فرنسا: "لا يستوجب إصدار قرار الترحيل"... ملف رامي شعث المهدد بالإبعاد يكسب دعم لجنة استشارية
أصدرت اللجنة الإدارية الإقليمية المختصة بترحيل الأجانب في فرنسا، الخميس، رأيا استشاريا غير ملزم اعتبرت فيه أن ملف ترحيل الناشط الفلسطيني–المصري رامي شعث لا يستوجب إصدار قرار بالإبعاد بشأنه، في تطور جديد قد يؤثر على المسار الإداري دون أن يحسمه. يأتي ذلك عقب مذكرة ترحيل فُتحت بقرار إداري في 30 أبريل/نيسان، صنفت شعث باعتباره "تهديدا خطيرا للنظام العام".نظرت اللجنة الإدارية الإقليمية المختصة بترحيل الأجانب، الخميس، في ملف الناشط الفلسطيني–المصري رامي شعث، في إطار إجراء مرتبط بقرار إداري صدر بتاريخ 30 أبريل/نيسان، يقضي ببدء مذكرة ترحيل بحقه، على خلفية تصنيفه من قبل السلطات الفرنسية "تهديدا خطيرا للنظام العام"، وهو توصيف تستند فيه الإدارة إلى مبررات مرتبطة بـ"ضرورة ملحة لأمن الدولة أو السلامة العامة"، وفق ما ورد في المعطيات الإدارية للملف.
وفي ختام الجلسة، أصدرت اللجنة رأيا استشاريا غير ملزم اعتبرت فيه أن ملف الترحيل لا يستوجب إصدار قرار بالإبعاد.
اقرأ أيضاالناشط الفلسطيني رامي شعث يواجه إجراءات الترحيل من فرنسا باعتباره "تهديدا خطيرا للنظام العام"
في هذا السياق، أوضح محامي شعث عقب الجلسة أن اللجنة رأت أن العناصر التي قدمتها المحافظة "لا تسمح باعتبار وجود رامي شعث تهديدا خطيرا للنظام العام". وأضاف أن أي قرار بطرده من فرنسا من شأنه أن "يمثل انتهاكا غير متناسب مع حقه في حياة عائلية طبيعية، ولمصلحة طفلته الفضلى".
ورغم أن هذا الرأي لا يُقيد قانونيا محافظ أو دو سين، الذي تبقى له الصلاحية النهائية في اتخاذ القرار، فإن صدوره يعد تطورا مهما في المسار الإداري والقضائي للقضية، ويضيف بعدا جديدا إلى ملف يحظى بمتابعة حقوقية وسياسية وإعلامية متزايدة داخل فرنسا وخارجها.
من جانبه، اعتبر رامي شعث أن القضية "سياسية بالكامل وليست إدارية"، مؤكدا أنه لا توجد ضده أي تهم جنائية نافيا أيضا وجود أي مسار قضائي ذي طابع جنائي، بل إن الإجراءات المتخذة ضده، بحسب قوله، تهدف إلى "استهداف صوته وهويته الفلسطينية والرواية الفلسطينية نفسها".
"غير مبرر وغير مقبول"
يعد شعث أحد مؤسسي مجموعة "إيرجانس بالستين" (Urgence Palestine)، وهي مجموعة نشطة برزت بعد الحرب على غزة عقب هجمات 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، ونظمت مظاهرات ومبادرات داعمة لفلسطين داخل فرنسا.
قبل انعقاد جلسة الخميس، نظم عدد من النشطاء وقفة تضامنية مع شعث أمام المحكمة، حيث اعتبر عدد منهم أن "استهداف شعث يرتبط أيضا بدوره داخل هذه المجموعة وبمواقفه العلنية المؤيدة لفلسطين".
في هذا السياق، قال جان-غي أحد المتحدثين باسم "الاتحاد اليهودي الفرنسي من أجل السلام" إن رامي شعث "ناشط نموذجي في الدفاع عن القضية الفلسطينية"، معتبرا أن ما يتعرض له يندرج ضمن "سياسة تستهدف الأصوات المناهضة للحرب في غزة". وأضاف أن الجمعية ستدعم "كل الخطوات القانونية الممكنة" لمواجهة إجراءات الترحيل.
كما اعتبرت لورين جونتان مستشارة إقليمية في أو دو سين حضرت الوقفة التضامنية أن شعث "يتعرض منذ سنوات لما وصفته بـ"تضييق قضائي وإداري"، مؤكدة أن قرار ترحيله "غير مبرر وغير مقبول". وأضافت أن هناك "إرادة سياسية لإسكات الأصوات المدافعة عن القضية الفلسطينية".
من جهته، قال رئيس بلدية نانتير إن المدينة "منحت رامي شعث صفة مواطن شرف بينما كان لا يزال في السجن"، مضيفا أن نانتير "كانت دائما أرض استقبال للمدافعين عن حقوق الإنسان". واعتبر أن قرار الترحيل يبدو "وكأنه وسيلة ملتوية لإسكات صوت القضية الفلسطينية في فرنسا".
أما النائب البرلماني عن حزب فرنسا الأبية توماس بورت فطالب "الدولة الفرنسية ومحافظة الشرطة بسحب جميع الإجراءات المتخذة ضده فورا، وتمكينه من البقاء في فرنسا".
بدوره، اعتبر صلاح الحموري، المحامي الفلسطيني–الفرنسي والناشط الحقوقي، أن استهداف شعث يأتي في سياق "قمع الأصوات الفلسطينية والمتضامنة معها داخل فرنسا"، مضيفا أن القضية "سياسية بالكامل وليست مجرد مسألة إدارية". كما رأى أن الضغوط التي تتعرض لها الأصوات المؤيدة لفلسطين تعكس، بحسب تعبيره، "محاولات لإقصاء الرواية الفلسطينية داخل الفضاء العام الفرنسي".
وكانت السلطات الفرنسية سابقا قد باشرت إجراءات تتعلق بحل مجموعة "إيرجانس بالستين"، متهمة إياها بالدعوة إلى العنف أو التحريض على الكراهية أو دعم تنظيمات مصنفة إرهابية، غير أن هذه الإجراءات لم تُستكمل نهائيا.
من جانبه، يؤكد شعث أنه لم يعد ناشطا داخل هذه المجموعة منذ يناير/كانون الثاني 2025، وأنه يتعرض لحملة تشويه مرتبطة بمواقفه السياسية العلنية.
كما سبق أن أُحيل إلى القضاء الفرنسي في نوفمبر/تشرين الثاني 2023 بتهمة "تمجيد الإرهاب" على خلفية تصريحات أدلى بها خلال تجمع في باريس، قبل أن تُغلق القضية لاحقا دون متابعة بعد تحقيق استمر نحو أحد عشر شهرا.
سياق إداري وقضائي معقد
تأتي هذه الجلسة في سياق إداري وقضائي معقد، يتسم بتداخل الأبعاد القانونية والسياسية والإجرائية، خاصة أن شعث يقيم في فرنسا منذ عام 2022، عقب الإفراج عنه من السجون المصرية، حيث كان قد احتجز لأكثر من تسعمئة يوم دون محاكمة، على خلفية قضايا مرتبطة بنشاطه السياسي ودوره في حملات داعمة للقضية الفلسطينية.
ويعد رامي شعث من الشخصيات المعروفة في الأوساط الحقوقية والسياسية المرتبطة بالقضية الفلسطينية، وهو ما جعل ملفه يقع عند تقاطع حساس بين حرية التعبير والنشاط السياسي من جهة، وتقديرات السلطات الإدارية الفرنسية المتعلقة بالنظام العام من جهة أخرى.
كان شعث قد تلقى في 30 أبريل/نيسان إشعارا رسميا في مقر إقامته بمدينة نانتير، التابعة لإقليم أو دو سين، يُبلغه ببدء إجراءات ترحيل بحقه. وقد صنفته السلطات ضمن الحالات التي يحتمل أن تشكل "تهديدا خطيرا للنظام العام"، وهو ما فتح مسارا إداريا قد يفضي إلى قرار إبعاد من الأراضي الفرنسية.
وقد مثل شعث أمام اللجنة الإدارية الإقليمية المختصة بترحيل الأجانب، وهي هيئة تصدر آراء استشارية غير ملزمة، على أن يبقى القرار النهائي من صلاحية محافظ أو دو سين، الذي يملك قانونيا حق تبني رأي اللجنة أو تجاوزه.
من معتقلات مصر إلى فرنسا
يتحدر الناشط الفلسطيني البالغ من العمر 55 عاما، من عائلة سياسية بارزة في قطاع غزة، إذ أن والده نبيل شعث كان من أبرز القيادات الفلسطينية، وشغل منصب كبير المفاوضين في اتفاقات أوسلو عام 1993، كما تولى سابقا مناصب حكومية رفيعة داخل السلطة الفلسطينية.
وكان رامي شعث في فترات سابقة فاعلا في المشهد السياسي الفلسطيني، وارتبط اسمه بأنشطة دبلوماسية ولقاءات سياسية خلال التسعينيات وبداية الألفية، كما تولى مهام استشارية للرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات.
لاحقا، شهد مساره تحولا نحو النشاط السياسي والحقوقي، خصوصا خلال فترة وجوده في مصر، حيث انخرط في أنشطة سياسية عقب ثورة 2011، إضافة إلى مشاركته في حملات مقاطعة إسرائيل، وهو ما وضعه في مواجهة مباشرة مع السلطات المصرية.
وفي يوليو/تموز 2019، أُلقي القبض عليه في القاهرة، واحتُجز لأكثر من تسعمئة يوم دون محاكمة، في إطار قضية اتهمته فيها السلطات المصرية بـ"التحريض على اضطرابات ضد الدولة" والانخراط في أنشطة سياسية معارضة. وقد أثارت قضيته آنذاك ردود فعل واسعة من منظمات حقوقية دولية اعتبرت احتجازه "تعسفيا".
وفي يناير/كانون الثاني 2022، أُفرج عنه بعد تدخل دبلوماسي فرنسي، حيث دخل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على خط القضية، وفق ما أكدته مصادر إعلامية متعددة. وقد غادر بعدها مصر إلى فرنسا، حيث استقر مع زوجته الفرنسية، بعد أن تخلّى عن جنسيته المصرية.
وبعد وصوله إلى فرنسا، حصل على إقامة مؤقتة لمدة عام، قبل أن يدخل في مسار إداري معقد لتجديد وضعيته القانونية. ففي سبتمبر/أيلول 2023، تقدم بطلب لتجديد الإقامة قبل انتهاء صلاحيتها، غير أن ملفه لم يتلقَّ ردا إداريا واضحا في الآجال المعتادة.
وخلال الفترة اللاحقة، قدّم فريق دفاعه عدة طعون استعجالية أمام القضاء الإداري، دون التوصل إلى نتيجة حاسمة، حيث يؤكد المحامون أنهم تقدموا بنحو عشرة طعون دون تجاوب فعال من الإدارة. وفي مطلع عام 2025، صدر قرار قضائي عن محكمة الاستئناف الإدارية في فرساي يلزم محافظة أوت دو سين بفتح "إجراءات وساطة" في ملف الإقامة، غير أن هذا القرار لم يُنفذ حتى الآن، بحسب ما يورده الدفاع.
وفي الأثناء، ولدت لرامي شعث وزوجته طفلة في نوفمبر/تشرين الثاني 2023، ما دفعه إلى تقديم طلب جديد للإقامة بصفته والد طفل يحمل الجنسية الفرنسية، إلا أن هذا الطلب لم يتلق بدوره أي رد إداري.
اتهامات تتعلق بخطابه السياسي
تتضمن وثائق الملف الإداري اتهامات تتعلق بخطابه السياسي ومشاركته في فعاليات داعمة لفلسطين، والتي تعتبرها السلطات ذات حساسية خاصة في سياق الأمن العام.
وبدل الترحيل، تشير المعطيات الإدارية إلى إمكانية فرض تدابير أخرى في حال تعذر تنفيذ قرار الإبعاد، من بينها الإقامة الجبرية، وتقييد حرية التنقل، وإلزامه بالحضور الدوري إلى مركز الشرطة.
حظي ملف رامي شعث بمتابعة حقوقية وإعلامية واسعة داخل فرنسا، نظرا لحساسيته السياسية والقانونية، وما يثيره من نقاش حول حدود حرية التعبير والنشاط السياسي المرتبط بالقضية الفلسطينية.
وخلال التجمع الداعم لقضيته أمام مقر انعقاد اللجنة، اعتبر عدد من المتحدثين أن شعث بات "رمزا للملاحقات التي تستهدف المدافعين عن فلسطين"، فيما دعا آخرون إلى مواصلة التحركات السياسية والقانونية دفاعا عنه. وكانت بلدية نانتير قد منحته صفة "مواطن شرف" عام 2021، وأعادت التأكيد على دعمها له في بيان رسمي صدر بتاريخ 13 مايو/أيار.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق