أسفلت ملطخ بالدماء: حين تأكل قروض الطرق أرواح المصريين
بقلم: سالم إسماعيل القطامي
طالما تُقدَّم "شبكة الطرق الجديدة" كدرة تاج الإنجازات، والنموذج الأبرز لضخ المليارات من الديون والقروض الخارجية التي أثقلت كاهل الاقتصاد المصري وأجياله القادمة. ولكن، خلف بريق الأسفلت والتصريحات الاستعراضية، تقبع حقيقة مفزعة ومؤلمة؛ أن هذه الطرق لم تكن سبيلاً للنماء بقدر ما تحولت إلى مسارات حافلة بالمخاطر تأكل أجساد المصريين وأرواحهم بأرقام تفوق ضحايا بعض الحروب النظامية.
المليارات المستدانة وغياب معايير الأمان
استدانت الدولة عشرات المليارات من الدولارات لإقامة شبكات طرق ومحاور خرسانية سريعة. غير أن منطق الإنجاز السريع الذي يغلب عليه الطابع العسكري والهندسي الشكلي دون مراعاة جادة لمعايير السلامة والأمان، جعل من تلك الطرق مصائد للموت.
تُنفذ المشروعات بعجلة تُغيب التخطيط العلمي للسيولة المرورية، وتغيب عنها الإنارة الكافية، وتغيب الرقابة على الشاحنات والنقل الثقيل، فضلاً عن غياب الصيانة الدورية للأجزاء المعطوبة والمتهالكة. النتيجة هي أن المليارات التي اقترضتها الدولة باسم "التنمية" تحولت إلى بنية تحتية خطرة تحصد الآلاف سنوياً.
نزيف الأسفلت بلسان الأرقام
تُظهر البيانات والإحصاءات الرسمية سنوياً آلاف القتلى وعشرات الآلاف من المصابين والمعاقين جراء حوادث الطرق والقطارات. تشير الأرقام الصادرة عن الأجهزة الإحصائية إلى أن ضحايا حوادث المرور يمثلون حرباً استنزافية غير معلنة ضد المواطن؛ فالمجتمع يشارك في دفع فاتورة ديون إنشائها من قوته وقوت أطفاله، ثم يدفع حياته وسلامته الجسدية ثمناً للسير عليها.
إذا كانت الشعوب تخوض الحروب للدفاع عن كرامتها وأرضها، فإن المصريين اليوم يُقتلون على شبكات طرق تم بناؤها بقروض أجنبية، ليجتمع عليهم بؤس الدين الخارجي مع حسرة الفقد المجاني على الأسفلت.
أين تكمن الخلل المنهجي؟
غياب المساءلة الإدارية: يمر الحادث المروع تلو الآخر دون وجود محاسبة حقيقية للمسؤولين عن تصميم أو إدارة وتأمين هذه الطرق، بل يُلقى باللوم دائماً على العنصر البشري أو السائقين لإخلاء طرف النظام والمؤسسات الهندسية.
الأولويات المقلوبة: تم إعطاء الأولوية للسرعة والربط الإستراتيجي للمشاريع العقارية والاستثمارية الخاصة، على حساب السلامة المرورية للمواطن البسيط والنقل العام.
استنزاف الطاقات البشرية: الضحايا ليسوا مجرد أرقام في النشرات الإخبارية، بل هم شباب، وآباء، وأمهات، معيلون لتركات وأسر تُترك في مواجهة الفقر والمعاناة بعد فقدان المعيل.
إن تقييم أي مشروع قومي لا يكون بحجم الخرسانة المنفقة أو بمسافة الكيلومترات المعبدة، بل بالقيم الإنسانية التي يحفظها ويرعاها. عندما تتحول مشروعات البنية التحتية إلى سبب رئيسي للإملاق الاقتصادي وفقدان الأرواح، فإن ذلك يدل على اختلال هيكلي في أولويات الحكم وإدارة موارد الأمة. إن مصر بحاجة إلى نهج يضع حياة الإنسان وكرامته فوق أي إنجاز شكلي، ويبني وطناً يُحفظ فيه الدم كما تحفظ فيه مقدرات الأمة.
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire