الاثنين، نوفمبر 10، 2008

الإستقلال الثقافي الحضاري شيء آخر غير الانغلاق أو القطيعة الحضارية، الاستقلال يبدأ بالتسليم بوجود حضارات بشرية متعددة في الزمان والمكان، الاستقلال يب


الإستقلال الثقافي الحضاري شيء آخر غير الانغلاق أو القطيعة الحضارية، الاستقلال يبدأ بالتسليم بوجود حضارات بشرية متعددة في الزمان والمكان، الاستقلال يبدأ بنفي خرافة وجود حضارة إنسانية شاملة ووحيدة في أي عصر، فلم يكن الأمر أبداً كذلك، وليس كذلك الآن، كانت هناك دائما حضارات تسود وحضارات تتنحى إلى حين، لكن دورات الصراع والتفاعل الحضاري كانت تسمح دائما للحضارات الأصيلة بالازدهار مجددا، وحضارة الغرب تسود الآن، بينما حضارتنا العربية الإسلامية في وضع المتنحي لا الميت، وليس المطلوب أن نغلق الأبواب والنوافذ في وجه الحضارة الغربية، بل أن نستفيد من إنجازاتها الضخمة ونتمثلها ونهضمها، ولكن في إطارنا القيمي والثقافي الحاكم، وأن نزيد باطراد من قدرتنا على مواجهة الغزو الحضاري بوصل ما انقطع مع مواريثنا الذاتية، فتجديد الذات هو الأساس، وهو لا يتعارض مع الانفتاح على الآخر، مطلوب أن ننفتح أوسع انفتاح ممكن وواع على علوم الغرب الطبيعية وإنجازاته التقنية، مطلوب أن ننفتح على نظمه في السياسة والاقتصاد مع ضمان حقوق الانتقاء والملاءمة والتكيف والبعد عن التقليد الأعمى، ومطلوب أن ننفتح على العلوم الاجتماعية الغربية ومناهجها مع إدراك كونها ليست 'علوما' بالمعنى المفهوم، ومشوبة بأثر قيم حضارية تميزهم وقد لا تميزنا، ويصدق الأمر ذاته على الآداب والفنون ومناهج النقد الغربية، لكن الحذر كله يبقى مطلوبا من جوهر الفلسفة الكامنة في الحضارة الغربية ومنظورها الخاص في رؤية العالم ومبادئها في فهم وممارسة الحياة، وتلك الجوانب الأخيرة على تعارض مطلق مع خصوصيتنا الحضارية وتهدد باقتلاعنا من ذاتنا .
وقد يقال إن هذه 'انتقائية أو توفيقية' وهي بالفعل كذلك، وليس عيبا أن ننتقي أو نوفق، فتلك بعض خصائصنا الحضارية، بل أظن أنها خصائص مطلوبة لكل حضارة تريد أن تنهض لا أن تموت أو تلحق بالغير، انفتح أجدادنا العظام على حضارة الفرس المتفوقة، وأخذوا عنها نظام ضريبة الأرض المعروف باسم 'وضائع كسرى' ورفضوا نظام حكمها القائم على الحق الإلهي وعقائدها المجوسية والزرادشتية والمانوية، وانفتح أجدادنا العظام على حضارة الروم البيزنطية، وأخذوا منها طرق الإدارة في تدوين 'الدواوين' ورفضوا عقائدها الغنوصية ومسيحيتها التي خرجت بالروح الهلينية عن عقيدة التوحيد، وانفتح أجدادنا العظام على تراث اليونان القديمة وفلسفاتها، لكنهم رفضوا عقائدهم الوثنية، وكذلك فعلت الحضارة الغربية البازغة مع حضارتنا العربية الإسلامية، أخذوا عنها كل منجزاتها العلمية كذلك والفلسفة التي تتسق فقط مع الميراث اللاتيني، أخذوا من فلسفة ابن رشد ما عرف 'بالرشدية اللاتينية '، وتركوا ابن رشد الأكثر ثراء وعمقا واتصالا بحضارتنا نحن، أخذوا ابن رشد الشارح لأرسطو، وتركوا إضافاته الأغنى عن تصور الذات الإلهيه ووحدة الوجود العقلي والمادي ومنهجه في التوفيق بين الحكمة والشريعة .
ولا يعني ما نقوله، أن نغلق الباب دون فلسفات الغرب، بل أن نحذرها ونغربلها وننتقي منها وفق معايير مشتقة عن ميراثنا الحضاري، وبهدف تحديث أصولنا لا نفيها، وميراثنا الحضاري ليس عقيما ونقليا كما يقال، بل أعلى من شأن ومكانة العقل، والقاضي عبد الجبار ـ وهو من علماء الكلام المسلمين ـ قدم في أدلته الفقهية 'حكم العقل' على 'حكم النقل' حتى لو كان الأخير من القرآن الكريم، وقال الماوردي: أن حجج العقل أصل لمعرفة الأصول إذ ليس تعرف الأصول إلا بحجج العقول .
ولفظة 'الخصوصية الحضارية' ليست لفظة هائمة أو تجريدا لا يلمس أو يحس، تماما كما أن مصطلح الحضارة والثقافة ليس كذلك، الثقافة والحضارة هي الحياة نفسها، إنها 'أسلوب الحياة' المميز لوجود بشري معين متصل في الزمان والمكان، والخصوصية الحضارية هي جملة المكونات المادية والروحية المتراكمة بالاستمرارية التاريخية الحية لمجتمع بعينه، وثمة ثلاثة مستويات متداخلة ـ كما يقول د. أنور عبد الملك ـ في تركيب الخصوصية الحضارية: أولها: التركيب الداخلي للخصوصية (أسلوب الإنتاج الاقتصادي الاجتماعي ـ إعادة إنتاج الحياة البيولوجية ـ السلطة والدولةـ الأديان والفلسفات)، وثانيها: تاريخ الخصوصية (الاستمرارية الزمانية ـ مؤثرات المكان الجيوسياسية والجيوثقافية)، وثالثها: التفاعل الجدلي بين عوامل الاستمرار وعوامل التغير في نسق حضاري بعينه .
والحضارة الغربية التي يدعونا البعض للأخذ بها، أو اعتبارها معيارا للتقدم وغاية له، حضارة تغتال إنسانها ذاته، بعد أن اغتالت الأخرين بالسحق والاسترقاق والنهب، ولاتزال تفعل .
كانت حضارة الصناعة وعدا عظيما بالسعادة والفرحة، ورث الأوروبيون عن 'سبينوزا' تعريفه للفرحة 'الفرحة هي سبيل الإنسان من حالة أدنى إلى حالة أعلى'، والكآبة هي العكس، وتصوروا أن التقدم العلمي والصناعي سوف يعلو بالإنسان ليصبح إلها متحررا من قيود الطبيعة، ومستخدما إياها كأحجار في بناء عالم يخلقه بنفسه، وكانت النتيجة: ضياع الوعد بالسعادة، لم يصبح الإنسان هو نفسه، بل أصبح مجرد ترس في آله استهلاك ضخمة، وتساوت الرأسمالية مع الشيوعية في المصير، كلاهما غلبته دوافع اللذة وتحقيق الحد الأقصى من المنفعة وشهوة التملك، كان خروشوف يصف شيوعيته بأنها 'شيوعية الجولاش' التي 'تتيح للجميع تملك السلع الاستهلاكية بدلا من حصرها في يد الأقليات الرأسمالية'، وقد أخفقت الشيوعية في تحقيق وعدها التملكي، بينما نجحت الرأسمالية، وسقط الجميع في امتحان السعادة الإنسانية، وعلى حد قول 'ألبرت شفايترز' فقد أصبح الإنسان الأعلى الذي يمتلك قوة تفوق قوة الإنسان، لم يرتفع إلى مستوى عقلاني أعلى بل إنه يزداد فقرا وتجردا من روحه وإنسانيته ' .
قامت الحضارة الغربية على فكرة المنفعة، والمنفعة الاقتصادية وحدها في الأغلب الأعم، وخلقت من إنسانها إنسانا للتملك، تتمحور حياته كلها حول الأشياء وتخلو من الناس، ويشعر ـ كما يقول إريك فروم ـ بأنه خصم للآخرين جميعا، للزبائن الذين يريد أن يخدعهم، وللمنافسين الذين يريد أن يقضي عليهم، وللعمال الذين يريد ان يستغلهم، وللأغنياء الذين يحسدهم لأنهم يملكون أكثر، وللفقراء الذين يخاف منهم، ونما إنسان التملك في ظل الرأسمالية كما في ظل الشيوعية، تناسى الشيوعيون عظات ماركس عن التشيؤ والاغتراب ومخاطر مقايضة التملك بالإنسانية ( كل ما يأخذه الاقتصاد من إنسانيتك يرده إليك ثروة ونفوذا )، قام النظام الشيوعي السوفييتي على مبدأ الاستهلاك كهدف للحياة، و طالما ظل كل شخص راغبا في امتلاك المزيد فلا نهاية للطبقات أو الحروب الطبقية ومآسي الجشع جريا وراء اللذة والأنانية المفرطة، وفي نمط التملك يكمن الإحساس بالتعصب، وإذا كان التملك هو خطيئة الغرب، فإن الكينونة هي فضيلة الشرق، إنسان التملك يأخذ دائما ويبحث عن المزيد، أما إنسان الكينونة فيعطي دائما، ويصف البعض نمط 'الكينونة ' في صورة بليغة: 'حين يسقط الضوء على زجاج أزرق، فإننا نرى لونه أزرق لانه يمتص كل الألوان الأخرى ما عدا الأزرق، ومعنى ذلك أننا نصف هذا الزجاج بالزرقة لأنه لا يحتجز الموجات الزرقاء، أي أنه يعرف لا بما يملك، ولكن بما يعطي'.
وربما كان السبب هو روحانية الشرق وتدينه في مقابل وثنية الغرب، نعم مازالت أوروبا تعتنق الديانة المسيحية، ولكن بعد تفريغها من مضامينها ومعانيها السامية، كان المسيح بطلا للمحبة وشهيدا وهب حياته من أجل الرب ومن أجل رفاقه، كان بطلا بغير سلطة لا يستخدم القوة، أما البطل في خيال الغربيين المعاصرين فهو البطل الوثني الذي يشبه أبطال الإغريق والرومان، يغزو وينتصر ويدمر وينهب ويسرق وينتفخ غرورا، وقد ينطبق على التاريخ الغربي الحديث وصف القديس أوغسطين للتاريخ الروماني بأنه 'تاريخ عصابة من اللصوص'، لا توجد جريمة إلا وارتكبها الغربيون، أبادوا شعوبا بأسرها مثلما حدث للهنود الحمر، واسترقوا الزنوج، ونهبوا ثروات العالم الثالث كله، وشنوا حربين عالميتين ونفذوا الثالثة في حرب العراق، وربما كان استمرار تقليد الألعاب الأولمبية الإغريقية دليلا رمزيا على اتصال وثنية الغرب المعاصرة، ففيها معاني التهوس وتمجيد القوة والترويج الإعلامي التجاري لنزعة التملك والتعصب، وقد اقترح مفكر غربي ان يحل محل احتفال الألعاب الأولمبية احتفال آخر تعرض فيه مسرحية الآلام (التي تعرض آلام السيد المسيح في حضارة تتسمى بالمسيحية) لقد تحول المسيح عند الغربيين إلى وثن يحب نيابة عنهم بينما تفرغوا هم لمواصلة حياتهم على طريقة البطل الإغريقي الوثني .
ومع تداعي التأثير المسيحي الخالص، لم تنجح الأفكار الوضعية الغربية في ملء فراغ الروح، بل غذت كلها نزعة التفوق والتعصب العرقي، حتى الماركسية بدعواها الإنسانية لم تبرأ من النزعة العنصرية بتسليمها بـ 'حد المنفعة الإقتصادية'، وتبريرها للظاهرة الإستعمارية على أنها تحديث للمجتمعات المتخلفة حضاريا، وباعتبارها تاريخ التطور الأوروبي تاريخا للعالم كله.

ليست هناك تعليقات:

تستحضر هذه الكلمات التي شاركتها للشاعر سالم القطامي لحظة فارقة ومؤلمة في الذاكرة السياسية المرتبطة بأسرة الرئيس الراحل محمد مرسي. القصيدة والوسوم المرافق لها تعبر عن حالة من الغضب العارم والشعور بالظلم المركب الذي تعرضت له هذه الأسرة، من وجهة نظر الشاعر ومؤيديه. إليك قراءة في أبعاد هذا النص الشعري والمناسبة المرتبطة به: 1. السياق الزمني والمناسبة تشير الأبيات إلى وفاة عبد الله مرسي، النجل الأصغر للرئيس الراحل، والتي جاءت بعد وقت قصير جداً من وفاة والده داخل المحكمة. بالنسبة للشاعر، لم تكن الوفاة طبيعية بل يصفها بأنها "اغتيال"، وهو اتهام سياسي يوجهه للسلطة الحاكمة (التي يصفها بالعسكر الأوغاد)، معتبراً أن استهداف "الأشبال" هو محاولة لتصفية إرث الرئيس الراحل بالكامل. 2. العاطفة في النص الفقد المزدوج: الكلمات تعكس وجعاً مضاعفاً؛ فقد الأب (الرئيس) ثم فقد الابن (الذي وصفه بـ "فلذة الأكباد"). الاستنهاض: ينتهي النص بسؤال استنكاري: "أنتركهم يعيثون في الأرض فساد؟"، وهو سؤال يهدف إلى تحريك المشاعر وتثوير المتابعين ضد الوضع الراهن، رافضاً الاستسلام لما يراه "ظُلماً". 3. المصطلحات المستخدمة استخدام سالم القطامي لمصطلحات مثل: خونة عسكر الاحتلال: لرفع الغطاء الوطني عن السلطة وتصويرها كقوة أجنبية محتلة. شبله: لإضفاء صفة "الأسد" على الأب، وبالتالي الاستمرارية في القوة والشرعية للابن. 4. الرمزية السياسية تحول عبد الله مرسي في هذا الخطاب من مجرد "ابن رئيس سابق" إلى رمز للمظلومية الشبابية. الشاعر هنا يربط بين المأساة الشخصية للأسرة والمأساة الوطنية العامة، معتبراً أن ما حدث لهذه الأسرة هو نموذج لما يحدث للوطن ككل. خلاصة القول: هذا النص هو جزء من أدب "الرثاء السياسي"، حيث لا يُبكى فيه الميت لمجرد الفقد، بل يُستخدم دمه وذكراه كوقود لاستمرار الصراع السياسي والتأكيد على التمسك بالمواقف. الكلمات قاسية وحادة، وتعكس انقساماً عميقاً في الرؤية للواقع المصري بين من يراها "دولة مؤسسات" ومن يراها "سلطة غاشمة" كما يصورها القطامي.

  قصيدة #أبيع_جحشـــى للشاعر #سالم_القطامي #أبيع_جحشـــى لاول مشتـــرى اتى أبيعه ببضع دراهم أوجنيهات أودولارات ندلل عليه في مواخير الإمـــ...