السبت، سبتمبر 12، 2009

علامة فارقة في مجريات الأحداث المعاصرة

لم يكن أحد يعلم أن صباح الحادي عشر من سبتمبر عام 2001م سيكون مختلفًا عما قبله ، بل إنه سيكون علامة فارقة في مجريات الأحداث المعاصرة ، حتى إن المؤرخ الأمريكي الشهير بول كيندي اعتبر أن أحداث القرن الحادي والعشرين قد بدأت من الحادي عشر من سبتمبر ، في 11 من سبتمبر عام 2001 صَحَت الولايات المتحدة الأمريكية ومعها العالم بأسره على وقع التفجيرات التي دكت برجَيْ مركز التجارة العالمي في نيويورك وجزءًا من وزارة الدفاع الأمريكية في واشنطن، مخلفةً وراءها نحو ثلاثة آلاف من المدنيين.

ظن كثيرون أن ما يشاهدونه مجرد خدعة أو حركات سينمائية كالتي تُبرع فيها السينما الأمريكية ، ولكن الجميع أفاق على هول الكارثة وهو يرى برجيْ التجارة وهما يتهاويان على الأرض ، وتهوى معهما كرامة الولايات المتحدة وكبرياؤها وغرورها.

وعقب تلك التفجيرات التي شكلت بداية حقبة جديدة في تاريخ العالم، اتجهت أصابع الاتهام صوب تنظيم القاعدة وزعيمه أسامة بن لادن ، وأعلن الرئيس الأمريكي جورج حربًا عالمية على ما أسماه بالإرهاب، واضعًا العالم في الوقت نفسه أمام خيارين لا ثالث لهما قائلاً: "مَن ليس معنا فهو مع الإرهابيين". وكانت أفغانستان نقطة انطلاق تلك "الحرب الدولية على الإرهاب" تلاها العراق، لكن هذه الحرب لم تنته بعد ، ومازالت فصولها وسيناريوهاتها مفتوحة.

وتابع بوش تصريحاته قائلاً: "الحرب التي نخوضها اليوم هي أكثر من نزاع عسكري. إنه الصراع الإيديولوجي الذي سيحدّد وجهة القرن الحادي والعشرين".

كانت أمريكا تنزف لقتلاها وكبريائها وهيبتها التي اهتزت بشدة ، مما انعكس سلبًا على العالم الإسلامي:

أولاً: وجد العالم الإسلامي نفسه يسدد فاتورة ما حدث صباح الحادي عشر من سبتمبر؛ ففي مقابل برجيْ التجارة تهاوت دولتان إسلاميتان تحت وطأة الاستعمار ، وهما أفغانستان ثم العراق ، ووجد العالم الإسلامي نفسه محشورًا في زاوية ضيقة متحملاً مزيدًا من الاعتداءات والتحرشات التي أصبحت تطال المسلمين في أمريكا وأوروبا بصورة دورية.

ثانيًا: التدخلات الأمريكية العميقة من أجل تغيير الهوية الثقافية والحضارية للمجتمعات الإسلامية حتى تتمكن من تشكيل العقلية الجماعية للأجيال القادمة ، وما حدث في باكستان خير مثال على ذلك.

ثالثًا : تضييق الخناق على المنظمات الخيرية الإسلامية؛ بحجة مساعدتها للتنظيمات الجهادية ، حتى وصل الأمر إلى تجميد أموال اثنين وستين منظمة وفرد "معظمها خيرية وإنسانية وإغاثة إسلامية".

رابعًا : الضرر البالغ الذي أصاب القضية الفلسطينية ومقاومتها الباسلة ، بعد أن نجحت آلة الإعلام الصهيونية في تسويق العمليات الجهادية التي كانت المقاومة تقوم بها في قلب إسرائيل على أنها صورة كربونية لما حدث في اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر ، مما أفقد القضية الفلسطينية كثيرًا من المتعاطفين معها ، خاصة الرأي العام الأوروبي والأمريكي ، وأتاح الفرصة لآلة الحرب الصهيونية في توسيع نطاق عملياتها ضد الشعب الفلسطيني ، وتجاوز كل الخطوط الحمراء التي كانت موضوعة من ذي قبل.

والسؤال المفيد هنا هو: هل تعلَّم أحد شيئًا من دروس الحادي عشر من سبتمبر؟

تقول مقولة شهيرة: إن الذين لا يتعلمون من التاريخ محكوم عليهم بتكرار مآسيه.

فهل تعلمت الأطراف المختلفة أي شيء من ذلك الحدث التاريخي بما يمكِّنهم من عدم تكرار مآسي ذلك اليوم وتداعياته الدموية؟ وما هي الدروس التي من المفروض على هذه الأطراف تعلُّمها واستيعابها؟

أولا : ينبغي على النخب المثقفة المسلمة المسارَعة في بناء استراتيجية فكرية موحدة تواجه بها المنظومة الفكرية التي يروجها تنظيم القاعدة ، وتجد قبولاً لا بأس به لدى قطاعات عديدة من الشباب ، خاصة في ظل الشعور بالظلم نتيجة العدوان الذي يتعرض له العالم الإسلامي في فلسطين ثم العراق ، خاصة في ظل المزالق الفقهية العديدة التي انزلق إليها تنظيم القاعدة ، ويأتي على رأسها ممارسة القتل الجماعي ضد رعايا بعض الدول ، كما حدث في برجيْ التجارة العالمية ، ثم في تفجيرات جزيرة بالي ، ثم في تفجيرات مدريد ولندن والتي جاءت متسمة بما اتسمت به عمليات "القاعدة" من قبل، من قتل بالجملة دون تمييز، واستهداف متعمد للمدنيين بحجة المعاملة بالمثل، وهو منهج مبني على رؤية فقهية ضعيفة الأساس لا تراعي خلُق الحرب في الإسلام، ورؤية سياسية ضيقة الأفق لا تنظر إلى مآل الأفعال. ومهما تحقِّق رؤية القاعدة من ثمرات آنية، فإن لها من الانعكاسات السلبية أضعاف ذلك، خصوصًا في وقت ينبسط فيه الإسلام في كل أرجاء الأرض، ويعيش ثلث مسلمي العالم في وضع أقليات دينية وعرقية (طبقًا لتقديرات "موسوعة أكسفورد للعالم الإسلامي المعاصر").

ولا نُنكر أن جهودًا بُذلت من أجل الرد على تصرفات القاعدة ، ولكنها تبقى جهودًا مبعثرة تنتظر الانتظام في نسق فكري واحد ، خاصة وأن التباطؤ أدى إلى امتداد التفجيرات إلى البلدان والمجتمعات الإسلامية ، كما حدث في تفجيرات الخبر في الرياض ، وتفجيرات الدار البيضاء.

ثانيًا : ضرورة تخلص العقلية المسلمة من نظرية المؤامرة والتي أعاقت مسيرتها طويلاً ، وجعلتها تبحث على الدوام عمن يتحمل عنها المسئولية تجاه تصرفاتها ، فعقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر ، بل وعقب إعلان تنظيم القاعدة على لسان زعيمه أسامة بن لادن ، المسئولية التامة عن الأحداث ، حاول البعض ترويج وقوف اليهود وراء الأحداث ، بل وسار البعض إلى أبعد من ذلك عندما أراد ترويج وقوف الإدارة الأمريكية ذاتها وراء الهجمات من أجل تبرير الهجوم على أفغانستان والعراق ، واحتف البعض طويلاً بما كتبه الكاتب الفرنسي تيري ميسان مؤلف كتاب "الخدعة الرهيبة" والذي صرح فيه بأن جزءًا من الجيش الأمريكي هو الذي خطط ونفذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر ، في خطوة منه لدعم مؤسسات الصناعة العسكرية الأمريكية. وأشار إلى أن هؤلاء يريدون إقامة جيش فضائي إضافة إلى الجيوش التقليدية في البر والبحر والجو . هذا الجيش يراد من ورائه تحقيق هيمنة أمريكية مطلقة على العالم ، والدليل على ذلك الميزانيات الضخمة التي خُصصت للتسليح والتي تصل إلى 696 مليار دولار ، وهي مجموعة ميزانيات 25 دولة الأكثر تقدمًا في العالم . وأكد أن الهدف الأبعد من هذه الآلية العسكرية الرهيبة هو إثارة صراع حضارات يضعون فيها العالم المسيحي واليهودي من جانب ، وفي الجانب الآخر العالم الإسلامي ، مجددًا إشارته إلى أن التفجيرات اتهم فيها العرب كجزء من هذا المخطط .

والعالم الإسلامي هنا يريد الهروب من المسئولية المترتبة على ضلوع بعض أبنائه في تلك الهجمات ، ويريد أن ينفض يديه من تبعاتها ، ولا يدري مروجو تلك النظرية أنهم بذلك يلغون كل إرادة للعالم الإسلامي ، ويعيقونه كثيرًا عن الالتفات إلى أخطائه ، ومن ثم الشروع في معالجتها وفق أسس سليمة.

ثالثًا : ضرورة استيعاب التغيرات الحادثة في السياسة الأمريكية ، خاصة مع مجيء أوباما ، والذي سيسهم بدور في بناء استرتيجية جديدة مع أمريكا ربما تسهم في معالجة الآثار السلبية التي خلَّفتها فترة حكم الرئيس السابق جورج بوش.

فقد أعلنت وزيرة الخارجية الأمريكية، هيلاري كلينتون، أن إدارة الرئيس الأمريكي، باراك أوباما، أسقطت مقولة: "الحرب على الإرهاب" من قاموسها. وهي العبارة التي استخدمها بوش الابن كثيرًا لتبرير هجماته على العالم الإسلامي

، وأمام البرلمان التركي في أنقرة قال أوباما: "أودُّ القول بصراحة: إن الولايات المتحدة لا تحارب الإسلام (...) إن علاقة أمريكا بالعالم الإسلامي لن تقوم على معارضة تنظيم القاعدة. إننا نسعى إلى مشاركة أوسع تقوم على أساس المصالح المشتركة والاحترام المتبادل".

وفي انتظار تحوُّل هذه الإشارات إلى أفعال ملموسة تسهم إلى حد ما في رفع الغبن والظلم عن العالم الإسلامي يبقى على العالم الإسلامي أن يسعى إلى بناء رؤية جديدة في تعامله مع أمريكا بعيدًا عن لغة الشك المطلق والرفض المطلق لكل التغيرات التي شهدتها السياسة الخارجية الأمريكية بعد مجيء أوباما.

إننا نحتاج اليوم إلى بناء استراتيجية واعية تستوعب دروس ما حدث صباح الحادي عشر من سبتمبر حتى لا نصبح كالمُنبتِّ لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى

ليست هناك تعليقات: