في زمنٍ لم يعد فيه الكذب استثناءً بل نظامًا، ولا الخيبة حادثةً طارئة بل سياسةً مستدامة، يصبح التفاؤل فعلَ سذاجة لا حسنَ نية. حين قال المعارض المصري سالم القطامي: «كن متشائماً تكن أنبأ الناس»، لم يكن يحتفي بالسوداوية ولا يدعو إلى اليأس، بل كان يضع إصبعه على جرحٍ عربيٍّ غائر: واقعٌ بلغت فيه الخديعة من التكرار حدًّا يجعل من يتوقع الأسوأ هو الأقرب إلى الحقيقة. فهنا لا يُكذَّب المتشائم بالوقائع، بل يُكافَأ على دقة قراءته؛ لأن التاريخ لم يعد يفاجئ، والسلطة لا تتغير، والأخطاء تُعاد بنفس الوجوه وبنفس الشعارات. في هذا المشهد، يغدو التشاؤم وعيًا، ويغدو التفاؤل—إن لم يكن مشروطًا بالفعل والتغيير—شريكًا في الوهم، لا فضيلةً أخلاقية.نعلنها بوضوح: لسنا دعاة تشاؤم، بل خصوم للوهم.أولًا: سالم القطامي ↔ ابن خلدون
🔹 من التشاؤم الحدسي إلى التشاؤم القاعدي
ابن خلدون لم يكن متشائمًا نفسيًا، بل تشاؤميًا بنيويًا؛ فقد أسس لفكرة:
الدول تمر بدورات: نشوء → قوة → ترف → فساد → سقوط
وجه الشبه:
كلاهما يرى أن التاريخ لا يُفاجئ إذا فُهمت قوانينه.
التنبؤ بالمستقبل لا يحتاج نبوءة، بل قراءة السنن.
التفاؤل خارج فهم البنية = جهل.
وجه الاختلاف:
ابن خلدون يصف الدورة كقانون تاريخي شامل.
القطامي يصرخ من لحظة انسداد معاصر حيث توقفت حتى آلية التجدد.
الخلاصة:
عند ابن خلدون: التشاؤم علم.
عند القطامي: التشاؤم إنذار أخير.
ثانيًا: سالم القطامي ↔ جورج أورويل
🔹 عندما يصبح التفاؤل أداة سلطة
أورويل (خصوصًا في 1984) يفضح كيف:
تُقلب اللغة
يُزيَّف الأمل
ويُستخدم التفاؤل كوسيلة ضبط
«الجهل قوة» – أورويل
وجه الشبه:
كلاهما يرى أن الخطاب المتفائل قد يكون سلاحًا للقمع.
التشاؤم هنا = مقاومة لغوية وفكرية.
من يشكّ يُتَّهم، ومن يصدّق يُكافأ.
وجه الاختلاف:
أورويل يركز على اللغة والتلاعب الذهني.
القطامي يركز على النتائج السياسية الملموسة (هزائم، تفريط، خيانة).
الخلاصة:
عند أورويل: التفاؤل المفروض كذبة كبرى.
عند القطامي: التفاؤل السائد دليل إدانة.
ثالثًا: سالم القطامي ↔ نيتشه
🔹 تحطيم الأوهام كشرط للحقيقة
نيتشه كان عدوًا شرسًا لـ:
الأوهام الأخلاقية
الفضائل المزيّفة
الأمل الذي يمنع المواجهة
«الأمل هو الشر الأعظم لأنه يطيل عذاب الإنسان»
وجه الشبه:
كلاهما يعتبر أن الأمل غير الصادق يُخدِّر.
الحقيقة مؤلمة، لكنها مُحرِّرة.
الوعي يبدأ بالصدمة لا بالمجاملة.
وجه الاختلاف:
نيتشه فرداني، وجودي، متمرد على القيم.
القطامي سياسي، جماعي، مشغول بالمصير العام.
الخلاصة:
عند نيتشه: التشاؤم تحرر فردي.
عند القطامي: التشاؤم وعي جماعي.
مقارنة مختصرة في جدول ذهني
المفكر التشاؤم عنده الغاية
ابن خلدون قانون تاريخي الفهم
أورويل مقاومة الخداع كشف السلطة
نيتشه تحطيم الأوهام التحرر
سالم القطامي قراءة واقعية فضح الانحدار
الخلاصة النهائية
مقولة سالم القطامي ليست شذوذًا فكريًا، بل امتداد عربي معاصر لسلسلة طويلة من العقول التي فهمت أن:
حين يفسد الواقع، يصبح حسن الظن كذبًا،
ويصبح التشاؤم شكلًا من أشكال الصدق.
حين يصبح الفشل قاعدة، وتتحول الخيانة إلى سياسة، ويُسوَّق التفاؤل كشعار لتخدير الشعوب، فإن أسوأ التوقعات لا تكون تشاؤمًا بل قراءةً أمينةً للواقع. إن قول سالم القطامي: «كن متشائماً تكن أنبأ الناس» هو إدانة صريحة لمنظومة تُعيد إنتاج الهزيمة وتطلب منا التصفيق لها.
نرفض التفاؤل المُعلَّب الذي يُستخدم لتبرير القمع، ونسخر من الأمل الذي لا يستند إلى تغيير حقيقي في بنية الحكم والمساءلة والعدالة. نؤمن أن الوعي يبدأ بتسمية الأشياء بأسمائها، وأن التشاؤم الواعي ليس استسلامًا، بل خطوة أولى لكسر دائرة الكذب.
هذا بيان ضد التجميل، ضد الإنكار، وضد بيع الغد بشعارات الأمس.
فالطريق إلى الإصلاح لا يمر عبر حسن الظن الأعمى، بل عبر مواجهة الحقيقة كما هي، مهما كانت قاسية. المعارض المصري سالم القطامي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق