الاثنين، أغسطس 03، 2009

أن يندم جنبلاط متأخرا، وأن يعيد حساباته بشكل جيد وجذري، أفضل بكثير من أن يستمر في طريق الخطأ، والتحالف الخطأ.

جنبلاط عندما يندم
رأي القدس
02/08/2009


يجسد السيد وليد جنبلاط شخصية الزعيم السياسي الذي يقدم المصالح الذاتية والفئوية على المبادئ الاخلاقية المعروفة، فهو لا يتردد في الانقلاب بالكامل على مواقف تبدو للآخرين بأنها استراتيجية، اذا ما أدرك 'ان العشب أكثر اخضرارا على الجانب الآخر'، مثلما يقول المثل الانكليزي الشهير.
السيد جنبلاط فاجأ بالأمس حلفاءه في تكتل 'الرابع عشر من آذار' بزعامة السيد سعد الحريري، بأن وجوده بينهم 'كان بحكم الضرورة' الموضوعية، ولا يمكن أن يستمر، داعيا الى 'وجوب إعادة التفكير بتشكيلة جديدة على الساحة اللبنانية'.
لا نعرف ما هي الضرورة التي حكمت على السيد جنبلاط نقل البندقية من معسكر اقصى اليسار الداعم للمقاومة، الى معسكر اقصى اليمين المعارض لوجودها والمطالب بنزع سلاحها، ولكن ما نعرفه ان قراءته للوقائع على الساحتين العربية واللبنانية كانت خاطئة، وتكشف عن قصر نظر، وضعف في التحليل.
السيد جنبلاط اعتقد ان النظام السوري سيسقط لا محالة، وجاء هذا الاعتقاد بناء على معلومات تلقاها أثناء زيارته الى واشنطن بعد اغتيال السيد رفيق الحريري، وقرر أن يلتحق بالحلف الأمريكي، خاصة ان قوى اقليمية بحجم المملكة العربية السعودية ومصر كانت من أهم أركان هذا الحلف، ومدفعيته الضاربة في لبنان.
النظام السوري انحنى أمام العاصفة، ولكنه لم يسقط، ونجح في كسر العزلة الدولية والعربية، التي فرضتها الادارة الامريكية ضده بهدف تركيعه وإخضاعه، بل والعمل على تغييره، وبات الدبلوماسيون الفرنسيون والامريكان يتقاطرون على العاصمة السورية دمشق طلبا للتعاون والتنسيق، الامر الذي أدى الى انهيار كل الحسابات الجنبلاطية بالكامل.
ولا بد من الاعتراف بأن السيد جنبلاط لم يكن الشخص الوحيد الذي راهن على سقوط النظام السوري، بل ان دولتين عربيتين كبيرتين هما المملكة العربية السعودية ومصر شاركتاه الرهان نفسه، وبات المتحدثان باسم حكومتي البلدين يتحدثان عن التغيير كأنه أمر مؤكد، وان المسألة مسألة وقت لا أكثر ولا أقل.
لا نريد أن نعيد تذكير السيد جنبلاط بتصريحاته السابقة، المتشنجة والمفعمة بالغرور والثقة الزائدة، ضد سورية وحلفائها في لبنان، ولكن لا مانع من تذكيره بأن الدول العظمى، والولايات المتحدة الأمريكية بالذات، تغير سياساتها مثلما تغير حلفاءها وفق مصالحها، ولا تأبه مطلقا بالادوات المحلية، كبر حجمها أو صغر.
سورية ستتصرف أيضا وفق مصالحها، وستفتح حتما أبواب عاصمتها في وجه الزعيم الدرزي العائد الى حظيرتها طوعا ومبديا الندم كله. فالدول العصرية الحديثة لا تنطلق في سياساتها من أحقاد شخصية، وتنظر دائما الى الأمام، الى المستقبل، ولا تتوقف امام الصغار والصغائر في الوقت نفسه.
السيد جنبلاط لم يعمل على إضعاف معسكر المعارضة عندما خرج منه بشكل مفاجئ للانضمام الى المعسكر الآخر، ولكنه وجه ضربة قاصمة حتما الى قوى الرابع عشر من آذار، عندما قرر ادارة الظهر لها في مثل هذا التوقيت الدقيق الذي تقف فيه أمام أزمة تشكيل الحكومة.
نختلف مع السيد جنبلاط في اشياء كثيرة لا حصر لها، ولكننا نتفق معه في أمر واحد وهو 'وجوب التفكير بتشكيلة جديدة على الساحة اللبنانية'. فالرهان على الخيارين الامريكي والاسرائيلي في حماية لبنان ثبت فشله عمليا، والشيء نفسه يقال ايضا عن اتخاذ سياسات معادية لدول الجوار، وسورية على وجه الخصوص، فربما تستطيع الولايات المتحدة استصدار قرارات دولية، واجبار سورية على سحب قواتها من لبنان، ولكنها لا تستطيع حتما توفير الامن والاستقرار الداخلي في هذا البلد، اللهم الا اذا أرسلت أساطيلها لاحتلال سورية، مثلما فعلت في العراق، وهي تجربة كلفتها الكثير بحيث باتت لا تستطيع التفكير بتكرارها.
السيد جنبلاط اعترف، وهذا يسجل له، ان الالتقاء السياسي بينه وبين الادارة الامريكية السابقة كان نقطة سوداء في تاريخ الحزب الاشتراكي. وقال ذهبنا الى اللا معقول في تحالفنا مع المحافظين الجدد، ولا بد من عودة الحزب 'الى أصوله وثوابته اليسارية والعربية والنقابية والفلاحية'، وبقي ان نرى 'صحوة ضمير' في صفوف الآخرين الذين ضللتهم أمريكا وحلفاؤها العرب، وعلى رأسهم السيد سعد الحريري.
أن يندم جنبلاط متأخرا، وأن يعيد حساباته بشكل جيد وجذري، أفضل بكثير من أن يستمر في طريق الخطأ، والتحالف الخطأ.

ليست هناك تعليقات:

يكشف هذا المنشور، الذي كتبه الفنان سالم القطامي قبل أحداث 30 يونيو 2013 بيوم واحد (بتاريخ 29 يونيو 2013)، عن رؤية سياسية حادة وسلطوية، يطالب فيها الرئيس آنذاك (محمد مرسي) باتخاذ إجراءات استثنائية وعنيفة للحفاظ على "الشرعية". إليك تحليل لمحتوى هذا "البيان" الذي كتبه القطامي ومدى تناقضه مع هويته الفنية: 1. لغة "التطهير" والإقصاء يطالب القطامي في منشوره بسلسلة من الإجراءات القمعية والمصادرات، وهو ما يعكس حالة "الخوف على المشروع" التي تحولت إلى هجوم كاسح، ومنها: عسكرة الخطاب: المطالبة بحملة "اعتقالات فورية استثنائية" وفرض حالة الطوارئ. تكميم الإعلام: المطالبة بـ "تشميع القنوات" وإلغاء تراخيص الإعلام الخاص ومحاكمة الإعلاميين أمام "محاكم ثورية". تفكيك مؤسسات الدولة: المطالبة بتجريد القضاة من حصاناتهم وحل التشكيلات الشبابية والسياسية (أولتراس، 6 أبريل، كفاية). الإجراءات الاقتصادية العقابية: المطالبة بـ "تأميم ومصادرة" أملاك رجال الأعمال لصالح الفقراء، وهي لغة تستدعي أدبيات الأنظمة الشمولية. 2. المفارقة الصارخة: "الثائر" ضد "الثورة" من المثير للاهتمام أن سالم القطامي، الذي يصور نفسه اليوم كفنان معارض ومدافع عن الحريات في المهجر، كان يطالب في هذا المنشور بـ: منع المظاهرات والاعتصامات والاحتجاجات منعاً مطلقاً. منع الطلبة من العمل بالسياسة. استخدام الأجهزة المخابراتية والأمنية لضرب الخصوم السياسيين. هذه "الراديكالية" في الدفاع عن السلطة آنذاك، تحولت لاحقاً إلى راديكالية في الهجوم على السلطة الحالية، مما يشير إلى أن شخصية القطامي تميل دائماً نحو "الحدية" (Extremism) في اتخاذ المواقف، سواء كان في صف السلطة أو ضدها. 3. الانعكاس الفني للهوية المضطربة هذا المنشور يفسر لنا سر "قسوة الإزميل" في لوحاته الخشبية: الفن كتعويض: ربما يمثل فنه (الكاتب المصري، الطبيعة) محاولة لفرض "نظام" و"وقار" يفتقده في خطابه السياسي المشحون. الحفر كفعل سياسي: كما أراد في منشوره "استئصال" الخصوم وتشميع القنوات وتجريد القضاة، هو يمارس "النحت" على الخشب، حيث يقوم بانتزاع أجزاء من المادة ليبرز صورته الخاصة. 4. من "الثورة التصحيحية" إلى "الروتشيلدية" بمقارنة هذا النص بما يكتبه الآن عن "الروتشيلدية" وماكرون: انتقل القطامي من المطالبة بـ "تأميم الأملاك" في مصر (نهج اشتراكي ثوري إسلامي)، إلى الهجوم على "الأوليغارشية المالية" في الغرب. الرابط الوحيد هو "العداء للمؤسسات القائمة"؛ فهو يرى دائماً أن المؤسسة (سواء كانت قضاءً أو جيشاً أو نظاماً مالياً عالمياً) هي العدو الذي يجب تفكيكه. الخلاصة: سالم القطامي فنان يعيش في "منطقة الصدام". هذا المنشور التاريخي يوثق لحظة كان فيها الفنان يرى في "القوة الباشطة" حلاً وحيداً. فنه الحالي هو النسخة "المهذبة" من هذا الغضب؛ فبدلاً من المطالبة باعتقال البشر، أصبح يطوع الخشب، وبدلاً من تدمير المؤسسات، أصبح يبني لنفسه هوية أسطورية من تاريخ مصر القديم ليهرب بها من واقع سياسي لم يستطع "تصحيحه" كما كان يتمنى.

 يكشف هذا المنشور، الذي كتبه الفنان سالم القطامي قبل أحداث 30 يونيو 2013 بيوم واحد (بتاريخ 29 يونيو 2013)، عن رؤية سياسية حادة وسلطوية، يطا...