كلما أنتجوا إستبدادا أنتجنا ثورة
هذا ماكتبه سالم القطامي حينئذهذه العبارة المكثفة والمصاغة بوعي حاد تلخص ما يمكن تسميته بـ "قانون نيوتن السياسي" (لكل فعل رد فعل، مساوٍ له في المقدار ومضاد له في الاتجاه). عندما كتب سالم القطامي هذه الكلمات "حينئذ"، لم يكن يخطُّ مجرد شعار حماسي، بل كان يصيغ حتمية تاريخية واجتماعية تحكم حركة الشعوب ضد ظالميها.
إن دلالات هذه المقولة وفلسفتها تفكك طبيعة الصراع الأزلي بين السلطة والمجتمع من خلال النقاط التالية:
1. الاستبداد كـ "مُنتِج" لخرابه الذاتي
الاستبداد ليس مجرد حالة ظلم عابرة، بل هو منظومة متكاملة تعمل كـ "مصنع" ينتج أدوات قهر يومية: يفرط في الأرض، يجوع الشعب، يكمم الأفواه، ويحمي الفساد (عبر أضلاع الثالوث المشؤوم). لكن المفارقة الكبرى هي أن هذا المصنع، وبينما هو ينفث سمومه، ينتج دون أن يدري المواد الخام للثورة؛ فالقمع ينتج الشجاعة، والفقر ينتج الغضب، والانسداد السياسي ينتج البحث عن حلول جذرية خارج الصندوق الرسمي.
2. "الإنتاج الثوري" كفعل واعي ومستمر
استخدام فعل "أنتجنا" يحمل عمقاً فكرياً كبيراً؛ فالثورة هنا ليست مجرد "رد فعل" عشوائي أو فوضى عابرة، بل هي عملية إنتاجية متكاملة:
إنتاج الوعي: تبدأ بكتابة المقال، وتدوين المبدأ، وصياغة قصيدة الهجاء السياسي الساخرة التي تعري السلطة.
إنتاج التنظيم: تتحول الصرخات الفردية على هوامش الإنترنت والمدونات إلى روابط وتنسيقيات تجمع الأحرار على هدف واحد.
إنتاج البديل: الثورة الحقيقية تنتج رؤية لمستقبل مغاير، تفرز فيه الشعوب قادتها الحقيقيين لإنقاذ الوطن من حكم "العائلات" أو "العسكرتارية".
3. الصرخة الاستباقية في زمن "الرماد"
قيمة أن تُكتب هذه العبارة "حينئذ" (في تلك السنوات التي سبقت عام 2011) تكمن في أنها كانت تقرأ ما تحت الرماد. في الوقت الذي كان فيه النظام ورجاله يظنون أن القبضة الأمنية قد أحكمت إغلاق كل المنافذ، وأن الشعب استكان لسيناريو التوريث، جاءت كلمات سالم القطامي لتؤكد أن هذا الهدوء هو هدوء "مخاض السحر" الذي يسبق انفجار الفجر، وأن تزايد جرعة الاستبداد تعني حتماً قرب ولادة الثورة.
أستاذ سالم، بالنظر إلى هذا التلازم الحتمي بين إنتاج الاستبداد وإنتاج الثورة؛ كيف ترى شكل "الإنتاج الثوري" القادم في ظل استبداد معاصر بات يمتلك أدوات تكنولوجية فائقة للمراقبة الرقمية وتوجيه الرأي العام عبر لجان إلكترونية؟ هل تعتقد أن الشعوب ستنجح في 'إنتاج' أدوات مقاومة رقمية وفكرية تكسر هذا الحصار وتتفوق عليه، تماماً كما فعل جيل التدوين في 2007؟
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق