مساع وطنية ودينية لوقف بيع مصر وكسر حصار غزة
محمد عبد الحكم دياب
محمد عبد الحكم دياب
29/11/2008
يبدو الشارع المصري هادئا ووديعا، ومن يسبر غوره يجده غير ذلك، والسبب في إشاعة هذا الانطباع هو الصوت العالي لأبواق الحكم، وسحب الدخان التي تشكك في العمل الشعبي، وروح الاحتقار التي تبثها لجنة جمال مبارك وجماعة رجال المال الحاكمة، وتقليلها الدائم من شأن العمل الوطني، وحملات وزارة الداخلية على المعارضين، وبروز دور البلطجة كنشاط سياسي يأخذ به الحزب الحاكم، وأسباب أخرى عديدة يضيق المجال لحصرها .
وإذا كان هذا الانطباع يحد من تحرك البعض ويشل البعض الآخر، فإنه أضحى حافزا لعدد من الجماعات السياسية والإسلامية وعدد من الصحف الوطنية .. الحزبية والمستقلة .. تحولت مقارها إلى خلايا نحل، تشعرك بتطورات واستعدادات تنبئ عن دخول العمل الوطني مرحلة جديدة في المواجهة مع حكم مبارك، تضع في حسابها نجاحات واخفاقات المرحلة الماضية، وجاءت عملية بيع ما بقي من مصر وإن أضافت عبئا جديدا على كاهل العمل الوطني، لكنها حفزت الحراك السياسي وزادت من فعاليته، والكل يعرف أن مشروع البيع بدا وكأنه من بنات أفكار وبمبادرة من جمال مبارك، وهو في حقيقته من أكبر عمليات النصب التي تحدث في التاريخ المصري .. وحملت عنوانا خادعا هو ' مشاركة المواطنين في إدارة أصول الدولة ' ، وهذا العبء الجديد لم يبعد الأنظار عن التحديات الأخرى، وبينها جميعا تتوزع الجهود وتتداخل المساعي، فهدف التغيير السياسي الشامل ما زال يحتل المركز الأول في أولويات المصريين، واستقر في وجدان كثير منهم أن التغيير يتحقق بكسر الحصار المضروب على مصر، مما ساعد على نمو الإحساس بغياب الفوارق بين حصار المصريين وإحكام الطوق حول أهل غزة مثلا . وهناك جهود وطنية وإسلامية .. مكثفة ومستمرة، وبدت القوى التي تقف وراء هذه الجهود والمساعي أكثر قابلية للبذل واستعدادا للتضحية، وبدت الاعتقالات والملاحقات أقل جدوى معها، وتساوى في ذلك الشباب والشيوخ . وبين الجهود الموزعة على العمل على فك الحصار عن الشعب المصري وكسر الطوق المحيط بغزة توحدت الجهود، ولم تتوقف المحاولات شبه اليومية للتوجه نحو رفح، كخطوة ضرورية لفك الحصار عن مصر نفسها، وكلما تمادى رجال الأمن ومنعوا القوافل من الوصول إلى رفح، المرة تلو الأخرى، زاد الاصرار وقويت العزائم . وزاد منها صدور أحكام قضائية، في الأسابيع الأخيرة، تلغي قرار وزير الداخلية بمنع المصريين من التحرك على أرضهم، مما يحول بينهم وبين الوصول إلى الحدود المصرية الفلسطينية، وتجرم وتوقف تصدير الغاز للدولة الصهيونية، ويوم الثلاثاء الماضي صدر حكم هو الاول من نوعه .. ألغى الوجود الأمني في الجامعات. وسواء قبلت السلطات هذه الأحكام أو رفضت تنفيذها كالمعتاد إلا أنها مثلت نصرة قانونية ودستورية مطلوبة تمنح الشرعية للتحركات المناهضة للحكم، وتضفي قيمة وطنية وسياسية وأخلاقية على رموزها وقادتها، وتسلب من حكم مبارك شرعيته المدعاة، وتكشف 'غشمه وغشوميته' وأفقه المحدود حين أغلق أبواب التغيير الديمقراطي أمام المواطن، وسد بذلك سبل الحياة والاستمرار أمام حكمه ذاته .
تكثفت المساعي وزادت في الأسابيع الأخيرة، بعد أن أفصح جمال مبارك، الحاكم الفعلي للبلاد، عن نيته في بيع الاصول العامة، وتبنيه لفكرة شيطانية، تتيح له رشوة الناس لقبول ' التوريث ' ، والتغطية على مصائب الخصخصة وفضائحها، وشيطانية الفكرة تنبع من اعتمادها على توريط المواطنين في تبديد ما بقي من الممتلكات العامة، وهي مهمة أخذها مبارك الابن على عاتقه، وكما نجح في تصفية الدولة، ويتهيأ لمرحلة تفكيك المجتمع وإضعافه، لتسهيل المخطط المؤجل للإجهاز عليه وتعطيل طاقته على البناء والمقاومة، وشل قدرته على التغيير والتطور، وهذه الحيلة الشيطانية بنيت على كذبة تقول بالمشاركة في إدارة الأصول العامة، وكيف لمن فرض عليهم الحرمان من اختيار ممثليهم .. كيف لهم ان يديروا أصولا تَبَدّد أغلبها دون رقيب أو حسيب ودون حساب لرأيهم والأضرار التي أصابتهم ؟ وكان المعتاد في الحقبة الاستعمارية هو أن النصب مهمة المغامرين الأجانب مباشرة ولحساب احتكاراتهم ومصالحهم، وفيما بعد العولمة جند المحافظون الجدد في واشنطن ' الليبراليين الجدد ' في مصر وغير مصر للقيام بمهام التصفية المطلوبة، واقتسام حصيلتها معهم .. وقد أبلى ' الليبراليون الجدد ' بلاء حسنا .. وقدموا خدماتهم، ونجحوا في تصفية الاقتصاديات الوطنية المستقلة لحساب المخطط الغربي والمشروع الصهيوني، واضحى هذا عمل 'الليبراليين الجدد' الأساسي، و مصدرا للإثراء الفاحش والاستبداد الفاجر . وفي كل ما سمعت وتابعت وأنا موجود في القاهرة، وجدت أن القاسم المشترك بين الغالبية الكاسحة من القوى الوطنية وعدد من القوى الإسلامية .. وكثير منهم منضو تحت لواء الجماعات الجديدة، والأحزاب المجمدة، والأخرى غير المرخص بها، على اختلافها وتنوعها .. وجدت كل هؤلاء يقرون بترابط القضايا والتحديات وتداخلها، وعلى قناعة ان من أصدر توجيهاته وتعليماته بإحكام الخناق حول غزة، نشر الظلام والجوع والموت بين أهلها هو نفسه صاحب قرارات التعذيب والجوع والفقر والموت للمصريين .. أي أن المصريين والفلسطينيين في الهم سواء، وتم الربط بين عملية النصب الكبرى هذه وبين المخططات الخارجية ضد الشعب الفلسطيني، وعلاقة كل ذلك بتأجيج الصراعات حول لبنان وسورية وإيران وأفغانستان . وهذا أتى مصحوبا بتغير جوهري في لغة وطريقة العمل، ولم يقتصر ذلك على انصار ورموز تنتمي لهذا الحزب وذاك أو هذه الجماعة أو تلك إنما ضم شخصيات ثقافية وعلمية وأكاديمية ونقابية مستقلة، ومن كافة التخصصات.. في الاقتصاد والطب والعلوم والسياسة والاجتماع والأدب، فأحد أساتذة الجيولوجيا صرح في اجتماع معني برفع الحصار عن غزة، بأن الحل هو في المواجهة المباشرة مع ' عائلة مبارك ' والخروج إلى الشارع حتى تترك الحكم أو تترك البلاد، وهذا استاذ وعالم طب مرموق لم يكتف باقتراح اتخاذ مواقف قانونية ورفع قضايا ضد السلطات الرسمية لوقف البيع أمام المحاكم، ورأى ضرورة النزول إلى الشارع والاحتجاج في طول مصر وعرضها . وعدم التوقف حتى يتم فك الحصار عن الفلسطينيين، ونفس الروح سيطرت على لقاء آخر جمع مفكرين وأساتذة جامعات وسياسيين وصحافيين وعمالا ونقابيين وأعضاء بمجلس الشعب ونساء .. انعقد بمقر صحيفة ' الكرامة '.. أجمع المشاركون على إدانة نظام الحكم.. محترف الكذب، الذي لا يتصرف من بنات أفكاره أبدا، واستدلوا على ذلك بظهور فكرة بيع أصول الدولة فجأة بلا مقدمات، رغم ادعاء جمال مبارك وجماعته بغير ذلك، وأكدوا جميعا على أنها محاولة جديدة لإرضاء الإدارتين الأمريكية والصهيونية، اللتين اعتادتا ابتزاز ' عائلة مبارك ' إلى أقصى درجة قبل أن تعطيا موافقتهما على ' التوريث '.
وفند الحاضرون الأضرار الناجمة عن البيع، وكشفوا أن مثل هذا البيع يضيّق نطاق الملكية، ويحمل من الأخطار الكثير .. يستخدم المواطن جسر عبور إلى خصخصة من نوع جديد، من المتوقع أن تنتهي إلى أيدي الاحتكارات المصرية والغربية والصهيونية، وهذا يتناقض مع قواعد الاقتصاد السليمة التي تنظر إلى الملكية العامة باعتبارها الأوسع والأكثر استجابة لمتطلبات المصلحة العامة والتزامات الأمن الوطني .. بجانب أن التوقيت ليس ملائما، فالبيع في ظل أوضاع اقتصادية ومالية مأزومة، محليا وإقليميا وعالميا .. من غير الممكن ان يطرح بالقيمة الحقيقية لهذه الأصول، وبيع ثروات بهذا الكم وهذه الكثرة في وقت واحد يحط من قيمتها الفعلية والسوقية .. وخضوع البيع لإرادة المتعجلين حوله إلى تبديد ثروة لا يملكونها، وحين يكون البيع للاستهلاك لا يترتب عليه تطوير أو إحلال للأصول المباعة ببدائل أحدث وأكثر كفاءة ولن يبقى منه ما يمكن استثماره في مشروعات جديدة .. وستكون المصلحة العامة هي الضحية الأولى لهذه العملية الشيطانية، فمعنى المصلحة يختلف من الدولة إلى الفرد، فمع الدولة تتسع هذه المصلحة لتلبي احتياجات ومستلزمات المجتمع بفئاته وقواه المختلفة، وتستجيب لمطالب أمنه الوطني، ومع الفرد تضيق إلى مستوى الأنانية أو النزوة، و المعضلة الكبيرة تتعلق بحقيقة المشتري، الذي مازال مجهولا وسيستمر، وهذا المجهول هو الذي ستؤول إليه هذه الممتلكات، وقد تمت التغطية على هذا المجهول بكذبة أكبر اسمها ' حق الأجيال القادمة ' ، ولم يسمع أحد عن خصخصة، سواء بالأسلوب السابق أو عن طريق الخصخصة بالنصب الحالية، وضعت في حسابها حق الأجيال القادمة !! ، ومن يأكل حق الأجيال الحالية، ويستولي على مساهماتهم في التأمين الصحي ونصيبهم في معاش التقاعد لا يمكن أن يكون حريصا على حق أحد .. سواء من الجيل السابق أو الحالي أو اللاحق . والملكية العامة في هذا المجال هي الأقدر من على حفظ حق هذه الأجيال، أما التبديد بالنصب والخصخصة بالنهب لا تحفظ حقا ولا تلبي طلبا . من يتحمس لهذا النصب هو ' التكتل المالي ' الحاكم، والحماس ظهر في وقت أعلن فيه مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار، التابع لمجلس الوزراء، الملحق على لجنة جمال مبارك، المعروفة باسم لجنة السياسات .. أعلن عن نتيجة مسح ميداني .. طبقه على ثلاثة آلاف مواطن، من الجنسين، ومن شرائح ومستويات عمرية مختلفة، وتوصل إلى أن اثنين وسبعين في المئة من العينة فضلوا الملكية العامة في المشروعات، وفسرت صحيفة 'الفجر' القاهرية، في عدد الاثنين الماضي، بأن معنى هذه النتيجة هو أن الغالبية العظمى ضد التفريط في الملكية العامة، حتى لو كان ذلك على هيئة صكوك أو محفظة أسهم على طريقة جمال مبارك!!
هذا العمل الشيطاني قابله إجماع بالرفض وجهود تدعو المواطنين لإفشاله وكشف مخاطره على الجيل الحالي والأجيال القادمة، وتجري اتصالات فعلية بكل القوى المناهضة للتكتل المالي الحاكم.. فلاحين وعمال وموظفين وخبراء وأكاديميين وتجار وصغار ومتوسطي الكسبة، لتبادل الأفكار معهم حول طبيعة هذا النصب وخطره على مصالحهم، وإذا كان ولا بد وتمت عملية البيع عنوة فمن المتوقع أن يواجه ذلك بتكوين شركة وطنية.. تشتري صكوك البيع وتحافظ عليها وتحميها من التبديد . وكان الأهم هو ما تمخض عن هذا النشاط من استعداد واضح للعمل على اسقاط ما تبقى من أقنعة شرعية على وجه 'عائلة مبارك '.. وهي أقنعة صنعها التزوير والتزييف والتدليس، ومواجهة الشرعية العائلية الفاسدة بشرعية وطنية حقيقية، والحصول على تفويضات شعبية برفض البيع، والإعداد لمشروع إقامة الهيئة الوطنية لحماية أصول الدولة والحفاظ على الملكية العامة .. على أمل تحولها إلى ' هيئة وطنية جامعة ' تواصل العمل لإنجاز مطلب التغيير الديمقراطي الملح، وهو التغيير الذي أغلقت في وجهه كل الأبواب والنوافذ، وكلها لن تفتح مرة أخرى إلا بالتخلص من حكم 'عائلة مبارك'، و إحياء فكرة العصيان المدني وطرحها من جديد .. كوسيلة ناجعة للتخلص من هذه العائلة، بما جلبته على البلاد من خزي وعار.. وفتح أبواب ونوافذ التغيير المطلوب، يقتضي التذكير بأن العصيان المدني في الحالة المصرية عمل قانوني .. 'دستوري ومشروع ' والعودة إلى فتوى الفقيه القانوني طارق البشري التي أصدرها في السنوات الأخيرة بشرعية العصيان المدني تفيد في ذلك!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق