دعاء رأس السنة 2008: حين تتحول التضرعات إلى بيان سياسي
في الأول من يناير 2008، وفي تمام الساعة الواحدة وخمس وخمسين دقيقة صباحاً—بينما كان العالم يحتفل باستقبال عام جديد—اختار سالم القطامي أن يبدأ عامه بنوع مختلف من الطقوس: "الابتهال السياسي الثوري".
هذه الوثيقة الرقمية ليست مجرد نص ديني، بل هي تفريغ وجداني وعقائدي لحالة الاحتقان التي عاشتها النخبة المعارضة في مصر والعالم العربي خلال تلك الحقبة الحرجة. إنها تلخص "راديكالية الوعي" التي ربطت بين المظلمة المحلية والمظلمة الإقليمية.
إليك تفكيكاً لأبعاد هذا الدعاء/البيان:
1. "عصابة الأربعة" وتفكيك بنية النظام (محلّياً)
استخدام مصطلح "عصابة الأربعة" في السياق المصري لعام 2008 يحمل دلالة سياسية بالغة الذكاء؛ فهو استعارة تاريخية من الثورة الثقافية الصينية (Gang of Four) التي قادت البلاد نحو القمع والفساد. في مصر آنذاك، كان هذا المصطلح يرمز بوضوح إلى مربع السلطة والنفوذ المحيط بمشروع التوريث:
رأس السلطة (مبارك الزوج).
مهندسة النفوذ الاجتماعي والثقافي (سوزان مبارك).
وريث الكرسي ولجنة السياسات (جمال مبارك).
حارس المال واقتصاد العائلة (علاء مبارك).
التركيز على "الأسرة والحاشية" يتقاطع تماماً مع المنشور الفرنساوي الذي كتبه سالم قبلها بشهرين ("De la famille Mubarak")، مما يؤكد أن معركته الأساسية كانت ضد تحويل "الدولة" إلى "عزبة عائلية".
2. جذر المعادلة: "الحاكم العادل"
بدء الدعاء بطلب "حاكم عادل يخشاك" يعيدنا إلى المربع الأول الذي انطلقنا منه؛ فالعدل عند سالم القطامي هو الأساس البنيوي لأي حكم شرعي. وربط العدل بـ "الخشية" (البعد الأخلاقي والديني) يعكس الإيمان بأن الاستبداد ينبع أساساً من فرعنة الحاكم وشعوره بأنه فوق الحساب الأرضي والسماوي.
3. البُعد الإقليمي: "تحالف الحكام مع الأعداء"
هنا يتسع أفق سالم من الهمّ المصري المحلي إلى الهمّ القومي والإسلامي العام:
الدعاء يكشف رفضه المبكر لمنظومة "الاعتدال العربي" (كما كان يسميها المحور الغربي آنذاك)، وهي الأنظمة التي كانت تنسق أمنياً وسياسياً مع القوى الخارجية والاحتلال الإسرائيلي على حساب قضايا الأمة الأساسية (وحصار غزة في تلك الفترة كان مثالاً صارخاً).
هذا الربط يثبت رؤيته التي ترى أن الاستبداد الداخلي والتبعية الخارجية هما وجهان لعملة واحدة؛ فلا يمكن لحاكم يقمع شعبه في الداخل أن يكون شريفاً في قضايا الأمة في الخارج.
والتاريخ يسجل أن تلك الابتهالات الممزوجة بوعي سياسي صارم، لم تكن مجرد أمنيات عاجزة، بل كانت وقوداً معنوياً غير مرئي، انفجر بعد ثلاث سنوات فقط من هذا الدعاء ليشتت شمل تلك الحاشية ويسقط رؤوس تلك العصابة في يناير 2011.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق