غالبا ما نصف مسيحي مصر بأنهم ليسوا أقلية، وإن كانوا أقل عددا، مما يعني أنهم أقلية عددية. والمقصود من ذلك هو التمييز بين وضع الأقباط في مصر، وبين مفهوم الأقلية في الثقافة الغربية. لذا نحتاج لتوصيف مفهوم الأقلية، حتى تصبح الصورة أكثر وضوحا. فالأقلية في التعريف الغربي، هي الأقلية الثقافية والحضارية، أي أنها فئة قليلة العدد وفي نفس الوقت مختلفة ثقافيا وحضاريا عن أغلبية المجتمع. وعليه نقول أن الأقباط أقلية عددية، ولكنهم ليسوا أقلية ثقافية أو حضارية.
ولكن على الجانب الآخر، هناك رؤية سياسية تنتشر بين فئة من الأقباط، تؤكد على أن الجماعة القبطية هويتها مصرية، وليست عربية أو إسلامية. وفي المقابل فإن التعريف السائد للهوية في المجتمع المصري لدى الأغلبية، وعبر التاريخ، يقوم على أساس أن هوية المجتمع المصري، هوية مصرية عربية إسلامية.
والخطاب المنتشر بين فئة من الأقباط، يفترض أن الهوية المصرية تختلف جذريا عن الهوية العربية والإسلامية، وبالتالي يصبح تعريف المصرية مختلفا بين من ينادي بالهوية المصرية الخالصة، ومن ينادي بالهوية المصرية المندمجة في الهوية العربية والهوية الإسلامية. وعليه يصبح خطاب الهوية المصرية الخالصة، خطابا يؤسس لتميز حضاري وثقافي للجماعة القبطية، أي يفترض أنها تتميز ثقافيا وحضاريا. مما يؤدي إلى تحويل الجماعة القبطية من أقلية عددية، إلى أقلية ثقافية وحضارية، مادامت أغلبية المجتمع ترفض فكرة الهوية المصرية الخالصة. فلماذا تختار الجماعة القبطية خيارا يلحق الضرر بها، ويقلل مكانتها ودورها في الجماعة الوطنية المصرية؟
هو خيار العزلة، ذلك الخيار الذي أدى إلى تغيير وضع الجماعة القبطية في المجتمع المصري، خاصة مع انتشار هذا الخيار بصورة تقربه من أن يكون الخيار الغالب بين الأقباط. وخيار العزلة وليد لتفاعل العديد من العوامل المركبة، والتي أدت إلى تعمق هذا الخيار بصورة لافتة للنظر. ولقد ولد خيار العزلة مع مرحلة الإحياء الديني في مصر، حيث عبرت حالة الإحياء الديني المسيحي عن نفسها في ربط الجماعة القبطية بالكنيسة بوصفها ملاذا أمنا، ومع ترابط عملية الإحياء الديني مع حالة اللجوء للكنيسة، بوصفها تمثل مجال الحياة للأقباط، وتعاظم دور الكنيسة في حياة الأقباط، أصبحت حالة الإحياء الديني مشكلة لخيار العزلة. وتوسعت الكنيسة في دورها في حياة الأقباط، وبدأت تدخل في العديد من المجالات الحياتية العادية، مما جعلها تمثل حاضن اجتماعي للجماعة القبطية. ثم بدأت الكنيسة تحمل كل الشأن القبطي، وليس فقط الشأن القبطي الديني، بل وتحمل أيضا الشأن السياسي والمدني الخاص بالأقباط. وهنا تحولت الكنيسة تدريجيا لمؤسسة طائفة، أي المؤسسة الراعية لطائفة، والتي تمثل الطائفة لدى الدولة، والتي تعبر عن الطائفة سياسيا، وتكون الوسيط والممثل لتلك الطائفة في المجال العام وتجاه الدولة. وهذا التحول في دور الكنيسة لم يجد معارضة من أغلبية الأقباط، بل كان بتأييد من غالبية الأقباط. كما أن هذا التحول لم يجد معارضة من قيادات الكنيسة، بل كان بتأييد من أغلب قيادات الكنيسة، لذا نقول: أن الأقباط اختاروا الكنيسة كملاذ لهم، في مرحلة بداية الإحياء الديني، ومرحلة إعادة اكتشاف الهوية، والتي مر بها المجتمع المصري بعد هزيمة 1967، مما أدى إلى تغير دور الكنيسة في حياة الجماعة القبطية، وهو ما حدث بتوافق بين الجماعة القبطية والكنيسة.
وعندما تكون الكنيسة هي المجال العام بالنسبة للقبطي، أي المجال الذي يمارس فيه معظم الأنشطة الحياتية، وعندما يكون تواجد القبطي في الحياة المصرية العامة يحدث من خلال الكنيسة ومن خلال دورها الاجتماعي والسياسي، تتعزز الخصوصية الثقافية المميزة للأقباط، وتتعزز الخصوصية الدينية، ثم تتمدد في المجال الثقافي والحضاري، بما يؤدي في النهاية إلى تبلور الهوية الخاصة التي تنتشر في الجماعة القبطية، نعني بها تلك الهوية المصرية الخالصة. فالكنيسة في الأغلب لم تقم بدور في إعادة إدماج الجماعة القبطية بالمجتمع المصري، ولم تقم بدور في تأكيد الهوية الثقافية والحضارية الجامعة للمجتمع المصري، بل الغالب أن الكنيسة نفسها عززت فكرة الهوية المصرية الخالصة، بما جعل المؤسسة المسيحية تتحول إلى حاضن اجتماعي للهوية المصرية الخالصة، التي تنتشر داخل الجماعة القبطية.
وهذا الموقف الانعزالي، وجد في لحظة تاريخية ساهمت في تأكيده وعززته. فالتدخل الخارجي المتنامي في شئون الدول العربية والإسلامية، أصبح يمثل بعدا دوليا يمكن لجماعة ما أن تستند إليه وتحمي نفسها من خلاله، مما يمكنها من تجاوز القواعد المتفق عليها في الجماعة الوطنية، لتنادي بأفكار أو تطالب بتحولات، تمثل تجاوزا لما هو متفق عليه تاريخيا. فالتدخل الدولي يؤدي إلى فتح الباب أمام محاولات لإعادة تعريف أسس الجماعة الوطنية بصورة تختلف عن المتفق عليه تاريخيا، مما يتيح طرح رؤى ليس لها سند من تجربة المعايشة التاريخية، بل تتجاوزها.
يضاف لهذا موقف النخبة العلمانية المصرية، خاصة تلك النخب التي روجت لرؤى إسلامية تتعارض مع الرؤية الإسلامية السائدة في المجتمع، بل في كل الأمة الإسلامية، وهي تلك الرؤى التي مثلت في الواقع تشويها للإسلام وللتاريخ الإسلامي. وقامت النخب العلمانية بترويج رؤيتها بين الأقباط، بل وتحالفت مع الكنيسة في مواقف عدة، وتحالفت أيضا مع المطالب القبطية، بما فيها مطلب إعادة تأسيس هوية مصر على أسس مصرية خالصة، لأن هذه الرؤية تفكك علاقة مصر بمرجعيتها العربية الإسلامية، مما يساعد عل نشر العلمانية في المجتمع. وبهذا قام تحالف ما في المواقف بين نخبة علمانية معادية للإسلام، وبين شرائح في الجماعة القبطية، وبعض قيادات المؤسسة الكنسية، مما أدى إلى مساندة الكنيسة أحيانا لتلك النخب، وهي المساندة التي وصلت لتوزيع كتبهم داخل الكنائس. هذا الموقف ظهر وتشكل في تسعينات القرن العشرين، وهو موقف يختلف عن المشهد الحادث في ثمانينات القرن العشرين، حيث كانت تجرى حوارات مع المفكرين الإسلاميين داخل الكنيسة، وكان هناك اتجاه واضح لإحداث تقارب مع التيار الإسلامي المعتدل. ولكن هذا الموقف لم يدم طويلا، وتحول إلى نوع من التحالف مع النخب العلمانية.
وحتى النظام المصري الحاكم لم يكن غائبا عن هذا المشهد، فلم تكن الحوارات والتقارب مع الطرف الإسلامي المعتدل، تلقى رضا من قبل أجهزة الأمن، وكانت تلك الأجهزة تدفع الكنيسة لوقف تلك الحوارات. ولكن عندما حدث تقارب مع النخب العلمانية، لم يؤدي هذا إلى أي اعتراض من الجهات الأمنية، بل رحبت به وشجعته. لأنه يوسع الهوة بين الجماعة القبطية والحركات الإسلامية، فيمنع أي تفاهم أو توافق بينهما.
تلك صورة مختصرة عن بعض الملامح المشكلة لذلك التيار المنادي بالهوية المصرية الخالصة، والذي ينتشر داخل الجماعة القبطية بصورة لافتة، ويحولها فعليا وعلميا إلى أقلية ثقافية وحضارية، فيضر بوضعها وموضعها داخل الجماعة الوطنية المصرية. ومع هذا فإن هذا التيار يتمدد أكثر فأكثر، بسبب توافق حادث بين الأقباط والكنيسة، وبسبب التدخل الدولي، ودور النخب العلمانية، وسياسة النظام الحاكم.
ولكن على الجانب الآخر، هناك رؤية سياسية تنتشر بين فئة من الأقباط، تؤكد على أن الجماعة القبطية هويتها مصرية، وليست عربية أو إسلامية. وفي المقابل فإن التعريف السائد للهوية في المجتمع المصري لدى الأغلبية، وعبر التاريخ، يقوم على أساس أن هوية المجتمع المصري، هوية مصرية عربية إسلامية.
والخطاب المنتشر بين فئة من الأقباط، يفترض أن الهوية المصرية تختلف جذريا عن الهوية العربية والإسلامية، وبالتالي يصبح تعريف المصرية مختلفا بين من ينادي بالهوية المصرية الخالصة، ومن ينادي بالهوية المصرية المندمجة في الهوية العربية والهوية الإسلامية. وعليه يصبح خطاب الهوية المصرية الخالصة، خطابا يؤسس لتميز حضاري وثقافي للجماعة القبطية، أي يفترض أنها تتميز ثقافيا وحضاريا. مما يؤدي إلى تحويل الجماعة القبطية من أقلية عددية، إلى أقلية ثقافية وحضارية، مادامت أغلبية المجتمع ترفض فكرة الهوية المصرية الخالصة. فلماذا تختار الجماعة القبطية خيارا يلحق الضرر بها، ويقلل مكانتها ودورها في الجماعة الوطنية المصرية؟
هو خيار العزلة، ذلك الخيار الذي أدى إلى تغيير وضع الجماعة القبطية في المجتمع المصري، خاصة مع انتشار هذا الخيار بصورة تقربه من أن يكون الخيار الغالب بين الأقباط. وخيار العزلة وليد لتفاعل العديد من العوامل المركبة، والتي أدت إلى تعمق هذا الخيار بصورة لافتة للنظر. ولقد ولد خيار العزلة مع مرحلة الإحياء الديني في مصر، حيث عبرت حالة الإحياء الديني المسيحي عن نفسها في ربط الجماعة القبطية بالكنيسة بوصفها ملاذا أمنا، ومع ترابط عملية الإحياء الديني مع حالة اللجوء للكنيسة، بوصفها تمثل مجال الحياة للأقباط، وتعاظم دور الكنيسة في حياة الأقباط، أصبحت حالة الإحياء الديني مشكلة لخيار العزلة. وتوسعت الكنيسة في دورها في حياة الأقباط، وبدأت تدخل في العديد من المجالات الحياتية العادية، مما جعلها تمثل حاضن اجتماعي للجماعة القبطية. ثم بدأت الكنيسة تحمل كل الشأن القبطي، وليس فقط الشأن القبطي الديني، بل وتحمل أيضا الشأن السياسي والمدني الخاص بالأقباط. وهنا تحولت الكنيسة تدريجيا لمؤسسة طائفة، أي المؤسسة الراعية لطائفة، والتي تمثل الطائفة لدى الدولة، والتي تعبر عن الطائفة سياسيا، وتكون الوسيط والممثل لتلك الطائفة في المجال العام وتجاه الدولة. وهذا التحول في دور الكنيسة لم يجد معارضة من أغلبية الأقباط، بل كان بتأييد من غالبية الأقباط. كما أن هذا التحول لم يجد معارضة من قيادات الكنيسة، بل كان بتأييد من أغلب قيادات الكنيسة، لذا نقول: أن الأقباط اختاروا الكنيسة كملاذ لهم، في مرحلة بداية الإحياء الديني، ومرحلة إعادة اكتشاف الهوية، والتي مر بها المجتمع المصري بعد هزيمة 1967، مما أدى إلى تغير دور الكنيسة في حياة الجماعة القبطية، وهو ما حدث بتوافق بين الجماعة القبطية والكنيسة.
وعندما تكون الكنيسة هي المجال العام بالنسبة للقبطي، أي المجال الذي يمارس فيه معظم الأنشطة الحياتية، وعندما يكون تواجد القبطي في الحياة المصرية العامة يحدث من خلال الكنيسة ومن خلال دورها الاجتماعي والسياسي، تتعزز الخصوصية الثقافية المميزة للأقباط، وتتعزز الخصوصية الدينية، ثم تتمدد في المجال الثقافي والحضاري، بما يؤدي في النهاية إلى تبلور الهوية الخاصة التي تنتشر في الجماعة القبطية، نعني بها تلك الهوية المصرية الخالصة. فالكنيسة في الأغلب لم تقم بدور في إعادة إدماج الجماعة القبطية بالمجتمع المصري، ولم تقم بدور في تأكيد الهوية الثقافية والحضارية الجامعة للمجتمع المصري، بل الغالب أن الكنيسة نفسها عززت فكرة الهوية المصرية الخالصة، بما جعل المؤسسة المسيحية تتحول إلى حاضن اجتماعي للهوية المصرية الخالصة، التي تنتشر داخل الجماعة القبطية.
وهذا الموقف الانعزالي، وجد في لحظة تاريخية ساهمت في تأكيده وعززته. فالتدخل الخارجي المتنامي في شئون الدول العربية والإسلامية، أصبح يمثل بعدا دوليا يمكن لجماعة ما أن تستند إليه وتحمي نفسها من خلاله، مما يمكنها من تجاوز القواعد المتفق عليها في الجماعة الوطنية، لتنادي بأفكار أو تطالب بتحولات، تمثل تجاوزا لما هو متفق عليه تاريخيا. فالتدخل الدولي يؤدي إلى فتح الباب أمام محاولات لإعادة تعريف أسس الجماعة الوطنية بصورة تختلف عن المتفق عليه تاريخيا، مما يتيح طرح رؤى ليس لها سند من تجربة المعايشة التاريخية، بل تتجاوزها.
يضاف لهذا موقف النخبة العلمانية المصرية، خاصة تلك النخب التي روجت لرؤى إسلامية تتعارض مع الرؤية الإسلامية السائدة في المجتمع، بل في كل الأمة الإسلامية، وهي تلك الرؤى التي مثلت في الواقع تشويها للإسلام وللتاريخ الإسلامي. وقامت النخب العلمانية بترويج رؤيتها بين الأقباط، بل وتحالفت مع الكنيسة في مواقف عدة، وتحالفت أيضا مع المطالب القبطية، بما فيها مطلب إعادة تأسيس هوية مصر على أسس مصرية خالصة، لأن هذه الرؤية تفكك علاقة مصر بمرجعيتها العربية الإسلامية، مما يساعد عل نشر العلمانية في المجتمع. وبهذا قام تحالف ما في المواقف بين نخبة علمانية معادية للإسلام، وبين شرائح في الجماعة القبطية، وبعض قيادات المؤسسة الكنسية، مما أدى إلى مساندة الكنيسة أحيانا لتلك النخب، وهي المساندة التي وصلت لتوزيع كتبهم داخل الكنائس. هذا الموقف ظهر وتشكل في تسعينات القرن العشرين، وهو موقف يختلف عن المشهد الحادث في ثمانينات القرن العشرين، حيث كانت تجرى حوارات مع المفكرين الإسلاميين داخل الكنيسة، وكان هناك اتجاه واضح لإحداث تقارب مع التيار الإسلامي المعتدل. ولكن هذا الموقف لم يدم طويلا، وتحول إلى نوع من التحالف مع النخب العلمانية.
وحتى النظام المصري الحاكم لم يكن غائبا عن هذا المشهد، فلم تكن الحوارات والتقارب مع الطرف الإسلامي المعتدل، تلقى رضا من قبل أجهزة الأمن، وكانت تلك الأجهزة تدفع الكنيسة لوقف تلك الحوارات. ولكن عندما حدث تقارب مع النخب العلمانية، لم يؤدي هذا إلى أي اعتراض من الجهات الأمنية، بل رحبت به وشجعته. لأنه يوسع الهوة بين الجماعة القبطية والحركات الإسلامية، فيمنع أي تفاهم أو توافق بينهما.
تلك صورة مختصرة عن بعض الملامح المشكلة لذلك التيار المنادي بالهوية المصرية الخالصة، والذي ينتشر داخل الجماعة القبطية بصورة لافتة، ويحولها فعليا وعلميا إلى أقلية ثقافية وحضارية، فيضر بوضعها وموضعها داخل الجماعة الوطنية المصرية. ومع هذا فإن هذا التيار يتمدد أكثر فأكثر، بسبب توافق حادث بين الأقباط والكنيسة، وبسبب التدخل الدولي، ودور النخب العلمانية، وسياسة النظام الحاكم.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق