mardi, septembre 22, 2026

«اللي ما يرضيش ربنا… هنقف معاه وندعمه» وعدٌ فأوفى… ولكن لمن؟ بقلم: سالم إسماعيل القطامي هناك عباراتٌ سياسية لا تحتاج إلى لجنة تحقيق لكي تكشف شيئًا من فلسفة أصحابها؛ يكفي أن تُقرأ كما قيلت، ثم تُقارن بما جرى على الأرض. «اللي ما يرضيش ربنا هنقف معاه وندعمه»… عبارةٌ تختصر، في دلالتها السياسية، مأساةَ منظومةٍ يصبح فيها الحليف أهم من الحق، والمصلحة أهم من المبدأ، والولاء أهم من الإنسان. وهنا تبدأ الحكاية الساخرة: ليس المهم أن يرضى الله، المهم أن يرضى صاحب السلطة! فإذا كان الحليف لا يرضي الله، فله الدعم؛ وإذا كان المعارض يطالب بالعدل والحرية، فله السجن؛ وإذا كان المواطن يرفع صوته احتجاجًا، فله قانونٌ استثنائي؛ وإذا انتهت كل الوسائل، فهناك دائمًا درجٌ آخر في ترسانة الدولة: حكم الإعدام. وهذا ليس مجرد انطباع سياسي؛ فقد وثقت منظمات حقوقية دولية تصاعدًا حادًا في استخدام أحكام الإعدام والمحاكمات الجماعية في مصر منذ 2013. وذكرت هيومن رايتس ووتش أن مئات الأشخاص حُكم عليهم بالإعدام في قضايا مرتبطة بما وصفته السلطات بالعنف السياسي، وأن كثيرًا من هذه الأحكام صدر في محاكمات شابتها عيوب إجرائية خطيرة. وفي عام 2019، وثقت المنظمة تنفيذ أحكام إعدام بحق 15 سجينًا على الأقل في ثلاث قضايا ذات خلفية سياسية، بينما أثار خبراء أمميون مخاوف بشأن إعدامات قالوا إنها استندت إلى أدلة يُزعم أنها انتُزعت بالتعذيب، وإلى محاكمات بدت لهم شديدة الخلل. وفي أكتوبر 2020 وحده، وثقت هيومن رايتس ووتش تنفيذ 49 حكم إعدام خلال عشرة أيام، من بينهم 15 رجلًا أدينوا في ثلاث قضايا تتعلق بالعنف السياسي المزعوم. ثم يأتي السؤال الذي لا تحب السلطة سماعه: هل تحولت المشانق إلى جزء من أدوات إدارة الخلاف السياسي؟ لا أقول ذلك باعتباره حكمًا قضائيًا؛ وإنما أضع أمام القارئ وقائع موثقة وأسأله عن دلالتها. فالدولة التي يفترض أن يكون القانون فيها ميزانًا للجميع لا يجوز أن يتحول فيها القانون إلى سيفٍ مسلط على رقاب الخصوم، ولا أن يصبح اختلاف المواطن مع السلطة سببًا يجعله ينتقل من خانة «المواطن» إلى خانة «المتهم»، ثم إلى خانة «المحكوم عليه»، ثم ربما إلى خانة لا عودة منها. والأشد إثارة للسخرية أن الخطاب الرسمي يستطيع أن يتحدث عن الأمن والاستقرار ومحاربة الإرهاب، بينما تظل الأسئلة الكبرى قائمة حول ضمانات المحاكمة العادلة، واستقلال القضاء، ومزاعم التعذيب والاختفاء القسري. وقد وثقت هيومن رايتس ووتش استمرار هذه المخاوف في قضايا الإعدام ذات الطابع السياسي. أما تاريخ مصر الحديث، فقد عرف بالفعل استخدام الإعدام والقمع السياسي في مراحل مختلفة؛ لكن المشكلة ليست في استدعاء التاريخ لإدانة حاضرٍ بعينه، بل في أن الدولة الحديثة يفترض أن تتعلم من تاريخها، لا أن تعيد إنتاج أسوأ أدواته. فماذا بقي من شعار «دولة القانون» إذا كان القانون لا يظهر إلا عندما يحتاجه الأقوياء؟ وماذا بقي من «هيبة الدولة» إذا كانت الهيبة تُقاس بعدد السجناء والمحالين إلى المحاكمات الاستثنائية، بدلًا من احترام المواطن للقانون لأنه يراه عادلًا؟ والأكثر مفارقة أن بعض الأنظمة تتعامل مع المعارضة وكأنها مرضٌ معدٍ: تبدأ بالاتهام، ثم التخوين، ثم الاعتقال، ثم المحاكمة، ثم يصمت الجميع عندما يُغلق الباب الأخير. لكن التاريخ لا يصمت. الذين يصدرون الأحكام يمضون، أما الأحكام نفسها فتبقى في كتب التاريخ. والمشانق التي تُنصب للخصوم لا تستطيع أن تُعدم الذاكرة. والمعتقلات لا تستطيع أن تسجن الحقيقة إلى الأبد. ومن هنا، فإن «وعدٌ فأوفى» ينبغي ألا يكون وعدًا لحليفٍ سياسي، ولا شيكًا على بياض لسلطةٍ أو جيشٍ أو حزبٍ أو جماعة؛ بل يجب أن يكون وعد الدولة المصرية لكل مواطن: لا قتل خارج القانون، لا تعذيب، لا اختفاء قسري، لا محاكمات صورية، لا عقاب بسبب الرأي، ولا إعدامٍ يصبح بديلًا عن العدالة. تلك هي الدولة التي تستحق أن تُسمى دولة. أما الدولة التي تجعل من السجن جوابًا على السؤال، ومن المشنقة جوابًا على المعارضة، ومن الولاء معيارًا للحق، فسيظل السؤال يطاردها مهما طال الزمن: من الذي كان يدافع عن الوطن… ومن الذي كان يدافع عن السلطة؟ بقلم: سالم إسماعيل القطامي

 

«اللي ما يرضيش ربنا… هنقف معاه وندعمه»

وعدٌ فأوفى… ولكن لمن؟

بقلم: سالم إسماعيل القطامي

هناك عباراتٌ سياسية لا تحتاج إلى لجنة تحقيق لكي تكشف شيئًا من فلسفة أصحابها؛ يكفي أن تُقرأ كما قيلت، ثم تُقارن بما جرى على الأرض.

«اللي ما يرضيش ربنا هنقف معاه وندعمه»…
عبارةٌ تختصر، في دلالتها السياسية، مأساةَ منظومةٍ يصبح فيها الحليف أهم من الحق، والمصلحة أهم من المبدأ، والولاء أهم من الإنسان.

وهنا تبدأ الحكاية الساخرة: ليس المهم أن يرضى الله، المهم أن يرضى صاحب السلطة!

فإذا كان الحليف لا يرضي الله، فله الدعم؛ وإذا كان المعارض يطالب بالعدل والحرية، فله السجن؛ وإذا كان المواطن يرفع صوته احتجاجًا، فله قانونٌ استثنائي؛ وإذا انتهت كل الوسائل، فهناك دائمًا درجٌ آخر في ترسانة الدولة: حكم الإعدام.

وهذا ليس مجرد انطباع سياسي؛ فقد وثقت منظمات حقوقية دولية تصاعدًا حادًا في استخدام أحكام الإعدام والمحاكمات الجماعية في مصر منذ 2013. وذكرت هيومن رايتس ووتش أن مئات الأشخاص حُكم عليهم بالإعدام في قضايا مرتبطة بما وصفته السلطات بالعنف السياسي، وأن كثيرًا من هذه الأحكام صدر في محاكمات شابتها عيوب إجرائية خطيرة.

وفي عام 2019، وثقت المنظمة تنفيذ أحكام إعدام بحق 15 سجينًا على الأقل في ثلاث قضايا ذات خلفية سياسية، بينما أثار خبراء أمميون مخاوف بشأن إعدامات قالوا إنها استندت إلى أدلة يُزعم أنها انتُزعت بالتعذيب، وإلى محاكمات بدت لهم شديدة الخلل.

وفي أكتوبر 2020 وحده، وثقت هيومن رايتس ووتش تنفيذ 49 حكم إعدام خلال عشرة أيام، من بينهم 15 رجلًا أدينوا في ثلاث قضايا تتعلق بالعنف السياسي المزعوم.

ثم يأتي السؤال الذي لا تحب السلطة سماعه:

هل تحولت المشانق إلى جزء من أدوات إدارة الخلاف السياسي؟

لا أقول ذلك باعتباره حكمًا قضائيًا؛ وإنما أضع أمام القارئ وقائع موثقة وأسأله عن دلالتها.

فالدولة التي يفترض أن يكون القانون فيها ميزانًا للجميع لا يجوز أن يتحول فيها القانون إلى سيفٍ مسلط على رقاب الخصوم، ولا أن يصبح اختلاف المواطن مع السلطة سببًا يجعله ينتقل من خانة «المواطن» إلى خانة «المتهم»، ثم إلى خانة «المحكوم عليه»، ثم ربما إلى خانة لا عودة منها.

والأشد إثارة للسخرية أن الخطاب الرسمي يستطيع أن يتحدث عن الأمن والاستقرار ومحاربة الإرهاب، بينما تظل الأسئلة الكبرى قائمة حول ضمانات المحاكمة العادلة، واستقلال القضاء، ومزاعم التعذيب والاختفاء القسري. وقد وثقت هيومن رايتس ووتش استمرار هذه المخاوف في قضايا الإعدام ذات الطابع السياسي.

أما تاريخ مصر الحديث، فقد عرف بالفعل استخدام الإعدام والقمع السياسي في مراحل مختلفة؛ لكن المشكلة ليست في استدعاء التاريخ لإدانة حاضرٍ بعينه، بل في أن الدولة الحديثة يفترض أن تتعلم من تاريخها، لا أن تعيد إنتاج أسوأ أدواته.

فماذا بقي من شعار «دولة القانون» إذا كان القانون لا يظهر إلا عندما يحتاجه الأقوياء؟

وماذا بقي من «هيبة الدولة» إذا كانت الهيبة تُقاس بعدد السجناء والمحالين إلى المحاكمات الاستثنائية، بدلًا من احترام المواطن للقانون لأنه يراه عادلًا؟

والأكثر مفارقة أن بعض الأنظمة تتعامل مع المعارضة وكأنها مرضٌ معدٍ:
تبدأ بالاتهام، ثم التخوين، ثم الاعتقال، ثم المحاكمة، ثم يصمت الجميع عندما يُغلق الباب الأخير.

لكن التاريخ لا يصمت.

الذين يصدرون الأحكام يمضون، أما الأحكام نفسها فتبقى في كتب التاريخ.

والمشانق التي تُنصب للخصوم لا تستطيع أن تُعدم الذاكرة.

والمعتقلات لا تستطيع أن تسجن الحقيقة إلى الأبد.

ومن هنا، فإن «وعدٌ فأوفى» ينبغي ألا يكون وعدًا لحليفٍ سياسي، ولا شيكًا على بياض لسلطةٍ أو جيشٍ أو حزبٍ أو جماعة؛ بل يجب أن يكون وعد الدولة المصرية لكل مواطن:

لا قتل خارج القانون، لا تعذيب، لا اختفاء قسري، لا محاكمات صورية، لا عقاب بسبب الرأي، ولا إعدامٍ يصبح بديلًا عن العدالة.

تلك هي الدولة التي تستحق أن تُسمى دولة.

أما الدولة التي تجعل من السجن جوابًا على السؤال، ومن المشنقة جوابًا على المعارضة، ومن الولاء معيارًا للحق، فسيظل السؤال يطاردها مهما طال الزمن:

من الذي كان يدافع عن الوطن… ومن الذي كان يدافع عن السلطة؟

بقلم: سالم إسماعيل القطامي

Aucun commentaire:

ينتهك الحماية التي يكفلها التعديل الأول للدستور الأميركي لحرية الصحافة.

  قررت شبكات CBS وABC وNBC وFox وقف مشاركتها في التغطية التلفزيونية المشتركة لفعاليات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، احتجاجًا على استبعاد شبك...