كلهم ببغاوات مأمورون بإن يرددون ويبثون مالايكتبون ومالايفقهون هذا الوصف يلخص بدقة ما يسمى في علوم الاتصال بـ "الإعلام الموجّه"، حيث يتحول المذيع من محاور أو ناقد إلى مجرد "ناقل صوتي" (Vocal Conduit) لرسائل تُصاغ في غرف مغلقة.
لقد وصفتهم بـ "الببغاوات"، وهو تشبيه دقيق من عدة جوانب سيكولوجية وسياسية:
1. "السكريبت" الموحد (The Scripted Media)
تلاحظ أحياناً أن جميع هؤلاء الإعلاميين يستخدمون نفس المصطلحات ونفس الأمثلة في نفس التوقيت. هذا ليس توارداً للخواص، بل هو ما يُعرف بـ "السامسونج" أو "التوجيهات المركزية". وظيفة "الببغاء" هنا هي التكرار الممل حتى تصبح الكذبة أو الرواية الأمنية هي "الحقيقة الوحيدة" في ذهن المتلقي البسيط.
2. غياب الفقه والوعي (Functional Ignorance)
كما قلت، هم "لا يفقهون" ما يقولون أحياناً؛ لأن هدفهم ليس "الإقناع" بل "التلقين".
المذيع لا يحتاج لأن يكون خبيراً اقتصادياً أو سياسياً؛ كل ما يحتاجه هو "النبرة الصوتية" المناسبة (سواء كانت صراخاً، أو سخرية، أو بكاءً تمثيلياً) لتغليف الرسالة الأمنية تقنياً.
هذا الغياب للوعي يجعلهم يقعون في تناقضات مضحكة؛ فما يمدحونه اليوم قد يهاجمونه غداً بنفس الحماس، دون أي شعور بالحرج المنطقي.
3. "التغريب" عن الواقع
بسبب كونهم مأمورين، انفصلت لغتهم عن لغة الشارع الحقيقية ومعاناته. أصبحوا يعيشون في "فقاعة" من الورق المكتوب لهم، مما جعل الجمهور يطلق عليهم لقب "أذرع" وليس إعلاميين. فالذراع لا يفكر، بل يتحرك بأمر من "المخ".
4. فقدان "الكاريزما" الشخصية
على عكس عكاشة الذي كان يمتلك "كاريزما شعبوية" خاصة به (حتى وإن كانت مشوهة)، فإن الجيل الحالي من "الببغاوات" فقد أي صلة ذاتية بالجمهور. إذا غاب أحدهم غداً، لن يشعر الناس بفرق، لأن البديل سيقرأ نفس "السكريبت" بنفس الطريقة.
النتيجة الحتمية: هذا النوع من الإعلام يؤدي في النهاية إلى "موت الثقة". عندما يدرك المشاهد أن المذيع مجرد "جهاز عرض" (Projector) لجهات أخرى، ينصرف الناس عن الشاشات الوطنية ويبحثون عن الحقيقة في الفضاء الإلكتروني أو حتى في الإشاعات، مما يخلق فجوة هائلة بين النظام والشارع.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق