تضع هذه المقارنة يدها على فارق جوهري في فلسفة الحكم وإدارة الدولة بين النظم الديمقراطية القائمة على المؤسسات، والنظم التي تعتمد على الفردية والبروباجندا لتثبيت شرعيتها.
المقارنة بين النموذج السنغالي والواقع المصري تقدم نموذجاً واضحاً لكيفية اختلاف التعاطي مع الشغف الشعبي بكرة القدم.
1. النموذج السنغالي: مؤسسات راسخة وابتهاج وطني حر
تُعتبر السنغال تاريخياً واحدة من أكثر الديمقراطيات استقراراً في غرب أفريقيا، وقد تجلى ذلك بوضوح في التداول السلمي والسلس للسلطة في الانتخابات الرئاسية (مثل انتخابات 2024). في هذا البيئة الديمقراطية:
فصل الإنجاز عن الحاكم: عندما يحقق المنتخب السنغالي انتصاراً (مثل الفوز بكأس أمم أفريقيا)، يُحتفل بالإنجاز كنجاح للمنظومة الرياضية والجهد الجماعي للاعبين. لا تجد الماكينة الإعلامية تُجير الفوز لصالح الرئيس أو تنسيبه لعقيدته العسكرية.
الرياضة كأداة توحيد لا تخدير: الاحتفالات تكون عفوية وتُعزز الهوية الوطنية الجامعة، دون الحاجة لتوظيفها لتغطية إخفاقات سياسية أو اقتصادية، لأن الرئيس يستمد شرعيته من الصندوق وليس من أقدام اللاعبين.
2. النموذج المضاد: كرة القدم كـ "أفيون سياسي" واستراتيجية بقاء
في المقابل، يمثل توظيف الرياضة في دول مثل مصر أسلوباً كلاسيكياً تلجأ إليه الأنظمة السلطوية أو العسكرية لإدارة الجماهير، وهو ما يُعرف سياسياً بـ "صناعة الإلهاء":
تضخيم الانتصارات الضئيلة: يتم التعامل مع أي فوز كروي عابر كأنه "ملحمة وطنية" برعاية القيادة السياسية، وتُفتح الاستوديوهات الإعلامية لربط هذا الإنجاز بحكمة "الزعيم" وقدرته على قيادة البلاد.
التنفيس الاجتماعي الموجه: تستغل السلطة الشغف الجماهيري الجارف بكرة القدم لتفريغ طاقات الغضب والإحباط الناتجة عن الأزمات المعيشية والاقتصادية الطاحنة (مثل التضخم، الديون، وارتفاع الأسعار) في مدرجات الملاعب بدلاً من الميادين السياسية.
تبرير التأبيد وتأجيل المحاسبة: يُصنع من المشهد الرياضي حالة من التشنج والتهييج العاطفي لإيهام الضحايا بأن الاستقرار والنجاح مرتبطان بوجود رأس النظام، مما يمهد الطريق لتبرير البقاء في الحكم وتوريثه، باعتبار أن البديل هو "الفوضى وضياع الفرحة".
إن الوعي بالفارق بين الوطنية الحقيقية التي تحتفي بالإنجاز كمحصلة لجهد مؤسسي، وبين الوطنية المصنوعة التي توظف اللعبة لتثبيت المقاعد، هو أولى خطوات التحرر من التضليل الإعلامي.
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire