ردّ على مزاعم «المؤامرة الكبرى»
إن توصيف الثورة بـ«المؤامرة الكبرى» ليس تحليلًا بقدر ما هو إعادة تدوير لخطاب أمني يهدف إلى نزع الشرعية عن حركة اجتماعية واسعة، عبر اختزالها في فاعلين خارجيين وتجاهل أسبابها البنيوية. فالثورات لا تنشأ بقرارٍ أجنبي، بل تتفجّر حين تتراكم الاختلالات الداخلية: انسداد سياسي، فساد ممنهج، تدهور معيشي، وتغييب للعدالة والمساءلة.
إن منطق «المؤامرة» يعفي السلطة من المسؤولية، ويستبدل السؤال الجوهري—لماذا خرج الناس؟—بسردية جاهزة تُدين الضحية وتُبرّئ النظام. كما أنه يتجاهل حقائق موثّقة: اتساع المشاركة الشعبية، تنوّع مطالبها، واستمراريتها رغم القمع، وهي سمات لا تنسجم مع فرضية «التدبير الخارجي» الشامل.
ثم إن التاريخ المقارن يُظهر أن الأجهزة الأمنية تميل، بعد كل هزّة كبرى، إلى تبنّي هذا الخطاب دفاعًا عن الذات المؤسسية، لا بحثًا عن الحقيقة. فالتفسير الأمني الأحادي لا يفسّر لماذا تتكرّر الاحتجاجات، ولا لماذا تعود الأسباب نفسها للظهور كلما أُغلقت قنوات السياسة السلمية.
الخلاصة: وصف الثورة بالمؤامرة تبسيط مُخلّ يُغلق باب الإصلاح. الطريق الجاد يبدأ بالاعتراف بالأسباب الداخلية، وفتح المجال العام، وبناء عقد اجتماعي قائم على الحقوق والمساءلة—لا على التخوين. قبل أيام من حلول الذكرى الخامسة عشرة لثورة الخامس والعشرين من يناير/ كانون الثاني 2011، التي أطاحت بالرئيس المصري الأسبق محمد حسني مبارك، خرج اللواء حسن عبد الرحمن، رئيس جهاز أمن الدولة المصري الأسبق، ليصف الثورة بـ “المؤامرة الكبرى”.
وقال عبد الرحمن في تصريحات متلفزة لبرنامج “حقائق وأسرار” الذي يقدمه البرلماني والإعلامي مصطفى بكري على قناة “صدى البلد”، إن التقرير الذي أعده الجهاز في 25 يناير/ كانون الثاني 2011 لم يأت من فراغ، بل كان نتاج جهود جبارة متواصلة ليل نهار للحفاظ على صالح الوطن وأمنه، مشيدًا بالتعاون الوثيق الذي تم مع القوات المسلحة بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي حين كان يشغل منصب رئيس المخابرات الحربية.وتابع رئيس الجهاز الأسبق، أن أحداث 25 يناير كانت جزءًا من مؤامرة كبرى حيكت لاستهداف كيان مصر وعظمتها، وأنه قد حذر بشكل مبكر من مخططات جماعة الإخوان وتنظيمها، والتي تجلت حقيقتها لاحقًا أمام أعين الشعب والرأي العام، حسب قوله.
وأكد أن التقرير الاستخباري كان يرصد ويحلل كافة التحركات والأنشطة المشبوهة، مسلطًا الضوء على الدور الذي لعبه الجهاز في كشف تلك المخططات التخريبية التي كانت تهدد أمن الدولة الوطني.
وقال إن الشعب المصري كان غافلًا في تلك الفترة عن حقيقة انخراط جماعة الإخوان في العمل السياسي والميداني، ومخدوعاً بالصورة الدينية البراقة التي تظهر بها، لافتًا إلى أن الحقائق قد اتضحت اليوم وأصبح الجميع يدرك طبيعتها الحقيقية وأجنداتها.
وكانت قوات الأمن المصرية ألقت القبض على عبد الرحمن في 11 مارس/ آذار 2011، ثم أعلنت النيابة العامة حبسه مع 3 من قادة الشرطة على ذمة التحقيق معهم بتهم تشمل قتل متظاهرين خلال الثورة التي أدت إلى تخلي حسني مبارك عن منصبه.
ووجهت إليهم تهمة استعمال القوة وإطاعة وزير الداخلية وقتها حبيب العادلي، في شأن تعطيل الأوامر الصادرة من الحكومة بالمحافظة على الأمن العام والتسبب في الانفلات الأمني.
ثم أحيل عبد الرحمن وجميع قادة الشرطة إلى ما تعرف إعلاميا بـ “محاكمة القرن”، التي حوكم فيها بجواره حبيب العادلي وزير الداخلية في عهد مبارك، و40 ضابطا في جهاز أمن الدولة في قضية “فرم مستندات الجهاز” .
واستمرت وقائع المحاكمة حتى 29 نوفمبر/ تشرين الثاني 2014، عندما أصدرت محكمة جنايات شمال القاهرة، حكما ببراءة حسن عبد الرحمن في قضية “محاكمة القرن”، رغم الاتهامات بإتلاف أكثر من 60 ألف مستند، تخص الأمن القومي للبلاد.هذه الرواية، مهما تكرّر بثّها، تظل قاصرة عن تفسير الواقع، ومتناقضة مع الوقائع القضائية والسياسية التي أعقبت الثورة.
أولًا: منطق المؤامرة كبديل عن المساءلة
وصفُ ثورة شعبية واسعة النطاق بالمؤامرة لا يُقدّم تفسيرًا علميًا، بل يُشكّل آلية دفاع مؤسسية تتهرّب من الإجابة عن السؤال المركزي: لماذا خرج ملايين المصريين في وقت واحد، من مشارب اجتماعية وسياسية مختلفة، مطالبين بالحرية والعدالة والكرامة؟
الاحتجاجات التي عمّت البلاد لم تكن فعل تنظيم واحد، ولا نتاج غرفة عمليات سرّية، بل نتيجة تراكم طويل من الاستبداد والفساد وانسداد الأفق السياسي.
ثانيًا: التقرير الاستخباري… ولماذا فشل؟
يتباهى عبد الرحمن بتقرير أُعدّ يوم 25 يناير، وُصف بأنه ثمرة «جهود جبارة». لكن المفارقة أن هذا التقرير—إن صحّت دقته—لم يمنع الانهيار الأمني، ولا توقّع اتساع الحراك، ولا حال دون سقوط النظام بعد 18 يومًا.
والسؤال المنطقي هنا:
إذا كانت الأجهزة تعلم بحجم «المؤامرة»، فلماذا عجزت عن إدارتها دون الانزلاق إلى قتل المتظاهرين والانفلات الأمني؟
ثالثًا: الإخوان… فزّاعة ما بعد الحدث
إقحام جماعة الإخوان في توصيف الثورة هو إسقاط لاحق للأحداث، يخلط بين المسار الثوري المفتوح في يناير، وبين الصراع السياسي الذي تلا سقوط مبارك.
فالثورة سبقت صعود الإخوان للسلطة، وشارك فيها ليبراليون ويساريون ومستقلون وشباب بلا انتماءات تنظيمية، وهو ما يُسقط الزعم بأنها كانت مشروعًا إخوانيًا مُسبق التخطيط.
رابعًا: مفارقة المتهم الذي يتحدث باسم الوطن
الأكثر دلالة أن من يصف الثورة بالمؤامرة هو ذاته من:
-
أُلقي القبض عليه في مارس 2011
-
وواجه اتهامات بقتل متظاهرين
-
وحُوكم في «محاكمة القرن»
-
واتُّهم بإتلاف أكثر من 60 ألف مستند أمني بالغ الحساسية
ورغم صدور حكم بالبراءة في 2014، فإن البراءة الإجرائية لا تعني البراءة السياسية أو الأخلاقية، ولا تمنح صاحبها حق إعادة كتابة التاريخ من موقع الضحية.
خامسًا: إعادة كتابة التاريخ… ولمصلحة من؟
إحياء خطاب «المؤامرة الكبرى» في هذا التوقيت ليس بريئًا؛ بل يأتي في سياق إعادة شرعنة الدولة الأمنية، وتبرير ما تلا الثورة من قمع، عبر تصوير يناير كخطيئة وطنية لا كحراك شعبي مشروع.
الخلاصة
إن ثورة 25 يناير لم تكن مؤامرة، بل صرخة مجتمع. والمؤامرة الحقيقية هي الإصرار، بعد خمسة عشر عامًا، على إنكار أسبابها، وشيطنة ضحاياها، وتبرئة من أطلقوا الرصاص.
فالدول لا تُبنى بتخوين شعوبها، ولا تستقرّ بتزييف ذاكرتها.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق