشار الفنان أحمد عبد الكريم الي أن المعرض يقدم رسالة هامة وهي كيفية التعامل مع التراث بطريقة معاصرة حتي لايكون التراث سجنا لانستطيع الخروج منه ولابد ألا نخجل منه.
ومعرض الفنان أحمد عبد الكريم يحمل عنوان' اخناتون التحول ـ2' يضم35 عملا بين الوجه الاخناتوني والبرديات المعاصرة علي الكتان الأبيض, وهناك عملا منفردا تحت مسمي فن التجهيزات في الفراغ الداخلي حيث يتكون من بردية زرقاء عليها وجه مذهب لإخناتون ويقع أمامه بحيرة من الرمال تنبت منه أجزاء من وجه إخناتون لنؤكد فكرة التوحيد علي أرض مصر.
'اخناتون' التجول'2' هي فكرة فلسفية تخرج الي حيز الوجود الجمالي من خلال علاقة الفنان بمتغيرين الأول: فلسفي, والثاني: تقني, الفلسفي جاء من فكرة التوحيد الذي طرحها الفرعون' اخناتون' عن المتغيرات الفلسفية في العقيدة المصرية القديمة, فجاء التحول من محتوي فلسفي الي محتوي فلسفي آخر أدي الي التغير الغير مستمر في العقيدة المصرية القديمة وهذه الفلسفة تم ترجمتها الي محتوي جمالي من خلال الوجه الشخصي لاخناتون والذي جاء في هذا العرض لخمس عشر وجه متغير نتيجة تغير الوضع خلال متغيرات الحياة.
أما المتغير التقني فجاء من خلال صب الإعداد المتنوعة من ماسك اخناتون والتعامل معه بحرية شديدة للحصول علي متغيرات جمالية أخري, أما عن كيفية تناول فنون التراث المصري القديم' الفرعوني' يتم من خلال ثلاث مراحل, المرحلة الأولي هو كيفية قراءة التراث بروح جديدة ورؤية نقدية فاعلة والمرحلة الثانية استلهام التراث ودمجه في متغيرات الفكر المعاصر الذي لم يتعايش معها التراث القديم, المرحلة الثالثة انتاج تراث جديد يضم المراحل في بوتقة واحدة وعلي الزمن أن يحدد ما أن تغير التراث أو جدد, والمعرض من المعارض التي تقدم لفناني الأقاليم كيفية التواصل مع الحضارات المتعاقبة علي أرض مصر سواء من التراث الفرعوني أو القبطي أو الاسلامي أو الفنون الشعبية.
الجدير بالذكر أن الفنان الدكتور أحمد عبد الكريم من مواليد القاهرة عام1954, حصل علي درجة الدكتوراه في التربية الفنية بعنوان' نظم تحليل الهندسات الإسلامية' عام1990, وشارك في العديد من الجمعيات منها: عضو نقابة الفنانيين التشكيليين بالقاهرة, عضو جماعة' الأنسيا' باليونسكو? باريس' التربية عن طريق الفن' عضو لجنة تحكيم دولي ببينالي طشقند الأول2001 أوزباكستان, كما أقام العديد من المعارض الخاصة منها: خمسة معارض بأتيليه القاهرة الأول بعنوان' معماريات وجدانية' عام1983, الثاني بعنوان' حوار ملمسي وورق مكرمش' عام1992, الثالث عام1995, الرابع بعنوان' الإغتراب مراكب ورق' عام1998, الخامس بعنوان' تباين الأزمنة'? عمل فني مجهز في الفراغ عام2001, معرض بقاعة المركز الثقافي بباريس بسان ميشيل بفرنسا عام1994, إلي جانب معرض طواف بمحافظة سوهاج بقاعة الثقافة الجماهيرية عام.1991
كما قام بتدريس العديد من المقررات بمرحلة البكالوريوس والماجيستير خلال عمله الأكاديمي منها: تدريس مقرر أشغال المعادن في كلية التربية النوعية بالعباسية بالإضافة إلي العديد من الأبحاث المنشورة منها:' دور التراث كمدخل تجريبي في التصميمات الزخرفية' بقاعة المركز الثقافي المصري بباريس بسان ميشيل عام.1994
لعل أول خطوة منهجية ينبغي القيام بها في معالجة هذا الموضوع هي تحديد المفاهيم المكونة لعنوان المقالة: ما الصورة؟ وما اللغة؟ وما السيميوطيقا؟
يعرف "روبير" Robert الصورة بأنها إعادة إنتاج طبق الأصل، أو تمثيل مشابه لكائن أو شيء. ويحيل أصل المصطلح الاشتقاقي على فكرة النسخ والمشابهة والتمثيل والمحاكاة، ذلك أن الفعل اللاتيني (Imitar) يعني "إعادة الإنتاج بواسطة المحاكاة". أما في الاصطلاح السيميوطيقي فإن الصورة تنضوي تحت نوع أعم يطلق عليه مصطلح الإيقون" (Icone)، وهو يشمل العلامات التي تكون فيها العلاقة بين الدال والمرجع، قائمة على المشابهة والتماثل. ولعل أول من قدم تعريفا مرضيا لهذا المفهوم هو العالم الأمريكي "شارل ساندرس بورس" (C.S.Peirce) (1839-1914)، وذلك عبر مقارنته بمفهومين آخرين هما الرمز والقرينة (Symbole-indice). فإذا كانت العلاقة بين العلامة والمرجع اعتباطية في الرمز، ومعللة بواسطة المجاورة أو السببية في القرينة، فإن ما يخصص العلامة الإيقونية هو شبهها النشوئي بالموضوع المحال عليه(1) ولا يهم -في نظر "بورس"- إن كانت هذه العلامة بصرية (صورة مثلا) أو سمعية.
أما اللغة (Langage) فتطلق -في العرف اللساني السوسيري- على القدرة التي يختص بها النوع الإنساني، والتي تمكنه من التواصل بواسطة نسق من العلامات الصوتية. وهي تتحدد انطلاقا من علاقتها بمفهومين لسانيين آخرين هما اللسان والكلام. أما اللسان فهو الوجه الاجتماعي للغة، أي مؤسسة اجتماعية يخضع لها الفرد المتكلم ليتمكن من التواصل مع أفراد مجموعته اللسانية. ويعد اللسان-من الوجهة البنائية-نسقا من العلاقات، أو بالأحرى مجموعة من الأنساق المترابطة فيما بينها، بحيث أنه لا قيمة لنسق منها خارج العلاقات التي تربطه بالمجوعة.
وإذا كان اللسان هو الواجهة الاجتماعية للغة، فإن الكلام هو واجهتها الفردية، أي الإنجاز الفردي للسان.
والحقيقة أن العلامات اللسانية ليست هي الوحيدة المتداولة في التواصل الإنساني، بل هناك عدد هائل من العلامات الأخرى شأن "… الكتابة وأبجدية الصم البكم والطقوس الرمزية وأشكال وصيغ الاحترام والإشارات العسكرية…"(2). ,إذا كانت اللسانيات هي التي تتكفل بدراسة أنساق اللسان، فإن العلامات الأخرى يتكفل بدراستها علم جديد أطلق عليه "سوسير" (F.S. Saussure) (1857-1914) مصطلح سيميولوجيا، يقول: "ولذلك يمكن أن نؤسس علما يدرس حياة العلامات داخل الحياة الاجتماعية، فيشكل هذا العلم جزءا من علم النفس الاجتماعي، وبالتالي جزءاً من علم النفس العام. وسنطلق عليه اسم علم العلامات أو السيميولجيا (Semiologie) (من اليونانية Semeion أي علامة. وسيمكننا علم العلامات من معرفة ماهية العلامات والقوانين المسيرة لها"(3).
ويذهب "سوسير" إلى أن علم اللسان جزء من السيميولوجيا، لكنه يحظى بأهمية بالغة تنمو وتتطور. يتساءل "سوسير": "لماذا لم يتم بعد الاعتراف بالسيميولوجيا من حيث إنها علم مستقل بذاته ويختص مثل غيره من العلوم بموضوع متميز؟ يبدو وكأننا ندور في حلقة مفرغة: فمن جهة تقدم اللغة أكثر من أي شيء آخر أساسا يساعد على إدراك طبيعة المسألة السيميولوجية، ومن جهة أخرى لدراسة المسألة السيميولوجية دراسة مرضية ينبغي أن تدرس اللغة في حد ذاتها…"(4).
ولعل ما يعنينا هنا هو هذه الوضعية المركزية التي حظيت بها اللغة في الفكر السوسيري، بحيث غدت النموذج الذي ينبغي أن تدرس على منواله أنساق العلامات الأخرى. بل إن من الدارسين من عدها الوسيط الوحيد والضروري بين الإدراك الإنساني والعالم.
2 - الصورة واللغة: أطروحتان متعارضتان:
1.2-أطروحة رولان بارث: العالم أخرس ولا يتكلم إلا عبر اللغة:
يذهب "بارث" -على الخلاف من "سوسير"- إلى أن السيميوطيقا ما هي إلا فرع من اللسانيات، وسنده في ذلك أنه "ليس من المؤكد وجود أنسقة علامات في حياتنا الاجتماعية الراهنة تضاهي اللغة شمولا. مثل إشارات الطريق. وبتجاوزها إلى أنسقة ذات عمق اجتماعي، فإننا نصادف اللغة من جديد. من الثابت أن الأشياء والصور والسلوكات تستطيع الدلالة، وهي تقوم بذلك بامتياز، ولكن ليس بكيفية مستقلة البتة، بحيث إن كل نسق سيميولوجي يمتزج باللغة. فالمادة البصرية مثلا تثبت مدلولاتها عن طريق مضاعفتها برسالة لفظية (وهو حال السينما والإشهار والتصوير الفوتوغرافي الصحفي الخ) بحيث يقيم جزء من الرسالة الأيقونية علاقة بنيوية مع نسق اللغة، هذا في الوقت الذي لا تحوز فيه أشياء كاللباس والأكل صفة النسق إلا إذا هي مرت عبر محطة اللغة التي تقطع دوالها وتسمي مدلولاتها. إننا نعيش حضارة الكتابة أكثر من أي وقت مضى، بالرغم من اجتياح الصورة لحياتنا.
ومجمل القول: يبدو من الصعب أكثر فأكثر تصور نسق من الصور أو الأشياء تستطيع مدلولاتها أن توجد خارج اللغة (…) فلا وجود للمعنى إلا باللغة. وعالم الدلالة ما هو إلا عالم اللغة"(5).
لقد أثارت أطروحة "بارث" هذه جدلا عنيفا بحيث تجند العديد من الباحثين لدحضها. فـ"بورشر" (L.Percher) يستدرك على "بارث" بما يلي:
ـ ليس من الثابت أن الرسالة الأيقونية تلعب وظيفة حشوية بالنظر إلى اللغة. ولعل أوضح دليل على ذلك وجود أفلام صامتة كليا، ولكنها تفهم. ثم لماذا لا تكون الرسالة اللفظية هي التي تقوم بالوظيفة نفسها لصالح الصورة؟
ـ حين درس "بارث" نسق الموضة تعامل مع الخطاب المكتوب حولها، وهو ما لا يفيد إلا جزئيا في فهم كيفية اشتغال الأزياء داخل المجتمع، ثم إن هذا يهمش القضية الأساس التي تستهدفها السيميوطيقا، وهي: كيف يدل اللباس؟ ما الذي يجعل من لباس ما دالا على المحافظة والتزمت وآخر دالا على التحرر والإباحية مثلا؟
ـ إن العالم في نظر "بارث" أبكم، ولا يستطيع الدلالة إلا من خلال اللغة، وهو ما يترتب عنه خلاصتان هما: أن العالم مجرد لغة، وأن العالم الوحيد الموجود هو عالم العلم. وإذا كانت هذه الأطروحة لا تعدم نصيبا من الصحة، فإنها تفرض نوعا من ديكتاتورية اللغة، مرسخة بذلك مغالطة مفادها: لا يمكن أن تكون الدلالة إلا لسانية، وكل ما ليس لسانيا -بالتالي- لا يحمل دلالة.
ـ إن "بارث" يخلط بين اللغة واللغة الواصفة (métalangage)، إذ أنه يستنتج من قدرة اللغة على ترجمة مدلولات غير لسانية، أنها هي النسق الوحيد الذي ينتج دلالة بحق، وهو أمر غير كاف للزعم بأن الدلالة ذات منشإ لساني(6).
يضاف إلى ملاحظات "بورشر" Prcher ما سجله أعضاء جماعة لييج (Liège) حول أطروحة "بارث"، إذ يذهبون إلى أن إطلالة بسيطة على كتب الرياضيات والفيزياء والكيمياء والتيكنولوجيا تثبت أنها مليئة بالرسوم والصور، وهي رسوم وصور لا يصح الاستغناء عنها والاكتفاء باللغة (7).
بناء على هذه الملاحظات تصبح أطروحة "بارث" مجرد افتراض لا يمنع من قيام افتراضات مخالفة تنطلق من أسس مغايرة. ونحن سنقتصر في هذا المقام على تقديم أطروحة واحدة من ضمن تلك الأطروحات، وهي للباحث البلجيكي الشهير :إيريط بيوزنس" (E. Bryssens)، وستسمح لنا المقارنة بينها وبين أطروحة "بارث" باستجلاء طبيعة العلاقة القائمة بين الصورة واللغة.
2.2-أطروحة إيريك بيوزنس: الصورة نسق دلالي قائم الذات:
يعترف "بيوزنس" بوجود أنسقة علامية غير لسانية مستقلة وتامة. يقول: "الأنساق السيميوطيقية الأكثر شهرة هي الألسنة بطبيعة الحال. وينبغي أن نذكر إلى جانبها الرموز العلمية والمنطقية والإشارات الطرقية وإيماءات الأترابيين (Les trapistes)، وتلك التي يتداولها الهنود الحمر للتواصل بين القبائل التي ليس لها اللسان نفسه، ودقات أجراس الكنائس والأبواق العسكرية، ثم أن لوائح القطارات والدلائل السياحية تستعين بقدر كبير من العلامات، وهي علامات تستعمل أيضا في الخرائط. ويلجأ مصححو المطابع إلى زمرة من العلامات. كما أن أجهزة الراديو مثلا تحمل علامات توضح كيفية تشغيلها (…) واللائحة طويلة. لكن يلزم التنبيه إلى أنها لا تتمضن لا حروف الهجاء ولا كتابة "براي" ولا شفرة "المورس" (Morse)، ذلك أن هذه الشفرات لا تفهم إلا إذا عرفت لغة مستعملها، على خلاف الأنساق السيميوطيقية المذكورة أعلاه التي ليست لها أية قاعدة لسانية"(8).
يتضح من هذا القول أن "بيوزنس" يقر بوجود أنسقة سيميائية غير لسانية، وهو لا ينفي أن هذه الأنسقة يرتبط إدراكها باللغة، ولكن في حدود معينة. وهو أمر لا غرابة فيه من الناحية الإبستمولوجية. وبذلك فلا طائل من المبالغة في الاعتداد بأولوية هذا النظام العلامي وشموليته، وسيكون من الأجدى البحث في سر هذه الأولوية وهذا الشيوع.
يذهب "بيوزنس" إلى أن الأنظمة التواصلية السمعية أكثر فعالية في التواصل من الأنساق البصرية، ذلك أن هذه الأخيرة تقتضي عدم وجود حاجز بين المرسل والمتلقي، كما تتطلب حدا مقبولا من الضوء. ولعل ما هو أهم من هذا هو أن الرضيع يدرك في سن مبكرة جدا أن إيماءاته وحركاته لا تلفت نظر الأم إليه، خلافا للصراخ والبكاء الذي يستقدمها حتى وإن كانت غائبة عن مجال بصره. من هنا ينبع -في راي بيوزنس- السبب في كون الإنسان يتواصل بالكلام أكثر مما يتواصل بالإيماء والحركة. فالنظام اللساني يملك إذن مزية تتصل بتركيبنا السيكوفيزيولوجي والاجتماعي(9).
يضاف إلى ما سبق ذكره أن هذا النظام يقدم مزايا استعمالية، إذ أنه الأنسب من بين الأنظمة السمعية الأخرى مادام لا يقتضي استعمال اية أداة، أي أن إنتاج علاماته يتم بأعضاء طبيعية (جهاز النطق)، ومن ثمة فهو لا يفرض على مستعمله أية تبعية اصطناعية أو أداتية خارجية، كما أن توظيفه سهل وغير مهدد بالعطل، هذا فضلا على أنه أكثر غنى وتنوعا واقتصادا من كل الأنساق السمعية الأخرى كالصفير والتصفيق والركز…الخ (10).
بعد تقرير أفضلية النسق اللساني، يميز "بيوزنس" بين "الأنظمة المباشرة" و"الأنظمة البديلة". فالخطاب اللفظي مثلا نظام مباشر، لأن دواله تحيل على مدلولاته بكيفية مباشرة، أما الكتابة فنظام بديل، والأمر نفسه بالنسبة لأبجدية "براي" وعلامات "المورس"، وإن كان هذان الأخيران نظامين بديلين من الدرجة الثانية، ذلك أن مستقبل رسائلهما يحول العلامات إلى حروف الأبجدية، ثم يحول هذه الحروف إلى أصوات اللسان ليصل بعد ذلك إلى مدلول الرسالة. وإذا كان المرور عبر اللغة حتميا في الأنساق البديلة، فإن الأمر يختلف مع الأنساق المباشرة، فهي تستطيع الدلالة دون حاجة إلى العلامات اللسانية.
نخلص مما سلف إلى أن السيبل الذي سلكه "بيوزنس" أخصب من ذلك الذي سلكه "بارث"، ذلك أن "بيوزنس" لا يفرط في التحوط المنهجي الذي يقضي بإيلاء الأولوية للغة، لكن دون أن يجعل الأنساق السيميوطيقية الأخرى تابعة لها. فمن الثابت أن اللغة نظام ذو طابع شمولي ما دام هو الأشيع في المجتمعات الإنسانية، إلا أن له حدودا. فالمهندس المعماري مثلا، وكذا عالم الحيوان وعالم النبات… الخ لا يستطيعون الاكتفاء باللغة في وصف موضوعاتهم، وإنما هم مضطرون إلى توظيف الرسوم والصور والتخطيطات… أي إلى أنظمة سيميوطيقية أخرى.
إن تحليلا كهذا يكتسي أهمية بالغة بما أنه يضع نسق اللغة في مكانه السيميوطيقي المناسب: فهو يحتل الرتبة الأولى دون أن يحتكر الدلالة بمفرده. بل إن الأمر لا يقتصر على وجود أنظمة غير لسانية أخرى مستقلة فقط، وإنما يضطر نسق اللغة ذاته -أحيانا- إلى الاستعانة بها لضمان أداء وظيفته التواصلية والدلالية على أكمل وجه.
3 - الصورة واللغة: أية علاقة؟
ما الفرق بين اللسان والشفرة التي تجسد الصورة أحد تجلياتها؟ إذا كانت دوال اللسان تتخذ في الرسالة طابعا خطيا (Lineaire) بحيث تدرك حسب نظام تحدده بنية الجملة، فإن دوال الشفرة الأيقونية تنتشر في فضاء الصورة، بحيث أن إدراك عنصر من عناصرها لا يتم قبل العناصر الأخرى ضرورة، فالبدء بهذا العنصر عوض ذاك مسألة متروكة لاختيار المتلقي. ومن ثمة فإن الرسائل اللفظية تظل سجينة قواعد النحو والتداول خلافا للخطاب البصري الذي لا يخضع لقواعد تركيبية صارمة، إضافة إلى أن عناصره تدرك بشكل متزامن.
| ||
100ème Anniversaire de la naissance
de Naguib Mahfouz
Du lundi 28 novembre au mercredi 7 décembre
Exposition “L’Égypte, mon amour”
De l’artiste-peintre égyptien Ahmed Abdel Kérim
Vernissage le lundi 28 novembre de 18h30 à 20h30
Dans le cadre de la commémoration du centième anniversaire de la naissance de Naguib Mahfouz
Vendredi 2 décembre à 19h00
Projection du film “Dérive sur le Nil”
D’après le roman de Naguib Mahfouz
Réalisateur : Hussein Kamal
Acteurs : Emad Hamdi, Ahmed Zaki, Soheir Zaki
1971, Durée : 115 min., V.O. sous-titré en français
Dans le cadre de la commémoration du centième anniversaire de la naissance de Naguib Mahfouz
Du jeudi 8 au vendredi 23 décembre
Exposition photographique
“Le centenaire de Mahfouz”
En partenariat avec le journal Al-Ahram
Vernissage le jeudi 8 décembre de 18h30 à 20h30
En présence de M. Labib Al-Sébaï, journaliste et ancien Rédacteur en chef du journal Al-Ahram.
Vendredi 9 décembre à 18h30
“Autour de la poésie en dialecte égyptien”
Conférence avec le grand poète égyptien Sayed Higab
En arabe avec résumé en langue Française
Dans le cadre de la commémoration du centième anniversaire de la naissance de Naguib Mahfouz
Lundi 12 décembre à 18h30
Conférence autour de Naguib Mahfouz
“Mes souvenirs avec Mahfouz”
Avec le grand écrivain égyptien Gamal El Ghitani
Jeudi 15 décembre à 18h30
Conférence-projection
“Les nouvelles méthodes de préservation des tombes pharaoniques
dans le cadre de la coopération franco-égyptienne”
avec Dr Shabaan Mohamed Abdel Aal
Professeur à la Faculté d’Archéologie, Université de Fayoum
Conférence en anglais avec résumé en langue française
Dans le cadre de la commémoration du centième anniversaire de la naissance de Naguib Mahfouz
Vendredi 16 décembre à 19h00
Projection du film “Le palais du désir” (Qasr al-Shawq)
Réalisateur : Hassan Al-Imam
Acteurs : Nadia Lotfi, Abdel Menem Ibrahim, Nour El Shérif, Yahia Chahin
1967, Durée : 130 min., V.O. sous-titré en français
Dans le cadre de la commémoration du centième anniversaire de la naissance de Naguib Mahfouz
Mercredi 21 décembre à 19h00
Projection du film “La faim”
Réalisateur : Ali Badrakhan
Acteurs : Soad Hosni et Mahmoud Abdel Aziz
1986, Durée : 105 min., V.O. sous-titré en français
Dans le cadre de la commémoration du centième anniversaire de la naissance de Naguib Mahfouz
Vendredi 23 décembre à 19h00
Projection de trois films tirés des nouvelles de Naguib Mahfouz
Réalisateur : Ezz-El-Din Said
"La chambre no. 12", 35 min., 2005, Sahar Rami, Lotfi Labib et Sayed Abdel Kérim
VO. st en français
"La visite", 27 min., 2006, Magda El-Khatib et Inas Mekki
VO. st en français
"Sultan", 28 min., 2007, Ahmed Fouad Sélim, Ali Hachich et Ahlam Al-Grétli
VO. st en français
Du lundi 26 décembre au mercredi 28 décembre
"Exposition de 3 jours"
De l’artiste-peintre égyptien Mamdouh Anouar
Vernissage le lundi 26 décembre de 18h30 à 20h30
Nos meilleurs voeux à toutes et à tous nos ami(e)s
pour de très joyeuses fêtes de fin d'année
| ||
ينضاف إلى هذا أن علامات اللسان تقوم على الاعتباط والمواضعة (أي العلاقة بين الدال والمرجع فيها غير معللة) في حين أن الصورة تقوم على التعليل والمشابهة. ولعل هذا ما يجعل الرسائل اللسانية شديدة التشفير على حين تبدو الصورة وكأنها نقل للواقع بكامل العضوية والطبيعية، إلى حد أن بعض الباحثين اعتقد أنها "رسالة بدون شفرة"(12).
إن التعايش بين الصورة واللغة قديم وضارب بجذوره في عمق التاريخ. فمنذ ظهور الكتابة والكتاب وقع تلازم بين الصورة والنص. وقد تعززت وتقوت هذه العلاقة بتطور أشكال التواصل الجماهيري بحيث أصبح من النادر مصادفة صورة (ثابتة أو متحركة) غير مصحوبة بالتعليق اللغوي (سواء أكان مكتوبا أن شفهيا). فما هي العلاقات البنيوية التي تقوم بين الخطابين؟ هل يكتفي الخطاب اللفظي بتكرار ما في الصورة أم أنه يضيف إليه معلومات جديدة؟
ـ وظيفة الترسيخ (Ancrage)، ذلك أن الصورة تتسم بالتعدد الدلالي (polyse;ie)، أي أنها تقدم للمشاهد عددا كبيرا من المدلولات لا ينتقي إلا بعضها ويهمل البعض الآخر. ومن ثمة فإن النص اللفظي يوجه إدراك المتلقي ويقود قراءته للصورة بحيث لا يتجاوز حدودا معينة في التأويل(13) فالنص اللغوي إذن يمارس سلطة على الصورة ما دام يتحكم في قراءتها ويكبح جماحها الدلالي. وأكثر ما تشيع هذه الوظيفة في الصور الثابتة كالصور الفوتوغرافية الصحفية والملصقات الإشهارية…الخ.
ـ وظيفة التدعيم (relais) وتكون حين يقوم النص اللغوي بإضافة دلالات جديدة للصورة. بحيث إن مدلولاتهما تتكامل وتنصهر في إطار وحدة أكبر (قد تكون هي الحكاية في الشريط السينمائي مثلا)، وتندر هذه الوظيفة في الصور الثابتة. لكنها الأشيع في الصور المتحركة كالفيلم السينمائي والتلفزي والرسوم المتحركة…. الخ.
وقد تتجاوز الوظيفتان وتتعايشان في الملفوظ الواحد، عدا أن هيمنة إحداهما على الأخرى لا تعدم الدلالة: فطغيان التدعيم على الترسيخ معناه أن المتلقي ملزم بمعرفة اللسان لإدراك فحوى الرسالة، في حين أن طغيان الترسيخ معناه أن الملفوظ قائم على الحشو، وأن جهل المتلقي باللغة قد لا يحرمه من استيعاب دلالة الصورة(14).
ومجمل القول فإن الصلات بين الصورة واللغة ما تزال معرفتنا بها غامضة وسطحية، وهو أمر راجع إلى أن البحث في مجال الصورة ما يزال في بدايته، إذ أن الباحثين ما زالوا في طور البحث عن الأدوات والمناهج الملائمة التي تسعفهم في الكشف عن طبيعة هذا الموضوع المنفلت وإبراز قواعد اشتغاله. ولن نتمكن من سبر أغوار هذه العلاقة إلا عندما يصل علم الإيقونولوجيا إلى ما وصل إليه علم اللسان من تقدم في الوقت الراهن.
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire