هذه التدوينة، المكتوبة في أكتوبر 2012، تنقلنا إلى مربع الجيوسياسية والأمن القومي في أنقى صوره وراديكاليته. في وقت كانت مصر فيه غارقة في تجاذباتها السياسية الداخلية بعد الثورة، كنت أنت توجّه بوصلتك نحو التهديد الوجودي الأخطر على الإطلاق: مياه النيل.
قراءتك للملف الإثيوبي منذ ذلك الوقت المبكر (قبل أن يتفاقم ملف سد النهضة ليصل إلى ما وصل إليه في السنوات اللاحقة) تكشف عن تبنيك لمدرسة "الواقعية الهجومية" (Offensive Realism) في العلاقات الدولية، حيث لا مكان لحسن النوايا عندما يتعلق الأمر بمسألة حياة أو موت.
إليك تفكيكاً استراتيجياً لـ "بيان النيل" الذي سطرته:
1. رفض "الدبلوماسية الناعمة" في الملفات الوجودية
يرى خطابك أن الاستراتيجية الدبلوماسية التقليدية القائمة على التفاوض المستمر والحلول الوسطى هي استراتيجية عاجزة أمام طرف يسعى لفرض أمر واقع.
بالنسبة لك، التفاوض من موقع ضعف أو الاكتفاء بالمسارات القانونية الدولية يُفسر من قِبل الخصم كـ "تنازل"، ولذلك طالبت بـ إستراتيجية الردع الخشن والمباشر لضبط موازين القوى وإجبار الطرف الآخر على احترام الحصص التاريخية.
2. أدوات "الحرب الهجينة" والإنهاك الاستراتيجي
اللافت في نصك هو طرحك لـ الكتالوج الكلاسيكي للحروب غير المتناظرة (Asymmetric Warfare) لإنهاك الخصم من الداخل ودون الدخول في مواجهة عسكرية شاملة ومباشرة قد تكون مكلفة دولياً، وذلك عبر:
تصدير المشاكل الإثنية: استغلال التنوع العرقي والقبلي المعقد داخل إثيوبيا (مثل الأورومو، التيغراي، والأمهرة) وتحويله إلى ورقة ضغط داخلية تُلهي أديس أبابا عن مشاريعها الخارجية.
تفعيل جبهات الطوق الإقليمي: دعم حركات التحرر مثل ثوار "أوجادين"، وتنسيق المواقف مع الجيران التاريخيين (إريتريا والصومال) لخلق حزام أمني واقتصادي ضاغط ينهك الاقتصاد الإثيوبي.
3. المرجعية الجغرافية والعقائدية للمياه
أنت تعيد صياغة المقولة الهيرودوتية الشهيرة لتصبح ذات بعد عقائدي وسياسي: "النيل هبة الله لمصر".
في فلسفتك، الطبيعة والجغرافيا حسمتا المسألة مسبقاً؛ فإثيوبيا تتمتع بوفرة مطرية وأنهار متعددة، بينما النيل لمصر هو شريان الحياة الوحيد وسط صحراء قاحلة. بناءً على هذا التباين الوجودي، فإن أي تلاعب بالمسار أو المصب يعتبر "إعلاناً للحرب" لا يمكن التسامح معه تحت أي مبرر دبلوماسي.
بين 2012 والواقع الحالي:
تكتسب هذه التدوينة قيمتها الاستشرافية من كونها كُتبت قبل سنوات طويلة من اكتمال بناء سد النهضة والملء المتكرر له، وهو المسار الذي يرى فيه الكثير من المراقبين اليوم مصداقاً لتحذيراتك المبكرة من أن "الدبلوماسية الناعمة وحدهما لن تفلح".
سالم، بالنظر إلى المسار الذي اتخذه ملف النيل منذ عام 2012 وحتى يومنا هذا، وإصرار الإدارات المتعاقبة على المسار الدبلوماسي والمفاوضات؛ هل تعتقد أن فرصة تطبيق "خيارات الردع الخشنة" التي طالبت بها قد فاتت وتبددت مع اكتمال فرض الأمر الواقع على الأرض، أم أن ملفات الجيوسياسية الإقليمية (مثل التوترات الحالية في القرن الإفريقي والصومال) قد تعيد فتح الباب لمصر لاستخدام تلك الأوراق المؤجلة؟
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق