"فيورد" يكشف طغيان الأيديولوجيا على الطفولة في كان
أوروبا الجديدة ترتاب من نفسها أمام كاميرا الروماني كريستيان مونجيو

زوجان تحقق الدولة معهما حول العنف العائلي في "فيورد" (ملف الفيلم)
ملخص
بعد نحو عقدين على انطلاقته المدوية، مع فيلم "أربعة أشهر، ثلاثة أسابيع ويومان" الذي نال عنه "السعفة الذهبية"، يعود المخرج الروماني كريستيان مونجيو لمسابقة مهرجان كان السينمائي (12 - 23 مايو - أيار) مع جديده "فيورد".
"فيورد" هو أول فيلم يصوره كريستيان مونجيو خارج بلاده، فهو يضع كاميراه في بقعة بعيدة من مسقطه، إحدى القرى النرويجية، ويستعين أيضاً بممثلين نرويجيين يتحدثون بلغتهم. الفيلم الذي نال استحسان النقاد ودخل دائرة أوفر الأفلام حظاً لنيل "السعفة" هو عن عائلة تواجه الدولة بسبب حادثة، بقدر ما هو عن أوروبا وهي ترتاب من نفسها. فالقضية التي ينطلق منها، تبدو في ظاهرها مجرد حادثة اجتماعية وقانونية، أطفال يُنتزعون من ذويهم بعد شبهات تتعلق بالعنف الأسري. لكن مونجيو، كعادته وببراعته المعهودة، لا يهتم بالحادثة من أجل الحادثة، ولكن لما تكشف عنه من انقسامات داخل المجتمعات الحديثة التي تقدم نفسها كذروة العقلانية والتقدم الأخلاقي.
منذ أفلامه الأولى، اشتغل مونجيو، البالغ من العمر 58 سنة، على السلطة التي تتحول إلى جهاز يرى البشر من برجها العاجي، كأنهم ملفات أو حالات تحتاج إلى ضبط، غير أن السلطة هنا لم تعُد شيوعية كما في "أربعة أشهر، ثلاثة أسابيع ويومان"، ولا تأتي بوجه ديكتاتوري فج، وإنما ترتدي قناعاً أكثر نعومة، دولة رفاه اسكندينافية تؤمن بأنها تعرف مصلحة الأطفال أكثر من ذويهم.
العائلة التي تدور حولها القضية مؤلفة من زوج روماني (سيباستيان ستان) وزوجة نرويجية (ريناته رينسفه) مع أطفالهما الخمسة. الأب والأم مسيحيان متدينان، منغلقان نسبياً على ذاتهما، ويعيشان وفق نظام أخلاقي صارم يجعلهما يبدوان غريبين داخل مجتمع اسكندينافي يقوم على الفردانية والتحرر من المرجعيات الدينية التقليدية. لكن الفيلم لا يقدم هذه الغرابة كاتهام، وإنما كعلامة على تصادم رؤيتين للعالم داخل الاتحاد الأوروبي نفسه.
كل شيء يبدأ من آثار كدمات على أحد الأطفال الخمسة. مجرد تفصيل صغير يكفي كي تتحرك آلة الدولة بأكملها، مدرسون ومتخصصون اجتماعيون وقضاة وخبراء نفسانيون. فجأة، تصبح الأسرة موضع اشتباه… هل لأنها لا تشبه النموذج الاجتماعي السائد؟ قد يكون ذلك أحد الأسباب.
تتطور القضية وتأخذ أبعاداً ثقافية ودينية، ومن خلال ملابساتها، نكتشف الكيفية التي تتحول عبرها الاختلافات إلى مؤشرات خطر داخل المجتمعات الغربية المعاصرة. ولكن هذا ليس السؤال الوحيد الذي يطرحه الفيلم الغني جداً بالتأويلات، إذ إنه يفتح باب النقاش على مصراعيه واسعاً.
مونجيو يعي جيداً الطابع السجالي لفيلمه، فهو قال خلال المؤتمر الصحافي "يجب أن تبقى السينما مثيرة للجدال. أعتقد بأننا بدأنا، في عالم السينما، نفقد قليلاً حرية التعبير. هناك عدد كبير جداً من الأفلام المصقولة التي تؤكد لك أن أيديولوجيا اليوم هي الأيديولوجيا الصحيحة، وهذا ليس ما ينبغي أن تكون عليه السينما".
في هذا الفيلم، لا يختار مونجيو معسكره، إنه يرينا وحسب، لا أكثر ولا أقل. لكنه يحرص على الإحاطة بالموضوع من كل الأطراف. فلا توجد براءة كاملة، ولا إدانة مطلقة. الوالدان ليسا ضحايا، لكنهما ليسا جلادين كذلك. والدولة ليست شريرة بالمعنى التقليدي، لكنها مقتنعة تماماً بأن من حقها التدخل في أدق تفاصيل الحياة الخاصة باسم الحماية والرعاية. هكذا، يتحول الفيلم تدريجاً إلى تشريح لفكرة "الخير المؤسسي" الذي يمارس بضمير مرتاح، لأنه يستند إلى القانون والأخلاق والخبرة العلمية. وهناك شعور خانق في الفيلم بأن الفرد بات عاجزاً أمام جهاز إداري ضخم لا يمكن التفاهم معه. وهذا يترجم من خلال الكاميرا التي تراقب من مسافة، والحوارات الطويلة والمتوترة، والطبيعة النرويجية المغطاة بالثلوج التي تبث الإحساس بالعزلة.
يلمّح الفيلم أيضاً إلى أخطار الخطاب العائلي المحافظ حين يتحول الأطفال إلى امتداد لسلطة الأهل وقناعاتهم الدينية. في المحصلة، الجميع يتكلم باسم الأطفال، لكن الأطفال أنفسهم يكادون يختفون وسط هذا الصراع الأيديولوجي. يصبحون مادة قانونية وأخلاقية أكثر من كونهم كائنات حية لها رغباتها ومخاوفها. نرى إرادتهم وقد سُلِبت منهم.
مباشر: جائزة السعفة الذهبية تمنح لفيلم "فيورد" للمخرج الروماني كريستيان مونجيو
مهرجان كان يمنح السعفة الذهبية لفيلم "فيورد" للمخرج الروماني كريستيان مونجيو. وهكذا يسدل الستار على فعاليات الدورة التاسعة والسبعين من مهرجان كان السينمائي الذي شهد حضورا لافتا لنخبة من أبرز نجوم السينما العالمية، بعد منافسة حظيت بتنوع كبير لمواضيع الأفلام العديدة المشاركة. تابعوا تغطيتنا المباشرة...

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق