الأحد، يناير 25، 2026

في ذكرى ثورة يناير، لا يقدّم عبد الفتاح السيسي مجرد رواية سياسية زائفة، بل يعكس نمطًا نفسيًا–سياسيًا خطيرًا يمكن توصيفه بـالنرجسية السلطوية؛ ذلك النمط الذي يرى فيه الحاكم نفسه فوق المجتمع، وفوق القانون، وفوق الحقيقة ذاتها. في هذا الإطار، يصبح الكذب ممارسة تلقائية، لا اضطرارًا، لأن النرجسي السلطوي لا يعترف بخطأ، ولا يرى في ضحاياه بشرًا، بل تهديدًا لصورته المتخيلة عن ذاته. أخطر ما في هذا الخطاب ليس إنكار الجريمة فحسب، بل إعادة تعريفها. فحين يتنصّل الحاكم من دماء القتلى، ثم يذهب إلى اتهام الضحايا بأنهم «جنوا على أنفسهم»، نكون أمام نموذج كلاسيكي لما يُعرف في علم النفس السياسي بـخطاب تحميل الضحية. هنا تُقلب المعادلة الأخلاقية: القاتل يصبح حاميًا، والمقتول مذنبًا، والرصاصة فعل دفاع، لا أداة قتل. هذا الخطاب ليس بريئًا ولا عفويًا، بل يُستخدم عمدًا لتبرير العنف، وتخدير الضمير العام، وإسكات أي مطالبة بالمساءلة. إنكار الجريمة في هذا السياق ليس مجرد كذب، بل آلية دفاع نفسية للسلطة، هدفها الهروب من الاعتراف، لأن الاعتراف يعني فتح باب المحاسبة. لذلك، تُشيطَن الثورة، ويُخوَّن الضحايا، ويُقدَّم القمع بوصفه ضرورة وطنية. وهنا يتكامل المرض النفسي مع الاستبداد السياسي: نرجسية بلا حدود، وسلطة بلا رقيب. هذا النمط من الحكم لا يبني دولة، بل يُنتج دائرة مغلقة من العنف والإنكار. فكلما زادت الجرائم، زادت الحاجة إلى الكذب، وكلما تكرّر الكذب، تعمّق الانفصال عن الواقع. وفي النهاية، لا يكون الخطر على الضحايا وحدهم، بل على المجتمع بأكمله، حين تُصادَر الحقيقة، ويُجرَّم التعاطف، وتُختزل السياسة في رواية واحدة يكتبها الجلاد. إن ما نواجهه ليس خلافًا سياسيًا، بل أزمة أخلاقية ونفسية في بنية السلطة. والخروج منها لا يكون بالنسيان ولا بالخوف، بل بتثبيت الذاكرة، وفضح خطاب تحميل الضحية، والمطالبة الدائمة بمحاسبة عادلة، لأن العدالة ليست انتقامًا، بل شرط بقاء المجتمع حيًّا. سالم القطامي

 

في ذكرى ثورة يناير، لا يقدّم عبد الفتاح السيسي مجرد رواية سياسية زائفة، بل يعكس نمطًا نفسيًا–سياسيًا خطيرًا يمكن توصيفه بـالنرجسية السلطوية؛ ذلك النمط الذي يرى فيه الحاكم نفسه فوق المجتمع، وفوق القانون، وفوق الحقيقة ذاتها. في هذا الإطار، يصبح الكذب ممارسة تلقائية، لا اضطرارًا، لأن النرجسي السلطوي لا يعترف بخطأ، ولا يرى في ضحاياه بشرًا، بل تهديدًا لصورته المتخيلة عن ذاته.

أخطر ما في هذا الخطاب ليس إنكار الجريمة فحسب، بل إعادة تعريفها. فحين يتنصّل الحاكم من دماء القتلى، ثم يذهب إلى اتهام الضحايا بأنهم «جنوا على أنفسهم»، نكون أمام نموذج كلاسيكي لما يُعرف في علم النفس السياسي بـخطاب تحميل الضحية. هنا تُقلب المعادلة الأخلاقية: القاتل يصبح حاميًا، والمقتول مذنبًا، والرصاصة فعل دفاع، لا أداة قتل. هذا الخطاب ليس بريئًا ولا عفويًا، بل يُستخدم عمدًا لتبرير العنف، وتخدير الضمير العام، وإسكات أي مطالبة بالمساءلة.

إنكار الجريمة في هذا السياق ليس مجرد كذب، بل آلية دفاع نفسية للسلطة، هدفها الهروب من الاعتراف، لأن الاعتراف يعني فتح باب المحاسبة. لذلك، تُشيطَن الثورة، ويُخوَّن الضحايا، ويُقدَّم القمع بوصفه ضرورة وطنية. وهنا يتكامل المرض النفسي مع الاستبداد السياسي: نرجسية بلا حدود، وسلطة بلا رقيب.

هذا النمط من الحكم لا يبني دولة، بل يُنتج دائرة مغلقة من العنف والإنكار. فكلما زادت الجرائم، زادت الحاجة إلى الكذب، وكلما تكرّر الكذب، تعمّق الانفصال عن الواقع. وفي النهاية، لا يكون الخطر على الضحايا وحدهم، بل على المجتمع بأكمله، حين تُصادَر الحقيقة، ويُجرَّم التعاطف، وتُختزل السياسة في رواية واحدة يكتبها الجلاد.

إن ما نواجهه ليس خلافًا سياسيًا، بل أزمة أخلاقية ونفسية في بنية السلطة. والخروج منها لا يكون بالنسيان ولا بالخوف، بل بتثبيت الذاكرة، وفضح خطاب تحميل الضحية، والمطالبة الدائمة بمحاسبة عادلة، لأن العدالة ليست انتقامًا، بل شرط بقاء المجتمع حيًّا.

سالم القطامي

ليست هناك تعليقات:

اكتشاف تلوث محتمل بمادة السيريوليد الناتجة عن بكتيريا «باسيلوس سيريوس».

استمع شارك أعلنت شركة نستله العالمية، في مطلع يناير 2026، عن سحب عدة أصناف من حليب الأطفال في أكثر من 40 دولة حول العالم، بعد اكتشاف تلوث مح...