كتاب التجليات
جمال الغيطانى

تجلي كمصطلح تصوف ما ينكشف للقلوب من أنوار الغيوب[1]، وإنما جمع الغيوب باعتبار تعدد وارد لتجلي، فإن لكل اسم إلهي بحسب محيطه ووجوهه تجليات متنوعة، وأمهات الغيوب، التي تظهر التجليات من بطائنها سبعةجمال الغيطانى
أمهات الغيوب
- غيب الحق وحقائقه،
- غيب الخفاء المنفصل من الغيب المطلق بالتمييز الأخفى في حضرة أو أدنى،
- وغيب السر المنفصل من الغيب الإلهي بالتمييز الخفي في حضرة قاب قوسين،
- وغيب الروح، وهو حضرة السر الوجودي المنفصل بالتمييز الأخفى والخفي في التابع الأمري،
- وغيب القلب، وهو موقع تعانق الروح والنفس، ومحل استيلاد السر الوجودي، ومنصة استجلائه في كسوة أحدية جمع لكمال،
- وغيب النفس، وهو أن المناظرة،
- وغيب الطائف البدنية، وهي مطارح أنظاره لكشف ما يحق له جمعاً وتفصيلاً.
[عدل]التجلي الذاتي
ما يكون مبدؤه الذات من غير اعتبار. صفة من الصفات معها، وإن كان لا يحصل ذلك إلا بواسطة الأسماء والصفات، إذ لا ين لي الحق من حيث ذاته على الموجودات إلا من وراء حجاب من الحجب الأسمائية.
[عدل]التجلي الصفاتي
ما يكون مبدؤه فة من الصفات من حيث تعينها وامتيازها عن الذات.
[عدل]سر التجليات
هو شهود كل شيء في كل شيء، وذلك بانكشاف التجلي الأول للقلب، فيشهد الأحدية الجمعية بين الأسماء كلها، لاتصاف كل اسم بجميع الأسماء، لاتحادها بالذات الأحدية، وامتيازها بالتعينات التي تظهر في الأكوان التي هي صورها، فيشهد كل شيء.
|
|
هوامش
| مصطلحات علم التصوف | |||||
| المراتب السبعة | فناء | حال | سالك | إلهام | وحدة الوجود |
| أعيان | ↑شريعة↑ | مجذوب | |||
| بصيرة | ←حقيقة | الله | معرفة→ | خاطر | |
| أحدية | ↓طريقة↓ | قطب (تصوف) | |||
| إنسان كامل | تجلي | اللطيفة | قلب | حجاب | الاسم الأعظم |
Prix Laure Bataillon
Créé en 1986 par les villes portuaires de Nantes et de Saint-Nazaire, ce prix, rebaptisé plus tard Laure-Bataillon en hommage à la traductrice de Julio Cortazar, est organisé depuis 1993 par la Maison des Ecrivains Etrangers et des Traducteurs de Saint-Nazaire.
Le prix récompense la meilleure oeuvre de fiction traduite en français dans l’année. Il est attribué conjointement à l’écrivain étranger et à son traducteur en langue française.
- 2009 Duong Thu Huong, Phuong Dang Tran Au zénith (Sabine Wespieser)
- 2008 Vassili Golovanov, Hélène Châtelain Eloge des voyages insensés (Verdier)
- 2007 Cynthia Ozick, Agnès Desarthe Les papiers de Puttermesser (Editions de L'Olivier)
- 2006 Russell Banks, Pierre Furlan American Darling (Actes Sud)
- 2005 Gamal Ghitany, Khaled Osman Le livre des illuminations (Seuil)
- 2004 Vanghélis Hadziyannidis, Michel Volkovitch Miel des Anges (Albin Michel)
- 2003 Derek Walcott, Claire Malroux Une autre vie (Gallimard
مجموعة من التجليات الأدبية مقسمة إلى ثلاث فصول الأول فصل الميلاد والغربة، والثانى الاغتراب والضنا والقربى والحزن، والثالث الوداد والفوت والوداع.
«يا جمال : .. انتبهت فإذا بنور ساطع يشرق فى ليل نفسي .. رأيت فى بؤرته ثلاثة، وعلى مسافة خلفهم ثلاثة، وفى منتصف المسافة. بينهم واحد؛ أما الثلاثة الأول فيتوسطهم حبيبى وقرة عينى .. إمامى الحسين سيد الشهداء، إلى يمينه أبى، وإلى يساره عبد الناصر .. أما الواحد الواقف فى المنتصف فهو محيي الدين بن عربى» والآخرون من أهل الكاتب وعشيرته.
تختلف التجليات فى بنيتها السردية عن المألوف فى الرواية المعاصرة، إذ تطمح إلى تأسيس خطاب يخرج عن المنطق فى علاقات الزمان والمكان، والأشياء والبشر، حيث تتداخل الأزمنة ويوجد البشر فى أكثر من مكان، وتزول الفواصل بين الأشياء الجامدة وعناصر الطبيعة والإنسان، ويسود الشطح الصوفى بشكل عجائبى مثير، مما يجعلها متعددة الأساليب والدلالة، وإن كانت بؤرتها الأساسية هى السيرة الباطنية لذات الروائى ومجاهداته فى رد الاعتبار لأبيه المكافح البسيط، وإطلاق العنان لمواجده الروحية ورفاقه الأثيرين فى عوالم الغيب والشهادة، مما يجعلها بالغة الخطورة فى تمثيل الروح الشرقى وعصارة الثقافة العربية. ولعل هذا ما جعلها ـ على عكس مطولة منيف المشار إليها سابقا ـ محل حفاوة نقدية عالمية، إذ ترجمت أسفارها الثلاثة إلى لغات عديدة، وقدمت عنها دراسات أكاديمية مطولة، وأصبحت مكرسة باعتبارها واحدة من قمم الإبداع الروائى المعاصر ونماذجه المأثورة فى شعرية السرد الأصيل .
"مصطلحات التصوف"
ال50 صفحة التالية في هذا التصنيف، من إجمالي 50.
أإا | ا متابعةبتحخدرز |
جمال الغيطاني
o جمال أحمد الغيطاني علي
o ولد عام 1945، التاسع من مايو، في قرية جهينة محافظة جرجا (سوهاج حاليا) .
o نشأ في القاهرة القديمة، حيث عاشت الأسرة في منطقة الجمالية، وأمضى فيها ثلاثين عاما.
o تلقى تعليمه في مدرسة عبدالرحمن كتخدا الابتدائية، ومدرسة الجمالية الابتدائية.
o تلقى تعليمه الاعدادي في مدرسة محمد علي الاعدادية.
o بعد الشهادة الإعدادية التي حصل عليها عام 1959، التحق بمدرسة العباسية الثانوية الفنية التي درس بها ثلاث سنوات فن تصميم السجاد الشرقي وصباغة الألوان.
o تخرج عام 1962، وعمل في المؤسسة العامة للتعاون الانتاجي رساما للسجاد الشرقي، ومفتشا على مصانع السجاد الصغيرة في قرى مصر، أتاح له ذلك زيارة معظم أنحاء ومقاطعات مصر في الوجهين القبلي والبحري.
o أعتقل عام 1966 بتهمة الانتماء الى تنظيم ماركسي سري. وأمضى ستة شهور في المعتقل تعرض خلالها للتعذيب والحبس الإنفرادي. وخرج من المعتقل في مارس 1967.
o عمل مديرا للجمعية التعاونية لخان الخليلي، وأتاح له ذلك معايشة العمال والحرفيين الذين يعملون في الفنون التطبيقية الدقيقة.
o بعد صدور كتابه الأول عرض عليه محمود أمين العالم المفكر الماركسي المعروف، والذي كان رئيسا لمؤسسة أخبار اليوم الصحفية أن يعمل معه فانتقل للعمل بالصحافة.
o بعد أن عمل في الصحافة بدأ يتردد على جبهة القتال بين مصر واسرائيل بعد احتلال إسرائيل لسيناء، وكتب عدة تحقيقات صحفية تقرر بعدها تفرغه للعمل كمحرر عسكري لجريدة الأخبار اليومية واسعة الانتشار، وشغل هذا التخصص حتى عام 1976. شهد خلالها حرب الاستنزاف 1969 – 1970 على الجبهة المصرية، وحرب أكتوبر 1973 على الجبهتين المصرية والسورية. ثم زار فيما بعد بعض مناطق الصحراء في الشرق الأوسط، مثل شمال العراق عام 1975، ولبنان 1980، والجبهة العراقية خلال الحرب مع إيران (عام 1980- 1988) .
o منذ عام 1985 أصبح محررا أدبيا لجريدة الأخبار، وكاتبا بها. ثم رئيسا لتحرير (كتاب اليوم) السلسلة الشهرية الشعبية ثم رئيسا لتحرير أخبار الأدب مع صدورها عام 1993.
o تزوج عام 1975، أب لمحمد وماجدة.
o كتب أول قصة قصيرة عام 1959.
o نشر أول قصة يوليو 1963. وعنوانها (زيارة) في مجلة الأديب اللبنانية. وفي نفس الشهر نشر مقالا في مجلة الأدب التي كان يحررها الشيخ أمين الخولي، وكان المقال حول كتاب مترجم عن القصة السيكولجية.
o منذ يوليو 1963 وحتى فبراير 1969 نشر عشرات القصص القصيرة نشرت في الصحف والمجلات المصرية والعربية، كما نشر قصتين طويلتين، الأولى بعنوان "حكايات موظف كبير جدا". نشرت في جريدة المحرر اللبنانية عام 1964، والثانية "حكايات موظف صغير جدا". نشرت في مجلة "الجمهور الجديد" عام 1965.
o ولد عام 1945، التاسع من مايو، في قرية جهينة محافظة جرجا (سوهاج حاليا) .
o نشأ في القاهرة القديمة، حيث عاشت الأسرة في منطقة الجمالية، وأمضى فيها ثلاثين عاما.
o تلقى تعليمه في مدرسة عبدالرحمن كتخدا الابتدائية، ومدرسة الجمالية الابتدائية.
o تلقى تعليمه الاعدادي في مدرسة محمد علي الاعدادية.
o بعد الشهادة الإعدادية التي حصل عليها عام 1959، التحق بمدرسة العباسية الثانوية الفنية التي درس بها ثلاث سنوات فن تصميم السجاد الشرقي وصباغة الألوان.
o تخرج عام 1962، وعمل في المؤسسة العامة للتعاون الانتاجي رساما للسجاد الشرقي، ومفتشا على مصانع السجاد الصغيرة في قرى مصر، أتاح له ذلك زيارة معظم أنحاء ومقاطعات مصر في الوجهين القبلي والبحري.
o أعتقل عام 1966 بتهمة الانتماء الى تنظيم ماركسي سري. وأمضى ستة شهور في المعتقل تعرض خلالها للتعذيب والحبس الإنفرادي. وخرج من المعتقل في مارس 1967.
o عمل مديرا للجمعية التعاونية لخان الخليلي، وأتاح له ذلك معايشة العمال والحرفيين الذين يعملون في الفنون التطبيقية الدقيقة.
o بعد صدور كتابه الأول عرض عليه محمود أمين العالم المفكر الماركسي المعروف، والذي كان رئيسا لمؤسسة أخبار اليوم الصحفية أن يعمل معه فانتقل للعمل بالصحافة.
o بعد أن عمل في الصحافة بدأ يتردد على جبهة القتال بين مصر واسرائيل بعد احتلال إسرائيل لسيناء، وكتب عدة تحقيقات صحفية تقرر بعدها تفرغه للعمل كمحرر عسكري لجريدة الأخبار اليومية واسعة الانتشار، وشغل هذا التخصص حتى عام 1976. شهد خلالها حرب الاستنزاف 1969 – 1970 على الجبهة المصرية، وحرب أكتوبر 1973 على الجبهتين المصرية والسورية. ثم زار فيما بعد بعض مناطق الصحراء في الشرق الأوسط، مثل شمال العراق عام 1975، ولبنان 1980، والجبهة العراقية خلال الحرب مع إيران (عام 1980- 1988) .
o منذ عام 1985 أصبح محررا أدبيا لجريدة الأخبار، وكاتبا بها. ثم رئيسا لتحرير (كتاب اليوم) السلسلة الشهرية الشعبية ثم رئيسا لتحرير أخبار الأدب مع صدورها عام 1993.
o تزوج عام 1975، أب لمحمد وماجدة.
o كتب أول قصة قصيرة عام 1959.
o نشر أول قصة يوليو 1963. وعنوانها (زيارة) في مجلة الأديب اللبنانية. وفي نفس الشهر نشر مقالا في مجلة الأدب التي كان يحررها الشيخ أمين الخولي، وكان المقال حول كتاب مترجم عن القصة السيكولجية.
o منذ يوليو 1963 وحتى فبراير 1969 نشر عشرات القصص القصيرة نشرت في الصحف والمجلات المصرية والعربية، كما نشر قصتين طويلتين، الأولى بعنوان "حكايات موظف كبير جدا". نشرت في جريدة المحرر اللبنانية عام 1964، والثانية "حكايات موظف صغير جدا". نشرت في مجلة "الجمهور الجديد" عام 1965.
o كتب ثلاث روايات في الفترة من 1963 و1968.
o صدر أول كتاب له عام 1969، "أوراق شاب عاش منذ ألف عام" صدر متضمنا لخمس قصص قصيرة كتبت كلها بعد هزيمة الجيش المصري في سيناء عام 1967. لاقى الكتاب ترحيبا واسعا من القراء والنقاد.§ رحيل الخريف الدامي لم تنشر
§ محكمة الأيام فقد المخطوط أثناء اعتقاله عام 1966
§ اعتقال المغيب فقد المخطوط أثناء اعتقاله عام 1966
الجوائز الحاصل عليها ..
1980 جائزة الدولة التشيجيعية في الرواية
1997 جائزة سلطان العويس
1997 جائزة لورا باتليون الفرنسية لكتابالتجليات
2005 مناصفة مع المترجم خالد عثمان
1980 وسام العلوم والفنون من الطبفة الأولى مصري
1987 وسام الاستحقاق للآداب والفنون من طبقة فارس
1994 جائزة الصداقة العربية - الفرنسية
2006 جائزة جرينزانا كافور للأدب الاجنبى - ايطاليا
De retour d'un voyage hors d'Égypte, le narrateur apprend que son père est décédé durant son absence ; c'est l'occasion pour lui, après une période de tourments, de se pencher sur ce que fut la vie de cet homme modeste et digne, à l'occasion d'un long périple intérieur.
Déféré devant le Divan, instance mystique qui régit les destinées du monde, il reçoit l'autorisation de voyager en illumination, c'est-à-dire de balayer les lieux et les époques en assistant à diverses manifestations surnaturelles. Il a ainsi l'occasion d'incarner des personnalités relevant d'autres temps, de visionner des événements qu'il n'a pu vivre dans son existence terrestre, ou encore de dialoguer avec des êtres animés ou inanimés.
Écrit dans une langue à la fois simple et somptueuse, Le Livre des illuminations est un chef-d'oeuvre par son invention d'une forme romanesque spécifiquement arabe, à la fois autobiographie poignante et conte polyphonique explorant les méandres de l'âme égyptienne.
Gamal Ghitany est né en 1945. Dessinateur de tapis à dix-sept ans, il publie parallèlement son premier recueil de nouvelles. Grand reporter à vingt-trois ans, il couvrira tous les conflits de la région : israélo-arabe, Beyrouth, Iran-Irak... De nombreux romans et recueils de nouvelles témoignent de l'immense talent littéraire d'un des plus grands auteurs de l'Égypte actuelle.التجربة الصوفية والتجربة الأدبية كلتاهما تلتقيان عند المنبع؛ وهو الروح والوجدان والشعور، وعند أداة التعبير؛ وهي اللغة الرامزة. أما الغايات فقد تتفق وقد تختلف. وفي دراسة المنبع والأداة تكمن الصعوبات التي واجهها الفكر الإنساني عبر العصور. غير أن الصعوبة تزداد عندما تواجه الدراسة توظيف الرمزية الأدبية للرمزية الصوفية؛ أي عندما تواجه عملية معقدة من التأويل: تأويل الصوفية للوجود الذي هو " كلمات الله التي لاتنفد"، وتأويل الأدب لهذا التأويل الصوفي.
ولقد حاولت هذه الدراسة أن تحلل طبيعة الالتقاء بين التصوف والرواية. وتوصلت في (المدخل) إلى أن توظيف الصوفية في الشعر يختلف عنه في الرواية. ففي الشعر يمكن الامتزاج، ونستطيع أن نطلق لقب (الشاعر الصوفي) إطلاقاً حقيقياً. فـ(ابن الفارض) مثلاً امتزج مع الرؤية الصوفية، وعبر عنها، وتبناها، ومن ثمّ أصبح شاعراً صوفياً. ولذلك يقول جان شوفليي: "عندما يصير الشاعر صوفياً فإنه يعبِّر عن تجربة ليست شاعرية فحسب"؛ أي أنه يعبر عن تجربة شعرية وصوفية في وقت واحد.
أما في الرواية فلا نستطيع أن نطلق لقب "الروائي الصوفي" إلا على سبيل المجاز؛ أي على ذلك الروائي الذي يهتم –مثلاً- باستدعاء الشخصيات والجماعات الصوفية في أعماله، أو ذلك الذي يستعين بأساليب اللغة الصوفية، أو ذلك الذي يغلب على شخصياته اتخاذُ ملامح صوفية معينة، أو تظهر منها (تيمات) صوفية معروفة كتيمة (الكرامات) مثلاً.
ونظراً لخصوصية توظيف الصوفية عند الكاتبين الكبيرين: نجيب محفوظ، وجمال الغيطاني فقد اقتصرت الدراسة على تحليل أعمالهما مرتكزة علىالأسباب التالية:
1- إن نجيب محفوظ يمثل تجربة روائية ممتدة زمنياً، وقد تفاعلت هذه التجربة مع الأحداث المختلفة التي مر بها المجتمع المصري خلال القرن العشرين. وهذا يمكن أن يعطي صورة جيدة لتفاعل الفن الروائي مع الرؤية الصوفية ومدي وجودها وحركتها في المجتمع خلال هذه الفترة.
2- إن نجيب محفوظ قد مارس الكتابة الروائية التي تمثل معظم تيارات الفن الروائي واتجاهاته الفنية من تاريخية، وواقعية، ونفسية، ورمزية ...إلخ. وهذا يمكن أن يعطي صورة عن علاقة التوظيف الصوفي بنوع الاتجاه الروائي.
3- إن جمال الغيطاني من أبرز المبدعين الروائيين خلال النصف الثاني من القرن العشرين، وقد استطاع أن يوجد لنفسه مكانة روائية متميزة على مستوى الرؤية والأداة. والدراسة عندما تقف عنده فهي تقف عند ممثل مهم لتيار مهم في الفن الروائي؛ فهو "أحد أدباء جيل الستينيات، ذلك الجيل المتميز في كل شيء" على حد عبارة الناقد وجيه يعقوب. بل إن الأديب يوسف إدريس لا يرى الرواية في هذا الجيل إلا رواية جمال الغيطاني. وهذا يعطي الدراسة تمثيلاً جيداً لمكانة التوظيف الصوفي عند هذا الجيل.
4- إن جمال الغيطاني له تجربة متميزة في استلهام التراث الصوفي، وبهذه التجربة احتل مساحة عريضة في الدرس النقدي فيقول عنه سعيد يقطين مثلاً: "إن الغيطاني من أهم كتاب السرد العربي المعاصرين الذين غرفوا من مَعين التراث العربي، وقدموا لنا نصوصاً تتفاعل وتتعلق بالتراث السردي القديم". وهو –عند الدكتور جابر عصفور- "روائي عُرِف بالإفادة من الميراث الصوفي في كتاباته الروائية، وعلى رأسها كتابه (التجليات) بأجزائه الثلاثة". وهذا ما يمكن أن يعطي الدراسة فرصة جيدة لاختبار قضية التوظيف الصوفي عند كاتب هو أبرز ممثليها.
5- إن الموقف النقدي يطرح اختلافاً واضحاً حول مدى قرب جمال الغيطاني من نجيب محفوظ أو بعده عنه. ففي الوقت الذي يرى فيه الدكتور محمد بدوي أن جمال الغيطاني يكاد يكون " الروائي الوحيد في جماعته الذي ينتمي –بشكل أو بآخر- إلى مدرسة نجيب محفوظ، لكن مع قدرته على أن يظل مختلفاً، قادراً على إعلان قسَماته الخاصة، هذه القسمات التي يمكن أن نلمحها على سبيل المثال في جنوحه نحو موروث الجماعة"، فإننا من جهة أخرى نجد الدكتور صلاح فضل يقول إن الغيطاني "يقف على أقصى الطرف المقابل لشيخه وحبيبه نجيب محفوظ. فبينما يستلُّ نجيب رؤيته للكون من تجسيمات موضوعية لحَيَوَات الآخرين، وتمثيلات فنية لآفاقهم التي لا تمتُّ له شخصياً بسبب، نجد الغيطاني قد جعل من همسات روحه ورعشات جسده في اليقظة والكرى مادة مباشرة لإبداعه الذاتي الحميم". كذلك نجد أن جمال الغيطاني يتحدث عن علاقته الأدبية بنجيب محفوظ حيث يقول: "غير أن الكاتب العربي الذي توقفتُ عنده طويلاً وقرأته بعناية وعمق كان نجيب محفوظ، وقد بدأ اهتمامي به وأنا في الخامسة عشرة من عمري، كذلك تعرفتُ به في نفس المرحلة، وربطتني به علاقة عميقة اثّرت في على المستوى الشخصي عندما قرأتُ رواياته لأنها كانت تحمل عناوين نفس المنطقة التي أعيش فيها: خان الخليلي، بين القصرين، السكرية، قصر الشوق. وتوقفتُ أمامه طويلاً؛ ربما أيضاً لأنني وجدت رواياته في مستوى الروايات العالمية التي قرأتها ونمَوت من خلالها". ويقول في موضع آخر: "أما كتاب مصر المحدثون فلم يأسرني منهم سوى نجيب محفوظ، وقد قرأت الثلاثية أكثر من عشرين مرة، وأستطيع أن أقرأ عن ظهر قلب عدة فصول منها من الذاكرة". ولذلك فإن دراسة موضوع معين –مثل موضوع التوظيف الصوفي-عند الكاتبين يمكن أن يسهم في توضيح عناصر الاستمرار، وعناصر الاختلاف، في مسيرة الرواية المصرية مجسَّدةً في إبداع هذين الكاتبين الكبيرين.
6- إن نجيب محفوظ وجمال الغيطاني كان لهما كتاباتهما وشهاداتهما وحواراتهما (غير الروائية) حول التصوف والجوانب الصوفية في أعمالهما الروائية. وهذا ما يسميه سعيد يقطين بـ"المُناصِّ الروائي" ويعرِّفه بقوله: "هو النص الموازي الذي يكتبه الروائي على هامش نصوصه، وبشكل مستقل عنها، مجَلِّياً طريقته في الإبداع الفني وفهمَه له. وتكون لهذا المُناصِّ، في غالب الأحيان، طبيعة نقدية؛ لأن الروائي يعمل من خلاله على الكشف عن أسباب ودواعي وخلفيات ممارسته الروائية، وما يتميز به عن غيره في سلوكه نمطاً معيناً من الكتابة. إنه في هذا النص يقدم لنا "وعيه" بالكتابة التي ينتجها". وهذا مما يمكن أن يضيء قضية التوظيف الصوفي عند هذين الكاتبين الكبيرين.
ومن خلال فصول الدراسة الخمسة التي قدمت تحليلاً للملامح والعناصر الصوفية في تكوين: الشخصية، والحدث، والمكان، والزمان، واللغة، توصلت الباحثة إلى كثير من النتائج الجزئية التي نذكر منها:
1. تنوعت شخصيات نجيب محفوظ في توظيف الملامح الصوفية ما بين الطابع الإيجابي والطابع السلبي؛ فكانت الصوفية التي تؤدي إلى الانعزال عن حركة الحياة والمجتمع صوفية سلبية يدينها الكاتب –ضمناً- بسقوطها أو بفشلها: وذلك ما وجدناه في مصير كامل رؤبة في (السراب)، وبفشل تجربة الحب عند كمال عبد الجواد في الثلاثية، وبانهيار عمر الحمزاوي في (الشحاذ). أما الصوفية التي تجسد توازن الشخصية وتفاعلها مع القيم الإيجابية للإنسان، وللاصلاح الاجتماعي فقد حققت النجاح: إما بتكريس رسالة ترمز إلى طريق هذا التوازن كما في شخصية ابن فطومة، وإما بتكريس أفعال ملموسة وصريحة كما فعل (عاشور الناجي الجد) و(عاشور الناجي الحفيد) في (ملحمة الحرافيش).
2. تعامل نجيب محفوظ مع شخصيات التصوف الشعبي (المجاذيب) باعتبارهم رموزاً للحكمة المجهولة، وللإشارة إلى أن الإنسان فيه من (الأسرار) و(الطاقات الخفية) ما يجعل (الحقيقة) مسألة نسبية.
3. مثلت تجربة شخصيات (ثرثرة فوق النيل) الصوفية المصطنعة؛ أي العزلة المادية والنفسية بفعل المخدر. ومن ثم كان ادعاؤهم بأنهم (هائمون في الملكوت) بمثابة سخرية ضمنية من الكاتب من أي شكل من أشكال الهروب من المسئولية الاجتماعية.
4. هناك ارتباط واضح بين طبيعة تكوين الشخصية الروائية عند نجيب محفوظ ونظرته إلى الشخصية الإنسانية السوية عموماً من حيث توازنها وتكامل قواها العقلية والشعورية والاجتماعية. ولقد أفاد في ذلك من قراءاته الفلسفية والنفسية. ومن ثم انعكس ذلك على تحديد حجم الجانب الصوفي في تكوين شخصياته. فالتصوف رمز للطاقة الروحية المهمة بالنسبة للإنسان، ولكن التطرف فيه ينجم عنه خلل الشخصية.
5. وفي المقابل فإننا نجد أن شخصية الراوي في أعمال جمال الغيطاني قد حملت قدراً أكبر من الملامح الصوفية. ولكن يلاحَظ أن هذه الشخصية قامت على ما يمكن أن يسمَّى (صوفية بلا تصوف)؛ أي صوفية إنسانية وليست ميتافيزيقية. ولذلك فإن هذه الشخصية تبحث عن المعنى الكامن وراء الظواهر التي تهم الإنسان (كالفقد، وغياب رموز العدل، وتحول مصائر البشر في سياق تحول اجتماعي معين)، أو تهمها هي على المستوى المعرفي الذاتي (كالبحث عن حقيقة الجمال الأنوثي، أو معرفة الدلالات العميقة وراء فكرة البنيان).
6. استثمر الغيطاني كثيراً من الأفكار الصوفية في تكوين ملامح الشخصية (وذلك مثل فكرة الكرامة، والرؤيا، والأبدال، والرحلة). ولكنه وظف هذه الأفكار ليس باعتبارها (حقائق) كما هي في نظر الصوفي، وإنما باعتبارها تجليات لقدرة التخيل الروائي.
7. جعل الغيطاني الشخصية الصوفية شخصية روائية كما فعل بالنسبة لشخصية (محيي الدين بن عربي) في التجليات حيث جسد دور (المرشد) لشخصية الراوي، وأحياناً دور (الملقِّن) الذي يجعله ينطق بنصوصه. ولقد جاء هذا التوظيف ليس دعماً لإضفاء الجو الصوفي على الرواية فقط، وإنما لأن ابن عربي هو أكبر من فتح باب (الخيال) في التراث العربي الإسلامي؛ فهو –إذن- مرشد الكاتب إلى آفاق الإبداع التي يمكن أن يصل الخيال إليها، ومنها أفق الإبداع الروائي.
8. يغلب على استدعاء الملامح الصوفية في تشكيل الحدث الروائي عند نجيب محفوظ الارتباط بحالة (العزلة والانفراد): إما مكانياً (مثلاً: عند التكية، أو على سطح المنزل، أو في الخلاء، أو في دار الغروب)، وإما شعورياً (فيما أسمته الدراسة بالأحداث الساكنة كما في تيار وعي كمال عبد الجواد، أو خواطر أنيس زكي).
9. يمثل حدث (الإعداد والتدريب) ملمحاً مهماً عند نجيب محفوظ فيما يخص التزود بالطاقة الصوفية الروحية. وهنا نجد نموذجين:
(أ): التدريب المغلق؛ أي الذاتي الانعزالي، مثل ذلك الذي قام به عمر الحمزاوي في (الشحاذ)، ومثل ذلك الذي قام به كمال في الثلاثية (عزلة القراءة، والانغماس في أحلام اليقظة المثالية)، ومثل ذلك الذي قام به أبطال (الثرثرة) (في عزلة العوامة مع المخدر). وهذا النموذج لم ينجح لأنه (سلك الطريق المجهول) إما إلى ما وراء الحياة الإنسانية (عمر الحمزاوي)، وإما إلى ما وراء الحقيقة الواقعية (كمال)، وإما إلى ما وراء الفعل والمشاركة في حركة المجتمع (أبطال الثرثرة).
(ب): والتدريب المفتوح الذي يعود بعده الشخص إلى أداء رسالته في العمل والحياة (عاشور الناجي الجد والحفيد: المواظبة على سهرة ساحة التكية، ثم العمل في الحارة ومع الحرافيش)، أو إلى مواصلة رحلته بحثاً عن الإصلاح (ابن فطومة بعد التدريب في دار الغروب). وهذا الملمح وإن كان له مكانة مهمة في التراث الصوفي تمثلت في ضرورة أن يكون للمريد شيخ أو أستاذ مرشد، إلا أن الغاية عند نجيب مختلفة؛ حيث إنه يصب في مجرى نظرته العامة إلى التصوف باعتباره عنصراً مكملاً لبناء الشخصية الإنسانية المتوازنة والمتكاملة؛ فهو –أي التصوف- مطلوب بمقدار تحقيق هذه الغاية في الحياة، وليس مطلوباً من أجل مفارقة الحياة واعتزالها.
10. يغلب على استدعاء الملامح الصوفية في تشكيل الحدث عند نجيب محفوظ ارتباط ذلك بأزمة نفسية. ومن ثم فالتصوف يمثل بالنسبة للشخصية ملاذاً روحياً للتغلب على هذه الأزمة. ولكن نجيب محفوظ لا يقدمه بوصفه –وحدَه- حلاً كافياً لهذه الأزمة.
11. وفي المقابل نجد جمال الغيطاني يقوم باستثمار واسع للخيال الصوفي في تشكيل أحداثه الروائية حتى ليشعر القارئ أنه أمام منافسة إبداعية في إطلاق العنان لقدرات التخيل بينه وبين أكثر صوفي إسلامي انحيازاً لقدرات الخيال؛ وهو ابن عربي. ومع ذلك فإن هناك فارقاً مهماً بين الرمزية الميتافيزيقية لخيال ابن عربي، والرمزية الفنية للخيال الروائي عند الغيطاني حيث استند هذا الأخير على ما قدمته المعرفة الحديثة من كشوف حول النفس البشرية، وبخاصة ما يتعلق باللاشعور وملكات الإبداع، وحول الأساطير، وما قدمه الفن الروائي العالمي في مجال الغرائبية والعجائبية.
12. ثمة ملمح واضح في الحدث الروائي عند الغيطاني وهو إضفاء الطابع الصوفي على أشد المواقف حسية، وأكثر الظواهر ماديةً، حتى وصل الأمر إلى (روحنة) الحدث الحسي بين المحب ومحبوبته، وإلى (روحنة) المكان والبنيان. وهذا يعني أن نظرته للإنسان وللوجود قائمة على رؤية الذات في كليتها غير المنقسمة إلى عناصر مثل تلك التي تحدث عنها نجيب محفوظ (الأنا الجسماني والأنا الروحاني –انظر: المدخل). إنها رؤية تغاير رؤية نجيب محفوظ القائمة على ضرورة الضبط والتحكم والتوازن بين العناصر المكونة للشخصية.
13. من ناحية التوظيف الصوفي انقسم المكان عند نجيب محفوظ إلى نوعين: المكان المرتبط –تقليدياً- بالمتصوفة؛ وأبرز نماذجه (التكية) و(الضريح) و(الخلاء)، والمكان الذي أضفى عليه الكاتب طابعاً صوفياً حسب سياق العمل الروائي (مثل قصر المحبوبة عايدة شداد بالنسبة لكمال في الثلاثية).
14. تمثلت رمزية النوعين المكانيين في اتجاهين مختلفين: الأول: تبدو فيه رمزية المكان الصوفي إلى الجانب الروحي صادرةًً من المكان ومتجهةً إلى الشخصية، وحسب استعداد هذه الشخصية يكون تلقيها لهذه الرمزية الروحية. والثاني يبدو فيه الرمز مُسقطاً من الحالة الشعورية للشخصية على المكان؛ حيث تضفي عليه في لحظات روحية معينة طابعاً صوفياً. ومن هنا فقد اتسمت رمزية المكان في النوع الأول بالثبات، واتسمت رمزية المكان في النوع الثاني بالتغير.
15. وفي المقابل فإننا نجد رمزية المكان عند جمال الغيطاني أكثر حضوراً وكثافة بسبب نظرته إلى المكان نظرة صوفية ترى فيه روح الإنسان ومشاعره وأشواقه وآماله في الحياة، وترى فيه أيضاً معتقده وموقفه من الموت.
16. هناك ارتباط واضح بين تجربة الحب وتجربة المكان عند الغيطاني؛ حيث بدا سعي الراوي في محاولة الوصول إلى (حقيقة الجمال الأنوثي)، متلازماً مع سعيه في الوصول إلى (حقيقة البنيان). كذلك بدا حضور المحبوبة وحضور المكان مجسداً (وحدة وجود) من نوع خاص؛ ولذلك فإننا كثيراً ما نجد تبادل التشبيهات والمجاز بين الطرفين. وفي هذا السياق يبدو البنيان كائنا ناطقاً بالجمال، ويبدو المكان مشبعاً بالخصوبة، كما يأتي السرد بالحديث عن (العمارة الأنثوية).
17. يربط الغيطاني بين صلابة الوجود المكاني ومحاولة الإنسان مقاومة الزمن الذي يؤثر على الإنسان بالتغير أو بالفقد أو بالموت. ومن ثم يأتي الشغف بـ(معرفة) المكان والبنيان تجسيداً لرغبة الوصول إلى هذا (السر الباطني) الذي يمنح المكان هذه الصلابة. وهذه المعرفة جعلت الراوي في حال (الرحلة والسفر) من مكان إلى آخر باحثاً عن (الباطن) الكامن وراء (الظاهر).
18. ينقسم الزمن عند نجيب محفوظ إلى نوعين رئيسيين: الزمن الموضوعي، أو الخارجي، والزمن الذاتي، أو النفسي. والأول راسخ ومتحرك إلى الأمام بشكل مستقل عن رغبات الإنسان. وينطوي تحت هذا الزمن الموضوعي ما يمكن أن نسميه بالزمن الاجتماعي الذي يستوعب حركة الإنسان وفعله في سياق مرحلة تاريخية محددة (زمن الحرافيش –مثلاً). أما الثاني فهو متغير بتغير الحالات الروحية والشعورية للشخصية. وفي إطار هذا الزمن النفسي نجد أنواعاً فرعية للزمن مثل الزمن العاطفي (زمن التجربة العاطفية لكمال عبد الجواد –مثلاً)، والزمن الروحي (زمن الدراويش في التكية –مثلاً)، وزمن الغيبوبة (زمن ابطال العوامة –مثلاً)، وزمن الرؤيا (كما في رؤى عاشور الناجي الجد والحفيد)، وزمن الرحلة الرمزية (كما في رحلة ابن فطومة). وفي إطار هذا النوع الثاني نجد حضور الملامح الصوفية.
19. بيدو الزمن المثالي عند نجيب محفوظ هو ذلك الزمن الذي يتوافق فيه الزمن النفسي مع الزمن الاجتماعي (كما حدث بالنسبة لعاشور الناجي الحفيد). فإذا انفصل الأول عن الثاني يكون السقوط (كما حدث لكامل رؤبة، ولعمر الحمزاوي، ولأبطال الثرثرة، ولكثير من شخصيات سلالة الناجي ). ويأتي الزمن الروحي الصوفي في هذا الإطار مشروطاً بهذا التوافق.
20. يمثل (المستقبل) عند نجيب محفوظ بعداً زمنياً مهماً ينبغي العمل لجعله أفضل من الحاضر. وهذا هو مغزى الرحلة الرمزية لابن فطومة، وللإلحاح على فكرة (إرادة الحياة) في نهاية (الثرثرة). وبدون تحديد واقعي للهدف، وبدون الفعل الإيجابي من أجل تحقيقه، يظل الإنسان (حائراً أبدياً) كما حدث لكمال عبد الجواد. وفي إطار ضرورة هذا السعي الإيجابي إلى المستقبل يبدو التزود بالقيم الروحية، والمثل العليا، أمراً لازماً. وهنا يمثل (التصوف) الإيجابي رمزاً لهذه القيم والمثل.
21. وفي المقابل تأتي السيطرة الواضحة للزمن النفسي على أعمال الغيطاني. وكانت الرؤية الصوفية لفكرة (الوقت) و(الحال) و(اللحظة) مصدراً غنياً للتوظيف الفني في رواياته.
22. هناك ارتباط واضح بين (الوقت) و(الفقد) عند الغيطاني. وكان إدراكه الحاد بأن الزمن يمضي إلى (الماضي) مصدراً للحزن الذي يُفقده المتعة بـ(الحاضر). ولذلك انبثقت عنده فكرة (تثبيت اللحظة) ومحاولة استعادتها بالمخيلة، ثم بالتدوين (الكتابة الروائية) التي جسدت لديه انتصاراً على الزمن والفقد؛ فقامت الرواية تارة باستدعاء الراحلين من خلال بعثهم روائياً بـ(التجليات)، وتارة بتدوين التجربة مع المحبوبة بكل تفاصيلها الدقيقة (هلاّتها، أماكنها...)، وتارة بإقامة (البنيان الروائي) محاكاة للـ(البنيان المعماري) رغبةً في (إبطاء تأثير الزمن). وفي ذلك كله كان الغيطاني يوظف العناصر الصوفية محولاً مضامينها الميتافيزيقية إلى تجربة إنسانية حميمة.
23. جسدت اللغة الصوفية مصدراً واسعاً للتوظيف الروائي بسبب قيامها على الرمز والمجاز. وكان للمبدأين الصوفيين: "ما ثَمَّ شيء إلا وهو حي" و"ليس في العالم صمت أصلاً" حضور فني تمثل في استثمار كل من نجيب محفوظ والغيطاني لهما في إنطاق الطبيعة والأشياء الجامدة.
24. استثمر الكاتبان بشكل واضح الأسلوب الصوفي الذي صاغ به المتصوفة تجربة (الحب الإلهي)، وذلك في صياغتهما لتجربة (الحب الإنساني).
25. كذلك استثمر الكاتبان اللغة الصوفية في صياغة الرؤى والأحلام.
26. ومع هذا التشابه فإن هناك اختلافاً واضحاً بين الكاتبين في حجم التوظيف الروائي للغة الصوفية؛ حيث تزداد كثافة هذا التوظيف عند الغيطاني الذي يبدو على أسلوبه (التشرُّب) الواضح لهذه اللغة× إلى الدرجة التي يقيم معها البناء الروائي بأكمله عليها.
27. يبدو أن مصدر التأثير الصوفي على لغة نجيب محفوظ مستمد –في أساسه- من لغة التصوف الفارسي، ومن لغة الفلاسفة الروحيين أمثال: اسبينوزا -صاحب نظرية وحدة الوجود الذي يجد كمال في الثلاثية العزاء في فلسفته- وبرجسون الذي تحدث –(بشاعرية) كما يصفه كمال في الثلاثية أيضاً- عن نشوة الشعور، وعن الكمال، وعن الطاقة الروحية، وسانتيانا الذي تحدث عن (المثل الأعلى) و(الروح) و(النشوة)، و(حب الطبيعة والفن) و(جوهر الحقيقة المجرد). وفي المقابل يبدو مصدر التأثير الصوفي على لغة الغيطاني مستمداً أساساً من قراءاته أمهات التصوف الإسلامي وبخاصة (الفتوحات) لابن عربي.
وفي خاتمة الدراسة تقول الباحثة إن البحث الحقيقي عن دور الرؤية الصوفية –في معناها الخاص المعروف- في الحياة الإنسانية لم يأخذ حيزه ومكانته في الرواية العربية إلا مع نجيب محفوظ أولاً، ثم مع عدد من كتاب الرواية بدءاً من جيل الستينيات الذي يبرز فيه جمال الغيطاني.
وقبل أن تتوجه الخاتمة إلى الموازنات والمقارنات العامة بين مكانة الصوفية في عالم كل من هذين الكاتبين الكبيرين، فإنها أشارت إلى نقطة مهمة. وهذه النقطة هي أن تفاعل الأعمال الروائية مع الصوفية اتخذ درجات وأشكالاً متنوعة. وهذه الدرجات والأشكال تنتمي إلى ما يسميه النقاد بـ"ظواهر التناص". و(التناص) –في جوهره- نوع من (التأويل). فالنص حين يتفاعل مع نص آخر، أو نصوص أخرى، إنما يقوم بعملية تأويل لما تفاعل معه. وهذا التفاعل يشبه تقديم قراءة جديدة للنص الآخر. ولتوضيح ذلك تقول الباحثة إن موقف الروائيين من الصوفية لا يمكن أن يكون استنساخاً لها بكل أبعادها وممارساتها ورؤاها. فالنص الصوفي الذي (يوظفه) الكاتب هو نص ينتمي إلى ظروفه التاريخية، وكذلك الروائي هو –في نهاية الأمر- ابن علاقته بعصره وثقافته ومعرفته. فالمسألة بينهما –أي بين الروائي والنص الصوفي- لا بد أن تكون حواراً يستثمر من خلاله الكاتب النص الصوفي لأغراض ربما تكون على درجة النقيض من الرؤية الصوفية القائمة في النص. ومن الأهمية بمكان أن يلاحَظَ أن (التأويل) له صلة قوية بالتصوف وبالفلسفة الروحية. وهنا تستند الباحثة على الدكتور مصطفى ناصف في كتابه (نظرية التأويل) حيث نجد أن"التأويل يدين لفلاسفة كثيرين... يتفقون في هذا الميل العام إلى امتلاء التجربة المعيشة، ويعارضون الاتجاهات الشكلية الآلية". ومن هؤلاء (دِلثي: 1833-1911م) الذي استبعد "المقولات الساكنة...بحثاً عن لحظات فريدة ذات معنى، أو تجربة مركبة حية مباشرة ومُحِبّة لما هو خاص"، كذلك بحثاً عن "التأويل الذي يحفظ ديناميات الحياة الباطنية الحافلة بالشعور والمعرفة والإرادة... الحياة يجب أن تُفهَمَ من تجربة الحياة نفسها...إننا ندرك ونفكر ونفهم في داخل الماضي والحاضر والمستقبل، وداخل مشاعرنا". وفي خلال هذا العرض يقول الدكتور ناصف: "التأويل إذن يحفل بقوى الروح ضد المتصلب والمميت، أو يحفل بالقوى الدينامية التي لا تنفد، قوى الخلق والمعنى".
وعلى ضوء ذلك تقول الباحثة إن تأويل الروائيين للصوفية كان –في جانب منه- نوعاً من البحث عن هذه التجربة المعيشة الممتلئة بالشعور والحياة، وبالحركة التي لا تنفد. لقد كان نوعاً من البحث عن "الطاقة الروحية" على حد مصطلح برجسون الذي أُغرم به نجيب محفوظ. فالروائي حين (وظَّف) النص الصوفي كان أيضاً يوظف (النور الروحي) الكامن في هذا النص؛ النور الذي يقاوم الظلمة، والفقد، والمادية الطاغية في هذا العصر. لقد كان الروائي يؤول النص الصوفي وكأنه يتخذ منه (سلاحاً) يقدمه لنفسه ولإنسان هذا العصر المطحون سواء بأزمات عامة، أو بأزمات ذاتية خاصة. وعلى ضوء ذلك لا نستغرب أن ترتبط –مثلاً- تجربة جمال الغيطاني مع النص الصوفي بمشكلة (البحث عن الهوية)؛ ولذا جاءت (التجليات) كما يقول فيصل دراج "دفقاً لغوياً يبحث عن الهوية في الكتابة، وعن الكتابة في الهوية"، فهي كتابة تعبر عن "زمن مهزوم". ولذلك يصح القول إنه "حين كتب الغيطاني التجليات كان يتوق إلى نص صوفي خاص به، ويحاكي نصاً صوفياً غائباً"، وحين كتب (الصبابة والوجد كان "يؤكد زمن العشق نفياً للزمن المتعاقب والمتواتر... إنه عشق وغربة، بل عشق غريب، محاصر بالاغتراب رغم بهائه".
هذا هو الأساس الذي قامت عليه الدراسة. فهي لم تكن تبحث عن ملامح النص الصوفي في النص الروائي إلا لترى كيف تم تأويل هذا الملمح أو ذاك لصالح الرؤية الأدبية، أو الفنية، التي تحملها هذه الرواية.
ومع نهاية الدراسة توجز الباحثة النتائج العامة التالية:
أولاً: لنجيب محفوظ موقفان مختلفان من التصوف باختلاف نوع التصوف نفسه. فإذا كان النوع المقصود هو تلك الطاقة الروحية المتعلقة بالقيم الإنسانية العليا، والتي تدفع الإنسان إلى الحلم بغاية نبيلة، وفي الوقت نفسه تدفعه نحو العمل لتحقيق هذه الغاية، فهو –إذن- تصوف إيجابي. ولقد ظهر ذلك في عدة نماذج من شخصياته الروائية أبرزها (عاشور الناجي) الجد، و(عاشور الناجي) الحفيد، في (ملحمة الحرافيش، و(قنديل العنابي) في (رحلة ابن فطومة). أما إذا كان النوع المقصود هو الانعزال عن الحياة الاجتماعية، وعن قضايا البشر وصراعهم مع قوى الشر، بدعوى البحث عن (الحقيقة المطلقة)، فذلك هو التصوف السلبي، وهو نوع من (الهروب) من مسئولية الحياة، مثل شخصية (عمر الحمزاوي) في (الشحاذ)، أو من مواجهة الإنسان لعجزه؛ مثل (كامل رؤبة) في (السراب).
ومعنى ذلك أن (التصوف) عند نجيب محفوظ هو (فكرة) –على حد المصطلح الدقيق للدكتور مصطفى عبد الغني في كتابه (نجيب محفوظ: الثورة والتصوف). ومادام أنه فكرة –مثلها مثل سائر الأفكار- فهو –أي نجيب محفوظ- يستطيع أن يأخذ منها موقفاً عقلياً، وأن ينظر إلى من لديه هذه (الفكرة) نظراً عقلياً، وأن (يوظفها) في عمله الروائي توظيفاً عقلياً. ولذلك فإن نجيب محفوظ عندما يقول عن التصوف "إنني لا أملك قط غير الرغبة، والرغبة فقط من الاقتراب من التصوف، وعشقه يكون عندي بهذا الشكل. أما غير ذلك فلا أقدر"، فهو –في تصور الباحثة- يضع (عشقه) في منطقة (التوازن)، وإلا: كيف يتفق (العشق) مع مجرد (الرغبة في الاقتراب)؟ وربما كان الأقرب إلى الدقة أن يقال إن محفوظ يضع حداً عقلياً يقف عنده (عشقه) للتصوف؛ وكأن هذا (العشق) لا يصل، ولا يجب أن يصل إلى (العشق)، بل لا بد أن يكون بقدر (خفيف) لا يتجاوز قدر (النِّسمة). وربما تتضح هذه الفكرة أكثر عندما نقارن بين هذا (العشق) و(الحرية) عند نجيب محفوظ. قهو يقول: "الفلسفة الروحية تعتبر النفس عالماً زاخراً بعيدَ الغور، نحس فيه بحريتنا، ونعرف بداهةً أن هذه الحرية غير متناهية". فحتى (الحرية) عنده لا بد أن يكون لها حد تقف عنده. هذا الاقتناع الفكري يصل إلى درجة (البداهة) التي لا تحتاج إلى برهان أو دليل. ومن هنا فإن (العشق) للتصوف لا بد أن يكون عند نجيب محفوظ ضمن إطار هذا الاقتناع الفكري.
وفي مقابل هذا الموقف الفكري فإننا نرى جمال الغيطاني يأخذ موقفاً مغايراً. فإذا كان محفوظ لا يرغب إلا في مجرد الاقتراب من بيت التصوف فإن الغيطاني يقرر أن يبني لنفسه (بيتاً روائياً) من (تجليات) التصوف، و(بصائره)، و(صبابته ووجده)، و(عشقه وغربته)، و(خلساته)، و(سفر بنيانه). ولذلك حملت شخصياته نفسَها على (المعراج)، وتجلت بـ(الكرامات)، وغاص الراوي في باطن (اللحظة) و(المكان)، ونطقت الموجودات بأسرارها الروحية، ولغتها الغنية بالفيض والوجد والحزن.
وطبعاً فإن الدراسة هنا لا تعني من وراء هذه المقارنة، أو غيرها، أي نوع من تفضيل روائي على الآخر، وإنما تريد فقط أن تبين الفروق بين الكاتبين في موقفهما من التصوف، وطريقة توظيفهما له. وهنا لا بد من سؤال هو: على أي شيء يدل الفرق بين الموقفين؟
تعتقد الباحثة أن هذا الفرق يدل على رؤيتين مختلفتين للحياة، ومن ثم رؤيتين مختلفتين لفن الرواية نفسه.
الرؤية الأولى –رؤية نجيب محفوظ- أقرب ما تكون إلى الإيمان الثابت بأن الطريق القويم هو الطريق العقلي المتوازن، وأن (إرادة الحياة) لا بد أن تنتصر، وأن هناك قيماً إنسانية عليا يجب الالتزام بها والعمل من أجلها؛ وذلك مثل الحرية والعدل والكرامة والخير والسلام...إلخ: "إذا خلُصتْ نفسُك من جراثيم الفساد خلُصتَ للحب الكامل، وخلُص الحب للكمال والخير". وفي هذه المنظومة يمكن للتصوف أن يقوم بدور (النِّسمة)، أو بدور (التوت) الذي يروي القلوب والأرواح لكي يواصل الإنسان كفاحه النبيل من أجل تحقيق هذه القيم على الأرض. كل ذلك يتجلى حتى في روايته (ثرثرة فوق النيل) التي تبدو في ظاهرها نوعاً من أدب العبث. وكما بينت الدراسة فإن كثيراً من (الأفكار المهمة) يُسَرِّبُها نجيب محفوظ بين ما يبدو أنه (هلوسات) لأنيس زكي؛ الأمر الذي اتضح في نهاية هذه الرواية بصورة الإنسان الذي أمسك بالحجر في يد (رمزاً لقيمة القوة) وبغصن شجرة في اليد الأخرى (رمزاً للقيم الروحية). فهذه الرؤية –إذن- لديها (إجابات) عما ينبغي أن يكون في الحياة.
أما الرؤية الثانية –رؤية جمال الغيطاني- فهي أقرب ما تكون إلى أن وسيلة معرفة الحياة هي أن (نعيشها)، أن نصغي إلى كل شيء فيها، وأن نلمسه بقلوبنا وخيالنا وحواسنا. وأن (نندهش) حتى من (عتبة البيت) الذي نسكن فيه؛ فلا شيء بسيط في هذا الوجود. كل شيء يحمل سرَّه؛ ولذلك فهو يثير الأسئلة:
"من سرى أولاً؟ الريح أم المطر؟ ما أول ظل؟ ما مصدر الرياح؟ وأين آخر محطّ؟ هل تعبر تلك النسماتُ الضفتين وتمضي إلى المدينة أيضاً؟"(سفر البنيان. ص198)، و"ما من إجابة شافية، لكنني أحمد الله أنني مازلت قادراً على الطرح، كثيراً ما يكون التساؤل أبلغ، وأدل، وأشفى من الجواب"(خلسات الكرى. ص118).
فهذه الرؤية –إذن- تجد في التجربة الصوفية هذا الجانب؛ جانب التجربة الحية: فـكما يقول مصطفى ناصف: "لقد اهتم المتصوفون بالتجربة التي غفل عنها المؤوِّلون الذين غلب عليهم المنطق الصوري أو التفلسف العقلي. هؤلاء اهتموا ببعض التصورات أو المفاهيم لا يستطيعون الفكاك من أسرها. أما المتصوفون فقد آثروا العناية بالتجربة. كانت التجربة عندهم أهم من التصور الذهني، أهم من المعرفة بمعناها النظري".
ثانيأً: هناك ربط قائم لدى نجيب محفوظ بين (التصوف) وفكرة (الحقيقة). وكان لقراءاته الفلسفية أثر واضح في هذا الربط؛ إذ بدت له مسألة (الحقيقة) مسألة غامضة ومحيرة عندما تكون تجريدية مطلقة؛ أي عندما تكون من مسائل ما وراء الطبيعة والواقع الإنساني. ولقد بدا ذلك واضحاً في صوفية (كمال عبد الجواد) في الثلاثية. أما إذا كانت الحقيقة مرتبطة بالقيم الإنسانية العليا فهي حقيقة نبيلة تستحق التضحية، وبدونها تصبح الحياة لا معنى لها. ولقد ظهر ذلك في رحلة ابن فطومة التي كان التطهير الصوفي فيها طريقاً للحلم بأن يعود للوطن بدواء من أمراضه التي أصابت روحه.
وعندما نقارن ذلك بجمال الغيطاني فإننا نجده هو أيضاً قد ربط بين التصوف والحقيقة. ولكن: أيُّ (حقيقة)؟ إنها هذه الحقيقة الغامضة المحيرة الكامنة في كل شيء. فكل شيء قابل لأن يكون (معنى) مجرداً، ودائماً "ثمة شيء ينتظرني.. لا أدري كنهَه؟ لكن طوافي حول غموضه يوحي ويبهج"(خلسات الكرى. ص49).
ثالثاً: يؤمن نجيب محفوظ بشكل واضح بضرورة (التوازن والاعتدال) بين قوى الإنسان الروحية والجسدية؛ فإذا طغى جانب على الآخر فإن ذلك يؤدي إلى (السقوط): في (الثلاثية) تعلق (كمال) بـ(متعة الخيال) فظل إلى آخر الرواية (حائراً أبدياً). وتعلق (ياسين) بـ(المتعة الحسية) ليواجه في النهاية السؤال المرير: "إلامَ يحتمل حياته المفعمة بالأهواء؟". وفي آخر سطر في الرواية نجدهما وقد "مضيا جنباً إلى جنب نحو البيت"؛ أي نحو (بين القصرين)؛ أي من حيث بدآ الحياة !! وفي (الشحاذ) غلبت فكرة (النشوة الروحية) على عمر الحمزاوي فكان انهياره. وفي (الطريق) غلبت (المتعة الحسية) على صابر الرحيمي فكان سقوطه أيضاً في وحل (كريمة) و(الجريمة). وهذه الجريمة هي ما وصل إليه أبطال (ثرثرة فوق النيل) بعد أن غرقوا في (متعة الغياب عن الحياة) بالمخدر. وفي ضوء ذلك يمكن فهم موضع التصوف في رؤية نجيب محفوظ: إنه أحد تجليات الإنسان الروحية، فهو ضرورة بشرط ألا يطغى على مشاعره وطاقاته الإنسانية الأخرى.
هذا التعارض، أو تلك (الثنائية) ليست قائمة عند جمال الغيطاني. فليس الإنسان منقسماً إلى روح وجسد، أو نور وطين، يجب مراعاة التوازن بينهما، وإلا كان السقوط. ففي أقصى اللحظات الحسية نجد الغيطاني يعبر عنها بأقصى تعابير الحلول الصوفي، وهو يشير إلى ذلك بقوله مثلاً: "ألغيتُ المسافات، فتمكنتُ. اقترنتْ لذتي الحسية بمتعتي المعنوية"(خلسات الكرى. ص11). غبر أن هناك ثنائيات من نوع آخر، وهي ثنائيات الحياة والموت، الحضور والغياب، الوجود والفقدان. وهنا يلاحظ أن كل ما يحول دون تجلي التجربة الحية المضيئة بالتواصل الحميم مع الإنسان الآخر، أو مع الوطن، أو مع عناصر الطبيعة، أو مع المكان، أو مع الأشياء، يمثل الطرف السالب من هذه الثنائيات: الموت، الغياب، الفقد. ولذلك فإننا نجد أن توظيف التصوف هنا –وبخاصة فكرة (التجليات)، وفكرة (السفر والرحيل)، وفكرة (الكرامة الصوفية)- يمثل حيلة فنية لاستدعاء أي عنصر مفقود من هذه العناصر.
رابعاً: ظل نجيب محفوظ محافظاً على مسافة متوازنة في توظيف العناصر الصوفية في عالمه الروائي. فهو يأخذ منها بقدر ما يستدعي تكوين الشخصية، أو طبيعة الحدث، أو وضعية المكان، أو اللحظة الزمنية، أو المتطلبات الفنية التي تستدعي أسلوب اللغة الصوفية. ولذلك فإنه لا توجد في أعماله تلك الرواية القائمة في كل عناصرها على توظيف العالَم الصوفي. وأعتقد هنا أن مصادر المعرفة الصوفية عند نجيب كان لها أثر في ذلك. فهو قد استمد هذه المعرفة –أساساً- من كتب العشق الصوفي الفارسي الغنية بشاعريتها العاطفية، وخيالها القصصي المثير، ورمزيتها التي تعتمد على صور الطبيعة. كذلك استمدها من كتب الفلسفة الروحية، وبخاصة كتب (برجسون) الذي كتب محفوظ عنه المقالات في بداية حياته، والذي يشير إليه كثيراً في (الثلاثية). أما مصادر التصوف العربي الإسلامي فهي –فيما أتصور- تأتي في المرتبة الثالثة من حيث تأثيرها في تكوين رؤيته للتصوف. وأعتقد أن مفاهيم مثل (الشطح) و(الانجذاب) قد ولَّدت لديه انطباعاً متطابقاً مع صورة (الدرويش الشعبي) أو (المجذوب الشعبي) الذي هو موجود في الحياة بجسمه، ولكنه خارجها بعقله. و(العقل) مَلَكَة عزيزة عند نجيب محفوظ حيث يقول: "العقل أعظم هدية حظي بها الإنسان. وعلى الإنسان أن يدرك أنه لم يحظَ بها لغير ما هدف، ولكن لتكون مرشده في الحياة، مثلما أن الغريزة مرشد للحيوان. أجل، توجد مجالات لا حيلة للاقتراب منها إلا بالوجدان والذوق والإلهام، أما الحياة الباقية، الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والطبيعية فيجب أن تعتمد أولاً وأخيراً على العقل".
وفي تجربة الغيطاني الروائية مثَّل توظيف النص الصوفي الإسلامي قيمة فكرية وجمالية أساسية؛ حيث إنه ربط بين العثور على شكل روائي عربي، وفكرة إعطاء الرواية (هوية عربية)، أو –بتعبير آخر- (خصوصية عربية)، وذلك في محاولة منه لـ"مواجهة حداثة وافدة مرفوضة" على حد عبارة فيصل دراج الذي يضيف أيضاً أن جمال الغيطاني "يذهب إلى فضاء ابن عربي؛ إذ اللغة رحيل عن اللغة، وإذ الكلمات عاطرة وشديدة الخضرة". ومن ثم نجد لديه التقمص للغة الصوفية بكل ظلالها الوجدانية والروحية، وكذلك بما تعطيه من ثروة في الأشكال السردية تجعل أعماله الروائية "سيرورة روائية مفتوحة، تنقِّح ذاتها، وتصقل علاقاتها، وتنوع مواضيعها".
1997 جائزة سلطان العويس
1997 جائزة لورا باتليون الفرنسية لكتابالتجليات
2005 مناصفة مع المترجم خالد عثمان
1980 وسام العلوم والفنون من الطبفة الأولى مصري
1987 وسام الاستحقاق للآداب والفنون من طبقة فارس
1994 جائزة الصداقة العربية - الفرنسية
2006 جائزة جرينزانا كافور للأدب الاجنبى - ايطاليا
De retour d'un voyage hors d'Égypte, le narrateur apprend que son père est décédé durant son absence ; c'est l'occasion pour lui, après une période de tourments, de se pencher sur ce que fut la vie de cet homme modeste et digne, à l'occasion d'un long périple intérieur.
Déféré devant le Divan, instance mystique qui régit les destinées du monde, il reçoit l'autorisation de voyager en illumination, c'est-à-dire de balayer les lieux et les époques en assistant à diverses manifestations surnaturelles. Il a ainsi l'occasion d'incarner des personnalités relevant d'autres temps, de visionner des événements qu'il n'a pu vivre dans son existence terrestre, ou encore de dialoguer avec des êtres animés ou inanimés.
Écrit dans une langue à la fois simple et somptueuse, Le Livre des illuminations est un chef-d'oeuvre par son invention d'une forme romanesque spécifiquement arabe, à la fois autobiographie poignante et conte polyphonique explorant les méandres de l'âme égyptienne.
Gamal Ghitany est né en 1945. Dessinateur de tapis à dix-sept ans, il publie parallèlement son premier recueil de nouvelles. Grand reporter à vingt-trois ans, il couvrira tous les conflits de la région : israélo-arabe, Beyrouth, Iran-Irak... De nombreux romans et recueils de nouvelles témoignent de l'immense talent littéraire d'un des plus grands auteurs de l'Égypte actuelle.التجربة الصوفية والتجربة الأدبية كلتاهما تلتقيان عند المنبع؛ وهو الروح والوجدان والشعور، وعند أداة التعبير؛ وهي اللغة الرامزة. أما الغايات فقد تتفق وقد تختلف. وفي دراسة المنبع والأداة تكمن الصعوبات التي واجهها الفكر الإنساني عبر العصور. غير أن الصعوبة تزداد عندما تواجه الدراسة توظيف الرمزية الأدبية للرمزية الصوفية؛ أي عندما تواجه عملية معقدة من التأويل: تأويل الصوفية للوجود الذي هو " كلمات الله التي لاتنفد"، وتأويل الأدب لهذا التأويل الصوفي.
ولقد حاولت هذه الدراسة أن تحلل طبيعة الالتقاء بين التصوف والرواية. وتوصلت في (المدخل) إلى أن توظيف الصوفية في الشعر يختلف عنه في الرواية. ففي الشعر يمكن الامتزاج، ونستطيع أن نطلق لقب (الشاعر الصوفي) إطلاقاً حقيقياً. فـ(ابن الفارض) مثلاً امتزج مع الرؤية الصوفية، وعبر عنها، وتبناها، ومن ثمّ أصبح شاعراً صوفياً. ولذلك يقول جان شوفليي: "عندما يصير الشاعر صوفياً فإنه يعبِّر عن تجربة ليست شاعرية فحسب"؛ أي أنه يعبر عن تجربة شعرية وصوفية في وقت واحد.
أما في الرواية فلا نستطيع أن نطلق لقب "الروائي الصوفي" إلا على سبيل المجاز؛ أي على ذلك الروائي الذي يهتم –مثلاً- باستدعاء الشخصيات والجماعات الصوفية في أعماله، أو ذلك الذي يستعين بأساليب اللغة الصوفية، أو ذلك الذي يغلب على شخصياته اتخاذُ ملامح صوفية معينة، أو تظهر منها (تيمات) صوفية معروفة كتيمة (الكرامات) مثلاً.
ونظراً لخصوصية توظيف الصوفية عند الكاتبين الكبيرين: نجيب محفوظ، وجمال الغيطاني فقد اقتصرت الدراسة على تحليل أعمالهما مرتكزة علىالأسباب التالية:
1- إن نجيب محفوظ يمثل تجربة روائية ممتدة زمنياً، وقد تفاعلت هذه التجربة مع الأحداث المختلفة التي مر بها المجتمع المصري خلال القرن العشرين. وهذا يمكن أن يعطي صورة جيدة لتفاعل الفن الروائي مع الرؤية الصوفية ومدي وجودها وحركتها في المجتمع خلال هذه الفترة.
2- إن نجيب محفوظ قد مارس الكتابة الروائية التي تمثل معظم تيارات الفن الروائي واتجاهاته الفنية من تاريخية، وواقعية، ونفسية، ورمزية ...إلخ. وهذا يمكن أن يعطي صورة عن علاقة التوظيف الصوفي بنوع الاتجاه الروائي.
3- إن جمال الغيطاني من أبرز المبدعين الروائيين خلال النصف الثاني من القرن العشرين، وقد استطاع أن يوجد لنفسه مكانة روائية متميزة على مستوى الرؤية والأداة. والدراسة عندما تقف عنده فهي تقف عند ممثل مهم لتيار مهم في الفن الروائي؛ فهو "أحد أدباء جيل الستينيات، ذلك الجيل المتميز في كل شيء" على حد عبارة الناقد وجيه يعقوب. بل إن الأديب يوسف إدريس لا يرى الرواية في هذا الجيل إلا رواية جمال الغيطاني. وهذا يعطي الدراسة تمثيلاً جيداً لمكانة التوظيف الصوفي عند هذا الجيل.
4- إن جمال الغيطاني له تجربة متميزة في استلهام التراث الصوفي، وبهذه التجربة احتل مساحة عريضة في الدرس النقدي فيقول عنه سعيد يقطين مثلاً: "إن الغيطاني من أهم كتاب السرد العربي المعاصرين الذين غرفوا من مَعين التراث العربي، وقدموا لنا نصوصاً تتفاعل وتتعلق بالتراث السردي القديم". وهو –عند الدكتور جابر عصفور- "روائي عُرِف بالإفادة من الميراث الصوفي في كتاباته الروائية، وعلى رأسها كتابه (التجليات) بأجزائه الثلاثة". وهذا ما يمكن أن يعطي الدراسة فرصة جيدة لاختبار قضية التوظيف الصوفي عند كاتب هو أبرز ممثليها.
5- إن الموقف النقدي يطرح اختلافاً واضحاً حول مدى قرب جمال الغيطاني من نجيب محفوظ أو بعده عنه. ففي الوقت الذي يرى فيه الدكتور محمد بدوي أن جمال الغيطاني يكاد يكون " الروائي الوحيد في جماعته الذي ينتمي –بشكل أو بآخر- إلى مدرسة نجيب محفوظ، لكن مع قدرته على أن يظل مختلفاً، قادراً على إعلان قسَماته الخاصة، هذه القسمات التي يمكن أن نلمحها على سبيل المثال في جنوحه نحو موروث الجماعة"، فإننا من جهة أخرى نجد الدكتور صلاح فضل يقول إن الغيطاني "يقف على أقصى الطرف المقابل لشيخه وحبيبه نجيب محفوظ. فبينما يستلُّ نجيب رؤيته للكون من تجسيمات موضوعية لحَيَوَات الآخرين، وتمثيلات فنية لآفاقهم التي لا تمتُّ له شخصياً بسبب، نجد الغيطاني قد جعل من همسات روحه ورعشات جسده في اليقظة والكرى مادة مباشرة لإبداعه الذاتي الحميم". كذلك نجد أن جمال الغيطاني يتحدث عن علاقته الأدبية بنجيب محفوظ حيث يقول: "غير أن الكاتب العربي الذي توقفتُ عنده طويلاً وقرأته بعناية وعمق كان نجيب محفوظ، وقد بدأ اهتمامي به وأنا في الخامسة عشرة من عمري، كذلك تعرفتُ به في نفس المرحلة، وربطتني به علاقة عميقة اثّرت في على المستوى الشخصي عندما قرأتُ رواياته لأنها كانت تحمل عناوين نفس المنطقة التي أعيش فيها: خان الخليلي، بين القصرين، السكرية، قصر الشوق. وتوقفتُ أمامه طويلاً؛ ربما أيضاً لأنني وجدت رواياته في مستوى الروايات العالمية التي قرأتها ونمَوت من خلالها". ويقول في موضع آخر: "أما كتاب مصر المحدثون فلم يأسرني منهم سوى نجيب محفوظ، وقد قرأت الثلاثية أكثر من عشرين مرة، وأستطيع أن أقرأ عن ظهر قلب عدة فصول منها من الذاكرة". ولذلك فإن دراسة موضوع معين –مثل موضوع التوظيف الصوفي-عند الكاتبين يمكن أن يسهم في توضيح عناصر الاستمرار، وعناصر الاختلاف، في مسيرة الرواية المصرية مجسَّدةً في إبداع هذين الكاتبين الكبيرين.
6- إن نجيب محفوظ وجمال الغيطاني كان لهما كتاباتهما وشهاداتهما وحواراتهما (غير الروائية) حول التصوف والجوانب الصوفية في أعمالهما الروائية. وهذا ما يسميه سعيد يقطين بـ"المُناصِّ الروائي" ويعرِّفه بقوله: "هو النص الموازي الذي يكتبه الروائي على هامش نصوصه، وبشكل مستقل عنها، مجَلِّياً طريقته في الإبداع الفني وفهمَه له. وتكون لهذا المُناصِّ، في غالب الأحيان، طبيعة نقدية؛ لأن الروائي يعمل من خلاله على الكشف عن أسباب ودواعي وخلفيات ممارسته الروائية، وما يتميز به عن غيره في سلوكه نمطاً معيناً من الكتابة. إنه في هذا النص يقدم لنا "وعيه" بالكتابة التي ينتجها". وهذا مما يمكن أن يضيء قضية التوظيف الصوفي عند هذين الكاتبين الكبيرين.
ومن خلال فصول الدراسة الخمسة التي قدمت تحليلاً للملامح والعناصر الصوفية في تكوين: الشخصية، والحدث، والمكان، والزمان، واللغة، توصلت الباحثة إلى كثير من النتائج الجزئية التي نذكر منها:
1. تنوعت شخصيات نجيب محفوظ في توظيف الملامح الصوفية ما بين الطابع الإيجابي والطابع السلبي؛ فكانت الصوفية التي تؤدي إلى الانعزال عن حركة الحياة والمجتمع صوفية سلبية يدينها الكاتب –ضمناً- بسقوطها أو بفشلها: وذلك ما وجدناه في مصير كامل رؤبة في (السراب)، وبفشل تجربة الحب عند كمال عبد الجواد في الثلاثية، وبانهيار عمر الحمزاوي في (الشحاذ). أما الصوفية التي تجسد توازن الشخصية وتفاعلها مع القيم الإيجابية للإنسان، وللاصلاح الاجتماعي فقد حققت النجاح: إما بتكريس رسالة ترمز إلى طريق هذا التوازن كما في شخصية ابن فطومة، وإما بتكريس أفعال ملموسة وصريحة كما فعل (عاشور الناجي الجد) و(عاشور الناجي الحفيد) في (ملحمة الحرافيش).
2. تعامل نجيب محفوظ مع شخصيات التصوف الشعبي (المجاذيب) باعتبارهم رموزاً للحكمة المجهولة، وللإشارة إلى أن الإنسان فيه من (الأسرار) و(الطاقات الخفية) ما يجعل (الحقيقة) مسألة نسبية.
3. مثلت تجربة شخصيات (ثرثرة فوق النيل) الصوفية المصطنعة؛ أي العزلة المادية والنفسية بفعل المخدر. ومن ثم كان ادعاؤهم بأنهم (هائمون في الملكوت) بمثابة سخرية ضمنية من الكاتب من أي شكل من أشكال الهروب من المسئولية الاجتماعية.
4. هناك ارتباط واضح بين طبيعة تكوين الشخصية الروائية عند نجيب محفوظ ونظرته إلى الشخصية الإنسانية السوية عموماً من حيث توازنها وتكامل قواها العقلية والشعورية والاجتماعية. ولقد أفاد في ذلك من قراءاته الفلسفية والنفسية. ومن ثم انعكس ذلك على تحديد حجم الجانب الصوفي في تكوين شخصياته. فالتصوف رمز للطاقة الروحية المهمة بالنسبة للإنسان، ولكن التطرف فيه ينجم عنه خلل الشخصية.
5. وفي المقابل فإننا نجد أن شخصية الراوي في أعمال جمال الغيطاني قد حملت قدراً أكبر من الملامح الصوفية. ولكن يلاحَظ أن هذه الشخصية قامت على ما يمكن أن يسمَّى (صوفية بلا تصوف)؛ أي صوفية إنسانية وليست ميتافيزيقية. ولذلك فإن هذه الشخصية تبحث عن المعنى الكامن وراء الظواهر التي تهم الإنسان (كالفقد، وغياب رموز العدل، وتحول مصائر البشر في سياق تحول اجتماعي معين)، أو تهمها هي على المستوى المعرفي الذاتي (كالبحث عن حقيقة الجمال الأنوثي، أو معرفة الدلالات العميقة وراء فكرة البنيان).
6. استثمر الغيطاني كثيراً من الأفكار الصوفية في تكوين ملامح الشخصية (وذلك مثل فكرة الكرامة، والرؤيا، والأبدال، والرحلة). ولكنه وظف هذه الأفكار ليس باعتبارها (حقائق) كما هي في نظر الصوفي، وإنما باعتبارها تجليات لقدرة التخيل الروائي.
7. جعل الغيطاني الشخصية الصوفية شخصية روائية كما فعل بالنسبة لشخصية (محيي الدين بن عربي) في التجليات حيث جسد دور (المرشد) لشخصية الراوي، وأحياناً دور (الملقِّن) الذي يجعله ينطق بنصوصه. ولقد جاء هذا التوظيف ليس دعماً لإضفاء الجو الصوفي على الرواية فقط، وإنما لأن ابن عربي هو أكبر من فتح باب (الخيال) في التراث العربي الإسلامي؛ فهو –إذن- مرشد الكاتب إلى آفاق الإبداع التي يمكن أن يصل الخيال إليها، ومنها أفق الإبداع الروائي.
8. يغلب على استدعاء الملامح الصوفية في تشكيل الحدث الروائي عند نجيب محفوظ الارتباط بحالة (العزلة والانفراد): إما مكانياً (مثلاً: عند التكية، أو على سطح المنزل، أو في الخلاء، أو في دار الغروب)، وإما شعورياً (فيما أسمته الدراسة بالأحداث الساكنة كما في تيار وعي كمال عبد الجواد، أو خواطر أنيس زكي).
9. يمثل حدث (الإعداد والتدريب) ملمحاً مهماً عند نجيب محفوظ فيما يخص التزود بالطاقة الصوفية الروحية. وهنا نجد نموذجين:
(أ): التدريب المغلق؛ أي الذاتي الانعزالي، مثل ذلك الذي قام به عمر الحمزاوي في (الشحاذ)، ومثل ذلك الذي قام به كمال في الثلاثية (عزلة القراءة، والانغماس في أحلام اليقظة المثالية)، ومثل ذلك الذي قام به أبطال (الثرثرة) (في عزلة العوامة مع المخدر). وهذا النموذج لم ينجح لأنه (سلك الطريق المجهول) إما إلى ما وراء الحياة الإنسانية (عمر الحمزاوي)، وإما إلى ما وراء الحقيقة الواقعية (كمال)، وإما إلى ما وراء الفعل والمشاركة في حركة المجتمع (أبطال الثرثرة).
(ب): والتدريب المفتوح الذي يعود بعده الشخص إلى أداء رسالته في العمل والحياة (عاشور الناجي الجد والحفيد: المواظبة على سهرة ساحة التكية، ثم العمل في الحارة ومع الحرافيش)، أو إلى مواصلة رحلته بحثاً عن الإصلاح (ابن فطومة بعد التدريب في دار الغروب). وهذا الملمح وإن كان له مكانة مهمة في التراث الصوفي تمثلت في ضرورة أن يكون للمريد شيخ أو أستاذ مرشد، إلا أن الغاية عند نجيب مختلفة؛ حيث إنه يصب في مجرى نظرته العامة إلى التصوف باعتباره عنصراً مكملاً لبناء الشخصية الإنسانية المتوازنة والمتكاملة؛ فهو –أي التصوف- مطلوب بمقدار تحقيق هذه الغاية في الحياة، وليس مطلوباً من أجل مفارقة الحياة واعتزالها.
10. يغلب على استدعاء الملامح الصوفية في تشكيل الحدث عند نجيب محفوظ ارتباط ذلك بأزمة نفسية. ومن ثم فالتصوف يمثل بالنسبة للشخصية ملاذاً روحياً للتغلب على هذه الأزمة. ولكن نجيب محفوظ لا يقدمه بوصفه –وحدَه- حلاً كافياً لهذه الأزمة.
11. وفي المقابل نجد جمال الغيطاني يقوم باستثمار واسع للخيال الصوفي في تشكيل أحداثه الروائية حتى ليشعر القارئ أنه أمام منافسة إبداعية في إطلاق العنان لقدرات التخيل بينه وبين أكثر صوفي إسلامي انحيازاً لقدرات الخيال؛ وهو ابن عربي. ومع ذلك فإن هناك فارقاً مهماً بين الرمزية الميتافيزيقية لخيال ابن عربي، والرمزية الفنية للخيال الروائي عند الغيطاني حيث استند هذا الأخير على ما قدمته المعرفة الحديثة من كشوف حول النفس البشرية، وبخاصة ما يتعلق باللاشعور وملكات الإبداع، وحول الأساطير، وما قدمه الفن الروائي العالمي في مجال الغرائبية والعجائبية.
12. ثمة ملمح واضح في الحدث الروائي عند الغيطاني وهو إضفاء الطابع الصوفي على أشد المواقف حسية، وأكثر الظواهر ماديةً، حتى وصل الأمر إلى (روحنة) الحدث الحسي بين المحب ومحبوبته، وإلى (روحنة) المكان والبنيان. وهذا يعني أن نظرته للإنسان وللوجود قائمة على رؤية الذات في كليتها غير المنقسمة إلى عناصر مثل تلك التي تحدث عنها نجيب محفوظ (الأنا الجسماني والأنا الروحاني –انظر: المدخل). إنها رؤية تغاير رؤية نجيب محفوظ القائمة على ضرورة الضبط والتحكم والتوازن بين العناصر المكونة للشخصية.
13. من ناحية التوظيف الصوفي انقسم المكان عند نجيب محفوظ إلى نوعين: المكان المرتبط –تقليدياً- بالمتصوفة؛ وأبرز نماذجه (التكية) و(الضريح) و(الخلاء)، والمكان الذي أضفى عليه الكاتب طابعاً صوفياً حسب سياق العمل الروائي (مثل قصر المحبوبة عايدة شداد بالنسبة لكمال في الثلاثية).
14. تمثلت رمزية النوعين المكانيين في اتجاهين مختلفين: الأول: تبدو فيه رمزية المكان الصوفي إلى الجانب الروحي صادرةًً من المكان ومتجهةً إلى الشخصية، وحسب استعداد هذه الشخصية يكون تلقيها لهذه الرمزية الروحية. والثاني يبدو فيه الرمز مُسقطاً من الحالة الشعورية للشخصية على المكان؛ حيث تضفي عليه في لحظات روحية معينة طابعاً صوفياً. ومن هنا فقد اتسمت رمزية المكان في النوع الأول بالثبات، واتسمت رمزية المكان في النوع الثاني بالتغير.
15. وفي المقابل فإننا نجد رمزية المكان عند جمال الغيطاني أكثر حضوراً وكثافة بسبب نظرته إلى المكان نظرة صوفية ترى فيه روح الإنسان ومشاعره وأشواقه وآماله في الحياة، وترى فيه أيضاً معتقده وموقفه من الموت.
16. هناك ارتباط واضح بين تجربة الحب وتجربة المكان عند الغيطاني؛ حيث بدا سعي الراوي في محاولة الوصول إلى (حقيقة الجمال الأنوثي)، متلازماً مع سعيه في الوصول إلى (حقيقة البنيان). كذلك بدا حضور المحبوبة وحضور المكان مجسداً (وحدة وجود) من نوع خاص؛ ولذلك فإننا كثيراً ما نجد تبادل التشبيهات والمجاز بين الطرفين. وفي هذا السياق يبدو البنيان كائنا ناطقاً بالجمال، ويبدو المكان مشبعاً بالخصوبة، كما يأتي السرد بالحديث عن (العمارة الأنثوية).
17. يربط الغيطاني بين صلابة الوجود المكاني ومحاولة الإنسان مقاومة الزمن الذي يؤثر على الإنسان بالتغير أو بالفقد أو بالموت. ومن ثم يأتي الشغف بـ(معرفة) المكان والبنيان تجسيداً لرغبة الوصول إلى هذا (السر الباطني) الذي يمنح المكان هذه الصلابة. وهذه المعرفة جعلت الراوي في حال (الرحلة والسفر) من مكان إلى آخر باحثاً عن (الباطن) الكامن وراء (الظاهر).
18. ينقسم الزمن عند نجيب محفوظ إلى نوعين رئيسيين: الزمن الموضوعي، أو الخارجي، والزمن الذاتي، أو النفسي. والأول راسخ ومتحرك إلى الأمام بشكل مستقل عن رغبات الإنسان. وينطوي تحت هذا الزمن الموضوعي ما يمكن أن نسميه بالزمن الاجتماعي الذي يستوعب حركة الإنسان وفعله في سياق مرحلة تاريخية محددة (زمن الحرافيش –مثلاً). أما الثاني فهو متغير بتغير الحالات الروحية والشعورية للشخصية. وفي إطار هذا الزمن النفسي نجد أنواعاً فرعية للزمن مثل الزمن العاطفي (زمن التجربة العاطفية لكمال عبد الجواد –مثلاً)، والزمن الروحي (زمن الدراويش في التكية –مثلاً)، وزمن الغيبوبة (زمن ابطال العوامة –مثلاً)، وزمن الرؤيا (كما في رؤى عاشور الناجي الجد والحفيد)، وزمن الرحلة الرمزية (كما في رحلة ابن فطومة). وفي إطار هذا النوع الثاني نجد حضور الملامح الصوفية.
19. بيدو الزمن المثالي عند نجيب محفوظ هو ذلك الزمن الذي يتوافق فيه الزمن النفسي مع الزمن الاجتماعي (كما حدث بالنسبة لعاشور الناجي الحفيد). فإذا انفصل الأول عن الثاني يكون السقوط (كما حدث لكامل رؤبة، ولعمر الحمزاوي، ولأبطال الثرثرة، ولكثير من شخصيات سلالة الناجي ). ويأتي الزمن الروحي الصوفي في هذا الإطار مشروطاً بهذا التوافق.
20. يمثل (المستقبل) عند نجيب محفوظ بعداً زمنياً مهماً ينبغي العمل لجعله أفضل من الحاضر. وهذا هو مغزى الرحلة الرمزية لابن فطومة، وللإلحاح على فكرة (إرادة الحياة) في نهاية (الثرثرة). وبدون تحديد واقعي للهدف، وبدون الفعل الإيجابي من أجل تحقيقه، يظل الإنسان (حائراً أبدياً) كما حدث لكمال عبد الجواد. وفي إطار ضرورة هذا السعي الإيجابي إلى المستقبل يبدو التزود بالقيم الروحية، والمثل العليا، أمراً لازماً. وهنا يمثل (التصوف) الإيجابي رمزاً لهذه القيم والمثل.
21. وفي المقابل تأتي السيطرة الواضحة للزمن النفسي على أعمال الغيطاني. وكانت الرؤية الصوفية لفكرة (الوقت) و(الحال) و(اللحظة) مصدراً غنياً للتوظيف الفني في رواياته.
22. هناك ارتباط واضح بين (الوقت) و(الفقد) عند الغيطاني. وكان إدراكه الحاد بأن الزمن يمضي إلى (الماضي) مصدراً للحزن الذي يُفقده المتعة بـ(الحاضر). ولذلك انبثقت عنده فكرة (تثبيت اللحظة) ومحاولة استعادتها بالمخيلة، ثم بالتدوين (الكتابة الروائية) التي جسدت لديه انتصاراً على الزمن والفقد؛ فقامت الرواية تارة باستدعاء الراحلين من خلال بعثهم روائياً بـ(التجليات)، وتارة بتدوين التجربة مع المحبوبة بكل تفاصيلها الدقيقة (هلاّتها، أماكنها...)، وتارة بإقامة (البنيان الروائي) محاكاة للـ(البنيان المعماري) رغبةً في (إبطاء تأثير الزمن). وفي ذلك كله كان الغيطاني يوظف العناصر الصوفية محولاً مضامينها الميتافيزيقية إلى تجربة إنسانية حميمة.
23. جسدت اللغة الصوفية مصدراً واسعاً للتوظيف الروائي بسبب قيامها على الرمز والمجاز. وكان للمبدأين الصوفيين: "ما ثَمَّ شيء إلا وهو حي" و"ليس في العالم صمت أصلاً" حضور فني تمثل في استثمار كل من نجيب محفوظ والغيطاني لهما في إنطاق الطبيعة والأشياء الجامدة.
24. استثمر الكاتبان بشكل واضح الأسلوب الصوفي الذي صاغ به المتصوفة تجربة (الحب الإلهي)، وذلك في صياغتهما لتجربة (الحب الإنساني).
25. كذلك استثمر الكاتبان اللغة الصوفية في صياغة الرؤى والأحلام.
26. ومع هذا التشابه فإن هناك اختلافاً واضحاً بين الكاتبين في حجم التوظيف الروائي للغة الصوفية؛ حيث تزداد كثافة هذا التوظيف عند الغيطاني الذي يبدو على أسلوبه (التشرُّب) الواضح لهذه اللغة× إلى الدرجة التي يقيم معها البناء الروائي بأكمله عليها.
27. يبدو أن مصدر التأثير الصوفي على لغة نجيب محفوظ مستمد –في أساسه- من لغة التصوف الفارسي، ومن لغة الفلاسفة الروحيين أمثال: اسبينوزا -صاحب نظرية وحدة الوجود الذي يجد كمال في الثلاثية العزاء في فلسفته- وبرجسون الذي تحدث –(بشاعرية) كما يصفه كمال في الثلاثية أيضاً- عن نشوة الشعور، وعن الكمال، وعن الطاقة الروحية، وسانتيانا الذي تحدث عن (المثل الأعلى) و(الروح) و(النشوة)، و(حب الطبيعة والفن) و(جوهر الحقيقة المجرد). وفي المقابل يبدو مصدر التأثير الصوفي على لغة الغيطاني مستمداً أساساً من قراءاته أمهات التصوف الإسلامي وبخاصة (الفتوحات) لابن عربي.
وفي خاتمة الدراسة تقول الباحثة إن البحث الحقيقي عن دور الرؤية الصوفية –في معناها الخاص المعروف- في الحياة الإنسانية لم يأخذ حيزه ومكانته في الرواية العربية إلا مع نجيب محفوظ أولاً، ثم مع عدد من كتاب الرواية بدءاً من جيل الستينيات الذي يبرز فيه جمال الغيطاني.
وقبل أن تتوجه الخاتمة إلى الموازنات والمقارنات العامة بين مكانة الصوفية في عالم كل من هذين الكاتبين الكبيرين، فإنها أشارت إلى نقطة مهمة. وهذه النقطة هي أن تفاعل الأعمال الروائية مع الصوفية اتخذ درجات وأشكالاً متنوعة. وهذه الدرجات والأشكال تنتمي إلى ما يسميه النقاد بـ"ظواهر التناص". و(التناص) –في جوهره- نوع من (التأويل). فالنص حين يتفاعل مع نص آخر، أو نصوص أخرى، إنما يقوم بعملية تأويل لما تفاعل معه. وهذا التفاعل يشبه تقديم قراءة جديدة للنص الآخر. ولتوضيح ذلك تقول الباحثة إن موقف الروائيين من الصوفية لا يمكن أن يكون استنساخاً لها بكل أبعادها وممارساتها ورؤاها. فالنص الصوفي الذي (يوظفه) الكاتب هو نص ينتمي إلى ظروفه التاريخية، وكذلك الروائي هو –في نهاية الأمر- ابن علاقته بعصره وثقافته ومعرفته. فالمسألة بينهما –أي بين الروائي والنص الصوفي- لا بد أن تكون حواراً يستثمر من خلاله الكاتب النص الصوفي لأغراض ربما تكون على درجة النقيض من الرؤية الصوفية القائمة في النص. ومن الأهمية بمكان أن يلاحَظَ أن (التأويل) له صلة قوية بالتصوف وبالفلسفة الروحية. وهنا تستند الباحثة على الدكتور مصطفى ناصف في كتابه (نظرية التأويل) حيث نجد أن"التأويل يدين لفلاسفة كثيرين... يتفقون في هذا الميل العام إلى امتلاء التجربة المعيشة، ويعارضون الاتجاهات الشكلية الآلية". ومن هؤلاء (دِلثي: 1833-1911م) الذي استبعد "المقولات الساكنة...بحثاً عن لحظات فريدة ذات معنى، أو تجربة مركبة حية مباشرة ومُحِبّة لما هو خاص"، كذلك بحثاً عن "التأويل الذي يحفظ ديناميات الحياة الباطنية الحافلة بالشعور والمعرفة والإرادة... الحياة يجب أن تُفهَمَ من تجربة الحياة نفسها...إننا ندرك ونفكر ونفهم في داخل الماضي والحاضر والمستقبل، وداخل مشاعرنا". وفي خلال هذا العرض يقول الدكتور ناصف: "التأويل إذن يحفل بقوى الروح ضد المتصلب والمميت، أو يحفل بالقوى الدينامية التي لا تنفد، قوى الخلق والمعنى".
وعلى ضوء ذلك تقول الباحثة إن تأويل الروائيين للصوفية كان –في جانب منه- نوعاً من البحث عن هذه التجربة المعيشة الممتلئة بالشعور والحياة، وبالحركة التي لا تنفد. لقد كان نوعاً من البحث عن "الطاقة الروحية" على حد مصطلح برجسون الذي أُغرم به نجيب محفوظ. فالروائي حين (وظَّف) النص الصوفي كان أيضاً يوظف (النور الروحي) الكامن في هذا النص؛ النور الذي يقاوم الظلمة، والفقد، والمادية الطاغية في هذا العصر. لقد كان الروائي يؤول النص الصوفي وكأنه يتخذ منه (سلاحاً) يقدمه لنفسه ولإنسان هذا العصر المطحون سواء بأزمات عامة، أو بأزمات ذاتية خاصة. وعلى ضوء ذلك لا نستغرب أن ترتبط –مثلاً- تجربة جمال الغيطاني مع النص الصوفي بمشكلة (البحث عن الهوية)؛ ولذا جاءت (التجليات) كما يقول فيصل دراج "دفقاً لغوياً يبحث عن الهوية في الكتابة، وعن الكتابة في الهوية"، فهي كتابة تعبر عن "زمن مهزوم". ولذلك يصح القول إنه "حين كتب الغيطاني التجليات كان يتوق إلى نص صوفي خاص به، ويحاكي نصاً صوفياً غائباً"، وحين كتب (الصبابة والوجد كان "يؤكد زمن العشق نفياً للزمن المتعاقب والمتواتر... إنه عشق وغربة، بل عشق غريب، محاصر بالاغتراب رغم بهائه".
هذا هو الأساس الذي قامت عليه الدراسة. فهي لم تكن تبحث عن ملامح النص الصوفي في النص الروائي إلا لترى كيف تم تأويل هذا الملمح أو ذاك لصالح الرؤية الأدبية، أو الفنية، التي تحملها هذه الرواية.
ومع نهاية الدراسة توجز الباحثة النتائج العامة التالية:
أولاً: لنجيب محفوظ موقفان مختلفان من التصوف باختلاف نوع التصوف نفسه. فإذا كان النوع المقصود هو تلك الطاقة الروحية المتعلقة بالقيم الإنسانية العليا، والتي تدفع الإنسان إلى الحلم بغاية نبيلة، وفي الوقت نفسه تدفعه نحو العمل لتحقيق هذه الغاية، فهو –إذن- تصوف إيجابي. ولقد ظهر ذلك في عدة نماذج من شخصياته الروائية أبرزها (عاشور الناجي) الجد، و(عاشور الناجي) الحفيد، في (ملحمة الحرافيش، و(قنديل العنابي) في (رحلة ابن فطومة). أما إذا كان النوع المقصود هو الانعزال عن الحياة الاجتماعية، وعن قضايا البشر وصراعهم مع قوى الشر، بدعوى البحث عن (الحقيقة المطلقة)، فذلك هو التصوف السلبي، وهو نوع من (الهروب) من مسئولية الحياة، مثل شخصية (عمر الحمزاوي) في (الشحاذ)، أو من مواجهة الإنسان لعجزه؛ مثل (كامل رؤبة) في (السراب).
ومعنى ذلك أن (التصوف) عند نجيب محفوظ هو (فكرة) –على حد المصطلح الدقيق للدكتور مصطفى عبد الغني في كتابه (نجيب محفوظ: الثورة والتصوف). ومادام أنه فكرة –مثلها مثل سائر الأفكار- فهو –أي نجيب محفوظ- يستطيع أن يأخذ منها موقفاً عقلياً، وأن ينظر إلى من لديه هذه (الفكرة) نظراً عقلياً، وأن (يوظفها) في عمله الروائي توظيفاً عقلياً. ولذلك فإن نجيب محفوظ عندما يقول عن التصوف "إنني لا أملك قط غير الرغبة، والرغبة فقط من الاقتراب من التصوف، وعشقه يكون عندي بهذا الشكل. أما غير ذلك فلا أقدر"، فهو –في تصور الباحثة- يضع (عشقه) في منطقة (التوازن)، وإلا: كيف يتفق (العشق) مع مجرد (الرغبة في الاقتراب)؟ وربما كان الأقرب إلى الدقة أن يقال إن محفوظ يضع حداً عقلياً يقف عنده (عشقه) للتصوف؛ وكأن هذا (العشق) لا يصل، ولا يجب أن يصل إلى (العشق)، بل لا بد أن يكون بقدر (خفيف) لا يتجاوز قدر (النِّسمة). وربما تتضح هذه الفكرة أكثر عندما نقارن بين هذا (العشق) و(الحرية) عند نجيب محفوظ. قهو يقول: "الفلسفة الروحية تعتبر النفس عالماً زاخراً بعيدَ الغور، نحس فيه بحريتنا، ونعرف بداهةً أن هذه الحرية غير متناهية". فحتى (الحرية) عنده لا بد أن يكون لها حد تقف عنده. هذا الاقتناع الفكري يصل إلى درجة (البداهة) التي لا تحتاج إلى برهان أو دليل. ومن هنا فإن (العشق) للتصوف لا بد أن يكون عند نجيب محفوظ ضمن إطار هذا الاقتناع الفكري.
وفي مقابل هذا الموقف الفكري فإننا نرى جمال الغيطاني يأخذ موقفاً مغايراً. فإذا كان محفوظ لا يرغب إلا في مجرد الاقتراب من بيت التصوف فإن الغيطاني يقرر أن يبني لنفسه (بيتاً روائياً) من (تجليات) التصوف، و(بصائره)، و(صبابته ووجده)، و(عشقه وغربته)، و(خلساته)، و(سفر بنيانه). ولذلك حملت شخصياته نفسَها على (المعراج)، وتجلت بـ(الكرامات)، وغاص الراوي في باطن (اللحظة) و(المكان)، ونطقت الموجودات بأسرارها الروحية، ولغتها الغنية بالفيض والوجد والحزن.
وطبعاً فإن الدراسة هنا لا تعني من وراء هذه المقارنة، أو غيرها، أي نوع من تفضيل روائي على الآخر، وإنما تريد فقط أن تبين الفروق بين الكاتبين في موقفهما من التصوف، وطريقة توظيفهما له. وهنا لا بد من سؤال هو: على أي شيء يدل الفرق بين الموقفين؟
تعتقد الباحثة أن هذا الفرق يدل على رؤيتين مختلفتين للحياة، ومن ثم رؤيتين مختلفتين لفن الرواية نفسه.
الرؤية الأولى –رؤية نجيب محفوظ- أقرب ما تكون إلى الإيمان الثابت بأن الطريق القويم هو الطريق العقلي المتوازن، وأن (إرادة الحياة) لا بد أن تنتصر، وأن هناك قيماً إنسانية عليا يجب الالتزام بها والعمل من أجلها؛ وذلك مثل الحرية والعدل والكرامة والخير والسلام...إلخ: "إذا خلُصتْ نفسُك من جراثيم الفساد خلُصتَ للحب الكامل، وخلُص الحب للكمال والخير". وفي هذه المنظومة يمكن للتصوف أن يقوم بدور (النِّسمة)، أو بدور (التوت) الذي يروي القلوب والأرواح لكي يواصل الإنسان كفاحه النبيل من أجل تحقيق هذه القيم على الأرض. كل ذلك يتجلى حتى في روايته (ثرثرة فوق النيل) التي تبدو في ظاهرها نوعاً من أدب العبث. وكما بينت الدراسة فإن كثيراً من (الأفكار المهمة) يُسَرِّبُها نجيب محفوظ بين ما يبدو أنه (هلوسات) لأنيس زكي؛ الأمر الذي اتضح في نهاية هذه الرواية بصورة الإنسان الذي أمسك بالحجر في يد (رمزاً لقيمة القوة) وبغصن شجرة في اليد الأخرى (رمزاً للقيم الروحية). فهذه الرؤية –إذن- لديها (إجابات) عما ينبغي أن يكون في الحياة.
أما الرؤية الثانية –رؤية جمال الغيطاني- فهي أقرب ما تكون إلى أن وسيلة معرفة الحياة هي أن (نعيشها)، أن نصغي إلى كل شيء فيها، وأن نلمسه بقلوبنا وخيالنا وحواسنا. وأن (نندهش) حتى من (عتبة البيت) الذي نسكن فيه؛ فلا شيء بسيط في هذا الوجود. كل شيء يحمل سرَّه؛ ولذلك فهو يثير الأسئلة:
"من سرى أولاً؟ الريح أم المطر؟ ما أول ظل؟ ما مصدر الرياح؟ وأين آخر محطّ؟ هل تعبر تلك النسماتُ الضفتين وتمضي إلى المدينة أيضاً؟"(سفر البنيان. ص198)، و"ما من إجابة شافية، لكنني أحمد الله أنني مازلت قادراً على الطرح، كثيراً ما يكون التساؤل أبلغ، وأدل، وأشفى من الجواب"(خلسات الكرى. ص118).
فهذه الرؤية –إذن- تجد في التجربة الصوفية هذا الجانب؛ جانب التجربة الحية: فـكما يقول مصطفى ناصف: "لقد اهتم المتصوفون بالتجربة التي غفل عنها المؤوِّلون الذين غلب عليهم المنطق الصوري أو التفلسف العقلي. هؤلاء اهتموا ببعض التصورات أو المفاهيم لا يستطيعون الفكاك من أسرها. أما المتصوفون فقد آثروا العناية بالتجربة. كانت التجربة عندهم أهم من التصور الذهني، أهم من المعرفة بمعناها النظري".
ثانيأً: هناك ربط قائم لدى نجيب محفوظ بين (التصوف) وفكرة (الحقيقة). وكان لقراءاته الفلسفية أثر واضح في هذا الربط؛ إذ بدت له مسألة (الحقيقة) مسألة غامضة ومحيرة عندما تكون تجريدية مطلقة؛ أي عندما تكون من مسائل ما وراء الطبيعة والواقع الإنساني. ولقد بدا ذلك واضحاً في صوفية (كمال عبد الجواد) في الثلاثية. أما إذا كانت الحقيقة مرتبطة بالقيم الإنسانية العليا فهي حقيقة نبيلة تستحق التضحية، وبدونها تصبح الحياة لا معنى لها. ولقد ظهر ذلك في رحلة ابن فطومة التي كان التطهير الصوفي فيها طريقاً للحلم بأن يعود للوطن بدواء من أمراضه التي أصابت روحه.
وعندما نقارن ذلك بجمال الغيطاني فإننا نجده هو أيضاً قد ربط بين التصوف والحقيقة. ولكن: أيُّ (حقيقة)؟ إنها هذه الحقيقة الغامضة المحيرة الكامنة في كل شيء. فكل شيء قابل لأن يكون (معنى) مجرداً، ودائماً "ثمة شيء ينتظرني.. لا أدري كنهَه؟ لكن طوافي حول غموضه يوحي ويبهج"(خلسات الكرى. ص49).
ثالثاً: يؤمن نجيب محفوظ بشكل واضح بضرورة (التوازن والاعتدال) بين قوى الإنسان الروحية والجسدية؛ فإذا طغى جانب على الآخر فإن ذلك يؤدي إلى (السقوط): في (الثلاثية) تعلق (كمال) بـ(متعة الخيال) فظل إلى آخر الرواية (حائراً أبدياً). وتعلق (ياسين) بـ(المتعة الحسية) ليواجه في النهاية السؤال المرير: "إلامَ يحتمل حياته المفعمة بالأهواء؟". وفي آخر سطر في الرواية نجدهما وقد "مضيا جنباً إلى جنب نحو البيت"؛ أي نحو (بين القصرين)؛ أي من حيث بدآ الحياة !! وفي (الشحاذ) غلبت فكرة (النشوة الروحية) على عمر الحمزاوي فكان انهياره. وفي (الطريق) غلبت (المتعة الحسية) على صابر الرحيمي فكان سقوطه أيضاً في وحل (كريمة) و(الجريمة). وهذه الجريمة هي ما وصل إليه أبطال (ثرثرة فوق النيل) بعد أن غرقوا في (متعة الغياب عن الحياة) بالمخدر. وفي ضوء ذلك يمكن فهم موضع التصوف في رؤية نجيب محفوظ: إنه أحد تجليات الإنسان الروحية، فهو ضرورة بشرط ألا يطغى على مشاعره وطاقاته الإنسانية الأخرى.
هذا التعارض، أو تلك (الثنائية) ليست قائمة عند جمال الغيطاني. فليس الإنسان منقسماً إلى روح وجسد، أو نور وطين، يجب مراعاة التوازن بينهما، وإلا كان السقوط. ففي أقصى اللحظات الحسية نجد الغيطاني يعبر عنها بأقصى تعابير الحلول الصوفي، وهو يشير إلى ذلك بقوله مثلاً: "ألغيتُ المسافات، فتمكنتُ. اقترنتْ لذتي الحسية بمتعتي المعنوية"(خلسات الكرى. ص11). غبر أن هناك ثنائيات من نوع آخر، وهي ثنائيات الحياة والموت، الحضور والغياب، الوجود والفقدان. وهنا يلاحظ أن كل ما يحول دون تجلي التجربة الحية المضيئة بالتواصل الحميم مع الإنسان الآخر، أو مع الوطن، أو مع عناصر الطبيعة، أو مع المكان، أو مع الأشياء، يمثل الطرف السالب من هذه الثنائيات: الموت، الغياب، الفقد. ولذلك فإننا نجد أن توظيف التصوف هنا –وبخاصة فكرة (التجليات)، وفكرة (السفر والرحيل)، وفكرة (الكرامة الصوفية)- يمثل حيلة فنية لاستدعاء أي عنصر مفقود من هذه العناصر.
رابعاً: ظل نجيب محفوظ محافظاً على مسافة متوازنة في توظيف العناصر الصوفية في عالمه الروائي. فهو يأخذ منها بقدر ما يستدعي تكوين الشخصية، أو طبيعة الحدث، أو وضعية المكان، أو اللحظة الزمنية، أو المتطلبات الفنية التي تستدعي أسلوب اللغة الصوفية. ولذلك فإنه لا توجد في أعماله تلك الرواية القائمة في كل عناصرها على توظيف العالَم الصوفي. وأعتقد هنا أن مصادر المعرفة الصوفية عند نجيب كان لها أثر في ذلك. فهو قد استمد هذه المعرفة –أساساً- من كتب العشق الصوفي الفارسي الغنية بشاعريتها العاطفية، وخيالها القصصي المثير، ورمزيتها التي تعتمد على صور الطبيعة. كذلك استمدها من كتب الفلسفة الروحية، وبخاصة كتب (برجسون) الذي كتب محفوظ عنه المقالات في بداية حياته، والذي يشير إليه كثيراً في (الثلاثية). أما مصادر التصوف العربي الإسلامي فهي –فيما أتصور- تأتي في المرتبة الثالثة من حيث تأثيرها في تكوين رؤيته للتصوف. وأعتقد أن مفاهيم مثل (الشطح) و(الانجذاب) قد ولَّدت لديه انطباعاً متطابقاً مع صورة (الدرويش الشعبي) أو (المجذوب الشعبي) الذي هو موجود في الحياة بجسمه، ولكنه خارجها بعقله. و(العقل) مَلَكَة عزيزة عند نجيب محفوظ حيث يقول: "العقل أعظم هدية حظي بها الإنسان. وعلى الإنسان أن يدرك أنه لم يحظَ بها لغير ما هدف، ولكن لتكون مرشده في الحياة، مثلما أن الغريزة مرشد للحيوان. أجل، توجد مجالات لا حيلة للاقتراب منها إلا بالوجدان والذوق والإلهام، أما الحياة الباقية، الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والطبيعية فيجب أن تعتمد أولاً وأخيراً على العقل".
وفي تجربة الغيطاني الروائية مثَّل توظيف النص الصوفي الإسلامي قيمة فكرية وجمالية أساسية؛ حيث إنه ربط بين العثور على شكل روائي عربي، وفكرة إعطاء الرواية (هوية عربية)، أو –بتعبير آخر- (خصوصية عربية)، وذلك في محاولة منه لـ"مواجهة حداثة وافدة مرفوضة" على حد عبارة فيصل دراج الذي يضيف أيضاً أن جمال الغيطاني "يذهب إلى فضاء ابن عربي؛ إذ اللغة رحيل عن اللغة، وإذ الكلمات عاطرة وشديدة الخضرة". ومن ثم نجد لديه التقمص للغة الصوفية بكل ظلالها الوجدانية والروحية، وكذلك بما تعطيه من ثروة في الأشكال السردية تجعل أعماله الروائية "سيرورة روائية مفتوحة، تنقِّح ذاتها، وتصقل علاقاتها، وتنوع مواضيعها".
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق