الفتح الإسلامى
يعرّف خبراء العلاقات الدولية المعاصرون الحرب بأنها حالة صراع مسلح بين دولتين أو أكثر وأنها ظاهرة مستمرة وضرورية ولازمة فى تاريخ البشرية لذا فإنها تتطور وتنمو معها ليس فقط من ناحية تكنولوجيا الأسلحة وإنما أيضا من ناحية البواعث والفلسفات التى تدفع إلى التقاتل بين بنى البشر ومن ناحية الضوابط القانونية التى تحكم العلاقات بين المتحاربين وبينهم وبين المحايدين بما فى ذلك معاملة الأسرى وغيرها من الأحكام التى تنظمها المعاهدات الدولية التى بلغت ذروة رقيها فى القرن العشرين بإبرام المعاهدات الرئيسية الحاكمة لأوضاع الحرب، وأهمها مجموعة اتفاقيات لاهاى بخصوص الحرب ومجموعة اتفاقيات جنيف لمعاملة أسرى الحروب وحماية المدنيين وغيرها.
غير أن دينًا قام على العدل والرحمة وعلى المساواة بين بنى البشر جميعا أسس قبل هذه المعاهدات بقرون طويلة نظاما تشرئب إليه أعناق الباحثين المنصفين فلا تطاوله فيكتفون بكلمات معبرة عن انبهار حقيقى بتلك الذرى الشامخة التى وصلتها أحكام الحرب فى الإسلام فى وقت كانت الدول تهاجم بعضها بعضا للاستيلاء على ثرواتها ولتدمير حضاراتها ولاستعباد أهلها ولفرض منطق القوة ومذلة القهرعلى المغلوب دون ضوابط إنسانية، وهو الأمر الذى مازالت تصفعنا به حتى اليوم صور القتلى من النساء والأطفال والمشوهين من المدنيين رغم كم المعاهدات التى لا تنفذ إلا بمعيار مزدوج ذى صبغة انتقائية غير منكورة ، بينما التزم الفاتحون المسلمون ضوابط الحرب فى الإسلام التزاما دقيقا إلى حد الإعجاز، ولا غرو، فهم جنود الله المجاهدون ليس من أجل دنيا يصيبونها ولكن لأجل أن تكون كلمة الله هى العليا.
لن أسترسل فى تفاصيل يعرفها كل قارئ ويقر بها كل منصف من التزام بالعهد وكف عن الضعفاء والمرضى وحماية دور العبادة غير الإسلامية وإحسان إلى الأسرى وإبلاغهم مأمنهم وتحريم قاطع للإفساد فى الأرض أو حرق للزرع والغلال أو الاعتداء على الآثار الحضارية للدول المحاربة، فأين اتفاقيات جنيف من وعد الرب ــ تبارك اسمه ــ عباده بالجنة لأنهم (يطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا) وأين اتفاقيات لاهاى من تعليمات رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لجنوده (لاتقتلوا شيخا فانيا ولا صغيرا ولا امرأة ولا تغلوا وأصلحوا وأحسنوا).
لكن ما ينبغى التأكيد عليه أنه إذا كانت للحروب بين الأمم بواعث متنوعة فللحرب فى الإسلام باعث واحد لايتغير كامن فى طبيعة هذا الدين كإعلان عالمى لتحرير البشر ، فهى ليست أداة لحسم نزاع ومن باب أولى لا ينبغى بأى حال أن تكون وسيلة لإشباع روح السيطرة أو لكسب المغانم وإنما هى الآلية الأخيرة التى تضطر إليها الدولة الإسلامية أن أعيتها الحيل لإبلاغ الدعوة الإسلامية لشعوب الأرض لتحريرهم من عبادة العباد وتعبيدهم لرب العباد وحده، ولأن السلطة السياسية التى تستعبد الناس عادة ما تقف بكل قوتها فى وجه دعاة الله لتحول بينهم وبين إبلاغ هذا الحق الذى يحرر الناس من سلطانها الغاشم فكان لابد من وجود قوة موازية تعمل على إزاحة هذه السلطة لتحرر إرادة الناس حتى يمكنهم أن يختاروا دونما أدنى ضغط بين اللحاق بقافلة التوحيد وبين البقاء على دين الآباء والأجداد ، فإن هم اختاروا النجاة أصبحوا جزءا لايتجزأ من القافلة المباركة لهم حقوقها وعليهم التزاماتها، وإن اختاروا الثانية كان لهم ما أرادوا، والتزم الفاتحون بحماية اختيارهم وبكفالة حريتهم فى عبادة ما يريدون، بل وأصبح النظام السياسى الإسلامى ملتزما بأن يقاتل دون معابدهم وكنائسهم ورهبانهم وضعفائهم وبأن يحمى أموالهم وثرواتهم وبأن يقدم لهم من الخدمات وفرص الحياة مثل مايقدم للمسلمين وبألا يلزمهم بتشريعات تنظم أحوالهم الشخصية خارج إطار دينهم وبألا يفرض عليهم جبايا مالية مقابل مايقدم لهم من خدمات إذا كانت تنطوى على عبادة كالزكاة المفروضة على جميع المسلمين رجالا ونساء وشيوخا وإنما يأخذ من رجالهم البالغين القادرين على حمل السلاح ــ فقط ــ دون النساء والأطفال والشيوخ والمرضى ورجال الدين جزية مالية أقل كثيرا من قيمة الزكاة مقابل إعفائهم من الانخراط فى جيش يقاتل تحت راية دين لا يؤمنون به.
إنها الرفعة الإنسانية فى ذرى مجدها..
إنه الإسلام..
لذا ما كان فى سفر التاريخ الإنسانى من صفحات مشرقات فى معاملة الأقليات الدينية أو العرقية إلا تلك التى خطتها النظم الإسلامية إبان حملها مشاعل النور إلى شعوب مقهورة لتخرجها من ظلمات الجهل والظلم ولتحقق بها ومعها نماذج حية للعدل الإسلامى لم ينكرها غير حاقد كاذب أو مهزوم فى داخله مرتعب من سطوة ثقافية وإرهاب فكرى يجلدنا به أعداء الله الذين غلبونا آناء الليل وأطراف النهار.
ولقد انطلق طارق بن زياد بجيشه من البربر الذين قال عنهم أحد قواد القوط: «جند لا أدرى أهم من أهل الأرض أم من أهل السماء»، وقال عنهم آخر: «رهبان الليل فرسان النهار»، وهكذا رفعهم الإسلام إلى ذراه الشامخة فأصبحوا مثالا يحتذى به وقدموا بأفعالهم وبأخلاقهم البرهان على أنهم جنود المعزى الذى بشر به المسيح فانضم لهم القوط الذين آمنوا بالرسالة الخاتمة وانطلقوا يفتحون باقى مدن الأندلس، وفى رمضان التالى من عام 93هـ لحق بهم موسى بن نصير بجيش من العرب فلم يمض عامان حتى كان المسلمون ــ البربر والقوط والعرب ــ قد فتحوا شبه الجزيرة الأيبرية كلها وجنوب فرنسا، ولولا رفض الوليد بن عبد الملك لانطلق موسى بن نصير فاتحا بلاد أوروبا متوجها إلى القسطنطينية التى مازالت عصية على الفتح من جهة الشرق فأراد فتحها من الغرب، لكنه عاد ومعه طارق امتثالا لأمر الخليفة تاركا أرضا أشرقت عليها أنوار الحق وأضحت ممهدة لإقامة دولة موحدة تضم أعراقا ثلاثة مختلفة، فكيف سار بهم الحال؟.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق