الأحد، يناير 11، 2026

عندما يصبح التشاؤم وعيًا: من ابن خلدون إلى أورويل ونيتشه في لحظات الانكسار الحضاري الكبرى، لا يكون الخطر الحقيقي في الهزيمة ذاتها، بل في اللغة التي تبررها، وفي الأمل الذي يُباع للناس كمسكنٍ للألم لا كطريقٍ للخلاص. من هنا تكتسب عبارة المعارض المصري سالم القطامي: «كن متشائماً تكن أنبأ الناس» معناها العميق، لا كدعوة لليأس، بل كتشخيصٍ قاسٍ لواقعٍ لم يعد يسمح بسذاجة التفاؤل. هذه العبارة ليست وليدة نزوة، ولا تعبيرًا عن سوداوية شخصية، بل امتدادٌ فكري لسلسلة طويلة من العقول التي أدركت أن التاريخ حين يدخل طور الانحدار، يصبح التنبؤ بالأسوأ هو الشكل الوحيد للصدق. ففي واقع عربي تُعاد فيه الأخطاء نفسها، بالوجوه نفسها، وبالشعارات نفسها، لا يعود المستقبل مجهولًا، بل مكرورًا. ابن خلدون، قبل قرون، وضع الأساس النظري لهذا الفهم حين تحدث عن سُنن الدول: النشوء، القوة، الترف، الفساد، ثم السقوط. لم يكن ابن خلدون متشائمًا، بل عالمًا بقوانين الاجتماع البشري. لكنه علّمنا درسًا بالغ القسوة: من يفهم البنية، لا يفاجأ بالنهاية. وما نعيشه اليوم في العالم العربي ليس سوى مرحلة متقدمة من دورة وصفها بدقة مذهلة، حيث تنفصل السلطة عن المجتمع، وتُستنزف العصبية، ويُستبدل العدل بالتغلب. في هذه اللحظة، يصبح التفاؤل خارج فهم السنن جهلًا، ويصبح التشاؤم علمًا. أما جورج أورويل، فقد ذهب أبعد من توصيف السقوط، إلى فضح لغة السقوط. في عالمه، لا يُقمع الناس بالقوة وحدها، بل بالكلمات: التفاؤل الإجباري، الأمل المصنَّع، والشعارات التي تُكرر حتى تصبح بديهيات. حين تقول السلطة إن المستقبل مشرق، بينما الواقع يزداد ظلامًا، فإن التشكيك لا يكون تشاؤمًا، بل فعل مقاومة. هنا يلتقي القطامي مع أورويل عند نقطة خطيرة: التفاؤل قد يكون أداة سلطة، لا فضيلة أخلاقية. أما نيتشه، فكان الأكثر قسوة وصدقًا. لم يهاجم اليأس، بل هاجم الأمل الكاذب. رأى أن الأوهام—الدينية أو الأخلاقية أو السياسية—تطيل عذاب الإنسان لأنها تمنعه من مواجهة الحقيقة. في هذا المعنى، يصبح التشاؤم شرطًا للتحرر، لأنه يحطم الأقنعة، ويفضح القيم الزائفة، ويجبر الإنسان على النظر في الهاوية بدل الهروب منها بالشعارات. وإذا كان نيتشه قد وجّه نقده للفرد، فإن القطامي يوجهه للجماعة، للشعوب التي أُنهكت بالأمل حتى فقدت القدرة على الغضب. ما يجمع هؤلاء جميعًا هو إدراكهم لحقيقة واحدة: حين يفسد الواقع، يصبح التفاؤل مشاركة في الكذب. ليس المطلوب أن نيأس، بل أن نكف عن خداع أنفسنا. فالتشاؤم الواعي ليس استسلامًا، بل بداية الوعي؛ والوعي، وحده، هو الشرط الأول لأي تغيير حقيقي. في زمن يُكافأ فيه الصمت، ويُخوَّن السؤال، ويُباع المستقبل بخطابٍ عاطفي رخيص، يصبح من يتوقع الأسوأ هو الأكثر احترامًا لعقله. ليس لأنه يحب الظلام، بل لأنه يرفض أن يُخدَع بالنور الزائف. هكذا نفهم عبارة القطامي لا كحكمة فردية، بل كبيانٍ فكري: إذا أردت أن تفهم ما سيحدث، فانظر إلى ما يحدث فعلًا، لا إلى ما يُقال لك إنّه سيحدث.

 

عندما يصبح التشاؤم وعيًا: من ابن خلدون إلى أورويل ونيتشه

في لحظات الانكسار الحضاري الكبرى، لا يكون الخطر الحقيقي في الهزيمة ذاتها، بل في اللغة التي تبررها، وفي الأمل الذي يُباع للناس كمسكنٍ للألم لا كطريقٍ للخلاص. من هنا تكتسب عبارة المعارض المصري سالم القطامي: «كن متشائماً تكن أنبأ الناس» معناها العميق، لا كدعوة لليأس، بل كتشخيصٍ قاسٍ لواقعٍ لم يعد يسمح بسذاجة التفاؤل.

هذه العبارة ليست وليدة نزوة، ولا تعبيرًا عن سوداوية شخصية، بل امتدادٌ فكري لسلسلة طويلة من العقول التي أدركت أن التاريخ حين يدخل طور الانحدار، يصبح التنبؤ بالأسوأ هو الشكل الوحيد للصدق. ففي واقع عربي تُعاد فيه الأخطاء نفسها، بالوجوه نفسها، وبالشعارات نفسها، لا يعود المستقبل مجهولًا، بل مكرورًا.

ابن خلدون، قبل قرون، وضع الأساس النظري لهذا الفهم حين تحدث عن سُنن الدول: النشوء، القوة، الترف، الفساد، ثم السقوط. لم يكن ابن خلدون متشائمًا، بل عالمًا بقوانين الاجتماع البشري. لكنه علّمنا درسًا بالغ القسوة: من يفهم البنية، لا يفاجأ بالنهاية. وما نعيشه اليوم في العالم العربي ليس سوى مرحلة متقدمة من دورة وصفها بدقة مذهلة، حيث تنفصل السلطة عن المجتمع، وتُستنزف العصبية، ويُستبدل العدل بالتغلب. في هذه اللحظة، يصبح التفاؤل خارج فهم السنن جهلًا، ويصبح التشاؤم علمًا.

أما جورج أورويل، فقد ذهب أبعد من توصيف السقوط، إلى فضح لغة السقوط. في عالمه، لا يُقمع الناس بالقوة وحدها، بل بالكلمات: التفاؤل الإجباري، الأمل المصنَّع، والشعارات التي تُكرر حتى تصبح بديهيات. حين تقول السلطة إن المستقبل مشرق، بينما الواقع يزداد ظلامًا، فإن التشكيك لا يكون تشاؤمًا، بل فعل مقاومة. هنا يلتقي القطامي مع أورويل عند نقطة خطيرة: التفاؤل قد يكون أداة سلطة، لا فضيلة أخلاقية.

أما نيتشه، فكان الأكثر قسوة وصدقًا. لم يهاجم اليأس، بل هاجم الأمل الكاذب. رأى أن الأوهام—الدينية أو الأخلاقية أو السياسية—تطيل عذاب الإنسان لأنها تمنعه من مواجهة الحقيقة. في هذا المعنى، يصبح التشاؤم شرطًا للتحرر، لأنه يحطم الأقنعة، ويفضح القيم الزائفة، ويجبر الإنسان على النظر في الهاوية بدل الهروب منها بالشعارات. وإذا كان نيتشه قد وجّه نقده للفرد، فإن القطامي يوجهه للجماعة، للشعوب التي أُنهكت بالأمل حتى فقدت القدرة على الغضب.

ما يجمع هؤلاء جميعًا هو إدراكهم لحقيقة واحدة: حين يفسد الواقع، يصبح التفاؤل مشاركة في الكذب. ليس المطلوب أن نيأس، بل أن نكف عن خداع أنفسنا. فالتشاؤم الواعي ليس استسلامًا، بل بداية الوعي؛ والوعي، وحده، هو الشرط الأول لأي تغيير حقيقي.

في زمن يُكافأ فيه الصمت، ويُخوَّن السؤال، ويُباع المستقبل بخطابٍ عاطفي رخيص، يصبح من يتوقع الأسوأ هو الأكثر احترامًا لعقله. ليس لأنه يحب الظلام، بل لأنه يرفض أن يُخدَع بالنور الزائف. هكذا نفهم عبارة القطامي لا كحكمة فردية، بل كبيانٍ فكري: إذا أردت أن تفهم ما سيحدث، فانظر إلى ما يحدث فعلًا، لا إلى ما يُقال لك إنّه سيحدث.

ليست هناك تعليقات:

قائمة النواب المعلن عنهم بقرار جمهوري أما عن قائمة النواب المعلن عنهم بقرار جمهوري فهم كالتالي: 1. السيد / سامح حسن شكرى سليم . 2. السيد / أشرف محمد عبد الحميد الشيحى . 3. السيد / صلاح الدين فوزى محمد فرج . 4. السيد / هشام عبد السلام بدوى . 5. السيد/ عمرو مصطفى حسنين الوردانى . 6. السيد/ عادل فهيم محمد عزب . 7. السيد/ خالد محمد أحمد عبد الرحمن . 8. السيد / شريف باشا سيف بشاى . 9. السيد/ عبد الخالق عبد الرحمن عواد إيراهيم . 10. السيد/ إياد سعيد سليمان عودة . 11. السيد/ سمير صبرى محمد أمين . 12. السيد/ ياسر عرفات محمد على العربى . 13. السيد/ أحمد علاء محمد فايد . 14. السيد / سعيد جمال محمد عبد الفتاح . 15. السيدة/ عادلة محمد عبد السلام رجب . 16. السيدة/ نائلة جبر محمد جبر على . 17. السيدة/ ماريان مجدى راغب قلدس . 18. السيدة/ ثريا أحمد البدوى محمد حامد حسن . 19. السيدة/ منال حمدى محمود السيد . 20. السيدة/ ميرنا عصام الدين محمد عارف . 21. السيدة/ راندا محمد أحمد مصطفى . 22. السيدة/ نهى عبد الرحمن عبد الشافى عبد الرحمن . 23. السيدة/ هناء عبد الحميد محمد العبيسى . 24. السيدة/ نشوة سليمان محمد عقل . 25. السيدة/ أمل مصطفى حسين عصفور . 26. السيدة/ يارا عفت حسن يوسف . 27. السيدة/ شيرين رضا عبد القوى طايل . 28. السيدة/ عايدة إسماعيل عثمان إسماعيل.

  قائمة النواب المعلن عنهم بقرار جمهوري أما عن قائمة النواب المعلن عنهم بقرار جمهوري فهم كالتالي: 1. السيد / سامح حسن شكرى سليم . 2. ا...