كتب أحمد حسن بكر وعمر القليوبي ورضوى جمال (المصريون): | 17-01-2011 00:31
تلقى مجلس الوزراء تعليمات مشددة من جهة سيادية بالامتناع عن أي تحريك في أسعار السلع الأساسية، وعدم المساس بالسلع التي توزع وفقا لنظام الدعم العيني الذي تستفيد منه ملايين الأسر في مصر، للحيلولة دون حدوث اضطرابات اجتماعية، على غرار الاحتجاجات الاجتماعية التي شهدتها تونس على مدار الأسابيع الماضية وتسببت في الإطاحة بنظام حكم زين العابدين بن علي.
يأتي ذلك في الوقت الذي أعرب رومانو برودي، الرئيس السابق للمفوضية الأوروبية عن اعتقاده بأن مصر قد تكون عرضة لانتفاضة مماثلة لانتفاضة تونس، مشيرًا إلى أن هشاشة الوضع السياسي ـ حسب قوله ـ يجعلها ضعيفة أمام بطالة الشباب وارتفاع أسعار الخبز، لكن وزير الخارجية أحمد أبو الغيط وصف التكهنات حول إمكانية امتداد الانتفاضة الشعبية في تونس إلى دول عربية أخرى، وعلى رأسها مصر بأنه "كلام فارغ".
وطالبت التعليمات ذاتها من أعضاء مجلس الوزراء التوقف عن الإدلاء بأي تصريحات مثيرة للجدل قد تثير استفزاز الرأي العام في مصر، أو التلميح من قريب أو بعيد إلى احتمالات بحدوث زيادة في أسعار السلع الأساسية خلال الفترة المقبلة، وهو ما يستهدف خصوصا عدم إثارة الجماهير أو من شأنها أن تؤجج حالة الاحتقان، في ظل موجة الغلاء التي تشهدها مصر، مقابل تدني الأجور.
وعكست هذه القرارات حالة من القلق داخل أروقة مصرية عليا ، خشية إمكانية تكرار سيناريو الاضطرابات الاقتصادية والاجتماعية التي ضربت تونس في مصر.
وهو ما أكده الدكتور عبد الله الأشعل مساعد وزير الخارجية السابق الذي يرى أن النظام يخشى بشدة امتداد كرة الثلج، وتكرار السيناريو التونسي في مصر، لذا جاءت التعليمات صريحة وحازمة للوزراء بعدم اتخاذ أي إجراءات تستفز الشعب وتجميد مشاريع بزيادة الضرائب، وفي مقدمتها التجميد لأجل غير مسمى لزيادة كانت متوقعة لضريبة المبيعات وارتفاع كان مقررا في أسعار الوقود.
وأوضح الأشعل في تصريح لـ "المصريون" أن النظام المصري لن يكتفي بإجراءات داخلية فقط، بل أنه أجرى مشاورات خلال الساعات الأخيرة مع عدد من دول الجوار لاتخاذ تدابير تمنع انتقال العدوى من تونس إلى دول أخرى وبينها ليبيا والجزائر خوفا من مواجهة صعوبات قد تضع شرعية هذه الأنظمة ومستقبلها على المحك.
لكن المهندس رشيد محمد رشيد وزير التجارة والصناعة استبعد إمكانية تكرار ما حدث في تونس في مصر بسبب ارتفاع الأسعار.
وأكد أن هذا لا يمكن أن يحدث في مصر، لأن مصر لديها منظومة تتضمن 64 مليون بطاقة تموينية تغطى الغالبية العظمى من الشعب المصري، وتجعله معزولا عن الأسعار العالمية, كما أن المواد البترولية مدعومة، ولم يحدث تغيير على أسعارها منذ عام 2008.
وأشار فى مؤتمر صحفي بشرم الشيخ فى اليوم الأول للاجتماعات التحضيرية للقمة العربية الاقتصادية إلى أن هذه المنظومة تكلف الدولة نحو 100 مليار دولار سنويا، ومع ارتفاع الأسعار عالميا فإن الدولة ملتزمة بزيادة هذا المبلغ، وهذا الوضع مختلف عن دول عربية أخرى رفعت الدعم تماما، مما أدى إلى أن الزيادة العالمية في الأسعار التي بلغت مقدارها 50 % شعر بها المستهلك في هذه الدول.
في غضون ذلك، ذكرت مجلة "بيزنيس ويك" البريطانية، أن الأسهم المصرية شهدت تراجعًا كبيرًا بفعل الانتفاضة الشعبية التي أطاحت بحكم الرئيس التونسي زين العابدين بن علي، وسط مخاوف من إمكانية مواجهة النظام في مصر لضغوط مماثلة.
ونقلت عن مارينا أوتاواي، مديرة برنامج الشرق الأوسط بمؤسسة "كارنيجي" للسلام الدولي في واشنطن، القول إن الاحتجاجات التونسية قد تشجع المتظاهرين الذين خرجوا للشوارع في الآونة الأخيرة احتجاجا على الأوضاع الاقتصادية في دول عربية أخري منها مصر والأردن والمغرب.
وقالت علياء خليل، المتعاملة لدى شركة فاروس لتداول الأوراق المالية، للمجلة إن الناس يبيعون أسهمهم، لأنهم يعتقدون أن ما حدث في تونس يمكن أن يتكرر في مصر نظرًا للضغوط التي تفرضها البطالة و التضخم.
من جانبه، أعرب رومانو برودي، الرئيس السابق للمفوضية الأوروبية عن اعتقاده بأن مصر قد تكون عرضة لانتفاضة مماثلة لانتفاضة تونس، مشيرًا إلى أن هشاشة الوضع السياسي يجعلها ضعيفة أمام بطالة الشباب وارتفاع أسعار الخبز، وفقًا للمقال الافتتاحي لصحيفة "آل ماساجيرو" الإيطالية.
لكن وزير الخارجية أحمد أبو الغيط قلل من التكهنات التي تتحدث عن إمكانية امتداد الانتفاضة الشعبية في تونس إلى دول عربية أخرى، واصفا ما يتردد بهذا الخصوص بأنه "كلام فارغ"، وأن لكل مجتمع ظروفه، فإذا ما قرر الشعب التونسى أن ينهج هذا النهج فهذا أمر يتعلق بشعب تونس، وفي الوقت نفسه حذر القوى الغربية من التدخل في الشئون الداخلية للدول العربية.
وقال في تصريحات للصحفيين في شرم الشيخ - حيث بدأت الاجتماعات التحضيرية للقمة الاقتصادية العربية الثانية يوم الأربعاء القادم هناك - إن "الحديث عن امتداد ما يجري في تونس إلى دول عربية أخرى كلام فارغ، وإن لكل مجتمع ظروفه فإذا ما قرر الشعب التونسي أن ينهج هذا النهج فهذا أمر يتعلق بشعب تونس".
وأضاف أبو الغيط "مصر قالت إن إرادة الشعب التونسي هي الأهم، أما هؤلاء الذين يتصورون أوهاما ويحاولون صب الزيت وتأجيج الموقف فلن يحققوا أهدافهم والضرر سيلحق بهم أنفسهم"، على حد قوله.
واتهم بعض القنوات الفضائية العربية – فى إشارة إلى تغطية المتواصلة لقناة "الجزيرة" لأحداث تونس - بأنها "تسعى لإلهاب المجتمعات العربية وتحطيمها وللأسف كلها فضائيات غربية أو غربية الميول".
وردا على سؤال حول ما إذا كان من المنتظر صدور قرار خلال قمة شرم الشيخ بشأن تونس، قال أبو الغيط "أشك"، غير انه استدرك: "ولكن إذا رغبت القمة في تناول الأمر التونسي فليكن، وعموما فإن إرادة الشعب التونسي هي العنصر الأهم فى هذا الخصوص ولا أحد يقاوم إرادة هذا الشعب، ولكن الشعب التونسي سوف يسأل أيضًا عن هذا الوضع في المستقبل".
وأعرب عن اعتقاده بأن "الخير سوف يأتي إلى تونس مهما كانت التحديات". وجاءت تصريحات أبو الغيط في ظل أجواء من القلق بعد سقوط الرئيس التونسي زين العابدين بن علي تحت ضغط الشارع وتوقعات على نطاق واسع لمحللين حول إمكانية امتداد الاحتجاجات إلى دول عربية. |
ترك الرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن على السلطة , فر إلى جدة هاربا مذعورا تحت وطأة ثورة تونسية شعبية تستحق أن نتوقف عندها طويلاً , فالشعب التونسي يتمتع بطبيعة متسامحة للغاية , وغير ميال للعنف أبدا , ويبدو ذلك واضحاً جليا في حكمته الشديدة لدى مقاومته للاحتلال الفرنسي, ثم ان ملايين السياح الذين يزورون تونس لا يبذلون جهدا كبيرا لملاحظة تسامح هذا الشعب , ولطفه إلى حد كبير لكن ما الذي حدث بالضبط؟
محمد بوعزيزي بائع الخضار الذي اسقط رئيس الجمهورية يضرم النار في نفسه احتجاجا , ثم تشتعل المظاهرات, والاحتجاجات ,باختصار انتفاضة شعبية ترتكز على رغبه حاملي الشهادات العليا في الحصول على وظائف وانقاذهم من البطالة , بن علي يتصدى للمحتجين بالرصاص الحي ويوما بعد يوم يرتفع عدد القتلي في صفوف المحتجين ثم بن علي يصف ما يحدث بأنها حملات نهب وسرقه منظمة, تغييرات وزارية محدودة ثم خطاب الوداع الأخير يقول فيه بن علي دون ان يدري أنه غبي حيث ارتجل بالعامية التونسية كلمات مرتبكة سارت على شفتيه المتعثرتين قائلا إنه وبعد ثلاثة وعشربن عاما فهم الشعب التونسي وان الشعب يحتاج إلى الحرية وانه اعتبارا من اليوم لا حجب لمواقع الانترنت, ولا لمنع المظاهرات السلمية , ونعم لحرية الصحافة والحرية الحزبية والسياسية ونعم لتخفيض اسعار السلع الاستهلاكية ونعم لتوفير مئات الآلاف من الوظائف لحملة الشهادات العليا!
استفاقة بن علي من سباته كانت متأخرة للغاية فالاضطرابات اشعلت تونس بأكملها ولا مفر من رحيل بن علي ,وسبحان مغير الاحوال فالرجل الذي كان منذ ساعات رئيس تونس الخضراء أشعلها وحولها إلى تونس الحمراء ولا يجد دوله تستضيفه إلى أن وصل إلى السعودية وسط مطالبات بمحاكمة بن علي وحاشيته وزوجته وعائلة الطرابلسي أصهاره
بن علي المتأنق الذي يصر دائما على ارتداء مناديل تتناسب ولون ربطه عنقه مع دهن شعره بالزيت والحرص على تشذيبه والذي صادر احدى المجلات التي نشرت له صورة قديمة وقد ظهرت شعيرات بيضاء في شعره , بات لا يجد من يؤويه شريدا طريدا , لو كنت ذهبت إلى تونس أو تابعت ما جرى على شاشات التلفزيون لعرفت جيدا أن "الحجامة" هي السبب , عن نفسي ذهبت إلى تونس مرات وتابعت ما جرى على شاشات التلفزيون ثم انني اعرف الحجامة وهي بالمناسبة كلمة بالدارجة التونسية تعني مصففة الشعر أو الكوافيرة ..انها ليلي بن علي , تلك المرأة التي سيطرت هي وعائلتها ..عائلة الطرابلسي على جميع الانشطة الاقتصادية في تونس بل ووصل الامر إلى صدور كتاب بالفرنسية عنها تحت عنوان حاكمة قرطاج , لا أحد من الشعب التونسي مقتنع بهذه المرأة فاذا كان زوجها "الجنرال" فشل في الحصول على البكالوريا فإنها لم تحصل على شيء باستثناء بعض الشهادات "المضروبة", وتفرغت لتعبث بتونس برفقه زوجها وعصابة الطرابلسي, ما اعتقده ان خطأ بن علي الاساسي أنه دهس كرامة التونسيين بكعب حذائه بالتصدي للاحتجاجات بالرصاص الحي فرشقه المحتجون بمئات الآلاف من الاحذية ودعته عند هروبه كالمجرمين
لم يتعلم بن علي من تجربة سابقه الحبيب بورقيبه الذي عزله بدعوى أنه اصبح "مخرفا" , فبورقيبه كان يخصص التلفزيون الرسمي لنقل انشطته بل ان ذهاب بورقيبه إلى دورة المياة كان خبرا يستحق أن يكون اساسيا في نشرة اخبار التلفزيون الرسمي ., كان الجميع يبحث عن الخلاص , وعندما تسلم بن علي السلطة هلل الجميع فرحا لكن المشهد لم يتغير وبعد ثلاثة وعشرين عاما من حكمه ما المشهد؟ , لا صحافة حرة , مواقع الانترنت محجوبة, لا حقوق انسان, تضييق على الحريات , دولة بوليسية توتاليتارية شمولية عسكرية , فساد في الحاشية , فساد في الاقتصاد , وفي الايام الاخيرة كانت الرمال المتحركة تبتلع بن علي تماما
مما يروى أن بن علي عندما علم ان شقيقة الرئيس الفرنسي السابق فرانسو ميتران تعيش من مواردها الخاصة قال "لن ادع هذا يحدث لعائلتي ابدا" , لكن ما جرى لم يكن ابدا اختيارة, وما صنعه الشارع التونسي من تغيير يستحق الاشادة والتقدير بكل تأكيد.
الاعتداد الشديد بالنفس المبالغ فيه سمة اساسية من سمات الشعب التونسي , ولهذا اذا زرت تونس لا تندهش اذا اشار احدهم إلى انفه بالتزامن مع تحريكه إلى الاعلي قائلا "أنا تونسي خشمي هكه", كما ان سفر عدد كبير من الشباب التونسي إلى الخارج رفع سقف طموحات معيشة المواطنين في تونس فهذا يشتكي قائلا انه "فقير..فقير بارشا ما عنده الا بيجو شعبيه" اي انه ليدلل على مدي فقره يضرب لي مثالا بأن سيارته بيجو "شعبيه" ياسلام , تونس دوله عصرية .. التعليم اجباري ومجاني ونسبة الامية شبه معدومه , شبكة الطرق والبنية التحتية رائعة , الرعاية الطبية ممتازة, الغالب الاعم من مواطنيها يمتلكون منازل (يسمونها دورا) مستقلة وليست شققا في عمارات السكن العمودي , بفضل سهوله الحصول على قروض ميسرة , فضلا عن السيارات ولا ننسي ان الدينار التونسي يعادل خمس جنيهات مصرية أي انه يساوي الدولار..وفي المقابل في مصر اكثر من نصف الشعب المصري تحت خط الفقر, وثلث الشباب الحاصلين على شهادات عليا في مصر على "القهاوي" ووزيرة القوى العاملة عائشة عبد الهادي تنصح حاملي شهادات كليتي التجارة والحقوق بالعمل "بوابين" لأن هذا هو المتاح , وعدد المعتقلين السياسيين بالالاف والفساد وصل لـ"الركب".
ما حدث في تونس نتاج لحظة تاريخية فارقة وهي تجربة شديدة الخصوصية ينبغي ان نحييها ونضع ايدينا على قلوبنا تحسبا لأن يأتي نفس الرجل بقبعة اخرى في تونس فكما يقول أمل دنقل لا تحلموا بعالم سعيد , فخلف كل قيصر يموت ..قيصر جديد, وينبغي الا نقع في الخطأ نفسه الذي وقع فيه التيار الاسلامي الراديكالي عندما حاول ان يستلهم تجربة الثورة الخومينية في ايران عام 1981 فكان مصيره الفشل اقول هذا بعدما لاحظت اتكاء معظم وسائل الاعلام على امكانية تكرار ذلك في مصر.
أؤمن تماما بتفاوت طبائع الشعوب فالشعب العراقي بحاجة إلى حاكم قوي وهذه طبيعته منذ الحجاج بن يوسف الثقفي الذي قال "انا بن جلا – وهو قاطع طريق مشهور وقتئذ- وطلاع الثنايا متى اضع العمامة تعرفوني" ثم وضع عمامته وقال "اني اري رؤوسا قد اينعت وحان وقت قطافها" , والشعب التونسي الهادىء لا تقترب من كرامته واعتداده بنفسه , أما الشعب الجزائري فهو عنيف بطبعه , فيما يفضل دائما الشعب المصري "المشي جنب الحيط" يرحب بالتغيير ان حدث لكنه لا يشارك في صنعه
| دروس الانتفاضة التونسية |
عندما بدأت انتفاضة الشعب التونسي قبل أربعة أسابيع ، لم يسمع أحد عن الحزب الحاكم الذي يرأسه الرئيس زين العابدين بن علي ، كانت الثورة الشعبية تتسع وتشمل شرائح المجتمع التونسي كله ، بينما قيادات وأعضاء الحزب الحاكم يختبئون في جحورهم لا يسمع بهم أحد ، وليس لهم أي وجود في الشارع ، ويتركون المجال أمام قوات الأمن للقبض على قيادات الانتفاضة والتنكيل بالمشاركين ثم ضربهم بالرصاص الحي في الشوارع ، كما يلاحظ أن الرئيس بن علي كان يخوض المواجهة مع الشعب بنفسه ، فلم يأت على ذكر لحزبه أو قواعده أو يوجه مناشدة لهم لكي يتحركوا ويتصدوا للانتفاضة ، ماذا يعني ذلك كله ؟
الحزب الحاكم في تونس ، التجمع الديمقراطي الدستوري ، كان يدعي أنه حزب الملايين ، وأن أعضاءه يصل عددهم ـ حسب تصريحات الأمين العام للحزب ـ إلى اثنين مليون وربع المليون عضو ، ولو صح هذا الكلام لكانت هذه الملايين قد ابتلعت الانتفاضة في أول يومين ، لكنها الأكاذيب التي درج أعوان الطغاة على إطلاقها مستغلين قهر الناس ، وامتلاكهم أدوات الدولة وجبروتها بالكامل ، ولم يظهر شيء عن هذا الحزب الوهمي الحاكم إلا في اليومين الأخيرين بعد انتصار الثورة الشعبية ، عندما ألقى الأهالي وقوات من الجيش القبض على أعضاء من الحزب في سيارات خاصة يجوبون الشوارع ليلا يطلقون النار على المواطنين ويحرضون على السلب والنهب ويحاولون بث موجة من الذعر والفوضى .
هذا الحزب الحاكم ، فاز بجميع الانتخابات التي كان يخوضها في ظل "الديكور الديمقراطي" بنسب تفوق التسعين في المائة ، سواء كانت الانتخابات البرلمانية أو البلدية ، كما كان الرئيس بن علي يفوز بالنسبة ذاتها في انتخابات الرئاسة ، بما يعني أن الإجماع "المزور" منعقد طوال هذه السنين على حب هذا الحزب وزعيمه الملهم ، وروجت آلة الدعاية الرسمية التونسية عن إنجازات الزعيم ، والنهضة التي حققها لتونس والحياة الديمقراطية التي ينعم فيها التونسيون ، كما كانت دائما هناك وعود بأن السيد الرئيس سيهديها لشعبه بالمزيد من الإنجازات ، كما كانت حرمه "ليلى" حديث الفضائيات والصحف عن حنانها واستنارتها وإسهاماتها العميقة في تطوير الحياة التونسية ودعم الثقافة والفنون وحقوق المرأة ، ومع الأسف الشديد ، وصلت هذه الموجة من الدعاية السوداوية إلى مصر ، حيث حصلت بعض الصحف الحكومية المصرية وصحف خاصة وصحف لأحزاب معارضة على ملايين الجنيهات من السفارة التونسية في القاهرة خلال شهر نوفمبر الماضي ، مقابل نشرها أخبارا ومقالات وتقارير عن تمجيد الرئيس التونسي وتمجيد حرمه ، وغسيل السمعة القذرة ، وهو موقف لا أعرف كيف تتطهر منه تلك الصحف المصرية الآن بعد أن ضللت الشعب المصري نفسه أولا ، وتواطأت بصورة غير أخلاقية ضد آلام الشعب التونسي ومعاناته مقابل حفنة من المال الحرام .
الحزب الحاكم في تونس كان يتلاعب بالدستور كل عدة سنوات حسب مزاج السيد الرئيس ، فقد عدل الدستور خصيصا لكي يسمح للرئيس بالبقاء في السلطة إلى العام 2014 ، ثم مع نهايات عام 2010 سارع قيادات الحزب بالدعوة إلى تعديل دستوري جديد يسمح لزين العابدين بن علي بالترشح للرئاسة من جديد عام 2014 ، لأن سنه وقتها لن يسمح له بالترشح حيث يصل إلى 78 عاما ، بينما الحد الأقصى الذي يتيحه الدستور التونسي هو 75 عاما فخططوا للعبث من جديد بالدستور ، وقالت قيادات الحزب الحاكم أن الشعب التونسي يناشد الرئيس البقاء من أجل مواصلة الإصلاح ، وكانت مشكلة الرئيس زين العابدين أن ابنه طفل صغير أنجبه على كبر ، فليس بوسعه أن يعدل الدستور بحيث يسمح له بتوريثه السلطة ، فكان الأقرب أن يتم تعديل الدستور على مقاس الأب وليس الإبن ، حتى يكبر الطفل فيتم تعديل الدستور من جديد على مقاسه ، وهكذا الطغاة دائما ، الدستور بالنسبة لهم أرخص من ورق الكلينكس ، وكل هذه التعديلات والتلاعبات الإجرامية تصدر عادة باسم مصلحة الشعب ورغبة الشعب ومطالب الشعب وإرادة الشعب.
عندما هرب الطاغية واجهت تونس أخطر فراغ سياسي ، لأن معظم رجال الرئيس هربوا ، لأنهم يعرفون مصيرهم أمام غضب الشعب ، وحتى لو لم يهربوا ، فعادة الطغاة أن لا يبقى بجوارهم "رجال" ، وإنما خدم وسكرتارية وأشباه الرجال ، يعجز أحدهم طوال حياته عن أن يتخذ قرارا دون وجود "ظل الرئيس" في خلفيته أو توجيهاته ، فاعتادوا على أن ينظروا إلى صورة الزعيم أو خطابه أو بعض قراراته لكي يقيسوا عليها قبل أي خطوة ولو صغيرة ، فلما اختفى الرئيس عجزوا عن أن يكون لهم أي قرار ، واضطر الجيش إلى تنصيب بعض الوجوه لتسيير شؤون الدولة لحين إنجاز انتخابات جديدة حقيقية تفرز قيادة ديمقراطية لتونس .
عندما اختفى الرئيس اختفى الحزب الحاكم ، ولا أحد يسأل عنه الآن ولا يعيره انتباها ، لأنه ليس حزبا في الحقيقة وإنما مجموعة من الانتهازيين والفاسدين أصحاب المصالح والمطامع الخاصة تريد أن تتعيش على بعض فتات الفساد الذي يتساقط من فم الزعيم وعصابته .
| تنويريون مصريون يحرضون ضد تونس |

تطوع بعض الكتاب التنويريين في مصر للتحذير مما ينتظر تونس على أيدي التيار الإسلامي.
"الأهرام" كتبت عنوانها الرئيس "الفوضى تسود تونس". أحد هؤلاء التنويريين عندما سئل عن دليل مخاوفه من اقتحام التيار الإسلامي التونسي الإسلامي للمشهد مع أنه لم يكن موجودا نهائيا، لا بشعاراته أو رموزه في انتفاضة الشعب التي غيرت وجه تونس تماما وأطاحت بالديكتاتور فهرب مذعورا بعائلته..
قال: مشهد الصلاة الجماعية للمتظاهرين التونسيين في الشوارع بمجرد إعلان محمد الغنوشي الوزير الأول إنه استلم السلطة مؤقتا بموجب المادة "56" من الدستور.
كيف تكون الصلاة أو السجود لله شكرا وهو ما حدث بالضبط مؤشرا على وصول التيار الإسلامي؟
يهرب المتحدث من الإجابة المباشرة قائلا "بالضرورة أنا لست ضد الدين.. لكن المشهد دلالة رمزية أو رسالة. أنا خائف من سيطرة الراديكالييين الإسلاميين أو المتطرفين أو الإرهابيين على الأوضاع في تونس".
هذا التحريض من الكاتب التنويري ومن على دربه لم يستطع أن يقوله زين العابدين بن علي في ذروة محاولته الافلات من الثورة الشعبية أو تهدئتها، ولو كان في امكانه لفعلها ليبرر للعالم ما يقوم به أمنه من حصد أرواح الناس الغاضبين بالجملة.
ببساطة لأن التيار الإسلامي التونسي مهاجر ومن عاد منهم إلى أرض الوطن، كان ذلك باتفاق مشروط مع النظام السابق بالتزام بيوتهم والتخلي عن أي نشاط سياسي أو دعوي وحتى الابتعاد عن الصلاة في الجوامع والمساجد.
كل المتظاهرين والمتظاهرات شباب يطالب بالحرية والعدالة ومحاربة الفساد ومحاكمة الفاسدين. عندما سجدوا لله شكرا وجدها التنويريون في مصر فرصة للتحريض ضد الثورة بعد نجاحها، ووجد بعضهم فرصته في التركيز الذي أولته قناة الجزيرة على دور التيار الإسلامي التونسي في مستقبل تونس والإعلان عن قرب عودة راشد الغنوشي.
وثائق وزارة الداخلية السرية التي يعثر عليها شباب الثورة الشعبية بعد مداهمتهم للمقار الأمنية تؤكد أن نظام بن علي لم يكن يحارب حركات إسلامية أصولية أو متطرفة أو إرهابية لأنها ببساطة ليست موجودة بتونس. لقد حارب الإسلام نفسه.
إذا كان الكاتب التنويري وزملاؤه يقصدون الصلاة والسجود كدليل وبرهان على التطرف والإرهاب، فهو إذن يتهم كل الشعب التونسي، وهي نفس توجيهات وزارة الداخلية التونسية في عهد بن علي لأجهزتها الأمنية، وهنا أقدم له نص وثيقة من بين عشرات الوثائق الأمنية السرية التي أمرت بالتعذيب والقتل والاعتقالات، ووصفت الحجاب بأنه زي طائفي والمترددين على المساجد والجوامع بأنهم ارهابيون.
تتضمن الوثيقة أمرا من وزارة الداخلية للأجهزة الأمنية بـ "مواصلة الاهتمام بالعناصر النسائية المرتدية للزي الطائفي أو النقاب وتعميق التحريات معها". وما بين علامات التنصيص هو النص الحرفي بالضبط.
وفيها أمر آخر بـ "الإنتباه إلى العناصر السلفية التي قد يسجل تغيبها عن أماكن إقامتها وترددها للوقوف على امكانية سفرها إلى إحدى بؤر التوتر على غرار (الجزائر، العراق، فلسطين) مع مواصلة عمليات الطلب والمداهمة والتفتيش".
ثم أمر مباشر من وزارة الداخلية بتعقب المصلين.. نصه: "مواصلة التعريف بالعناصر الجديدة التي بدت عليها ملامح التطرف الديني أو على علاقة بأحد العناصر السلفية المترددة حديثا على الجوامع والمساجد".
تسريب وسائل الإعلام عن حالة فوضى عارمة في تونس بعد سقوط بن علي، محاولة يائسة لاثبات أن النظم الديكتاتورية البوليسية تضمن أمن الناس واستقرارهم ورزقهم وسلامة ممتلكاتهم.
والواقع أنه ليست هناك فوضى حتى نصفها بالعارمة، فمثلما أسقط الشعب التونسي بجسارة غير مسبوقة نظام الطاغية، كان قادرا على تشكيل لجان شعبية لتأمين الناس وبيوتهم ومتاجرهم من العصابات التي شكلتها قوات الشرطة.
أي أن الذين يزعم التنويريون أنهم حماة الأمن والوطن من التطرف والإرهاب هم الذين سرقوا المتاجر، وحاربوا الجيش الذي نزل الشوارع لتأمينها، وقد جرت أمس معركة عنيفة بين الجيش والأمن الرئاسي وهو جزء من فيالق وزارة الداخلية، عقب أن رفضوا تسليم أنفسهم كونهم مارسوا في عهد بن علي حملات التعذيب والمداهمة وقتل الأبرياء.
والمفارقة أن الجيش قبض على 20 أجنبيا بين قوات الأمن الرئاسي أو لنقل 20 مرتزقا.. فماذا كانوا يعملون؟!
لعب جيش تونس دورا عظيما في الساعة الأخيرة لحكم بن علي بوقفته مع الشعب ومطاردته لقيادات وضباط الشرطة الذين حاربوا الناس وداهموا بيوتهم ومنعوه حرياته الشخصية والسياسية.
أما اللجان الشعبية التي شكلها الأهالي فقد ساعدت الجيش في ضبط العناصر الأمنية السابقة التي قامت بعد رحيل بن علي بسرقة المتاجر ونهبت على سبيل المثال سوبر ماركت جيان في وسط العاصمة.
هذه اللجان طاردت عماد الطرابلسي شقيق السيدة الأولى وقتلته عندما كان يحاول الهرب، بالاستعانة بالعناصر الأمنية السابقة. ثم اعتقلت قيس بن علي ابن شقيق الرئيس السابق وأبرز الفاسدين، وكذلك مراد الطرابلسي شقيق "ليلى" السيدة الأولى السابقة.
القول إن الحالة التونسية تسير نحو الحالة العراقية، تهريج من الموالين للنظام السابق والمرعوبين في العالم العربي.
تبقى نقطة خطيرة جدا، فقد ظهر عبدالله القلال وزير الداخلية الأسبق والمحكوم عليه في قضايا تعذيب رفعها تونسيون أمام المحاكم السويسرية، ظهر إلى يسار محمد الغنوشي في أول ظهور له معلنا خلو السلطة من رئيسها بن علي، وكان إلى يمينه رئيس البرلمان والرئيس الحالي المؤقت فؤاد المبزع.
لماذا ظهر القلال وما هي صفته الرسمية رغم أنه لا يستطيع الخروج من تونس وإلا سيتم القبض عليه، ولم يكن في أي منصب منذ خروجه من وزارة الداخلية؟!
إنها علامات قوية على محاولة نشل الثورة. |
مع كل الاعتذار للراحل الكبير المشير ابوغزالة الذى استلهمنا العنوان من كتابه( وانطلقت المدافع عند الظهر) . فقبل غروب شمس الرابع عشر من يناير 2011 (جفت منابع) الديكتاتور فى السلطة وتلفت فلم يجد فى يديه إلا يديه واستدارفوجد جميع من حوله لا يرهبوه ولا يرغبوه ولا يطلبون منه إلا شيئا واحدا..الخروج..فأذعن الديكتاتور واشترى حياته.. ومثل المشهد الأثير الذي يبدو انه سيتكرر كثيرا(طائرة تحمل طاغية لا تجد لها أرضا تحط عليها) ..
فرنسا التى كان وسبقت أن ختمت أوراق اعتماده فى(المؤسسة)بمقاولة( تجفيف المنابع).. رفضت استقباله .. وحذت حذوها كثير من الدول ..حتى قبلته المملكة السعودية ويا ليتهم ما فعلوا ويا ليتهم تركوا طائرته تجوب البلدان بلدا تلو بلدا حتى ينفد وقودة ويهبط فى قاع بحر أو محيط ويكون عبرة مكتملة الأركان لكل ديكتاتور يبغى و يطغى ويستهين ويستصغر كرامة البشر والشعوب .
فاليد التى صفعت محمد بو العزيزى ما كانت إلا يد الطاغوت..والاحتقار الذى احتقره موظفو بلديه سيدى بوزيد لمحمد بو العزيزى ما كان إلا نفسا من أنفاس الطاغية .
ومن يقرأ كتاب الكواكبى عن الاستبداد وعائلته الكبيرة التى تبدأ بالمستبد الأعظم حتى أصغرمجرم.فى أصغر وظيفة يتبين له دقة التوصيف فى المعادلة..ما حدث فى سيدى بوزيد كان يحدث مئات المرات ويتكرر ألاف المرات..لكن بو العزيزى الشاب الجامعي الوديع الذى خذلته الدولة الوطنية ككل إخوانه العرب..لم تحتمل نفسه ولا كرامته الإهانة فأشعل النار فى نفسه..وتحول رماده إلى أسطورة أخرجت المارد القابع فى نفوس أحفاد أبو القاسم الشابى الذي عزعليهم أن يعلموا الناس كلماته المشهورة عن إرادة الشعوب وتحطيم القيود ولا يعطون المثل المثالي ..
أعطوه لنا فى التعامل مع أقذر استعمار فى التاريخ كما يقول د حسين مؤنس وهو الاستعمار الفرنسى الذى يأبى على اى شعب يحتله إلا سلخه من دينه ومن لغته ومن حضارته وثقافته وتحويله إلى مسخ مشوه ..فقدموا الأرواح و الدماء فداء لدينهم ووطنهم.
وأعطوه لنا مع أسوأ حكام فى التاريخ كما يقول أيضا د .حسين مؤنس( باشاوات وسوبر باشاوات).
فمنذ قيام الدولة الوطنية فى البلدان العربية بعد خروج المحتل الأجنبي ونحن نؤسس لتاريخ مليء بالخسائر..خسائر على كل مستوى و كل نوع ..انظروا إلى واقع البلدان العربية من الخمسينيات حتى التسعينيات .. حلم الحرية الذى كان من الطبيعي ان يتحول الى حقيقة بعد خروج المحتل تبدد فى القسوة والسجون وكل أشكال القمع والقهر والاستهزاء والاستهانة بالبشر وأعراضهم و أموالهم وكرامتهم..
لم يكن الديكتاتور مستبدا عاديا بل كان مستبدا عاتيا عتيدا فى استبداده وقهره . فقدمه لنا الشعب التونسى الشجاع مثل (الأراجوز) وهو يتصايح (فهمتكم فهمتكم ..الرسالة وصلت الرسالة وصلت ) وبعدها بأقل من 24ساعة كان مطرودا كسيرا حسيرا .
القادم أصعب.. لكن اللعبة أصبحت مفهومة..فسرقة الأوطان التي حدثت بعد خروج الاستعمار المحتل لن تتكرر ثانية.. لن يتمكن (مغامر خسيس) جديد من تكرار المشهد .. فقد تم استيعاب الدرس تماما ..
سيعمل ذيول النظام الهالك على حرق الأرض من تحت أقدام الجميع وقد رأيناهم ليلة أول أمس وهم يقتلون و ينهبون لكن الأمر لن يزيد عن كونه سكرات احتضار ..
الجيش أصبح منتهى الصلاحية فى عالم السياسة .. انتهت تلك الحقبة التاريخية ولن تعود .
المثقفون والسياسيون المعارضون عرفوا أن قوتهم فى وحدتهم مهما اختلفت إيديولوجياتهم ..
الجماهير لم تجف دماؤها بعد .. ولن تغيب عن أعينهم الشراسة المتناهية التى وقعت عليهم فى الأيام الأولى لثورتهم. وما عادوا يقبلوا بمثل ذلك ثانيه ..لن يقبلوا إلا بضمانات صلبة تصون لهم حريتهم وكرامتهم. من خلال دستورعظيم وبرلمان شريف وحكومة تخضع للمحاسبة ورئاسة محدودة المدة.
حسنا فعل الإسلاميون باندماجهم فى قلب الجماهير.فلا يمكن تصور أن الجموع الهادرة التى خرجت طوال الشهر الماضي لم يكن بينها أبناء حركة النهضة ..كانوا موجودين ..هتافاتهم مثل هتافات الجماهير ومطالبهم مثل مطالب الجماهير..وكان هذا توفيقا كبيرا ..كان الديكتاتور يتمنى أن يرى مصحفا مرفوعا أو يسمع هتافا دينيا ..
حتى يملأ البحر المتوسط بدماء شعبه ..لكن أبناء النهضة أبوا إلا أن يعطوا الإسلاميين فى كل العالم العربي درس عمرهم .. فهل وصل الدرس ؟
الشارع والجماهير تعنى الحرية والخبز والكرامة ..ثم بعد ذلك تأتى الأهداف العميقة ..
الأهداف العميقة لا تسبق الحرية فالمقهورون و الخانعون ومطأطيئو الرؤوس لن يسمعوا ولن يعوا.
الأهداف العميقة لا تسبق الخبز ..فالجائع لا أذن له ولا عقل له.
الأهداف العميقة لا تسبق الكرامة .والشعور بالثقة و الاحترام .
لازال للعديد من الحكام العرب الذين رأوا ما رأوا ..فرصة هائلة للتصالح مع شعوبهم..وإبعاد كابوس ديكتاتور تونس عن خيالهم ...(الطريقة اللئيمة) فى تجفيف منابع المجتمع وتصحير المحيط السياسى حول السلطة ثبت بالقطع واليقين فشلها .. فهل نعتبر ونتعظ ..
لقد صدق الديكتاتور وهو يترنح قائلا (لا رئاسة مدى الحياة..لا رئاسة مدى الحياة). |
والجميل هنا هو شعبنا العربي من المحيط الهادر.. الى الخليج «الفائر»، شعبنا العربي الابي الكريم الذي يسعى منذ ما قبل «النكبة» عام 1948، حتى ما بعد «النكسة» عام 1967، مرورا بـ«الوكسة» وانفصال الجمهورية العربية المتحدة عام 1961، ولحاقا بالنصر التكتيكي الاوحد عام 1973، طوال تلك الحقب وشعبنا العربي الجميل الطيب يسعى إلى «وحدة ما يغلبها غلاب».
.. وحدة تدعمها اواصر الدم بين الشعوب والقبائل.
.. وحدة توطدها اللغة العربية الواحدة.
.. وحدة يوثق عراها التناسق الجغرافي الذي لا تفصله الجبال الشاهقة، ولا تقسمه الصحراوات الشاسعة.
.. وحدة تؤكد اسسها حقائق التكامل الاقتصادي، فالايدي العاملة متوافرة في مصر وسورية والاردن والمغرب والجزائر، والاموال موجودة في دول مجلس التعاون الخليجي النفطية «فائرة» فائضة تبحث عن اسواق واعدة ومستقرة لاستثمارها، والاراضي الزراعية لا تجد من يزرعها في السودان والعراق ومصر حيث الانهار تتدفق، والثمار لا تجد من يجمعها وهي دانية فوق فروع اشجارها.
.. وحدة يدعو اليها الدين الاسلامي الذي يشكل العقيدة الاساسية للغالبية العظمى من سكان العالم العربي.. الدين الاسلامي السمح الحنيف الذي يستوعب الآخر ويحتويه ويحميه.
ومع تشريف السنة الجديدة 2011 يشهد العالم العربي اضطرابات يعلم الله منتهاها.. تونس الخضراء.. احمرت.. مصر تلدغها افاعي الطائفية.. لبنان.. سويسرا الشرق بلا حكومة.. الأردن على صفيح الاسعار الساخن.. والسودان.. سلة غذائنا المستقبلي، اصبحت سودانين، وكل طفل صغير يعلم ما يحتويه جنوب السودان من خيرات وندعو الله ضارعين الا يكون تقسيم الجنوب مقدمة لتقاسيم «عربية» على لحن العنصرية، دينية كانت أم عرقية، ولننتظر ما سيحصده السودان الشقيق من مطالبات اخرى بالتقسيم، وليبلل العراقيون لحاهم.. وليتمسك المغرب بصحرائه.. ولتتشبث الجزائر بجنوبها.. ولتحتضن مصر «نوبتها»، وليلملم الاردن الهاشمي اطرافه، وليضم لبنان طوائفه.. وليجمع اليمن السعيد شماله وجنوبه.. ولتنس سورية اللواء السليب والجولان المنهوب ، والقادم لا يعلمه الا علام الغيوب ويا خفي الالطاف.. نجنا مما نخاف!
مبروووك.. لشعب تونس
.. ما زالت جذوة الأمل في الغد مشتعلة تحت الرماد.. والهباب.. والسخام الذي غطى به بعض الحكام شعوبهم.
ونبارك لتونس الشقيقة نهضتها وصرختها وانتفاضتها في وجه الطاغية الفار الذي حكم تونس بالحديد والنار.. ورحم الله الشابين محمد بوعزيزي وحسين الفالحي واخوانهم.
.......
«فاتح عينيا للخطر ع الآخر
قدرت اشوف وسط المحيط الزاخر
وسط الظلام والضنك بارق امل
بيبص للاهوال ويضحك ساخر»كتبت هذه المقالة قبل ساعات من فرار الطاغية "زين العابدين بن على" وها هو أول آمال التونسيين والعرب ومطالبهم قد تحققت بعد أقل من شهر على بدء الانتفاضة الشعبية التى أشعل شرارتها الشاب "محمد البوعزيزى" بمحاولة انتحاره.
يبقى على الشعب التونسى وقياداته الحرة المعارضة الحقيقية فى الداخل والخارج أن يحافظوا على المكاسب التى يجب أن تتوالى ولا تنقطع ببناء نظام جديد بدستور جديد يحقق آمال التونسيين فى حياة حرة كريمة فى كل الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية تحفظ هوية البلاد وتحقق كرامة العباد، ويكون مثالاً لبقية البلاد، وها هم فرضوا عزل الوزير الأول أيضاً من سدّة الرئاسة.
ترك الديكتاتور البلاد غارقة فى فوضى دستورية وأمنية وحال اقتصادية مزرية رغم كل عمليات التجميل الوردية، وهذا سلوك كل الطغاة المستبدين "نفسى ومن بعدى الطوفان"
ولم يجد عنه شيئاً ما قاله فى خطابه الأخير، ومثله كمثل فرعون الذى قال الله له { آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ﴿٩١﴾} [يونس] بعد ان قال
هل يستفيد الطغاة ؟
فى الغالب الأعم لا يستفيدون وإلا ما جرت سنة الله عليهم واحداً بعد الآخر على مدار السنين والعقود الماضية.
هل تستفيد الشعوب ؟
نعم، فى الغالب الأعم تأخذ الشعوب دروساً وعبرة، وتتحرك فى الوقت الذى يختاره الله ، وقد تسبق الشعوب بعض المعارضات المنظمة التى لها حسابات معقدة، وهذا ما رأيناه فى تونس التى تحولت من جديد إلى تونس الخضراء بعد الدماء الحمراء التى خضبت أرضها.
فقد ظلت أنظار العرب جميعاً متعلقة طوال الأيام الماضية بتونس تتابع نشرات الأخبار على كل القنوات لمعرفة التطورات المتلاحقة، وشكراً لقناة الجزيرة التى حازت السبق بين الجميع كعادتها.
تونس؛ مثال التحديث والتغريب والدعم الغربى بلا نهاية، فى مواجهة شعب تحرر من الخوف وثار على الطغمة الحاكمة المستبدة الفاسدة، وصدقت توقعات المراقبين الذين طالما حذروا من انفجار الشعوب فكان ذلك التخدير مثار تنذر الحاكمين والمنافقين وأبواق الإعلام المخادع.
ظلت دعوات العرب الحالمين بمستقبل أفضل لأنفسهم وأولادهم تنطلق إلى عنان السماء كل صلاة وأناء الليل وأطراف النهار أن يثبت الله شعب تونس، رجالاً ونساءً، وشيباً وشباناً، من كل الأطياف والاتجاهات وأن يوحد صفهم ويجمع كلمتهم على رأىٍ واحد حتى لا ينقسموا، وأن تتخلص مطالبهم فى مطلب واحد، هو إزاحة الرئيس "بن على" الذي تراجع يوماً بعد يوم أمام زحف الشعب البطل الذى لم توقفه دماء الشهداء بل دفعته لمزيد من التضحيات، وعلا سقف مطالبهم إلى حد المطالبة بطرد الرئيس ومحاكمة عصابة اللصوص أمام محكمة شعبية حقيقية بعد أن أفسدوا القضاء، ومحاسبتهم على كل ما ارتكبوه فى حق الشعب التونسى، وقد استجاب الله دعائنا جميعاً.
السؤال الذى يتردد على ألسنه الكثيرين هو: هل تنتقل عدوى الاحتجاجات من تونس والجزائر إلى بقية البلاد العربية التى تعانى نفس المعاناة وتمر بنفس الظروف إن لم تكن أسوأ حالاً ؟
البطالة والفقر وغلاء الأسعار والاستبداد السياسى والقهر البوليسى وكبت الآراء، والتعتيم الإعلامى، وتزوير الانتخابات، والأحزاب الموالية التى تلعب دور المعارضة، والرئاسة مدى الحياة، وعصابات المافيا التى تسيطر على كل مفاصل الحياة الاقتصادية ، والتكتلات الاحتكارية، وعدم احترام أحكام القضاء وإفساد القضاة وانعدام العدالة.
هذه هى الوصفة السحرية التى تؤدى إلى الانفجار الشعبى الذى قد يتأخر إلى حين بسبب القهر البوليسى ولكنه حتماً سيأتى فى وقت يعلمه الله تعالى الذى وصف الحاكمين والملأ من القوم بأنهم { نَسُوا اللَّـهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ} [الحشر: 19] وأنه تعالى {وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴿١٨٦﴾ } [الأعراف].
فى حوار تليفزيونى أثناء الانتخابات البرلمانية الأخيرة فى مصر والتى زورها الحزب الحاكم بمساعدة البلطجية وبإشراف وزارة الداخلية نفسها واحتكر الحزب فيها مقاعد البرلمان بنسبة 97 % وكان أمامى ناطق باسم الحزب الذى أفسد كل شيء وكانت المذيعة هى "ليلى الشايب" فى قناة الجزيرة وهى تونسية، أشاد أ/ مجدى الدقاق بالتجربة التونسية واعتبرها نموذجاً مثالياً للدول العربية، ولا أدرى اليوم كيف قرأ الأحداث التى انفجرت منذ 17/12 أى بعد هذا اللقاء بأقل من ثلاث أسابيع فقط ؟ وهل لا زال أهل الحكم فى بلدنا عند رأيهم أم بدأوا يراجعون أنفسهم ؟ قبل أن أكتب هذا المقال وصلتنى رسالة على التليفون من عميد شرطة متقاعد لا أعرفه يقول فيها " لو لم أكن مصرياً لوددت أن أكون تونسياً" ونفس هذه المقولة ترددت مع توالى الأحداث فى أكثر من بلدً مع تغيير اسم البلد فقط وإننى أتعجب لماذا لا يتعلم الحكام من تجارب الغير، فالعاقل من اتعظ بغيره، ولماذا لا نراجع أنفسنا ونقوم بما يمليه علينا الواجب الشرعى والوطنى الذى يلزمنا على الأقل بدعم خطوات التغيير وأن نبدأ بأنفسنا نحن وبمن نتولى رعايته، بإصلاح أنفسنا وبيوتنا والقيام بواجبنا تجاه مجتمعنا وألا ننغلق على أنفسنا فقط، بل نضم جهودنا إلى جهود بقية المصريين جميعاً، وأن نلتقى على الحد الأدنى من المطالب المعقولة لبدء مسيرة جديدة فى حياة مصر، نتنفس فيها الحرية الحقيقية، ونتعايش فيها عيشاً مشتركاً يحقق لنا الحقوق البسيطة كمواطنين.
أقل هذه المطالب هى ما يتعلق بالحريات العامة، وفى مقدمتها إلغاء حالة الطوارئ التى قد تؤجل الانفجار الشعبى ولكنها لن تقدر على منعه نهائياً وان تجرى انتخابات حرّة نزيهةتعبر عن إرادة الشعب فى تمثيل متوازن لكل التيارات والاتجاهات دون إقصاء أو إبعاد، وأن يكون القضاء المصرى مستقلاً استقلالاً حقيقياً بعيداً عن تأثير السلطة الحاكمة عليه ليكون حصن الأمن والأمان لكل المصريين.
تونس تعطينا مع الأمل، الدرس الواقعى المتجسد أمامنا ، الأمل فى النجاح، فقد ثار الشعب وانفجر، بعيداً عن الأحزاب والقوى التى حنّطها النظام فى مقراتها وتلاعب بها فى تحالفات وهمية تكرّس الاستبداد، وبعد أن هاجرت إلى المنافى قوى المعارضة الحقيقية التى يخشاها النظام.
لقد ثار الشعب فى البداية من أجل البحث عن فرصة عمل أو لقمة عيش ولكن سقف المطالب سرعان ما تصاعد إلى المطالبة برحيل الرئيس زين العابدين بن على.
لقد حاول النظام بكل الطرق التعتيم على الغضب الشعبى بمنع وسائل الإعلام المحلية والعربية والعالمية من نقل الأحداث، ولكن التطور التكنولوجى فى وسائل الاتصال مكّن الشباب من نقل الوقائع ساعة حدوثها إلى قناة الجزيرة بالذات عبر الهواتف النقالة وشبكة الانترنت التى نقلتها إلى العالم كله، وتابعها التونسيون فى كل المحافظات فانطلقوا متضامنين مع الشاب الذى أشعل شرارة الأحداث بمحاولة الانتحار ولعل الله عز وجل أمدّ فى حياته ليتوب إليه ليلقى رباً غفوراً بعد أسبوعين وهو يشعر على سرير المرض فى الرعاية المركزة بأن ما فعله كان الشرارة التى أشعلت الغضب فى صدور كل التونسيين ، لقد جرّب النظام كل الوسائل القهرية لمنع المظاهرات الغاضبة الساخطة ، حتى وصل إلى إطلاق الرصاص الحىّ على الشعب من البنادق والمدافع التى اشتراها النظام من الضرائب التى سرقها النظام من جيوب المواطنين أو المعونات التى تلقاها باسم الشعب أو من القروض التى أثقل بها كاهل الأجيال القادمة.
لم يفلح النظام وسقط أكثر من 90 شهيداً، ماتوا دون حريتهم و قضوا نحبهم من أجل الحصول على فرصة عمل شريفة، ولقوا ربهم وهم يقفون ضد سلطان ظالم جائر، فكانت النتائج هى انفجار بركان الغضب المكتوم، وتخلى الغرب المنافق عن الرئيس الذى دعموه فى سدة الحكم لمدة 23 سنة، وجمّلوا نظامه أمام العالم، ولم يجد ذلك العلمانى إلا جوار مكة ليبقى فيه إلى حين غير مأسوف عليه من أحد.
ها هو الرئيس يخرج لثلاث مرات ليخاطب الشعب، وفى كل مرة يتراجع أمام الضغط الشعبى المتصاعد، فى المرة الثالة قال ليهدئ من غضب الشعب: أصدرت أمراً بعدم إطلاق الرصاص :
- لن أترشح لولاية رئاسية جديدة ( ضميناً )
- لقد غالطونى وسأحاسبهم على ذلك.
- لقد فهمت مطالبكم وسأحقق مع المفسدين عن طريق لجنة مستقلة.
- سأخفض أسعار السلع الرئيسية.
ماذا كان رد فعل الشعب: المطالبة باستقالته شخصياً، ومحاكمة المفدسين الذين حماهم هو شخصياً، وكيف يحاسبهم وهم أقرب الناس إليه ؟
هذا هو رد الفعل المتوقع، وها نحن نرى غضبة شعبية تونسية تكرر نفس ما حدث فى دول أخرى كان من بينها إيران الشاه التى اطاحت بمن هو أقسى من "بن على" وأشد عنفاً ، فالمسئولية هى مسئولية الحاكم المستبد الذى أصمّ أذنيه عن صوت الشعب، وأحاط نفسه ببطانة السوء تزين له كل ما يفعله.
كان المسلمون والعرب ينتظرون تكرار الغضب الشعبى، وكان الحكام يخشون من تصدير الثورة، وكانت تونس بالذات تحارب الدعوة الإسلامية، بل اجترأت على الإسلام نفسه، ووصل الأمر إلى تقييد حرية المساجد والدعاة، وإعلان الحرب على المحجبات، وكان مجرد السؤال عن ا لطريق إلى المسجد فى الشارع من أحد الغرباء يعرضه للخطر والمساءلة والنصع والتحذير من المخلصين، ولا أنسى فى زيارتى الوحيدة لتونس عقب انقلاب القصر فى نوفمبر 1987 ، بعدها بسنتين تقريباً أننى كنت مراقباً طوال 24 ساعة ويرابط أمام غرفتى فى الفندق مخبرون يتناوبون على متابعة كل تحركاتى حتى وصل إلى مرافقتى إلى باب الطائرة التى أقلتنى إلى القاهرة.
ثورة الجياع والمحبطين والمهمشين هى آخر ما كان يتوقعه المراقبون ، وهذه الثورة يخشى الناس فيها من الفوضى المدمرة، لكننا ها نحن نرى تحول الثورة إلى مطالب سياسية، وها هى القوى المعارضة سياسية ونقابية تنظم جهودها لضمان انتقال آمن للسلطة بدأ بإعلان "بن على" الخروج من السلطة وتشكيل حكومة وحدة وطنية انتقالية ثم إجراء انتخابات حرة بعد إطلاق الحريات العامة.
قلوبنا تنفظر على الشهداء الذين سقطوا ، ودعواتنا لهم بالرحمة والمغفرة، وآمالنا معلقة بأن ينجح الشعب فى التخلص من بقية الطغمة الحاكمة بسلاسة وأن يعيد بناء تونس من جديد.لم تكن تونس في قائمة الدول العربية المرشحة لحدوث تغيير سريع في النظام السياسي، ولم تكن هناك إرهاصات أو مقدمات للتغيير على النحو الدراماتيكي الذي حدث.. فقد كان هناك نظامًا بوليسيًا بالغ الصرامة، وكانت هناك معارضة مستأنسة خرجت أيضًا من عباءة النظام.
ولكن النظام التونسي مثله مثل كل الأنظمة العربية لم ينتبه ولم يفطن إلى أن المعارضة الحقيقية الجديدة في الشارع العربي أصبحت الكترونية، من خلال مواقع الفيس بوك والمدونات والبريد الالكتروني، وأنها أصبحت أشد وأقوى تأثيرًا في صفوف الشباب حيث صنعت وأوجدت قناعات وأفكارا مختلفة، وأثارت ثورة هائلة من التطلعات والآمال لدى الشعوب العربية.
وبينما كان هذا الإعلام الالكتروني والفضائي يصنع الثورة الجديدة، كان الإعلام الحكومي للأنظمة العربية يتحدث بخطاب إعلامي يعود إلى عصور مضت، ويتناول قضايا يغازل بها أصحاب القرار ويخطب ودهم دون أن يكون قادرًا عن ترجمة آمال وطموحات الملايين من البسطاء ودون أن يستقطب اهتماماتهم أو يستطيع المشاركة في صياغة وجدانهم.
وساهم في زيادة مساحة العزلة والابتعاد أن الكثير من الأنظمة العربية لم تستطع أن تقدم لشعوبها الرخاء الموعود، واعتقدت أن البيانات الجوفاء والأرقام الجامدة ستؤدي إلى إقناع الجماهير، دون أن تدرك أو تعي أو تستوعب الحقيقة الأهم وهي أن هناك ازديادًا في أعداد الساخطين وهناك إحباطًا وشعورًا بعدم الثقة من كل البيانات والواضح.
ولم تكن هذه الأنظمة حاسمة أو سريعة في إجراء التغيير المطلوب والدفع بقيادات شعبية جديدة أكثر إرتباطًا وإلتحامًا بالجماهير وتستطيع أن تقيم معها حوارًا بناءًا، وهو تأخير ساهم في نشوء مراكز قوى جديدة بالعالم العربي أقامت حائطًا منيعًا أمام كل دعوات التغيير حماية لمكاسبها وخوفًا من ساعة الحقيقة والمحاسبة أو المحاكمة والسؤال عن مصدر ثرواتها واستغلالها للسلطة والنفوذ.
ولأن النظام التونسي كان معتمدًا على مراكز قوى فاسدة فإنه لم يستمع إلى صوت الشعب واعتقد أنه من السهل الاستمرار في الخداع إلى ما لا نهاية، كما اعتقد أنه يستطيع قمع أي احتجاج دون تدخل من أحد دون أن ينتبه إلى حقيقة أن العصر الجديد لم يعد يسمح بأعمال القمع والقتل دون إدانة وتدخل دولي.
وسيكون من الغباء ألا تنتبه الأنظمة العربية إلى حقيقة أساسية وهي أن الإعلام الحر البعيد عن الرقابة والتدخلات يمثل ضمانة أساسية للأمن والاستقرار لأنه يؤدي إلى طرح كل الآراء والأفكار بموضوعية وفهم، ويوجد قنوات مفتوحة للاتصال والتفاعل بين القيادة والقاعدة، ويحقق مساحة أكبر من الشفافية والمصارحة تكون كفيلة بخلق أجواء من الثقة تمنع وتحجب أي احتقان وتجعل كل الحقائق مطروحة وواضحة بما يحد من التلاعب والفساد ويدفع في اتجاه التغيير والتصحيح للأخطاء والتجاوزات.
ويقينًا فإن للزلزال التونسي دروسًا وانعكاسات كثيرة، وأولها وأهمها ما ترجمه النشيد الذي تغنى به الشعب التونسي في مظاهراته.. إذا الشعب يومًا أراد الحياة، فلابد أن يستجيب القدر، ولابد لليل أن ينجلي ولابد للقيد أن ينكسر..
وهو درس يعني أنه لا يجب الاستهانة بصوت الشعوب ولا بصبرها ولا بقدرتها على الاحتمال، كما أنه لا يمكن لأحد أن يجزم أو يتكهن بمتى وأين وكيف ستتحرك وماذا ستفعل إذا ما تحركت..
لقد كان الدرس التونسي بليغًا.. ومفاجئًا أيضًا، ولكن أهم من الزلزال الذي وقع هو ان يعرف الآخرون كيف يمكن تجنب توابعه..!!شهر من الاحتجاجات يقوم بها الشعب التونسي بعد حرق الشاب محمد بوعزيزي نفسه بعد أن حاول استرداد عربة الخضار التي تمثل رأسماله الوحيد من الشرطة والمحليات فتم صفعه علي وجهه من إحدي الموظفات فقرر الانتحار .
كانت ساعة المستقبل تدق وقد فتح حرق بوعزيزي نفسه الباب لثورة العاطلين مثله من أبناء الطبقة الوسطي التونسية والذين نالوا تعليما جامعيا ولكنهم لا يجدون عملا يتكافئ مع تعليمهم فقرروا النزول للعمل في الأعمال الرثة ليأكلوا لقمة عيشهم .
وهنا يظهر ما نطلق عليه في العلوم الاجتماعية " الحرمان النسبي " حيث يشعر الناس أن ما تؤديه إليه نظمهم السياسية هو أقل مما يتوقعونه ويستحقونه وهنا تنشئ فجوة التوقعات التي تقود إلي الغضب والتذمر عبر الوعي والشعور اليومي بأنماط من الظلم والإهانة ومن هنا يأتي ما نطلق عليه في علم الحركات الاجتماعية بالعامل المفجر بمعني أن النظم الفاسدة والراكدة المستبدة التي شاخت وعجزت عن الاستجابة لحاجات مواطنيها ينتشر بين مواطنيها شعور وعقيدة عام تقول إن هذه النظم لم تعد صالحة للاستمرار وتحمل هذه العقيدة قوي اجتماعية وسياسية في العادة تنتمي للطبقة الوسطي ، هذه القوي يصبح أمر التغيير والثورة بالنسبة لها مسألة لا بد منها لكنها تنتظر اللحظة المناسبة ، وهنا يأتي العامل المفجر الذي يتحول إلي نار ونور وإلهاما وطاقة ، وكان حدث محاولة بوعزيزي قتل نفسه هو الحادث المفجر الملهم لكل الشباب العاطلين عن العمل من المتعلمني ليخرجوا إلي الشارع ويحتجوا بمطالبين بحقهم في العمل وحق في الخبز وحقهم في المسكن والزواج والحياة وهي الحقوق التي نطلق عليها في العلوم الاجتماعية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية وهي شرط شعور الإنسان بالكرامة وشرط ممارسته لحقوقه السياسية .
تونس التي فرض عليها حاكمها ستارا حديديا شبيها بتلك الأسوار التي تصنعها النظم الفاشية لعزل شعوبها عن العالم بحيث لا يعرف أحد مايجري في الداخل وتبني تلك النظم صورا وردية عن النمو والتقدم والحداثة بينما هي خاوية من الداخل ، تونس المعزولة عن العالم تصبح هي القبلة التي ترسم وجه المستقبل للإنسان العربي وتعيد الثقة إليه وتطئنه أنه يمكن أن يثور ويغضب وأنه يمكن أن يواجه الموت من أجل كرامته وحريته ومن أجل نظم سياسية تمنحه حقوقه الاقتصادية والاجتماعية كما تمنحه حقوقه السياسة سواء بسواء .
عندنا نماذج لنظم انهارت في أوروبا الشرقية وتحولت من نظم ديكتاتورية إلي نظم ديموقراطية ، بيد إننا كنا بحاجة إلي لسان عربي مبين يعلن لنا بيانا وينير لنا طريقا ودربا ، وإذا بقدر الإنسان العربي في تونس أن يكون هو ذلك اللسان ، لأول مرة يستطيع الإنسان العربي أن يثور ويسقط نظاما سياسيا ويفرض مطالبه علي حكام أباطرة انعزلوا عن شعوبهم وفارقوا إنسانيتهم فظنوا أنفسهم آلهة .
كانت خطوات ديكتاتور تونس متثاقلة نحو شعبه ، فلم يكن يظن أن احتجاجات الشعب ستصبح ثورة يرددون فيها شعر أبو القاسم الشابي : إذا الشعب يوما أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر
فخرج في خطاب يهدد ويتوعد ثم في خطاب ثان يقيل وزراء ويقرر الإفراج عن المعتقلين وفي الخطاب الثالث يعد بآمال الحرية وعدم البقاء في السلطة ولكن الثورة قد جاوزت حركته العجوز ومبادرته التي شاخت .
يتساءل كثيرون من الباحثين العرب والمراقبين والمحللين عن مستقبل نظمهم السياسية التي شاء حكامها أن يدعوها تبدو بلا مستقبل فهي تعيش يوما بيوم لا تدري ماذا يجري غدا ؟ وكان كبار المتخصصين إذا سئلوا فإنهم لا يملكون إجابة فالغموض وعدم اليقين يلفان الحجب ولا يعرف الناس من أمر غدهم القريب ولا بعيد شيئا ، وهنا فإن ثورة شعب تونس العربي تفتح لكل متسائل الطريق مفتوحا وواسعا للسيناريو الوحيد الذي أصبح ممكنا لمستقبل النظم العربية ، فالشارع هو ساحة المواجهة وحجاج المناضلين والحركات الاجتماعية يجب أن يكون في قلبه كما فعل ثوار تونس ومناضليها .
تونس هي التي ابتسرت المستقبل وفتحت طريقا إليه فسيناريو تونس الذي بدأ من خروج العاطلين عن العمل محتجين في سيدي بوزيد ثم إلي مدن أكبر مثل القيروان وسوسه ثم تتسع لتصل إلي بيت الديكتاتور في قلب العاصمة وبنزرت ويصبح القتل والقمع وقودا لانتشار طاقة الثورة وامتدادها، فدماء الشهداء أقوي من آلة القمع التي لا تلبث أن تخشع وتعجز عن البطش فدماء مئة قتيل جعلت المحتجين يطلبون الموت ليهبوا الحياة لأمتهم ، وهنا تلاشت قوة الديكتاتور فقرر الرحيل ، فرنسا رفضت استضافته وظلت طائرته تحوم في الجو لأكثر من ست ساعات مستعيدين مشهد شاه إيران ، مستقبل العالم العربي رسمته تونس ووضع نظمنا العربية الآن في الميزان .
بعد انتخابات مجلس الشعب الأخيرة 2010م وما أعقبها من تداعيات... أغلقت كل الأبواب كما يقولون "بالضبة والمفتاح" أمام القوى التي تسعى للإصلاح عبر المؤسسات الرسمية للدولة بالطرق السياسية السلمية الديمقراطية...... أجمع كل المحللين السياسيين والباحثين المهتمين بالشأن المصري على أن استمرار انهيار وتدهور الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية في مصر يوماً بعد يوم سيؤدي حتماً إلى انهيار النظام الحالي وولادة نظام جديد... غير أن سيناريوهات هذه الولادة ... تكاد تنحصر في ثلاثة سيناريوهات هي :
أولاً : التوريث ... ويعد هذا الخيار هو الأوفر حظاً حتى الآن لعدة أسباب لعل أهمها : أنه امتداد للنظام الحالي الأمر الذي يضمن مصالح تحالف الفساد في الداخل وفي نفس الوقت مصالح ومتطلبات أمن الصهاينة والأمريكان وهذا هو الأهم ... واظن أن هذا السيناريو بعد أحداث تونس أصبح بعيد المنال ولكن يظل مطروحاً .
ثانياً : الاختطاف "تغيير الأقنعة".. ويعد هذا هو البديل الثاني ونجاح هذا البديل مشروط بتوحد القوى الوطنية السياسية والاجتماعية المعارضة للنظام ونجاحها في تحريك الشعب نحو عصيان مدني أو ثورة شعبية تهدد مصالح الصهاينة والأمريكان ... فتتحرك إحدى القوى من داخل النظام لها القدرة على السيطرة وكسب ثقة الشعب بالقضاء على رموز الفساد ومنح هامش من الحرية وفي نفس الوقت تضمن هذه القوة مصالح الصهاينة والأمريكان... وهذا هو ما تحاوله هذه القوى حتى الآن في تونس بعد سيطرة الجيش وأركان النظام البائد على الأوضاع.
ثالثاً : نجاح القوى الوطنية المصرية السياسية والاجتماعية والشبابية في تحريك وقيادة الشعب نحو عصيان مدني أو ثورة شعبية تجبر مؤسسات الدولة على الانحياز إليها والتحالف مع قيادتها وفي نفس الوقت تجبر القوى الخارجية بالوقوف على الحياد الأمر الذي سينتهي بقيام نظام سياسي واجتماعي جديد.
والسؤال الذي يطرح نفسه هو من الذي لديه القدرة على قيادة عملية التغيير المنشود وتحقيق الإصلاح المستدام؟ هل هي الأحزاب والقوى السياسية أم هي القوى الاجتماعية والفعاليات الشبابية؟ هذا الأمر يحتاج إلى تفصيل على النحو التالي:
أولاً : الأحزاب السياسية التقليدية:
لن نكون قد تجاوزنا الحقيقة إذا قلنا أن هذه الأحزاب بوضعها الحالي غير قادرة على قيادة الشعب نحو إصلاح حقيقي لأنها جزء من النظام الحاكم فهو الذي استنبتها وتولى أمرها بل واختار قادتها وزعمائها!!!، ولم تكن نتيجة لتفاعلات شعبية وحركات فكرية جماهيرية... ومن ثم افتقدت منذ اليوم الأول لولادتها مبررات وجودها واستمرارها فدارت في فلك النظام حيث دار... فتمحورت حول نفسها وأشخاصها وأفكار ذهبت ريحها!!! فعاشت أسيرة الماضي تتحدث عن المشروعية التي لا أساس لها لا عن المشروع الذي يستجيب للواقع وتحدياته الداخلية والخارجية بما يضمن تحقيق متطلبات الشعب وطموحاته...ففقدت الناصر والمعين واكتفت بالشقة والصحيفة والبحث عن مصادر للتمويل ... وأزعم أنه لو أجريت انتخابات "نزيهة" لن يحصل "أفضلها" إلا على ما حصل عليه أعضائه بالتزوير في الانتخابات الأخيرة!!!
ثانياً: الحركات الاجتماعية والشبابية والسياسية الحديثة
لا شك أن ظهور الحركات الاجتماعية المطلبية التي تطالب بحقوقها المهنية والاقتصادية ، وكذلك ظهور الحركات الشبابية المهتمة بالشأن العام جاء نتيجة لتدهور الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية يوماً بعد يوم، وفقدانهم الأمل في أن تقوم المؤسسات الحكومية والمدنية والأحزاب السياسية بتقديم أية حلول لهم أو تبني مطالبهم....،
هم كذلك انعكاس لتكنولوجيا الاتصال والفضاء المفتوح الذي حكم بالإعدام على عصر تكميم الأفواه والإعلام الموجه والرأي الواحد والزعيم الأوحد.... فمنحهم فرصة التواصل والتعارف وتبادل الأفكار والآراء والاقتراحات...فظهرت المبادرات الفردية والجماعية التي حفزت وألهبت حماس الجميع للانتقال من اللامبالاة والسلبية إلى الإيجابية، ومن السكون إلى الحركة... ففرضت نفسها على الواقع المصري بصورة استلفتت الأنظار في الداخل والخارج... الأمر الذي دفع الكثير من المحللين والباحثين إلى ترشيح هذه الحركات كرأس حربه لقيادة عملية الإصلاح والتغيير في مصر مثلما حدث في تونس لعدة أسباب أهمها :
1- أن المنتمين لهذه الحركات يمثلون كافة قطاعات الشعب المصري من المثقفين والمفكرين والأساتذة والطلاب والعاملين في القطاع الحكومي والخاص والعاطلين عن العمل وغالبيتهم ينتمون إلى فئة عمرية تبدأ من (20-45) سنة وهي الشريحة الفاعلة في المجتمع المصري حيث تمثل نسبتهم من 35% إلى 40% من إجمالي الشعب وفقاً لبعض الدراسات وهذه الشريحة هي التي أحدثت التغيير في الكثير من الدول في عصرنا الحالي .
2- أن المنتمين إلى هذه الحركات أقرب إلى التيار منه إلى التنظيم ومن ثم تتمتع باستقلالية كبيرة في التفكير والقدرة السريعة على الحركة والتواصل مع بعضها بعيداً عن التعصب لأيديولوجيات فكرية وتنظيمية... نظراً لتربيته ونشأته في مناخ مفتوح بعيداً عن الغرف المغلقة ...
3 – وأهم مما سبق أن هذه الحركات والفعاليات صناعة مصرية 100% وليس لها أية أجندات خارجية... فهي ابنة المجتمع وانعكاس لهمومه وآلامه، وأفراحه وطموحاته، فهي تمثل شعوراً جمعياً، وهذا مايضمن لها سرعة الانتشار والقبول من الجميع.. وهذا ما حدث في تونس.
غير أن ما سبق على أهميته ومحوريته في إحداث أي عمليه تغييريه شعبية إذ لا يمكن تحقيقها بانعدامه فهو بمثابة الأساس الذي يبنى عليه... إلا أن ذلك لا يكفي وحده لإحداث التغيير المنشود والإصلاح المستدام إلا إذا تم تحقيق ما يلي:
أولاً : أن تدرك هذه الحركات أن مطالبها لن تتحقق بالصورة المطلوبة إلا بزوال هذا النظام الفاسد لأن ما يدفعه للبعض باليمين يأخذه مضاعف بالشمال... وماحدث مع عمال المحلة وغيرهم من الحركات المطلبيه خير مثال... وإذا كان نسبة البطالة تزداد يوماً بعد يوم ونادي والفقراء يستقبل أعضاء جدد كل يوم بما يهدد سلامة المجتمع واستقراره... ولضمان تحقيق مطالبهم واستمرارية مشروعهم الإصلاحي وحمايته من الاختطاف من قبل القوى المتربصة... فإن الأمر يتطلب من قادة هذه القوى والتي تعمل حتى الآن منفردة ... بلورة مطالبهم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية تحت مظلة هيئة سياسية جامعة لهم ذو رؤية واضحة المعالم والخطوات متناسقة متتالية تجرد النظام من كل ما تبقى من شرعيته المجتمعية والقانونية والدستورية.
ثانياً : أن تتبنى هذه الهيئة بلورة خطاب سياسي يؤسس لقيام نظام سياسي واجتماعي جديد يحقق متطلبات الشعب الآنية والمستقبلية ... وفي نفس الوقت يضمن وقوف القوى الخارجية على الحياد والتي لا يعنيها حقيقة أن يتمتع الشعب بالحريات العامة والديمقراطية إلا بالقدر الذي يحافظ على مصالحها في المنطقة... وفي هذا الصدد يمكن استلهام النموذج التركي ... والقول بأن لكل تجربة ظروف وقواسم معينة لانستطيع بها تعميمها على غيرها من التجارب؟ هو قول حق يراد به باطل كما يقول المفكر الاستراتيجي الدكتور جاسم سلطان لأن من خصائص التجربة التركية كما يقول :
التمييز بين الممكن الموضوعي والخيال
والحساب الدقيق لقدرات الذات ودرجة دعم المجتمع والوضع الإقليمي والعالمي...
والتركيز على مساحة واحده كحزب سياسي وإفساح المجال لبقية المجتمع للمساهمة...
والتحرك من منظور جامع لكل مكونات الوطن...
والقدرة على اختبار البدائل وعدم الانحباس في مسار واحد ...
التخلص من فكرة الحامل التاريخي الأبدي ...
التعاون مع كل القوى المحيطة باعتبارهم شركاء...
التحدث بخطاب إنساني يصل لكل العقلاء على قدم سواء...
تجانس الخطاب الداخلي مع الخطاب الخارجي ...
الاهتمام بالمسائل الكبرى وترتيب القضايا بحسب أهميتها للمجتمع ...
مراعاة الاستقرار الاجتماعي
ولو نظرنا لهذه المعاني التجريدية والكلام للدكتور جاسم " لوجدت أنها لا علاقة لها بالخصوصية التركية...
ثالثاً : الاستبداد والفساد وجهان لعملة واحدة لا استمرار للأول بدون الثاني...... وقد نجح النظام في تشكيل منظومة متكاملة لرعاية الفساد وإكثاره ومحاربة الفضيلة ونشر الرذيلة... يقوم عليها مجموعات كبيرة من الفاسدين داخل كل مؤسسات الدولة... ارتبطت مصالحهم الاقتصادية والسياسية بمصير النظام حياةً وموتاً... هذا "الإخطبوط " يعد أكبر عائق أمام أية محاولة للتغيير والإصلاح بدليل ما صنعه في انتخابات2010م ... الأمر الذي يتطلب من كل هذه القوى تبني خطاب أخلاقي يرتكزعلى قواعد الدين الصحيحة يحيي موات القلوب والضمائر بما ينعكس على سلوك الناس قولاً وعملاً فينتفضوا على سلاطين الاستبداد والفساد وأعوانهم وأذنابهم .
رابعاً : اعترف الجنرال الصهيوني "عاموس بادلين" رئيس المخابرات العسكرية الذي قال "لقد تطور العمل في مصر حسب الخطط المرسومة منذ عام 1979م فقد أحدثنا اختراقات سياسية وأمنية واقتصادية في أكثر من موقع، ونجحنا في تصعيد التوتر والاحتقان الطائفي والاجتماعي لتوليد بيئة متصارعة متوترة دائماً ومنقسمة إلى أكثر من شطر، لتعميق حالة الاهتراء داخل البنية والمجتمع والدولة المصرية، ولكي يعجز أي نظام يأتي بعد حسنى مبارك في معالجة الانقسام والتخلف والوهن المتفشي في هذا البلد"، وإذا أضفنا إلى هذا الكلام الخطير ما أشرنا إليه أعلاه عن سطوة منظومة الفساد والاستبداد ... يدرك الجميع أن الأمر لن يكون سهلاً وأن تدخل هؤلاء لإحداث فوضى تأكل الأخضر واليابس"خيار شمشون" ومما يؤكد على خطورة هذا التحالف ما يحاول القيام به الآن في تونس من إشاعة للفوضى وبث الرعب في أنحاء البلاد ... كل هذا يتطلب من هذه القوى العمل من الآن على تشكيل لجان شعبية للتحكم والسيطرة ولحماية الممتلكات الحكومية والخاصة بما يضمن الأمن والاستقرار ولحماية الثورة الشعبية من الإجهاض أو الاختطاف.
وبناءً على ما سبق .. وإذا كانت سطوة النظام حالت بين القوى المصرية الاجتماعية المطلبية والشبابية والسياسية من العمل تحت مظلة واحدة أو التنسيق فيما بينها طبقاً لسياسة فرق تسد...
فإن الأمر يتطلب اليوم قبل غداً من كل هذه القوى والحركات التوحد تحت مظلة سياسية اجتماعية واحدة لأن ذلك هو أساس التغيير والإصلاح المنشود المستدام وقبل ذلك صمام الآمان لحمايته من الاختطاف أو الإجهاض.(أما قبل) :
في آخر خطاب له .. قال لهم :
أنا فهمتكم .. أنا فهمتكم .. أنا فهمت ما تريدونه .
يا إلهي .. الرئيس العربي يحتاج إلى ربع قرن ليفهم ما يريد شعبه !
(1)
كان ضعيف البنية ، وعاش وهو يعاني من خلل في القلب رافقه منذ الولادة .
آلمه كثيرا ً فراق الطفلة التي أحبها .
عاش في زمن لا يعرف قيمته .. وحلم بـ 14 يناير قبل سبعة عقود .
وحرّض أهله وناسه للذهاب إلى هذا اليوم المجيد .
من منكم لم يردد أبياته خلال اليومين الماضيين ؟
من منكم لم تصله هذه الرسالة الهاتفية :
إذا الشعب يوما ً أراد الحياة / فلا بد أن يستجيب القدر ؟
الإقطاعيون في زمانه لم يعجبهم غنائه ..
الوعاظ قالوا : كيف تحكم على وجوب " استجابة القدر " ؟ .. أستغفر الله !
هل تعرفون اسم أي إقطاعي أو واعظ من ذاك الزمان ؟ .. الإجابة : لا .
ولكنكم بالتأكيد تعرفون اسم شاعر تونس العظيم : أبو القاسم الشابي .
(2)
مات شابا ً في منتصف العشرينيات من عمره ..
مات ولم تمت كلماته .
الكلمات الحرة لا تموت .. وحدها إماء الكلمات تولد ميتة !
في مساء الـ 14 من يناير كان القمر التونسي كلماته .
كانت ( .. ولا بد للقيد أن ينكسر ) : خبرا ً عاجلا ً في كل قنوات الدنيا .
كانت النجوم في السماء التونسية .. تغني :
ومن لا يحب صعود الجبال / يعش أبد الدهر بين الحفر .
كانت الشوارع ، والأرصفة ، والأزقة ، وأعمدة الإنارة ، والدماء الطاهرة .. تغني :
هو الكون حي يحب الحياة / ويحتقر الميت مهما كبر .
(3)
أبو القاسم .. هل تعلم أن زميلك العظيم " محمد الثبيتي " مات في 14 يناير ؟
يا لهذه المفارقة المؤلمة .. والفراق المؤلم .
أعلم .. أعلم يا سيدي أن كلماته لا تموت .. ولكنني حزين لفراق سيد البيد ..
وأجزم أنه ، كان سيكتب لكم قصيدة عظيمة ، وأنه يحبكم برشا .. برشا ..
وأنا أحبكم برشا .. برشا ..
و .. دع عنك كل البيانات الرسمية ..
وقل للتوانسة العظماء : الشعوب العربية تحبكم برشا .. برشا .. برشا ..
(أما بعد) :
على وكالات الأنباء أن تتأكد من عربة " بو عزيزي " :
هل كانت عربة خضار .. أم عربة التاريخ الذي لا يستطيع أحد إيقافه ؟!
الأكيد : أن التاريخ سينسى الكثير من المركبات الفاخرة .. وأصحابها ..
ويقف طويلا ً عند " عربة خضار بو عزيزي " .
وعلى الحكومات العربية أن تعرف ، أنه في كل بيت عربي يوجد " بو عزيزي " .. وعليها أن تجد طريقة ما للتصالح معه ، وسماع صوته ، وتحقيق بعض مطالبه المشروعة . |
|
|
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق