عبد الباري عطوان في كتابه 'وطن من كلمات': من حياة المخيم الصعبة الى النجاح المهني
10/11/2008
لندن ـ 'القدس العربي' ـ من سمير ناصيف قد يعتقد كثيرون من الذين قرأوا كتاب الاستاذ عبد الباري عطوان الاخير بعنوان 'وطن من كلمات' الصادر عن دار 'الساقي' في لندن بالانكليزية، والذي يحكي قصة حياته منذ طفولته وحتى الساعة، ان الجزء الأهم من الكتاب هو ذلك الذي يتطرق الى علاقة عطوان بالرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات أو بلقائه مع قائد منظمة 'القاعدة' اسامة بن لادن الذي تم في عام 1996 وتحدثه عن شخصيتيهما واعماق توجهاتهما.
وعلى الرغم من أهمية ما ورد في الكتاب عن هذين الامرين، فان هذا العرض للكتاب يعتبر بأن الاجزاء الأولى منه عن حياة عطوان في المخيمات الفلسطينية في غزة والصعوبة الكبيرة التي واجهها الكاتب في شق طريقه ليصبح احد ابرز الصحافيين في العالم العربي هي الاجزاء الأهم في المخطوطة. انها الاجزاء الأهم لأنها تلخص اختباراً شبيها الى حد كبير بما مر به رئيس جمهورية امريكا الجديد باراك حسين اوباما. فعطوان عاش في صغره في اقسى الاوضاع في خضم عائلة فلسطينية كبيرة وفقيرة الى اقصى الحدود، ومع ذلك استطاع ان يتجاوز هذه الصعوبات بفضل عصاميته ورزانته وشخصيته المثابرة والرافضة للاستسلام ليصبح صوت المعذبين الفلسطينيين والعرب في المنابر الاعلامية العربية والعالمية ولينطق بكلمة العربي والمسلم الذي لا كلمة له في اعلى المنتديات واللقاءات الدولية.
ما اجمل عنوان الكتاب 'وطن من كلمات: رحلة فلسطينية من مخيم فلسطيني الى الصفحة الاولى'. وما احلى ان يهدى الكتاب الى الراحلة الكبيرة مي غصوب، التي فقدت احدى عينيها في الدفاع عن مخيم تل الزعتر في لبنان. وان يندمح هذا الاهداء بآخر الى اطفال المخيمات الفلسطينية في العالم. لقد شجعت مي غصوب قبل وفاتها المبكرة (في تسمم معوي شبيه بتسممات اخرى سنعرف 'ربما' خلفياتها في المستقبل) عبد الباري عطوان على كتابة مذكراته لكي يعرف المجتمع الغربي حقيقة الالم الذي عاناه ويعانيه الفلسطينيون في المخيمات وخارجها بسبب القمع الاسرائيلي الوحشي. كما قبلت مي، الدينامو المحرك لدار 'الساقي' هي وصديقها الاقرب الى قلبها اندره كسبار (شريكها في انشاء مكتبه ودار 'الساقي') نشر آراء وأفكار جميع المناضلين ضد العنصرية والوحشية في هذه الارض، وبينهم نائب زعيم حزب الله اللبناني نعيم قاسم وغيره من مقاومي العالم، بالاضافة الى مفكرين احرار من سائر الطوائف والتوجهات، فكتب عبد الباري كتابه بوجدانية وصراحه وقدمه الى مي وأندره والمناضلين الآخرين في هذه الارض الكثيرين في شعوب العالم.
وقال عطوان في رسالة كتبها بخط يده 'ان الدافع الاساسي لتأليف هذا الكتاب وباللغة الانكليزية هو تقديم تجربة مختلفة الى اكثر من ثلاثين مليون عربي ومسلم يعيشون في الغرب' وان الكتاب حسب قوله: 'قصة معاناة بدأت في مخيم للاجئين في غزة وانتهت في لندن.. وهي تحمل اصرارا على النجاح والانتصار بالرغم من كل الظروف الصعبة'. وأضاف 'انها تقدم القضية الفلسطينية من دون شعارات من خلال خبرة ومعاناة انسان بدأ حياته كلاجئ'.
ويضيف: 'لقد اهديت الكتاب الى كل اطفال اللاجئين في العالم والفلسطينيين على وجه الخصوص لأقول لهم ان باستطاعتهم الوصول الى مراتب متقدمة اذا ما جدّوا واجتهدوا، حاولت ان اعطيهم نموذجاً مقروناً بالثقة بالنفس، ودفعهم الى مضاعفة الجهد'.
واذا أردنا معرفة الشخصيات العربية والعالمية التي اثرت على عطوان الى الدرجة الأكبر في فكره، فيأتي في طليعتها الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر الذي لولاه لما استطاع عطوان اكمال دراسته الجامعية في مصر، ولأنه، حسب قوله: 'كان أمل الكثيرين منا في العالم العربي، فايديولوجيته وفرت لي الأمل وما زالت تفعل ذلك اليوم. ومصر شكلت في عهده نقطة ارتكاز النهضة العربية وعاصمة الثقافة العربية ومركز انطلاق الحركة القومية العربية' (ص86).
ويذكر عطوان في الكتاب ان احد ابرز شعارات جمال عبد الناصر كان ان 'نفط العرب للعرب، وان الخيرات الطبيعية العربية يجب ان تستخدم لمصلحة الشعوب العربية وليس لمصلحة القيادات الغربية ومصالحها' (ص87). ويشير عطوان الى انه كفلسطيني 'كان من المستحيل عليه عدم الانغماس في القضايا السياسية.. وكان من المنتظر منه الدفاع عن القضية الفلسطينية' (ص91). ويتحدث عطوان في الكتاب عن الصعوبة التي واجهها في مصر لاكمال دراسته الجامعية حيث ابلغه ضباط في المخابرات المصرية ان ملفه موجود لديهم كطالب راديكالي وانه من الافضل له اختيار مكان آخر لاكمال دراسته ما بعد الماجستير' (ص105) ومن حسن حظه انه اختار لندن.
وقال عطوان في مجال تعامل الدول العربية معه كفلسطيني مثقف أو ساعٍ الى المزيد من الوعي والادراك الثقافي: 'أشكر ربي انني لم أتعرض للزجّ في السجون بسبب صراحتي في عرض آرائي ومعتقداتي. ولكن ذلك لم يمنع عدداً من الدول العربية، بما في ذلك السعودية ومصر وسورية والكويت والعراق، من منعي دخول اراضيها. وقد تسلمت تهديدات بالقتل من أكثر من دولة عربية لم تكن مرتاحة لطريقتي في التغطية الصحافية'. وأضاف: 'في عام 2004 كتبت مقالات في (القدس العربي) انتقدت فيها السلطة الاردنية لتجاوزها حقوق الانسان في تعاملها مع شعبها، ودعي مراسل الجريدة هناك من قبل المخابرات الاردنية حيث أبلغ بأن اذرعة الاردن طويلة، وبامكانها الوصول الي في لندن. ومثل هذا الاختبار حدث لي مع السلطات السورية في عام 1998 عندما تحدثت في مقالاتي عن التعذيب في السجون السورية. وفي صيف عام 2002 ولدى التحضير للغزو الامريكي ـ البريطاني العراق شنت عليّ سبع صحف سعودية يومية حملات لمدة سبعة أسابيع. علما انني كنت ناقدا شرسا لفساد العائلة السعودية الحاكمة ونتيجة لذلك قررت هذه العائلة تحطيم سمعتي ودفعي نحو الصمت. وقد اتهمت بالعمالة لاسرائيل وبأن (الموساد) يمول جريدتي (القدس العربي) وانني دمية لوكالة الاستخبارات الامريكية (سي اي اي) هدفي تشويه سمعة بعض الانظمة العربية. اما الاسرائيليون فاتهموني بأنني عميل لنظام الرئيس العراقي السابق صدام حسين' (ص113). ولم تنجح محاولات عطوان حسب قوله، في الدفاع عن نفسه قانونيا ضد الحملات السعودية وغيرها ضده على الرغم من انه توسل خدمات المحامي السعودي البارز صلاح حجيلان، واستمرت الحملات السعودية ضده بدعاوى رفعها أمراء سعوديون لمقاضاته (ص114). وتم دعمها بحملات صحافية لالغاء وجوده كصحافي عربي بارز على الساحة السياسية البريطانية، حيث حجبت في احدى المناسبات صورته في تغطية لزيارة قام بها صحافيون من اصل عربي الى رئيس الوزراء البريطاني (ص114).
وتحدث عطوان في الكتاب عن اختباراته في ليبيا حيث وصف طريقة تدخل السلطات في عمل الصحافيين ومحاولاتهم استخدام الصحافيين كمخبرين على زملائهم الصحافيين الآخرين (ص119) وهي وسيلة مستخدمة حسب قوله 'في كثير من الدول العربية السلطوية'.
وكان عطوان صريحاً جداً في وصف علاقاته ودوره كمدير لمكتب صحيفة 'المدينة' السعودية في لندن التي وفرت له لقاءات وعلاقات مع كبار السياسيين العرب والتي اضطر الى انهاء علاقته بها بعد تغيير اساسي في ادارتها العليا. كما وصف تردده في العمل في المؤسسات الصحافية السعودية بأنه عاد الى 'تناقض مواقف المشرفين عليها مع مواقفه كانسان فلسطيني عاش معاناة المخيمات الفلسطينية'. وكان واقعيا في وصفه لهذه التناقضات بين شخصيته وعمله.
ولعل القسم الأكثر وجدانية في الكتاب هو الذي يتحدث فيه عطوان عن زيارته وعائلته الى غزة وتعرّف اولاده على اقربائهم وعيشهم في كنف المخيم الفلسطيني الذي عاش فيه هو في طفولته وهنا يرتقي الكتاب من مذكرات وسرد تاريخي الى عرض وجداني عميق مع وصف جميل وحساس لمعنى العيش في مخيم فلسطيني من دون معرفة ماذا سيحدث في المستقبل... ولكن مع القدرة على التحمل، التي هي من شيم الشعب الفلسطيني الجبار أكان يعيش في مخيمات لبنان، سورية، الاردن، فلسطين او في سائر أنحاء العالم.
فمع ان عطوان أصبح شخصية اعلامية عالمية لديها العلاقات مع كبار الشخصيات البريطانية والعالمية، فانه ما زال كما قال الشاعر سميح القاسم في رثاء صديقه الشاعر محمود درويش: 'ما زال لاجئاً... ليس معتدلاً او متعصبا، بل لاجئاً'. وهنا يأتي مفهوم اللاجئ من منطلق انساني سوسيولوجي اي الانسان الذي يعاني الغربة حيثما حل او سكن او مهما ارتفع منصبه الاجتماعي أو السياسي. وعطوان شأنه شأن الشعراء والادباء الفلسطينيين الكبار على شاكلة درويش والقاسم وخوري وناصر أو الكتاب والاكاديميين الفلسطينيين العظام على شاكلة ادوارد سعيد ووليد ورشيد وأحمد الخالدي أو على طريق الفلسطينيين الناجحين مادياً ومالياً واقتصادياً وسياسياً ما زال لاجئا حتى استعادة الدولة الفلسطينية الحرة والقابلة للحياة
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق