خلف كواليس الرمز والملعب: تفكيك خيوط الهيمنة من بوينس آيرس إلى أروقة "الفيفا"
بقلم: سالم القطامي
في عالم السياسة الدولية، لا توجد مصادفات، ولا تُترك التفاصيل العابرة لعوامل الحظ. إن قراءة المشهد العالمي بعيون فاحصة تتطلب ما هو أكثر من مجرد متابعة الأخبار السطحية؛ تتطلب الغوص في دلالات الرموز، ونبش جذور التاريخ السياسي، وتتبع خيوط المؤامرات التي تُحاك في الغرف المغلقة لإدارة مؤسسات دولية كبرى تحكم عقول ومشاعر الملايين، وعلى رأسها إمبراطورية كرة القدم العالمية (الفيفا).
## دلالات الرمز والامتداد التاريخي
عندما نتأمل خريطة التحالفات والرموز السياسية، نجد أن الإشارات الموحية تتجاوز الحدود الجغرافية:
هندسة الرايات والتشابه البصري: إن التدقيق في بنية بعض الأعلام والرموز الدولية، كالعلم الأرجنتيني بخطوطه وزرقته، يفتح الباب أمام قراءات سيميائية تلمح إلى تقاطعات وتشابهات مع دلالات بصرية لرايات أخرى ارتبطت بكيانات زرعت الهيمنة في المنطقة العربية. الرموز في السياسة ليست مجرد ألوان، بل هي أحياناً تعبير غير مباشر عن تقارب في التوجهات أو المسارات.
جذور الانحياز السياسي: إذا فتشنا في تاريخ الحكم والتحولات السياسية في الأرجنتين، نجد في محطات عديدة مواقف وأنظمة تعاقبت أبدت انحيازاً واضحاً وصريحاً للمعسكر الغربي وللّوبيات الصهيونية. هذا الانحياز ليس وليد اللحظة، بل تمتد جذوره في عمق بنية النخبة السياسية التي رأت في التقرّب من قوى الهيمنة الدولية سبيلاً لتأمين مصالحها، حتى لو جاء ذلك على حساب قضايا الشعوب العادلة وعلى رأسها القضية الفلسطينية.
## الانقلاب الكبير في الفيفا: من هندس الإطاحة ببلاتر وبلاتيني؟
لم تكن قضايا الفساد التي هزت أركان الاتحاد الدولي لكرة القدم قبل سنوات مجرد حملة لتطهير الرياضة، بل كانت في جوهرها تصفية حسابات جيوسياسية كبرى لإعادة صياغة قيادة اللعبة الأكثر شعبية في العالم:
الوشاية الممنهجة: إن تتبع الجهات والشبكات التي قادت ملفات الوشاية وسرّعت من وتيرة الإطاحة برئيس الفيفا السابق جوزيف بلاتر، ورئيس الاتحاد الأوروبي الأسبق ميشيل بلاتيني، يكشف عن بصمات واضحة لأجهزة ولوبيات دولية متصهينة. كان الهدف هو معاقبة القيادات القديمة التي لم تكن تبدي مرونة كافية مع بعض الإملاءات السياسية والتجارية الدولية.
صناعة الواجهة الجديدة: هندسة هذه الإطاحة كانت تهدف بالأساس إلى إخلاء الساحة بالكامل لتهيئة الأجواء ل صعود جياني إنفانتينو. لقد جيء بالقيادة الحالية لتكون أكثر طواعية واستجابة لمراكز النفوذ الكبرى، ولتحويل الفيفا إلى أداة تخدم الأجندات السياسية الدولية، وتمرر مشاريع التطبيع الرياضي، وتضمن إقصاء أو معاقبة أي صوت حر يجرؤ على استخدام منصة الرياضة للدفاع عن الحقوق العربية.
## إسقاط الأقنعة ضرورة للمواجهة
إن الربط بين مواقف الدول السياسية وبين ما يحدث خلف كواليس المؤسسات الرياضية ليس ترفاً تحليلياً، بل هو جوهر فهم آليات السيطرة العالمية.
إن ما يجري اليوم من انحيازات فاضحة داخل الملاعب، وتمرير لقرارات تخدم قوى الهيمنة، هو نتاج طبيعي لهذا التغلغل الممنهج. لن يستعيد العالم، ولا الرياضة، عدالة حقيقية أو سلاماً قائماً على الإنصاف طالما بقيت هذه الخيوط الخفية تدير المشهد من وراء الستار، وتوظف كل شيء—من السياسة إلى الرياضة—لتثبيت نفوذ الكيان وحلفائه وتغييب وعي الشعوب.
سالم القطامي
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire