الاثنين، يناير 26، 2026

مشروع قانون يحظر استخدام شبكات التواصل الاجتماعي لمن هم دون 15 عاما

 مشروع قانون يحظر استخدام شبكات التواصل الاجتماعي لمن هم دون 15 عاماتتحرك فرنسا اليوم في مواجهة واحدة من أكثر القضايا حساسية في العصر الرقمي: علاقة الأطفال والمراهقين بشبكات التواصل الاجتماعي وكيف تعيد تشكيل يومهم وحياتهم النفسية.

فبعد سنوات من الاكتفاء بالتحذيرات العامة والدعوة إلى "الاستخدام المسؤول"، قررت الحكومة الفرنسية الانتقال إلى منطق المنع الصريح لمن هم دون الخامسة عشرة من العمر، في محاولة لصياغة حدود جديدة للطفولة داخل عالم تحكمه المنصات العالمية وشركات التكنولوجيا العابرة للحدود. ويُقدَّم هذا التحول على أنه استجابة لقلق متزايد لدى الأهل والاختصاصيين، حذرت منه تقارير صحية فرنسية حديثة أشارت إلى أن وسائل التواصل "تضر بالصحة النفسية للمراهقين، خصوصا الفتيات".

في هذا السياق، يقدّم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الخطوة بوصفها دفاعا عن حق الأطفال في طفولة أقل تعرضا لسطوة الشاشات والخوارزميات، وليس مجرد تشدد قانوني عابر، كما أوضح في رسائله المصوّرة إلى الفرنسيين.

 ويُدفع المشروع عبر مسار تشريعي معجّل بهدف دخوله حيز التنفيذ مع بداية العام الدراسي في سبتمبر/أيلول 2026 في أنحاء فرنسا. ويصوت النواب اليوم 26 يناير/كانون الثاني في الجمعية الوطنية على مشروع القانون الذي اقترحه حزب النهضة الذي أسسه ماكرون، على حظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لمن هم دون سن الخامسة عشرة، وحظر الهواتف المحمولة في المدارس الثانوية. وسيتم بعد ذلك تحويل النص إلى مجلس الشيوخ.

من موافقة الوالدين إلى منطق الحظر

قبل الوصول إلى فكرة الحظر الكامل، جربت فرنسا طريقا وسطا يقوم على اشتراط موافقة الوالدين لأي طفل دون الخامسة عشرة يرغب في فتح حساب على منصات التواصل الاجتماعي، وهو قانون صوت عليه البرلمان في باريس عام 2023.

النص ألزم الشركات بالحصول على هذه الموافقة وفتح الباب أمام تغريم المنصات التي لا تمتثل، لكنه كشف سريعا عن صعوبات عملية، أبرزها سهولة تحايل القُصَّر على أنظمة التحقق عبر إدخال تواريخ ميلاد مزيفة، أو استخدام حسابات أخرى مشتركة أو عائلية، كما أشارت تقارير إعلامية فرنسية وأوروبية في 2024.

ومع الوقت، بدأ يتشكل انطباع لدى المشرعين بأن الاعتماد على "موافقة الأهل" وحده لا يكفي حين تكون المنصات مصممة أساسا لاستبقاء المستخدم لأطول فترة ممكنة، بعيدا عن قدرة الأهل على المراقبة اليومية.

في سبتمبر/أيلول 2025، وبعد ستة أشهر من العمل، قدّمت لجنة برلمانية فرنسية تحقيقا حول تأثير تيك توك والشبكات على القُصر، وخلص تقريرها، الذي نوقش في الجمعية الوطنية في باريس، إلى التوصية بحظر كامل لحسابات من هم دون 15 عاما، وفرض "حظر تجوال رقمي ليلي" للفئة من 15 إلى 18 عاما.

النائبة لور ميلير، التي ترأست اللجنة، قالت في مقابلة مع صحيفة “لوموند” في 10 سبتمبر/أيلول 2025 إن فرنسا "يجب، بدافع الواقعية والحذر، أن تفرض حظرا على الأطفال دون 15 عاما، على الأقل إلى أن توجد شبكات اجتماعية أكثر أخلاقية". هذا التقرير مهّد أرضية سياسية وفكرية للمشروع الحالي، وربط بين تنظيم عمر الدخول إلى الشبكات وبين مواجهة الإدمان واضطرابات النوم والتراجع الدراسي بين المراهقين.

تشريع جديد بلغة بسيطة ورسالة سياسية واضحة

على هذه الخلفية، أعلن الرئيس إيمانويل ماكرون في مقطع فيديو بثّته قناة BFM TV الفرنسية مساء السبت 24 يناير/كانون الثاني 2026 من باريس عن عزمه على المضي في تشريع يحظر استخدام شبكات التواصل الاجتماعي لمن تقل أعمارهم عن 15 عاما، ويرغم المنصات على منع أو إغلاق الحسابات لهذه الفئة داخل فرنسا.

ماكرون قال في الرسالة، المُوجَّهة إلى النائبة لور ميلير وإلى النواب في الجمعية الوطنية: "إن عقول أطفالنا ومراهقينا ليست للبيع، ومشاعر أطفالنا ومراهقينا ليست للبيع أو للتلاعب، لا من قِبل المنصات الأمريكية ولا الخوارزميات الصينية". بهذه العبارة، التي التقطتها وكالات أنباء عالمية في اليوم نفسه، حاول الرئيس تأطير القانون كمعركة أخلاقية بقدر ما هي تشريعية.

وفي الفيديو نفسه، أضاف ماكرون: "نحن نحظر شبكات التواصل الاجتماعي على من هم دون الخامسة عشرة، وسنحظر الهواتف المحمولة في مدارسنا الثانوية. أعتقد أن هذه قاعدة واضحة: واضحة لمراهقينا، واضحة للأسر، واضحة للمدرّسين، ونحن نمضي قدما".

هذه الجملة، التي نُشرت مقتطفات منها في صحف فرنسية وأمريكية في 25 يناير/كانون الثاني 2026، تختصر فلسفة المشروع: قاعدة واحدة بسيطة بدل فسيفساء من القيود المعقدة. وإلى جانب المنع، يعوّل الإليزيه على تفعيل أدوات القانون الأوروبي للخدمات الرقمية لإلزام الشركات بتطوير أنظمة تحقق أكثر جدية من مجرد خانة يسجل فيها المستخدم تاريخ ميلاده، كما أوضحت ميلير في مقابلة مع قناة التلفزيون البرلماني الفرنسي في يناير 2026 حين قالت: "اليوم لا يوجد أي تحقّق حقيقي من العمر، يمكن لأي شخص إدخال أي تاريخ ميلاد والوصول إلى المنصة".

الصحة النفسية والطفولة الرقمية بين التحذير والتساؤل

استندت الحكومة الفرنسية في طرحها إلى رأي علمي قوي صدر عن الوكالة الوطنية لسلامة الغذاء والبيئة والصحة المهنية (ANSES) في 13 يناير/كانون الثاني 2026 في باريس، بعد مراجعة استمرت خمس سنوات وشملت نحو ألف دراسة علمية عن المراهقين بين 11 و17 عاما.

التقرير، الذي نُشر في 522 صفحة، حذر من "آثار سلبية متعددة العوامل" لاستخدام الشبكات على الصحة الجسدية والنفسية، مشيرا إلى أن النوم من أول ما يتأثر، إذ يذهب المراهقون إلى الفراش متأخرين ويعانون صعوبة في النوم وجودة نوم أقل، ما يرفع مخاطر القلق والاكتئاب.

هذا الرأي العلمي وفر، كما أشارت وسائل إعلام فرنسية في 16 و20 يناير/كانون الثاني، أرضية معرفية تدعم التوجه نحو تشديد التنظيم على استخدام القُصر لوسائل التواصل.​

لكن الجدل لم يخلُ من أصوات أكثر حذرا. ففي تقارير تلفزيونية وصحف فرنسية خلال يناير/كانون الثاني 2026، عبر أطباء نفس ومختصون عن مخاوف من أن يؤدي الحظر إلى التحايل بدل الحماية، خاصة في أوساط المراهقين الأكثر تمرسا بالتقنيات.

أحد هؤلاء، الطبيب النفسي الفرنسي سيرج تيسيرون، حذّر من أن وسائل التواصل "سامة للغاية"، لكنه أضاف – بحسب تغطيات إعلامية فرنسية – أن الاكتفاء بالحظر قد يدفع بعض الأهل إلى التخلي عن دورهم التربوي، ظنا أن الدولة قامت بالمهمة بدلهم. هذه الملاحظات تعكس حقيقة أن القانون، حتى لو أُقِر في باريس، لن يكون عصا سحرية، بل جزءا من منظومة أوسع تشمل التوعية ودعم الأهل وتحسين بيئة المدرسة.

تسريع المسار التشريعي ورهانات ما قبل الدخول المدرسي في سبتمبر 2026

على المستوى السياسي، جاء التطور الأبرز في 24 و25 يناير/كانون الثاني 2026 حين أعلن الإليزيه أن الرئيس طلب استخدام المسار التشريعي المعجل في البرلمان الفرنسي لتمرير مشروع القانون، ليبدأ نقاشه في الجمعية الوطنية في باريس خلال النصف الثاني من يناير/كانون الثاني، تمهيدا لعرضه على مجلس الشيوخ قبل الصيف. هذه الآلية تقلل عدد جولات النقاش بين الغرفتين، على أمل الوصول سريعا إلى نص نهائي يتيح للحكومة والمنصات فترة زمنية محدودة لتكييف أنظمتها للتحقق من السن وإدارة الحسابات قبل بداية العام الدراسي في سبتمبر/أيلول 2026.

المبادرة البرلمانية تقودها النائبة لور ميلير عن حزب "النهضة" الرئاسي، التي صرحت لوكالة أنباء فرنسية ودولية في باريس في يناير/كانون الثاني 2026 قائلة: "حتى الآن، لا يوجد أي تحقق حقيقي من العمر… فرنسا يجب أن تخطو الخطوة الأولى لحماية القُصر على الإنترنت، حتى وإن ظل الالتفاف على القواعد ممكنا جزئيا".

في الخلفية، تنظر باريس أيضا إلى تجارب دول أخرى، مثل أستراليا التي أعلنت حكومتها في ديسمبر/كانون الأول 2025 أن تطبيق الحظر على من هم دون 16 عاما أدى إلى إغلاق أو حذف نحو 4,7 مليون حساب يُشتبه في أنها تعود لقُصر، وفق تصريحات رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي في كانبيرا. كما يتقاطع المشروع مع نقاش أوسع داخل الاتحاد الأوروبي، أشار إليه تقرير لصحيفة "لوموند" في 1 يناير/كانون الثاني 2026، حول إمكان وضع حد أدنى موحّد لعمر الدخول إلى الشبكات استنادا إلى توجيهات المفوضية الأوروبية بشأن التحقق من السن.

بين مؤيد يرى في الخطوة حماية ضرورية لجيل مهدد بالإنهاك النفسي، ومعارض يخشى من التضييق على حرية التعبير أو من خلق "جدار رقمي" يصعب تطبيقه عمليا، تبدو فرنسا ماضية في اختبار واحد من أكثر النماذج جرأة في إعادة تعريف ما يعنيه أن تكبر في عصر المنصات، من باريس إلى أبعد قرية في ريفها.

ليست هناك تعليقات: