المتحدث العكسري: شاحن تليفون غير مطابق للمواصفات هو الذي تسبب في الحريق الذي شب في سفينتي الغاز المسال بدمياط؟!!الربط بين "شاحن هاتف غير مطابق للمواصفات" وبين "حريق هائل يطال سفينتين للغاز المسال" يُثر في الشارع والمنابر الإعلامية موجة عارمة من الاستغراب والسخرية السياسية والتقنية، لما يحمله هذا التبرير من مفارقة صارخة بين حجم الكارثة وسببها المفترض.
فحين يتصل الأمر بمنشآت أو ناقلات غاز مسال (LNG)، فإننا نتحدث عن بيئات تُعد من الأكثر تحصيناً وتعقيداً في إجراءات السلامة على مستوى العالم.
## 1. المنطق الهندسي: هل يعقل أن يسقط صرح أمني بسبب "شاحن"؟
من الناحية التقنية والفنية المحض، هناك أسئلة علمية تجعل هذا التبرير محل شك كبير لدى المهندسين وخبراء السلامة البحرية:
مناطق الفحص والانفجار (ATEX Zones): سفن وموانئ الغاز المسال تقسم إلى مناطق خطر صارمة. يُحظر تماماً إدخال أو استخدام أي أجهزة كهربائية غير معتمدة أو غير مقاومة للانفجار (Explosion-Proof) في مناطق الشحن أو بالقرب من الغاز.
معادلة الحريق: الشاحن الكهربائي التالف قد ينتج شرارة صغيرة أو حرارة، لكن الشرارة وحدها لا تحدث حريقاً ضخماً أو انفجاراً في ناقلة غاز إلا إذا كان هناك تسرب غازي قائم بالفعل وتجمع للغاز في منطقة غير مهواة.
أنظمة الإطفاء الذاتي: المنشآت والسفن الحديثة مجهزة بأنظمة إشعار مبكر (Gas & Smoke Detectors) وأنظمة إطفاء تلقائي بالغازات الخاملة أو الرغوة. حتى لو نَشب حريق في كابينة مغلقة بسبب شاحن، فالأصل أن تُحاصر النيران وتُطفأ قبل أن تمتد إلى أجساد السفن أو عنابر الشحن.
## 2. سيكولوجية "الماس الكهربائي": التبرير التكتيكي الشائع
في كثير من الأزمات الكبرى في المنطقة، يُلاحظ ميل الروايات الرسمية لسلوك أقصر الطرق الجنائية عبر إرجاع أسباب الحرائق الضخمة إلى عوامل فردية أو طفيفة مثل (ماس كهربائي / شاحن مجهول المصدر / سيجارة).
إزاحة المسؤولية الهيكلية: إرجاع السبب لشاحن شخصي يزيح التهمة عن التقصير الإداري، غياب الصيانة، ضعف تدريب الكوادر، أو إهمال بروتوكولات الأمان العالمية.
إغلاق الملف جنائياً: التبرير بـ "خطأ فردي" أو "شاحن مغشوش" يسهل إغلاق التحقيقات دون تحميل جهات كبرى أو شركات مشغلة تعويضات مالية أو مسؤوليات قانونية ودولية باهظة.
## 3. التناقض الذي يطرحه الشارع
المفارقة الكبرى: إذا كان شاحن هاتف بقيمة زهيدة قادراً على اختراق منظومة أمان تكلف ملايين الدولارات، وتسبب في إشعال النيران في سفينتين للغاز المسال في آن واحد، فإن الكارثة الحقيقية ليست في "الشاحن"، بل في انهيار منظومة الأمان والرقابة بأكملها التي سمحت لهذا الشاحن بأن يحول موقعاً استراتيجياً إلى ساحة اشتعال.
القصة لا تكمن في صوابية التقرير من عدمه، بل في أزمة الثقة بين السردية الرسمية والرأي العام؛ فالشارع لم يعد يتقبل تبسيط الكوارث الضخمة واستغفال العقول، بل يرى في هذه المبررات محاولة لتغطية خيارات إدارية وأمنية فاشلة كادت أن تؤدي إلى كارثة بيئية واقتصادية لا تُحمد عقباها.
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire