الثورة كمصطلح سياسي هي الخروج عن الوضع الراهن سواء إلى وضع أفضل أو اسوأ من الوضع القائم وللثورة تعريفات معجمية تتلخص بتعريفين ومفهومين ،التعريف التقليدي القديم الذي وضع مع انطلاق الشرارة الأولى للثورة الفرنسية وهو قيام الشعب بقيادة نخب وطلائع من مثقفيه لتغيير نظام الحكم بالقوة. وقد طور الماركسيون هذا المفهوم بتعريفهم للنخب والطلائع المثقفة بطبقة قيادات العمال التي اسماهم البروليتاريا. اما التعريف أو الفهم المعاصر والاكثر حداثةً هو التغيير الذي يحدثه الشعب من خلال أدواته "كالقوات المسلحة" أو من خلال شخصيات تاريخية لتحقيق طموحاته لتغيير نظام الحكم العاجز عن تلبية هذه الطموحات ولتنفيذ برنامج من المنجزات الثورية غير الاعتيادية.والمفهوم الدارج أو الشعبي للثورة فهو الانتفاض ضد الحكم الظالم.و قد تكون الثورة شعبية مثل الثورة الفرنسية عام 1789 وثورات أوروبا الشرقية عام 1989 وثورة أوكرانيا المعروفة بالثورة البرتقالية في نوفمبر 2004 أو عسكرية وهي التي تسمى انقلابا مثل الانقلابات التي سادت أمريكا اللاتينية في حقبتي الخمسينيات الستينات من القرن العشرين، أو حركة مقاومة ضد مستعمر مثل الثورة الجزائرية { 1954-1962}. اما الانقلاب العسكري فهو قيام أحد العسكريين بالوثوب للسلطة من خلال قلب نظام الحكم, بغية الاستاثار بالسلطة والحصول على مكاسب شخصية من كرسي الحكم.
الثورة ظاهرة مهمة جدآ في التاريخ السياسي. الثورة هي حركة سياسية في البلد حيث يحاول الشعب أو الجيش أو مجموعات أخرى في الحكومة إخراج السلطة الحاكمة. يستخدم هذه المجموعات الثورية العنف في محاولة إسقاط حكوماتها. يؤسس الشعب أو الجيش حكومة جديدة في البلد بعد إسقاط الحكومة السابقة. ويسمى هذا التغيير في نظام الحكومة (أوفي القادة الحاكمة) ”الثورة“ لأنه يصبح إلى السلطة الحاكمة الجديدة.
كان الكثير من الثورات في التاريخ وطنية أو شعبية. في هذه الثورات، يغضب الشعب من الحكومة لأنها يتكون من جزء قليل من الشعب. ويتعرض لذلك الشعب ضد حكومته وتحاول تأسيس حكومة جديدة وطنية. في أمريكا في عام 1776 مثلا تمرد الشعب الأمريكي ضد بريطانيا وأسس الأمريكيون الولايات المتحدة. في إيران أيضا تمرد الشعب الإيراني ضد "الشاه" في عام 1979 وأسس دولة دينية. في الثورات أحيانا، يتعرض الجيش ضد السلطة الحاكمة، وبعد ذلك يأسس حكومة استبدادية عسكرية في البلد. وفي الحقيقة يبدأ كثير من الثورات من عند الشعب ولكن تنتهي في دكتاتوريات عسكرية. انتهى معظم الثورات في أمريكا اللاتينية بحكومات عسكرية مثلا. نرى في التاريخ أن الثورة حادث سياسي خطير. معظم الثورات في التاريخ السياسي عنيفة. وكثير من الثورات أصبحت حروب ثورية ومات فيها كثير من الأبرياء. والثورة هي مجموعة من التغيرات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية تؤدي إلى تغيير جذري شامل في المجتمع.
- الثورة الفرنسية عام 1789
- ثورة 1919 عام 1919 في مصر
- الثورة البرتقالية في أوكرانيا عام 2004
- ثورة أكتوبر في روسيا عام 1917
- الثورة الإيرانية عام 1979.
- ثورة الفاتح من سبتمبر ثورة ليبيا عام 1969
- الثورة الجزائرية عام 1954
- ثورة 23 يوليو عام 1952 في مصر
- الثورة الإعلامية اللبنانية عام 2008
- ثورة العشرين في العراق
الدكتور مارتن لوثر كينغ
الكاهن المعمداني الذي دفع حياته ثمنا للحرية.
الكاهن المعمداني الذي دفع حياته ثمنا للحرية.
ثوره مارتن لوثر كنغ / ثورة السود في امريكا
قاد د.مارتن لوثر كينغ ثورة سلمية من اهم ثورات التاريخ افضت الى اقرار قانون الحقوق المدنية الذي انهى سياسات الفصل العنصري في البلد الذي كان يعتبر نفسه النموذج للدولة القيادية بعد الحربين الكونيتين.
حتى منتصف الخمسينيات كانت العديد من الولايات المتحدة الاميركية لاتزال تمارس سياسات عنصرية ضد المواطنين السود مكرسة في القوانين مدنيا وسياسيا ومنها الفصل بين البيض والسود في المرافق العامة والمستشفيات والمدارس ووسائل النقل العام، اضافة الى حرمان غالبية السود من حقوق الاقتراع والمشاركة في الانتخابات.
وشهد يوم 1 ديسمبر 1955 حادثة مهمة عندما رفضت سيدة سوداء تدعى روزا باركس وتقيم في مدينة مونتغومري في ولاية الاباما ان تذعن للقوانين العنصرية المطبقة على النقل العام.
ففي ذلك اليوم وبعد ان جلست في الصف الاول المخصص للزنوج، امتلأت مقاعد البيض، وعندما صعد راكب اضافي ابيض طلب منها قائد الحافلة ومن 4 ركاب سود الى جانبها اخلاء الصف والعودة الى الوراء لاضافة صف للبيض، فوافق الاربعة ورفضت روزا الامتثال للامر، ولما هددها سائق الباص بانه سيأخذها الى مخفر الشرطة اجابته بهدوء: بوسعك ان تفعل ذلك فورا.
وبالفعل، نقلت روزا الى المخفر ولم يطلق سراحها حتى دفع ذووها الكفالة بانتظار انعقاد المحكمة، وخلال استجوابها في المخفر رفضت ان تتذرع بانها كانت مريضة او مرهقة، واصرت على ان سبب رفضها ترك مقعدها هو رفضها للقوانين العنصرية في اميركا.
وكررت باركس موقفها في المحكمة، وتلا المحاكمة ليلا اجتماع للمجلس السياسي للنساء الزنجيات في المدينة بحضور مارتن لوثر كينغ، وتم خلال الاجتماع كتابة 35 الف بطاقة بخط اليد ليجري توزيعها في اليوم التالي على جميع مدارس السود، وكانت كل بطاقة تحمل كلمات بسيطة:
نحن ممثلو الامهات الزنجيات ندعو كل زنجي الى الامتناع عن ركوب الحافلات الرسمية اعتبارا من صباح الغد وليوم واحد فقط، وباستطاعتكم ابقاء اولادكم في المنازل ليوم واحد، او ركوب سيارات اجرة الى مقار اعمالكم.
وبالفعل، التزم الجميع في اليوم التالي.
حكم على روزا باركس بغرامة قدرها 14 الف دولار، لكن الاحداث لم تتوقف بعد المحاكمة، فاستمر اضراب السود عن استخدام حافلات النقل العام نحو 381 يوما وترددت اصداء القضية والاضراب في جميع انحاء الولايات المتحدة واخذت القضية طريقها الى صدارة القضايا الرئيسية.
في 1957 وتحت تأثير المضايقات والتهديدات بالقتل، انتقلت روزا الى ديترويت في ولاية ميتشيغن لتعمل في مكتب عضو ديموقراطي بالكونغرس، لكنها ادت دورها في اشعال فتيل الثورة السلمية التي ستغير وجه الولايات المتحدة بالكامل.
فمع تسارع الاحداث، اعلن مارتن لوثر كينغ ان السود في الولايات المتحدة يجب الا يرضوا بأقل من الحرية والعدالة، ووعد بتحقيق اهداف بالطرق السلمية التي سبق للمهاتما غاندي ان اتبعها.
وفي وقت قصير لمع نجم مارتن لوثر كينغ كخطيب مفوه ونجم سياسي، ونجح السود بتشجيعه في انتزاع حكم قضائي فيدرالي بوقف العمل بالفصل بين البيض والسود بما يتعارض مع قوانين العديد من الولايات، وكان هذا الحكم بداية الطريق نحو اقرار الحقوق المدنية.
بعد حادثة باركس، شهدت ولايات اخرى احداثا مشابهة منها تدخل القوات الفيدرالية لتطبيق قرار من المحكمة العليا ايضا يدعوا الى عدم الفصل بين الطلبة البيض والسود في المدارس، وقد وقعت الحادثة في مدينة ليتل روك في اركنساس عندما امر حاكم الولاية برفض مبدأ الاختلاط وامر قواته بالحرص على ذلك.
وحاول بعض اهالي الطلبة البيض التصدي لدخول الطلبة السود، وكبرت المشكلة حتى امر الرئيس آيزنهاور شخصيا بارسال قوات فيدرالية لمرافقة 6 فتيان وادخالهم بالقوة الى المدرسة وتأمين حمايتهم.
وفي اوائل الستينيات، ومع تصاعد الحملة والاهتمام الشعبي والاعلامي بها اطلق مارتن لوثر كينغ مؤتمر القيادة المسيحية الجنوبية مع مسيرات احتجاجية ضخمة ضد المؤسسات التي تطبق الفصل العنصري، وفي مايو عام 1963 استخدمت الشرطة الكلاب وخراطيم المياه لقمع تظاهرة سلمية لتلاميذ المدارس في بيرمنغهام بولاية الاباما ايضا، والقي القبض على كينغ وزج به في السجن، حيث كتب رسالة مؤثرة قال فيها ان من «يخرق قانونا غير عادل بطريقة سلمية وعلنية مع استعداده لتحمل العقوبة بهدف ايقاظ ضمير مجتمعه، انما هو في الواقع يعرب عن اقصى الاحترام للقانون».
في اغسطس 1963 خرج كينغ من السجن ونظم مع شيوخ الاميركيين الافارقة مسيرة «واشنطن للحرية»، وشارك فيها ربع مليون مطالب باقرار الحقوق المدنية للسود في البلاد اجتمعوا عند نصب الرئيس ابراهام لينكولن الذي قاد القوات الفيدرالية خلال الحرب الاهلية لاجل الغاء العبودية.
في تلك المناسبة القى كينغ خطابه الشهير «لدي حلم» الذي يدعو فيه الى يوم «لا يحاكم فيه الناس على اساس لون بشرتهم انما على اساس اخلاقهم وشخصيتهم».
ساعدت التظاهرات السلمية والمشاهد المسربة عن محاولات قمعها قيادات الدولة على تمرير «مرسوم الحقوق المدنية» للعام 1964 الذي وقعه الرئيس ليندون جونسون في 2 يوليو 1964
وفي العام التالي اقر حق المشاركة السياسية في «مرسوم حقوق الاقتراع» قانونا في 6 اغسطس 1965 لتتوج جهود كينغ بالنجاح
وقد حصل على جائزة نوبل للسلام تكريما لنضاله السلمي الذي استمر به
لكن وبينما كان في مدينة ممفيس في 4 ابريل 1968 يلقي خطابا من على شرفة فندق لمساندة عمال جمع القمامة السود المضربين عن العمل، تعرض لرصاصة اردته قتيلا بعمر الـ 39 عاما اطلقها القناص جيمس ايرل ري الذي فر ولم يلق القبض عليه الا بعد شهرين في مطار لندن.
شكل مقتل كينغ خسارة كبيرة جدا، لكن موته كما حياته كان عاملا للتشجيع على مضي اميركا في طريق العدالة والكرامة والمساواة بين المواطنين.
ويكرم الاميركيون ذكرى القس مارتن لوثر كينغ بتخصيص يوم عطلة وطنية للاحتفال بذكراه في ثالث يوم اثنين من شهر يناير، كما تحرص المدارس على تحفيظ طلابها اجزاء من خطبته «لدي حلم» التاريخية.
اما روزا باركس فقد توفيت في اكتوبر 2005 عن عمر 92 عاما، وقد احزنت وفاتها الاميركيين، وقد حصلت عام 1996 على ارفع وسام مدني اميركي وعلى الميدالية الذهبية الفخرية للكونغرس عام 1999، وقد وصفها اعضاء الكونغرس بـ «الرمز الحي للحرية في اميركا».
ولد مارتن لوثر جونيور في 15 كانون الثاني 1929 في مدينة أتلانتا بولاية جورجيا وكان والده، مارتن لوثر (سينيور) كاهنا. عام 1935 دخل المدرسة وتلقى دروسه الابتدائية والثانوية حتى عام 1944، حيث نجح في امتحان الدخول إلى معهد اللاهوت في اتلانتا قبل ان ينهي دراسته الثانوية. وفي عام 1947 تخرج من ذلك المعهد متخصصا بالوعظ، فيما تابع دروسا في علم الاجتماع، وعيّن مساعدا لوالده الكاهن التابع للكنيسة المعمدانية في أتلانتا. وفي 25 شباط من العام التالي (1948) تمت سيامته كاهنا. وفي حزيران حصل على شهادة الاختصاص في علم الاجتماع.
عاش مارتن لوثر كينغ حياة شبه هادئة في الفترة التالية، وتزوج من كوروتا سكوت في مدينة ماريون بولاية ألاباما (1953).
في 17 أيار 1954 حقق السود "انتصارا" هاما عندما حكمت المحكمة العليا بأن التمييز العنصري ضد الطلاب السود في المدارس الرسمية هو أمر غير دستوري، وكانت تلك الخطوة الأولى في مسيرة الألف ميل.
في 17 أيار 1954 حقق السود "انتصارا" هاما عندما حكمت المحكمة العليا بأن التمييز العنصري ضد الطلاب السود في المدارس الرسمية هو أمر غير دستوري، وكانت تلك الخطوة الأولى في مسيرة الألف ميل.
في 31 تشرين الأول 1954 عين مارتن لوثر الأب ابنه كاهنا في مدينة مونتغومري في ألاباما التي شهدت في العام التالي ما عرف ب "أزمة الباصات". فقد جاء في قوانين ولاية ألاباما انه لا يحق للسود الجلوس في الأماكن التي يجلس فيها البيض في الباصات. وفي الأول من كانون الأول 1955 رفضت امرأة سوداء ان تتخلى عن مقعدها في أحد الباصات لرجل أبيض فاعتقلتها الشرطة.
اجتمعت كافة الحركات المناهضة للتمييز العنصري في المدينة في اليوم نفسه وانتخب أعضاؤها بالإجماع مارتن لوثر كينغ رئيسا لتجمعهم الذي أطلقوا عليه اسم " جمعية تطوير مونتغومري". وقرروا رفع الدعوى لاثبات عدم دستورية قوانين التمييز العنصري في الباصات. فردت الشركة بأن أوقفت رحلاتها إلى الأحياء ذات الغالبية السوداء.
تعرض كينغ لحملة مضايقات من رجال الشرطة بسبب نشاطاته المناهضة للعنصرية، وقد اعتقل مرة وأوقف لقيادته سيارته بسرعة 30 ميلا في منطقة حددت السرعة القصوى فيها ب 25 ميلا في الساعة. كما تعرض لأعمال عنف من أشخاص عنصريين، ورميت قنبلة على منزله.
في 4 حزيران 1956 حكمت المحكمة بأن التمييز العنصري في الباصات هو أمر غير دستوري، وقبل نهاية ذلك العام صار يحق للسود الجلوس في مكان واحد مع البيض.
تابع مارتن لوثر كينغ ورفاقه نضالهم من اجل الحقوق المدنية للسود في الولايات المتحدة، وراحوا يحرزون الانتصار تلو الانتصار. ففي 9 ايلول 1957 وافق الكونغرس على مشروع قانون الحقوق المدنية وكان من نتيجة ذلك انشاء مفوضية الحقوق المدنية كهيئة مستقلة، وانشاء دائرة للحقوق المدنية تابعة لوزارة العدل.
من جهة أخرى تابعت الشرطة مضايقاتها لكينغ، فادعى عليه أحد أفرادها بتهمة "عدم الامتثال"، وحكمت عليه المحكمة (4 ايلول 1958) بغرامة مالية، رفض دفعها، ولكن مدير الشرطة قام بذلك رغم معارضة كينغ، في محاولة منه لاظهار عدم التحيز ضد المناضلين من اجل الحقوق المدنية. وبعد أيام ظهر كتاب كينغ الشهير "خطوة نحو الحرية: قصة مدينة مونتغومري".
في السنة التالية (1959) قام كينغ مع زوجته بزيارة إلى الهند حيث امضيا فترة في دراسة أساليب غاندي في اللاعنف. وبعد عودته (1960) انتقل مجددا إلى مدينة اتلانتا حيث عمل مع والده في إدارة الكنيسة المعمدانية هناك. ولكن مذكرة توقيف صدرت بحقه بتهمة تزوير المستندات الضرائبية لعامي 1956 و1958 فاعتقل وحوكم وظهرت براءته من التهم الموجهة إليه. كما ادعي عليه بتهمة الجلوس في مكان عام لا يحق للسود الجلوس فيه واعتقل وسجن (1960).
شهد عام 1961 تشكيل مجموعة "الركاب الأحرار" الذين أعلنوا عن عزمهم على ركوب الباصات التي تنقل الركاب فيما بين الولايات والتي كانت مشمولة بقوانين التمييز العنصري. فأصدرت المحكمة العليا حكما بان التمييز العنصري في الباصات التي تعبر الولايات غير دستوري (أيار 1961). وهكذا قامت المجموعة الأولى من "الركاب الأحرار" باستخدام الباص الذي ينقل الركاب من واشنطن إلى ولاية الميسيسيبي.غير ان جماعات من المتعصبين العنصريين هاجمت الباص وأحرقته في ألاباما. كما قامت مجموعات أخرى بالاعتداء بالضرب على الركاب الذين استقلوا باصا آخر لمتابعة الرحلة في بيرمنغهام. وفي النهاية قامت الشرطة باعتقالهم عند وصولهم إلى مدينة جاكسون في الميسيسيبي وامضوا ما بين 40 و 60 يوما قيد الاعتقال.
في السنوات التالية (1962 ـ 1963) تعرض كينغ للمزيد من حملات المضايقة والاعتقال بتهم تافهة لا تستوجب في العادة التوقيف أو السجن. ولكن مع بداية العام 1964 بدأت أعمال الشغب تتكاثر في مختلف أنحاء البلاد وخصوصا مع ازدياد أعمال العنف التي ارتكبها العنصريون من أعضاء منظمة "كوكس كلان" ومثيلاتها، وراح الضحايا من السود يسقطون في هارلم ونيوجرسي وايلينوا وبنسلفانيا.
في 10 كانون الاول 1964 نال كينغ جائزة نوبل للسلام، اعترافا بجهوده الحثيثة لمنح السود حقوقهم المدنية باستخدام الوسائل السلمية.
عام 1965 شهد انتصارا آخر حين وقع الرئيس نيكسون القانون الذي يمنح السود حق الاقتراع في الانتخابات ، ولكنه شهد أيضا اغتيال المناضل الأسود المعروف باسم "مالكوم x".
تابع العنصريون البيض أعمال الشغب لإرهاب السود وثنيهم عن مطالبتهم بحقوقهم. فكانوا يتصدون للمظاهرات السلمية التي يقوم بها هؤلاء، والتي صارت مختلطة باشتراك الكثير من المعتدلين البيض فيها.
وكان أسوأ أعمال الشغب ما حصل في مدينة ديترويت بين 23 و30 تموز 1967 وحصد أكثر من 43 قتيلا و 324 جريحا. مما دفع الزعماء السود مارتن لوثر كينغ وفيليب راندولف وروي ويلكينز وويتني يونغ إلى توجيه نداء بوقف أعمال العنف.
في شهر نيسان 1968 وأثناء جولة لمارتن لوثر كينغ في مدينة مامفيس، وفيما كان يخطب في الجماهير المحتشدة أمام الفندق الذي كان مقيما فيه، أطلق عليه قناص النار فأصابه في عنقه، ثم توفي في المستشفى بعد ساعات قليلة، منهيا بذلك حياة مليئة بالكفاح والنضال من أجل الحقوق المدنية.
في شهر نيسان 1968 وأثناء جولة لمارتن لوثر كينغ في مدينة مامفيس، وفيما كان يخطب في الجماهير المحتشدة أمام الفندق الذي كان مقيما فيه، أطلق عليه قناص النار فأصابه في عنقه، ثم توفي في المستشفى بعد ساعات قليلة، منهيا بذلك حياة مليئة بالكفاح والنضال من أجل الحقوق المدنية.
ثورة 1920 في فلسطين
أول ثورة فلسطينية ضد الانتداب البريطاني والصهاينة سنة ألف وتسعمائة وعشرين .
في ذلك الوقت تكاملت عوامل تفجر الثورة ، فحكومة الانتداب كانت تعمل لإنفاذ وعد بلفور واللجنة الصهيونية التي اعترف بها الحلفاء تطلق تصريحات استفزازية وتكشف عن مطامعها في فلسطين، بينما يمنع البريطانيون أي تحرك فلسطيني وبالقوة .
فمنعوا عقد المؤتمر الفلسطيني لدورته الثانية في القدس بينما أشرعوا أبواب فلسطين لهجرة اليهود ... وكان لا بد من المقاومة . انفجرت التظاهرات في معظم أنحاء فلسطين فما كان من حكومة الانتداب إلا أن أصدرت أمرا بمنع كل التظاهرات ، ومهما كان هدفها وشكلها .
عمد المقاومون إلى مهاجمة المستوطنات الصهيونية في الحولة وغور الأردن ، وكذلك الحاميات البريطانية في سمخ وبيسان . واجهت سلطات الانتداب المقاومين بالطائرات .
ومع حلول شهر نيسان من ذلك العام . جاء موسم النبي موسى . والموسم مناسبة اجتماعية دينية ظهرت أثناء الاحتلال الفرنجي وكان الهدف منها ، التحريض على مقاومة الفرنجة .
ويتم الاحتفال بالمناسبة عادة في موقع يبعد ثلاثين كيلو مترا عن القدس باتجاه أريحا، ولكن الاحتفال يبدأ عمليا بالتجمع في ساحات الحرم القدسي ، حيث يفد أبناء فلسطين من مدنها وقراها شاهرين سيوفهم ورماحهم رافعين راياتهم ، ومنشدين الأناشيد الدينية والوطنية وبعد أن يكتمل التجمع يتجه الحشد إلى مكان الاحتفال .
يوم الرابع من نيسان منعت قوات الاحتلال البريطاني أهل الخليل من دخول القدس للمشاركة في الاحتفال ، وكان أهل القدس وأهل نابلس قد خرجوا لاستقبالهم وشارك في الاستقبال أبناء الطوائف المسيحية كالعادة . هتف الجميع ضد الاحتلال البريطاني والصهيونية وطالبوا بالوحدة العربية والاستقلال .
وتمكن أهل الخليل من دخول القدس عنوة ، واتجهت الجموع إلى الساحة أمام باب الخليل ، حيث خطب فيها موسى كاظم الحسيني رئيس بلدية القدس ورئيس الجمعية الإسلامية – المسيحية ، وخليل بيدس ، وعارف العارف والحاج أمين الحسيني وغيرهم .. وكانت الكلمات حماسية أثارت الشعور القومي .
اندس بين الجموع المحتشدة صهيوني يدعى كريمر بن مندل محاولا خطف العلم العربي وتمزيقه ، فانقض عليه الرجال وقتلوه ، ثم جاء صهيوني آخر مع عدد من الجنود البريطانيين لإنزال العلم فقتله الرجال ، واندلعت معركة بين الفلسطينيين وبين الجنود البريطانيين وأفراد العصابات اليهودية الصهيونية .
لقد بدأت أحداث الثوره في القدس ثم امتدت إلى مختلف المدن الفلسطينية.
استشهد فيها أربعة من الفلسطينيين وخمسة من اليهود ، وسقط مائة واثنان وعشرون جريحا من الطرفين . كانت هذه المعركة ضربة البداية ، لثورة استمرت خمسة أيام في القدس ، قتل فيها تسعة من اليهود وجرح مائتان وخمسون من الطرفين .
وقد فرضت القوات البريطانية حصارا كاملا على بيت المقدس وفرضت الأحكام العرفية لإخماد الثورة .
وعزلت موسى كاظم باشا الحسيني عن رئاسة بلدية القدس ، وشنت حملة اعتقالات واسعة ، وفرضت أحكاما بالسجن على ثلاث وعشرين من الشخصيات المقدسة بالبارزة من بينها الحاج أمين الحسيني ، وعارف العارف ، غير أنهما توجها إلى شرقي الأردن .
وعزلت موسى كاظم باشا الحسيني عن رئاسة بلدية القدس ، وشنت حملة اعتقالات واسعة ، وفرضت أحكاما بالسجن على ثلاث وعشرين من الشخصيات المقدسة بالبارزة من بينها الحاج أمين الحسيني ، وعارف العارف ، غير أنهما توجها إلى شرقي الأردن .
لم تدم المواجهة طويلا ، ولكنها أشارت إلى جملة من الأشياء المهمة . فهي نقلت الكفاح الفلسطيني ضد الاستعمار والصهيونية من مرحلة البدء بالوعي وإدراك المخاطر إلى مرحلة المقاومة الشعبية ، وأسست للثورات اللاحقة التي استفادت من تجربتها القصيرة زمنيا ، ولكن العميقة الدلالة .
كما أنها كشفت أكثر فأكثر ألاعيب بريطانيا ومدى تحالفها مع الحركة الصهيونية. فقد أميط اللثام عن قيام الزعيم الصهيوني جابوتنسكي الذي كان يحارب في صفوف الجيش البريطاني خلال الحرب العالمية الأولى بتشكيل وحدات عسكرية صهيونية كانت تتدرب علنا وراء مدرسة ليمل وفوق قمة جبل الزيتون في القدس .
ومع أن بريطانيا ظلت تزعم عدم موافقتها على تشكيل هذه الوحدات فقد زجت بها مع الصهاينة في مواجهة الثوار الفلسطينيين في القدس .
ورغم أن تقرير لجنة بالين التي عينتها الحكومة البريطانية فضح الألاعيب التي تقوم بها حكومة الانتداب ، إلا أن هذه لم تغير سياستها ، بل اتبعت سياسات أكثر قمعية تجاه المواطنين الفلسطينيين ، وسهلت تدفق المهاجرين اليهود على فلسطين، مما كان سببا في اندلاع ثورات ف
ثورة القرامطة
نسبة للدولة القرمطية وقامت إثر ثورة إجتماعية و أخذت طابعا دينيا
يعدها بعض الباحثين من أوائل الثورات الإشتراكية في العالم.
فهي حركة اجتماعية بنت برنامجها على مبادئ فلسفة علمية ووسعت مطالبها أكثر من الحركات الاجتماعية الأخرى في الإسلام التي سبقتها في الظهور، وإن كانت لا تختلف في الجوهر عن البابكية من حيث تشميل برنامجها الاجتماعي النقطتين الرئيستين وهما:
المساواة بين المرأة والرجل (وليس فقط تحرير المرأة)
وتوزيع ملكية الأراضي على المحتاجين.
أشهر ما عرف عنهم قيامهم بثورة ضد الخلافة العباسية في السنوات القلة الأخيرة من القرن التاسع الميلادي، الأمر الذي أدى إلى الكثير من الاضطرابات، منها سرقة الحجر الأسود من مكة المكرمة.
لقد كانت الظروف في مدينة واسط في العراق ـ المركز الأول للدعوة القرمطية ـ مؤاتية تماما حركة اجتماعية ثورية تنسف البنى القائمة، وتقيم على أنقاضها تنظيما اجتماعيا يحقق العدالة والتي كان ينشدها الفلاحون الاقنان من العرب والنبط والسودان الذين كان أصحاب الآراضي يستقدمونهم لإصلاح أراضيهم واستغلالها بشروط لا تختلف عن نظم الإقطاع التي عرفتها أوربا في القرون الوسطى.
لقد بدأت الدعوة القرمطية بنوع من التآلف والتعاضد والمساعدة المتبادلة فضلا عن تأدية بعض الضرائب إلى ((إمام الزمان)) لتغطية نفقات ((دار الهجرة)) التي بناها حمدان القرمطي مركزا للدعوة. وبعد أن كثر أتباع الحركة انتقلت الدعوة إلى نوع من المشاركة حتى أنهم كانوا يحملون إلى محل واحد كل ما يملكون فيجعلونه مشاعا بينهم، ثم يتولون اقتسامه حتى لم يبق بينهم فقير.
وانتقلت حركة القرامطة من الدعوة إلى حيز التنفيذ، فقد استطاع أبو سعيد الجنابي سنة (900م) الاستيلاء على عاصمة إقليم البحرين، وأقام دولة لها نظامها السياسي والاقتصادي المتميز عن الدول المعاصرة لها والقريب جدا من النظام الاشتراكي.
فمن الناحية السياسية كانت السلطة محصورة بيد أصحاب الدرجات العالية في الحركة القرمطية (بمثابة الحزب) حيث أن تنظيم القرامطة كان يعتمد على وجود تسع درجات يمر بها الداخل في الدعوة حسب مؤهلاته وقدراته العقلية ودرجة التزامه وقوة إرادته. لقد كانت السلطات كافة من تشريع وإدارة وتنفيذ محصورة في أقضاء مجلس ((العقدانية)) المؤلف من ستة أفراد يختارهم الشعب من بين أصحاب الدرجات العالية في الدعوة ولكل منهم ستة مساعدين للتشاور معهم وابداء الرأي .
فتنظيم القرامطة (بمثابة حزب) كان يضم خيرة الناس، ممن لهم دراية عالية بالأمور ويتمتعون بصفات أخلاقية رفيعة وكانوا جميعا من عامة الناس.
إن تنظيم القرامطة يعبر من خلال برنامجه الواضح عن مصالح جميع الطبقات الشعبية الكادحة من العمال والفلاحين.
إن مجلس العقدانية كان مرتبطا دائما بمصلحة الجماهير الشعبية ويسوس البلاد انطلاقا من تأمين هذه المصلحة.
وهكذا كان نظام الحكم في دولة القرامطة شبيها إلى حد كبير بأشكال السلطة الاشتراكية في الوقت الحاضر. إنه نوع من أنواع الديمقراطية الشعبية.
أما من الناحية الاقتصادية فأن الحركة القرمطية بدأت بالتعاقد والتعاون والمساعدة المتبادلة، وكان مؤسس الدعوة حمدان قرمط قد رتب نظاما للمشاركة يضمن نجاح الحركة ففرض ضرائب واشتراكات على اتباعه تجبى دوريا لتمويل النفقات المشتركة للدعوة. ويذكر بعض المؤرخين أن حمدان كان يطلب إلى أتباعه تبرعات كبيرة وأحيانا كان يطلب إليهم أن يقدم كل منهم ما يملك، ليعاد اقتسامه بينهم حتى لم يبق بينهم فقير.
وبعد قيام الدولة واستقرار نظام الحكم فيها بدأ القرامطة يهتمون بتنظيم أمورهم الداخلية والتجارة مع البلدان المجاورة، ومن الأمور البارزة في التنظيم الاقتصادي لدولة القرامطة ما يلي:
1ـ احتكرت الدولة التجارتين الخارجية والداخلية، وكانت تنفق أرباحهما على المصالح العامة وتحسين أحوال الزراع والعمال.
2ـ أقامت الدولة مشاريع لتأمين الخدمات الأساسية مجانا للسكان من بينها الطواحين مثلا.
3ـ أن الدولة القرمطية كانت تبتاع ما هي بحاجة إليه من الأراضي لتوزعه على الفلاحين ممن ليس لهم أراض يزرعونها بأنفسهم.
كما كانت للدولة حقول خاصة تستغلها العقدانية بوساطة عمال زراعيين من السود الذين حررتهم، فكانت هذه الحقول أشبه ما تكون بمزارع الدولة القائمة في البلدان الاشتراكية أحيانا.
4ـ اهتمت الدولة بالحرفيين فكانت تقرضهم ما يحتاجونه من المال حتى يشتغلوا ويكسبوا ثم يردون القرض إلى الحكومة بدون أية فوائد. وهذا الإجراء حمى الحرفيين من التمايز الطبقي وضمن لهم استمرارهم في العمل المنتج دون استغلال من أحد.
5ـ ضرب مجلس العقدانية نقودا من الرصاص لم تكن متداولة إلا في البحرين حتى لا يتمكن أحد من تهريب الأموال إلى الخارج.
لقد استمرت دولة القرامطة حوالي خمسة قرون وسط بحر محيط بها من الأعداء والمناوئين الذين جعلوا همهم الأساسي القضاء عليها.
إن استمرارها هذه المدة الطويلة يشكل دليلا واضحا على أنها كانت قائمة على أسس اقتصادية وسياسية ملائمة.
ولا ريب في أن انهيارها يرجع إلى كثرة أعدائها ومناوئيها في الدول المجاورة لها والذين كانوا يعملون على زوالها من جهة، وإلى أنها كانت سابقة لعصرها من جهة ثانية.
فقد قامت الحركة القرمطية رد فعل عاطفي على المظالم الاجتماعية التي عانت منها الجماهير في ظل النظام الإقطاعي ولكن دون أن يتوافر مستوى تطور ملائم للقوى المنتجة يضمن استمرار نظام اشتراكي في ذلك الوقت .
وبمعنى آخر فقد كانت دولة القرامطة طفرة تاريخية سابقة لعصرها فلم تستطع الاستمرار في الوجود لعدم توفر الظروف الموضوعية المساعدة.
=== الباحث العراقي هادي علوي أشار بأن الموحدون الدروز هم بقايا الثورة القرمطية المجهضة و هناك من قال أن الدروز طائفة مستقلة.
مؤسس مذهب القرامطة هو حمدان بن الأشعث الذي يلقب "بقرمط". قدم من الأهواز إلى الكوفة سنة (278 هـ/891م)وأقام بها. دخل في بداية حياته في مذهب الإسماعيلية على يد حسين الأحوازي. وقد عرف حمدان بقوة شخصيته وعلاقاته الاجتماعية. انقلب على الإسماعيلية الباطنية وقام بإنشاء مذهباً خاصاً به، مركزه في الكوفة في عام 890 م وأطلق عليه اسم "دار الهجرة". داعياً إلى إمام من آل البيت، فلقيت دعوته نجاحًا عند أنصار العلويين. وبعد أن وثق من بعضهم بدأ في بث دعوته وأفكاره التي كانت تختلف عن الإسلام السائد في ذلك الزمن.
انتشرت الفرقة القرمطية في الكوفة وواسط والبصرة في العراق، ومن ثم في البحرين والقطيف. ثم اشتد خطر هذه الحركة بعد ظهور زعيمها في البحرين "أبي سعيد الجنَّابي" سنة (286 هـ = 899م)، واستطاع أن يبسط نفوذه على البحرين وهجر، وكسب أنصارًا كثيرين، وتحول إقليم البحرين إلى مركز للقرامطة ومعقلاً لنشاطهم، وخرجت منه حملاتهم الحربية لنشر أفكارهم.
وانتشروا في الأحساء والطائف حتى اليمن. ثم ساروا إلى بعلبك وسلمية. استولوا على دمشق في عام 873 م، ثم توجهوا إلى مصر ثم المغرب وعُمان.
ولم ينجح المعتضد في القضاء على هذه الحركة؛ لأنه لم يُقدّر خطورتها حق قدرها، وصرف جهده إلى قمع ثورات كانت تبدو لديه أكثر خطورة منها.
=== وقد ذكر الباحث السوري محمد أمين جوهر :
أن الدولة القرمطية كانت تقدم العون المادي لمن يستطيع أن يبني عملا أو حرفة أو زراعة ، و أنهم قامو بشق الأقنية و زراعة النخيل ، و كان يمنع ذبح الحيوانات بين الناس بل كانت الدولة تقوم بذبح الأغنام و الحيوانات و توزع اللحم على الناس و كانت أول من بنى مطاحن الحبوب وقامت الدولة القرمطية ببناء مطاحن الحبوب لتخفف عبء العمل عن المرأة التي كانت بدورها تشارك بالعمل ، حيث تعتبر حقوق المرأة عند القرامطة متطورة جدا مقارنة مع باقي الدول الإسلامية التي توالت في ذلك التاريخ
أما تمويل الدولة فكان من خلال الضرائب التي تأخذها نتيجة مشاركتها في معظم الأعمال و كان يدخل كذلك خزينة الدولة الضرائب التي فرضها القرامطة على الدولة العباسية
ويذكر أن جيش المقتدر بالله الذي أرسله للقضاء على الدولة القرمطية كان يزيد على الثمانين الف محارب و جيش القرامطة الذي تصدى له حسب ما اتفق عليه الباحثيين لم يتجاوز الفان وسبعمائة رجل وجاء ذكر ذلك في رسالة أبي طاهر للخليفة المقتدر ويدل ذلك على مدى تمسك الناس بدولة قامت بتأمين العدالة الإجتماعية للناس وقضت على الفقر ودولة القرامطة وصلت إلى السلمية في سوريا على الحدود المصرية حيث قام العديد من الحروب بين القرامطة و الفاطميين
أشهر الشخصيات :
حمدان بن الأشعث، المعروف أيضاً باسم "قرمط" .................. المؤسس لحركه القرامطه بعد ارساله من داعي الدعاه الحسين الاهوازي .
أبو سعيد الحسن بن بهرام الجنابي في إقليم البحرين ........ مؤسس الدوله القرمطيه في هجر وهي عاصمه الدوله القرمطيه
عبدان الداعية ................ تم ارساله من قبل حمدان قرمط لنشر الدعوه في بلاد الشام
أبو طاهر سليمان بن الحسن الجنابي ........... بعصره ازدهرت الدوله وتوسعت الى ان وصلت للجزيره العربيه وبلاد الشام , وهدد عاصمه الخلافه العباسيه بغداد .
يحيى بن زكرويه الدنداني .......... قام بثوره في بلاد الشام , الا ان الخلافه العباسيه انهت ثورته واقامت تله من جماجم القرامطه في الشام , وعلق رأس يحيى في دمشق .
القبائل العربية التي ساندت القرامطة :
قبائل بني قيس
بنو كلاب
بنو ضبة
بنو الخريس
بنو عقيل
بنو أسد
بنو شيبان
بنو المنتفق
بنو هلال
بنو سليم
بنو خفاجه
نسبة للدولة القرمطية وقامت إثر ثورة إجتماعية و أخذت طابعا دينيا
يعدها بعض الباحثين من أوائل الثورات الإشتراكية في العالم.
فهي حركة اجتماعية بنت برنامجها على مبادئ فلسفة علمية ووسعت مطالبها أكثر من الحركات الاجتماعية الأخرى في الإسلام التي سبقتها في الظهور، وإن كانت لا تختلف في الجوهر عن البابكية من حيث تشميل برنامجها الاجتماعي النقطتين الرئيستين وهما:
المساواة بين المرأة والرجل (وليس فقط تحرير المرأة)
وتوزيع ملكية الأراضي على المحتاجين.
أشهر ما عرف عنهم قيامهم بثورة ضد الخلافة العباسية في السنوات القلة الأخيرة من القرن التاسع الميلادي، الأمر الذي أدى إلى الكثير من الاضطرابات، منها سرقة الحجر الأسود من مكة المكرمة.
لقد كانت الظروف في مدينة واسط في العراق ـ المركز الأول للدعوة القرمطية ـ مؤاتية تماما حركة اجتماعية ثورية تنسف البنى القائمة، وتقيم على أنقاضها تنظيما اجتماعيا يحقق العدالة والتي كان ينشدها الفلاحون الاقنان من العرب والنبط والسودان الذين كان أصحاب الآراضي يستقدمونهم لإصلاح أراضيهم واستغلالها بشروط لا تختلف عن نظم الإقطاع التي عرفتها أوربا في القرون الوسطى.
لقد بدأت الدعوة القرمطية بنوع من التآلف والتعاضد والمساعدة المتبادلة فضلا عن تأدية بعض الضرائب إلى ((إمام الزمان)) لتغطية نفقات ((دار الهجرة)) التي بناها حمدان القرمطي مركزا للدعوة. وبعد أن كثر أتباع الحركة انتقلت الدعوة إلى نوع من المشاركة حتى أنهم كانوا يحملون إلى محل واحد كل ما يملكون فيجعلونه مشاعا بينهم، ثم يتولون اقتسامه حتى لم يبق بينهم فقير.
وانتقلت حركة القرامطة من الدعوة إلى حيز التنفيذ، فقد استطاع أبو سعيد الجنابي سنة (900م) الاستيلاء على عاصمة إقليم البحرين، وأقام دولة لها نظامها السياسي والاقتصادي المتميز عن الدول المعاصرة لها والقريب جدا من النظام الاشتراكي.
فمن الناحية السياسية كانت السلطة محصورة بيد أصحاب الدرجات العالية في الحركة القرمطية (بمثابة الحزب) حيث أن تنظيم القرامطة كان يعتمد على وجود تسع درجات يمر بها الداخل في الدعوة حسب مؤهلاته وقدراته العقلية ودرجة التزامه وقوة إرادته. لقد كانت السلطات كافة من تشريع وإدارة وتنفيذ محصورة في أقضاء مجلس ((العقدانية)) المؤلف من ستة أفراد يختارهم الشعب من بين أصحاب الدرجات العالية في الدعوة ولكل منهم ستة مساعدين للتشاور معهم وابداء الرأي .
فتنظيم القرامطة (بمثابة حزب) كان يضم خيرة الناس، ممن لهم دراية عالية بالأمور ويتمتعون بصفات أخلاقية رفيعة وكانوا جميعا من عامة الناس.
إن تنظيم القرامطة يعبر من خلال برنامجه الواضح عن مصالح جميع الطبقات الشعبية الكادحة من العمال والفلاحين.
إن مجلس العقدانية كان مرتبطا دائما بمصلحة الجماهير الشعبية ويسوس البلاد انطلاقا من تأمين هذه المصلحة.
وهكذا كان نظام الحكم في دولة القرامطة شبيها إلى حد كبير بأشكال السلطة الاشتراكية في الوقت الحاضر. إنه نوع من أنواع الديمقراطية الشعبية.
أما من الناحية الاقتصادية فأن الحركة القرمطية بدأت بالتعاقد والتعاون والمساعدة المتبادلة، وكان مؤسس الدعوة حمدان قرمط قد رتب نظاما للمشاركة يضمن نجاح الحركة ففرض ضرائب واشتراكات على اتباعه تجبى دوريا لتمويل النفقات المشتركة للدعوة. ويذكر بعض المؤرخين أن حمدان كان يطلب إلى أتباعه تبرعات كبيرة وأحيانا كان يطلب إليهم أن يقدم كل منهم ما يملك، ليعاد اقتسامه بينهم حتى لم يبق بينهم فقير.
وبعد قيام الدولة واستقرار نظام الحكم فيها بدأ القرامطة يهتمون بتنظيم أمورهم الداخلية والتجارة مع البلدان المجاورة، ومن الأمور البارزة في التنظيم الاقتصادي لدولة القرامطة ما يلي:
1ـ احتكرت الدولة التجارتين الخارجية والداخلية، وكانت تنفق أرباحهما على المصالح العامة وتحسين أحوال الزراع والعمال.
2ـ أقامت الدولة مشاريع لتأمين الخدمات الأساسية مجانا للسكان من بينها الطواحين مثلا.
3ـ أن الدولة القرمطية كانت تبتاع ما هي بحاجة إليه من الأراضي لتوزعه على الفلاحين ممن ليس لهم أراض يزرعونها بأنفسهم.
كما كانت للدولة حقول خاصة تستغلها العقدانية بوساطة عمال زراعيين من السود الذين حررتهم، فكانت هذه الحقول أشبه ما تكون بمزارع الدولة القائمة في البلدان الاشتراكية أحيانا.
4ـ اهتمت الدولة بالحرفيين فكانت تقرضهم ما يحتاجونه من المال حتى يشتغلوا ويكسبوا ثم يردون القرض إلى الحكومة بدون أية فوائد. وهذا الإجراء حمى الحرفيين من التمايز الطبقي وضمن لهم استمرارهم في العمل المنتج دون استغلال من أحد.
5ـ ضرب مجلس العقدانية نقودا من الرصاص لم تكن متداولة إلا في البحرين حتى لا يتمكن أحد من تهريب الأموال إلى الخارج.
لقد استمرت دولة القرامطة حوالي خمسة قرون وسط بحر محيط بها من الأعداء والمناوئين الذين جعلوا همهم الأساسي القضاء عليها.
إن استمرارها هذه المدة الطويلة يشكل دليلا واضحا على أنها كانت قائمة على أسس اقتصادية وسياسية ملائمة.
ولا ريب في أن انهيارها يرجع إلى كثرة أعدائها ومناوئيها في الدول المجاورة لها والذين كانوا يعملون على زوالها من جهة، وإلى أنها كانت سابقة لعصرها من جهة ثانية.
فقد قامت الحركة القرمطية رد فعل عاطفي على المظالم الاجتماعية التي عانت منها الجماهير في ظل النظام الإقطاعي ولكن دون أن يتوافر مستوى تطور ملائم للقوى المنتجة يضمن استمرار نظام اشتراكي في ذلك الوقت .
وبمعنى آخر فقد كانت دولة القرامطة طفرة تاريخية سابقة لعصرها فلم تستطع الاستمرار في الوجود لعدم توفر الظروف الموضوعية المساعدة.
=== الباحث العراقي هادي علوي أشار بأن الموحدون الدروز هم بقايا الثورة القرمطية المجهضة و هناك من قال أن الدروز طائفة مستقلة.
مؤسس مذهب القرامطة هو حمدان بن الأشعث الذي يلقب "بقرمط". قدم من الأهواز إلى الكوفة سنة (278 هـ/891م)وأقام بها. دخل في بداية حياته في مذهب الإسماعيلية على يد حسين الأحوازي. وقد عرف حمدان بقوة شخصيته وعلاقاته الاجتماعية. انقلب على الإسماعيلية الباطنية وقام بإنشاء مذهباً خاصاً به، مركزه في الكوفة في عام 890 م وأطلق عليه اسم "دار الهجرة". داعياً إلى إمام من آل البيت، فلقيت دعوته نجاحًا عند أنصار العلويين. وبعد أن وثق من بعضهم بدأ في بث دعوته وأفكاره التي كانت تختلف عن الإسلام السائد في ذلك الزمن.
انتشرت الفرقة القرمطية في الكوفة وواسط والبصرة في العراق، ومن ثم في البحرين والقطيف. ثم اشتد خطر هذه الحركة بعد ظهور زعيمها في البحرين "أبي سعيد الجنَّابي" سنة (286 هـ = 899م)، واستطاع أن يبسط نفوذه على البحرين وهجر، وكسب أنصارًا كثيرين، وتحول إقليم البحرين إلى مركز للقرامطة ومعقلاً لنشاطهم، وخرجت منه حملاتهم الحربية لنشر أفكارهم.
وانتشروا في الأحساء والطائف حتى اليمن. ثم ساروا إلى بعلبك وسلمية. استولوا على دمشق في عام 873 م، ثم توجهوا إلى مصر ثم المغرب وعُمان.
ولم ينجح المعتضد في القضاء على هذه الحركة؛ لأنه لم يُقدّر خطورتها حق قدرها، وصرف جهده إلى قمع ثورات كانت تبدو لديه أكثر خطورة منها.
=== وقد ذكر الباحث السوري محمد أمين جوهر :
أن الدولة القرمطية كانت تقدم العون المادي لمن يستطيع أن يبني عملا أو حرفة أو زراعة ، و أنهم قامو بشق الأقنية و زراعة النخيل ، و كان يمنع ذبح الحيوانات بين الناس بل كانت الدولة تقوم بذبح الأغنام و الحيوانات و توزع اللحم على الناس و كانت أول من بنى مطاحن الحبوب وقامت الدولة القرمطية ببناء مطاحن الحبوب لتخفف عبء العمل عن المرأة التي كانت بدورها تشارك بالعمل ، حيث تعتبر حقوق المرأة عند القرامطة متطورة جدا مقارنة مع باقي الدول الإسلامية التي توالت في ذلك التاريخ
أما تمويل الدولة فكان من خلال الضرائب التي تأخذها نتيجة مشاركتها في معظم الأعمال و كان يدخل كذلك خزينة الدولة الضرائب التي فرضها القرامطة على الدولة العباسية
ويذكر أن جيش المقتدر بالله الذي أرسله للقضاء على الدولة القرمطية كان يزيد على الثمانين الف محارب و جيش القرامطة الذي تصدى له حسب ما اتفق عليه الباحثيين لم يتجاوز الفان وسبعمائة رجل وجاء ذكر ذلك في رسالة أبي طاهر للخليفة المقتدر ويدل ذلك على مدى تمسك الناس بدولة قامت بتأمين العدالة الإجتماعية للناس وقضت على الفقر ودولة القرامطة وصلت إلى السلمية في سوريا على الحدود المصرية حيث قام العديد من الحروب بين القرامطة و الفاطميين
أشهر الشخصيات :
حمدان بن الأشعث، المعروف أيضاً باسم "قرمط" .................. المؤسس لحركه القرامطه بعد ارساله من داعي الدعاه الحسين الاهوازي .
أبو سعيد الحسن بن بهرام الجنابي في إقليم البحرين ........ مؤسس الدوله القرمطيه في هجر وهي عاصمه الدوله القرمطيه
عبدان الداعية ................ تم ارساله من قبل حمدان قرمط لنشر الدعوه في بلاد الشام
أبو طاهر سليمان بن الحسن الجنابي ........... بعصره ازدهرت الدوله وتوسعت الى ان وصلت للجزيره العربيه وبلاد الشام , وهدد عاصمه الخلافه العباسيه بغداد .
يحيى بن زكرويه الدنداني .......... قام بثوره في بلاد الشام , الا ان الخلافه العباسيه انهت ثورته واقامت تله من جماجم القرامطه في الشام , وعلق رأس يحيى في دمشق .
القبائل العربية التي ساندت القرامطة :
قبائل بني قيس
بنو كلاب
بنو ضبة
بنو الخريس
بنو عقيل
بنو أسد
بنو شيبان
بنو المنتفق
بنو هلال
بنو سليم
بنو خفاجه
بنو نبهان
ثورات طليطلة بالأندلس
دخل المسلمون شبه الجزيرة الأيبيرية (الأندلس) فاتحين سنة (92هـ=711م)
كانت طليطلة تعد أهم المدن قاطبة في شبه الجزيرة، فقد كانت حاضرة القوط السياسية، وعرفت بالمدينة الملكية أو مدينة الملوك، ومنها كانوا يغزون عدوهم، وإليها كانت تجتمع جنودهم كما يقول ابن حيان المؤرخ الأندلسي المعروف، وفي الوقت نفسه كانت مقر الكرسي الأسقفي في أيبيريا منذ أن اتخذ الملك القوطي ريكارد الكاثوليكية مذهبا رسميا للقوط سنة 587م.
وكانت طليطلة من أمنع المدن هناك؛ بسبب موقعها على المنحدرات الصخرية العالية الممتدة حتى ضفاف نهر تاجة الذي يحيط بها من الشرق والغرب والجنوب، وبسبب أسوارها العالية وقلاعها الحصينة، وظلت طليطلة أعظم مدن أيبيريا, وأعلاها مكانة حتى الفتح الإسلامي.
ولم يكد المسلمون يحققون انتصارهم في معركة وادي لكة أو معركة شذونة بقيادة طارق زياد سنة (92هـ=711م)، وهو النصر الذي فتح لهم أبواب البلاد، حتى كانت وجهتهم مدينة طليطلة عاصمة البلاد التي تبعد عن أرض المعركة بنحو ستمائة كيلومتر، ولم يمنعهم طول المسافة ولا وعورة الطريق عن إنجاز مهمتهم حتى تحقق لهم ما يريدون، وفتحوا طليطلة .
وبعد أن أتم المسلمون الفتح اتخذوا من أشبيلية عاصمة لدولتهم الوليدة، ثم لم يلبث أن استبدلوا بها مدينة قرطبة التي ظلت حاضرة للدولة الإسلامية في الأندلس قرونا عديدة، ولم يتخذوا طليطلة أبدا عاصمة لدولتهم، على الرغم مما تتمتع به المدينة من مزايا إستراتيجية تجعلها دون غيرها أولى المدن الأندلسية بأن تكون عاصمة المسلمين هناك.
ويرى بعض المؤرخين المحدثين أن المسلمين ارتكبوا خطأ إستراتيجيا فادحا بعدم اتخاذهم هذه المدينة الحصينة عاصمة للأندلس؛ لأن موقعها المتوسط كان يسهل لهم الهيمنة على كل أنحاء شبه الجزيرة، ومراقبتها والاتصال بأطرافها على سبيل أسهل مما يستطيعه الحاكم المقيم في قرطبة
كما أنه يحفز الحاكم على تحقيق الوحدة للبلاد، ويمكّن المسلمين من مواصلة فتوحاتهم في غربي أوربا في سهولة ويسر، ويجهد العدو المهاجم في الوصول إليها.
وكلفت هذه الخطوة المسلمين كثيرا، وكانت عواقبها وخيمة على حركة الفتوحات الإسلامية التي تأثرت كثيرا بابتعاد عاصمة البلاد في الجنوب عن نطاق عملها فيما وراء جبال ألبرت، وهو ما أطال خطوط إمداداتها، وأجهد سيرها، بل كلف المسلمين خسارة الأندلس نفسها فيما بعد؛ لأنه بعد سقوط طليطلة سنة (447هـ=1084م) تداعت المدن الأندلسية واحدة بعد الأخرى.
وبعد الفتح سكنت طليطلة عناصر عربية وأخرى بربرية، بالإضافة إلى سكانها الأصليين من الأسبان الذين لم يغادروا مدينتهم , حيث سمح لهم بممارسة شعائرهم الدينية في حرية تامة، وبقرع نواقيس كنائسهم دون حظر أو تقييد
وظلت المدينة سنوات عديدة تعيش حياة هادئة دون قلاقل وثورات
ثم ما لبث أن تفجرت كل صور السخط والثورة والتمرد على السلطة المركزية في قرطبة بعد أن استقل بالأندلس عبد الرحمن الداخل
وذكر المؤرخون معلومات شحيحة عن أسباب تلك الثورات المتكررة، التي لا تكاد تخمد واحدة حتى تشتعل أخرى، وهو ما أجهد السلطة المركزية والمدينة الثائرة.
ولعل ما ساعد طليطلة على القيام بهذه الثورات المتعاقبة هو حصانة موقعها الذي أشرنا إليه، واتساع مواردها الاقتصادية وتنوع ثرواتها، وهو ما مكنها من المقاومة والدفاع وتحمل الحصار لشهور طويلة، بالإضافة إلى ميل زعمائها إلى الثورة والخروج على السلطة التي لم تسلك معها سياسة حكيمة، فكانت في كل مرة تثور فيها المدينة تقوم بقمعها بأساليب بالغة القسوة والوحشية، تترك في النفوس إحنا وأحقادا لا يلبث الوضع بسببها أن يشتعل مرة أخرى، كلما وجدت المدينة فرصة للثورة والانتفاض.
وبدأ مسلسل هذه الثورات المتعاقبة في عهد عبد الرحمن الداخل الذي انفرد بحكم الأندلس وأسس الدولة الأموية هناك، وكانت أولى الثورات ثورة هشام بن عروة الفهري سنة (144هـ=761م)، ثم تكررت بعد ذلك عدة ثورات، لكنها وجدت يدا قوية من السلطة نجحت في القضاء عليها.
وفي عهد الأمير الحكم بن هشام الربضي شبت ثورة عارمة بطليطلة سنة (181هـ=797م) نجح هو في القضاء عليها، لكنه خشي من تكرار مثل هذه الثورات، فأراد أن يضع حلا لمنع حدوثها مستقبلا، فأعد واليه على طليطلة عمروس بن يوسف الوشقي خطة خبيثة بتوجيه من الحكم للقضاء على أهل طليطلة.
قامت تلك الخطة على أن يتقرب الوالي إلى أهل طليطلة ويتظاهر بكراهيته لبني أمية وسخطه على حكمهم حتى يأنسوا به ويميلوا إليه، فإذا وجد منهم ذلك أقنعهم ببناء معسكر خارج المدينة للجند والحشم حتى لا يخالطوا أهل المدينة، واختار لهم موقعا بنى فيه قصرا لسكناه، وحفر في وسطه حفرة عميقة.
وبعد أن أتم ذلك جاءت المرحلة الثانية من الخديعة التي أعدها الوالي لأهالي طليطلة، بأن قام الأمير الحكم في سنة (191هـ=806م) باستنفار الناس للخروج للجهاد لمحاربة العدو الأسباني، وجعل على جيشه ابنه عبد الرحمن، وكان صغير السن لا يتجاوز الرابعة عشرة من عمره، وأخرج معه ثلاثة من وزرائه إمعانا في الخداع والحيلة.
تحرك الجيش إلى هدفه المزعوم، فلما تجاوز طليطلة، جاءت الأخبار بانصراف العدو، وكرّ الجيش راجعا، وفي أثناء ذلك أوعز عمروس إلى أهالي طليطلة بالخروج لاستقبال الأمير الصغير، فلما أنسوا إليه، طلب منهم الوالي المخادع أن يدعو الأمير عبد الرحمن إلى مدينتهم فاستجاب لهم، فلما اقتربوا من المعسكر الذي سبق أن أقامه الوالي، أعلن عمروس دعوة وجهاء أهل طليطلة إلى مأدبة أقامها داخل القصر، فحضروا وكان قد رتب لهم الدخول من باب، وصُرفت دوابهم من باب آخر.
وجاءت اللحظة الحاسمة التي كان ينتظرها ويعد لها الأمير الحكم، حيث وقف السيافون على شفير الحفرة التي لم يكن يعلم أحد عن سبب حفرها داخل القصر، وضربوا رقبة كل من دخل من وجوه أهل طليطلة، حتى قتل منهم خمسة آلاف ونيف، ولم ينج الباقون إلا بعد أن اكتشف أحدهم الخديعة، فنجوا بأنفسهم.
غير أن هذه الجريمة القاسية التي ارتكبتها الدولة في حق بعض رعاياها لم تمنع أهالي طليطلة من الثورة مرة أخرى، غير أن ذكرى المذبحة البشعة جعلتهم يميلون إلى الطاعة وطرح الثورة والتمرد حتى توفي الحكم سنة (206هـ=821م)، وخلفه في الإمارة ابنه عبد الرحمن المعروف بالأوسط، وظلوا على هدوئهم ثماني سنوات من فترة حكمه حتى ثاروا ثورة عارمة في سنة (214هـ=829م) تزعمها رجل يعرف باسم هاشم الضراب.
نجح هاشم الضراب في تحريض أهالي طليطلة على الثورة، والتف حوله كثيرون، وتطلع إلى السيطرة على الثغر الأوسط كله غير قانع بطليطلة، فأرسل إليه عبد الرحمن الأوسط حملة عسكرية استطاعت الإيقاع بقواته والتمكن من قتله.
غير أن هذه النتيجة لم توقف الثورة، فاضطر عبد الرحمن الأوسط إلى إرسال جيش آخر بقيادة أخيه أمية لمحاصرة طليطلة سنة (219هـ=934م)، فحاصرهم حصارا شديدا وقطع أشجارهم وأتلف زروعهم، ونجح أحد قواده في أن يوقع بأهالي طليطلة ويعمل فيهم السيف، ويذكر ابن الأثير: أن رءوس القتلى جمعت وحملت إلى ذلك القائد الذي يدعى ميسرة، فلما رأى كثرتها عظمت عليه وارتاع لذلك، ووجد في نفسه غما شديدا، فمات بعد أيام يسيرة.
لم يكتف عبد الرحمن الأوسط بذلك، بل أرسل الحملات وراء الحملات، وأخذ يبدل في القادة، ولم يفك الحصار الصارم عن المدينة واستمر على ذلك حتى جهد أهلها وعجزوا عن المقاومة، وضاقوا ذرعا بالحصار، فنجحت قواته التي كانت بقيادة أخيه الوليد بن الحكم من اقتحام أسوار المدينة في (رجب 222هـ= يوليو 837م)، بعد أعوام عديدة من الثورات .
شاءت الأقدار أن يكون عهد الأمير محمد الذي خلف أباه عبد الرحمن الأوسط في (4 من ربيع الآخر 238هـ=24 من سبتمبر 852م) بداية عصر من أشد عصور التاريخ الأندلسي خطرا على بني أمية وعلى دولة الإسلام في الأندلس، حيث لم تمض أيام قليلة حتى اشتعلت ثورة هائلة في طليطلة في منتصف (ربيع الآخر 238هـ= سبتمبر 852م) رفع خلالها أهلها روح التمرد والعصيان، وتمكن قادة الثورة من القبض على والي المدينة، ورفضوا إطلاق سراحه حتى أطلقت حكومة قرطبة رهائنهم المعتقلة، وكانت الحكومة المركزية قد دأبت على أخذ رهائن من وجهاء طليطلة حتى لا يعاودوا الثورة على الدولة.
وأمام هذه الأخطار المحدقة بالدولة لم يجد الأمير محمد بدا من الخروج بنفسه للقضاء على تلك الفتنة المستعرة، فسار إليها في (المحرم 240هـ= يونيو 854م) على رأس قوة كبيرة
وكانت أول حملة يقودها بنفسه بعد تبوئه الملك.
وكان عماد الثورة هناك جمع كبير من المولّدين والنصارى الذين تحركهم روايات المتعصبين عن الاضطهاد الذي يلقاه إخوانهم في قرطبة.
ولما علم الثائرون بأنباء هذا التحرك بادروا بالاستعانة بالنصارى الأسبان، فأمدهم ملوكهم بقوات كبيرة، وخرج أهل طليطلة مع حلفائهم للقاء الأمير خارج المدينة حتى لا يقتحمها عليهم.
وضع الأمير خطة محكمة لجيشه لتحقيق النصر على أعدائه، فسار إلى وادي سليط القريب من طليطلة، وتقدم هو في أعداد قليلة من جيشه بعد أن كمن معظمه خلف التلال التي تحيط بالوادي، وأغرت هذه الأعداد القليلة أهالي طليطلة وحلفاءهم النصارى، فتقدموا للقائها على ثقة من تحقيق النصر، وعند ذلك ارتد محمد بجنوده متظاهرا بالهزيمة نحو وادي سليط، فلما تبعهم الثائرون انقضت عليهم الكمائن المختبئة ومزقتهم شر ممزق، وأبادوا جموعهم في ساعة من نهار، وقدر عدد القتلى بأحد عشر ألفا، وأسرت أعداد جمة،كان من بينها كثير من القساوسة الذين أعدموا على الفور.
نهاية تلك الثورات
وعلى الرغم من تلك الهزيمة القاسية التي لحقت بأهالي طليطلة، فقد استمروا على تمردهم وعصيانهم، وهو ما جعل الأمير محمد يتخذ تدابير وقائية للسيطرة على المدينة الثائرة طوال فترة حكمه التي امتدت خمسة وثلاثين عاما، ولم تنقطع ثورات طليطلة إلا في عهد الخليفة عبد الرحمن الناصر الذي نجح في إحكام قبضته عليها بعد عدد من الحملات العسكرية عليها، ثم اتبع معها سياسة رشيدة، فأمن أهلها واهتم بتنظيم أحوالها وشئونها، وصارت قاعدة تنطلق منها الجيوش المسلمة لرد غزو النصارى الأسبان.
دخل المسلمون شبه الجزيرة الأيبيرية (الأندلس) فاتحين سنة (92هـ=711م)
كانت طليطلة تعد أهم المدن قاطبة في شبه الجزيرة، فقد كانت حاضرة القوط السياسية، وعرفت بالمدينة الملكية أو مدينة الملوك، ومنها كانوا يغزون عدوهم، وإليها كانت تجتمع جنودهم كما يقول ابن حيان المؤرخ الأندلسي المعروف، وفي الوقت نفسه كانت مقر الكرسي الأسقفي في أيبيريا منذ أن اتخذ الملك القوطي ريكارد الكاثوليكية مذهبا رسميا للقوط سنة 587م.
وكانت طليطلة من أمنع المدن هناك؛ بسبب موقعها على المنحدرات الصخرية العالية الممتدة حتى ضفاف نهر تاجة الذي يحيط بها من الشرق والغرب والجنوب، وبسبب أسوارها العالية وقلاعها الحصينة، وظلت طليطلة أعظم مدن أيبيريا, وأعلاها مكانة حتى الفتح الإسلامي.
ولم يكد المسلمون يحققون انتصارهم في معركة وادي لكة أو معركة شذونة بقيادة طارق زياد سنة (92هـ=711م)، وهو النصر الذي فتح لهم أبواب البلاد، حتى كانت وجهتهم مدينة طليطلة عاصمة البلاد التي تبعد عن أرض المعركة بنحو ستمائة كيلومتر، ولم يمنعهم طول المسافة ولا وعورة الطريق عن إنجاز مهمتهم حتى تحقق لهم ما يريدون، وفتحوا طليطلة .
وبعد أن أتم المسلمون الفتح اتخذوا من أشبيلية عاصمة لدولتهم الوليدة، ثم لم يلبث أن استبدلوا بها مدينة قرطبة التي ظلت حاضرة للدولة الإسلامية في الأندلس قرونا عديدة، ولم يتخذوا طليطلة أبدا عاصمة لدولتهم، على الرغم مما تتمتع به المدينة من مزايا إستراتيجية تجعلها دون غيرها أولى المدن الأندلسية بأن تكون عاصمة المسلمين هناك.
ويرى بعض المؤرخين المحدثين أن المسلمين ارتكبوا خطأ إستراتيجيا فادحا بعدم اتخاذهم هذه المدينة الحصينة عاصمة للأندلس؛ لأن موقعها المتوسط كان يسهل لهم الهيمنة على كل أنحاء شبه الجزيرة، ومراقبتها والاتصال بأطرافها على سبيل أسهل مما يستطيعه الحاكم المقيم في قرطبة
كما أنه يحفز الحاكم على تحقيق الوحدة للبلاد، ويمكّن المسلمين من مواصلة فتوحاتهم في غربي أوربا في سهولة ويسر، ويجهد العدو المهاجم في الوصول إليها.
وكلفت هذه الخطوة المسلمين كثيرا، وكانت عواقبها وخيمة على حركة الفتوحات الإسلامية التي تأثرت كثيرا بابتعاد عاصمة البلاد في الجنوب عن نطاق عملها فيما وراء جبال ألبرت، وهو ما أطال خطوط إمداداتها، وأجهد سيرها، بل كلف المسلمين خسارة الأندلس نفسها فيما بعد؛ لأنه بعد سقوط طليطلة سنة (447هـ=1084م) تداعت المدن الأندلسية واحدة بعد الأخرى.
وبعد الفتح سكنت طليطلة عناصر عربية وأخرى بربرية، بالإضافة إلى سكانها الأصليين من الأسبان الذين لم يغادروا مدينتهم , حيث سمح لهم بممارسة شعائرهم الدينية في حرية تامة، وبقرع نواقيس كنائسهم دون حظر أو تقييد
وظلت المدينة سنوات عديدة تعيش حياة هادئة دون قلاقل وثورات
ثم ما لبث أن تفجرت كل صور السخط والثورة والتمرد على السلطة المركزية في قرطبة بعد أن استقل بالأندلس عبد الرحمن الداخل
وذكر المؤرخون معلومات شحيحة عن أسباب تلك الثورات المتكررة، التي لا تكاد تخمد واحدة حتى تشتعل أخرى، وهو ما أجهد السلطة المركزية والمدينة الثائرة.
ولعل ما ساعد طليطلة على القيام بهذه الثورات المتعاقبة هو حصانة موقعها الذي أشرنا إليه، واتساع مواردها الاقتصادية وتنوع ثرواتها، وهو ما مكنها من المقاومة والدفاع وتحمل الحصار لشهور طويلة، بالإضافة إلى ميل زعمائها إلى الثورة والخروج على السلطة التي لم تسلك معها سياسة حكيمة، فكانت في كل مرة تثور فيها المدينة تقوم بقمعها بأساليب بالغة القسوة والوحشية، تترك في النفوس إحنا وأحقادا لا يلبث الوضع بسببها أن يشتعل مرة أخرى، كلما وجدت المدينة فرصة للثورة والانتفاض.
وبدأ مسلسل هذه الثورات المتعاقبة في عهد عبد الرحمن الداخل الذي انفرد بحكم الأندلس وأسس الدولة الأموية هناك، وكانت أولى الثورات ثورة هشام بن عروة الفهري سنة (144هـ=761م)، ثم تكررت بعد ذلك عدة ثورات، لكنها وجدت يدا قوية من السلطة نجحت في القضاء عليها.
وفي عهد الأمير الحكم بن هشام الربضي شبت ثورة عارمة بطليطلة سنة (181هـ=797م) نجح هو في القضاء عليها، لكنه خشي من تكرار مثل هذه الثورات، فأراد أن يضع حلا لمنع حدوثها مستقبلا، فأعد واليه على طليطلة عمروس بن يوسف الوشقي خطة خبيثة بتوجيه من الحكم للقضاء على أهل طليطلة.
قامت تلك الخطة على أن يتقرب الوالي إلى أهل طليطلة ويتظاهر بكراهيته لبني أمية وسخطه على حكمهم حتى يأنسوا به ويميلوا إليه، فإذا وجد منهم ذلك أقنعهم ببناء معسكر خارج المدينة للجند والحشم حتى لا يخالطوا أهل المدينة، واختار لهم موقعا بنى فيه قصرا لسكناه، وحفر في وسطه حفرة عميقة.
وبعد أن أتم ذلك جاءت المرحلة الثانية من الخديعة التي أعدها الوالي لأهالي طليطلة، بأن قام الأمير الحكم في سنة (191هـ=806م) باستنفار الناس للخروج للجهاد لمحاربة العدو الأسباني، وجعل على جيشه ابنه عبد الرحمن، وكان صغير السن لا يتجاوز الرابعة عشرة من عمره، وأخرج معه ثلاثة من وزرائه إمعانا في الخداع والحيلة.
تحرك الجيش إلى هدفه المزعوم، فلما تجاوز طليطلة، جاءت الأخبار بانصراف العدو، وكرّ الجيش راجعا، وفي أثناء ذلك أوعز عمروس إلى أهالي طليطلة بالخروج لاستقبال الأمير الصغير، فلما أنسوا إليه، طلب منهم الوالي المخادع أن يدعو الأمير عبد الرحمن إلى مدينتهم فاستجاب لهم، فلما اقتربوا من المعسكر الذي سبق أن أقامه الوالي، أعلن عمروس دعوة وجهاء أهل طليطلة إلى مأدبة أقامها داخل القصر، فحضروا وكان قد رتب لهم الدخول من باب، وصُرفت دوابهم من باب آخر.
وجاءت اللحظة الحاسمة التي كان ينتظرها ويعد لها الأمير الحكم، حيث وقف السيافون على شفير الحفرة التي لم يكن يعلم أحد عن سبب حفرها داخل القصر، وضربوا رقبة كل من دخل من وجوه أهل طليطلة، حتى قتل منهم خمسة آلاف ونيف، ولم ينج الباقون إلا بعد أن اكتشف أحدهم الخديعة، فنجوا بأنفسهم.
غير أن هذه الجريمة القاسية التي ارتكبتها الدولة في حق بعض رعاياها لم تمنع أهالي طليطلة من الثورة مرة أخرى، غير أن ذكرى المذبحة البشعة جعلتهم يميلون إلى الطاعة وطرح الثورة والتمرد حتى توفي الحكم سنة (206هـ=821م)، وخلفه في الإمارة ابنه عبد الرحمن المعروف بالأوسط، وظلوا على هدوئهم ثماني سنوات من فترة حكمه حتى ثاروا ثورة عارمة في سنة (214هـ=829م) تزعمها رجل يعرف باسم هاشم الضراب.
نجح هاشم الضراب في تحريض أهالي طليطلة على الثورة، والتف حوله كثيرون، وتطلع إلى السيطرة على الثغر الأوسط كله غير قانع بطليطلة، فأرسل إليه عبد الرحمن الأوسط حملة عسكرية استطاعت الإيقاع بقواته والتمكن من قتله.
غير أن هذه النتيجة لم توقف الثورة، فاضطر عبد الرحمن الأوسط إلى إرسال جيش آخر بقيادة أخيه أمية لمحاصرة طليطلة سنة (219هـ=934م)، فحاصرهم حصارا شديدا وقطع أشجارهم وأتلف زروعهم، ونجح أحد قواده في أن يوقع بأهالي طليطلة ويعمل فيهم السيف، ويذكر ابن الأثير: أن رءوس القتلى جمعت وحملت إلى ذلك القائد الذي يدعى ميسرة، فلما رأى كثرتها عظمت عليه وارتاع لذلك، ووجد في نفسه غما شديدا، فمات بعد أيام يسيرة.
لم يكتف عبد الرحمن الأوسط بذلك، بل أرسل الحملات وراء الحملات، وأخذ يبدل في القادة، ولم يفك الحصار الصارم عن المدينة واستمر على ذلك حتى جهد أهلها وعجزوا عن المقاومة، وضاقوا ذرعا بالحصار، فنجحت قواته التي كانت بقيادة أخيه الوليد بن الحكم من اقتحام أسوار المدينة في (رجب 222هـ= يوليو 837م)، بعد أعوام عديدة من الثورات .
شاءت الأقدار أن يكون عهد الأمير محمد الذي خلف أباه عبد الرحمن الأوسط في (4 من ربيع الآخر 238هـ=24 من سبتمبر 852م) بداية عصر من أشد عصور التاريخ الأندلسي خطرا على بني أمية وعلى دولة الإسلام في الأندلس، حيث لم تمض أيام قليلة حتى اشتعلت ثورة هائلة في طليطلة في منتصف (ربيع الآخر 238هـ= سبتمبر 852م) رفع خلالها أهلها روح التمرد والعصيان، وتمكن قادة الثورة من القبض على والي المدينة، ورفضوا إطلاق سراحه حتى أطلقت حكومة قرطبة رهائنهم المعتقلة، وكانت الحكومة المركزية قد دأبت على أخذ رهائن من وجهاء طليطلة حتى لا يعاودوا الثورة على الدولة.
وأمام هذه الأخطار المحدقة بالدولة لم يجد الأمير محمد بدا من الخروج بنفسه للقضاء على تلك الفتنة المستعرة، فسار إليها في (المحرم 240هـ= يونيو 854م) على رأس قوة كبيرة
وكانت أول حملة يقودها بنفسه بعد تبوئه الملك.
وكان عماد الثورة هناك جمع كبير من المولّدين والنصارى الذين تحركهم روايات المتعصبين عن الاضطهاد الذي يلقاه إخوانهم في قرطبة.
ولما علم الثائرون بأنباء هذا التحرك بادروا بالاستعانة بالنصارى الأسبان، فأمدهم ملوكهم بقوات كبيرة، وخرج أهل طليطلة مع حلفائهم للقاء الأمير خارج المدينة حتى لا يقتحمها عليهم.
وضع الأمير خطة محكمة لجيشه لتحقيق النصر على أعدائه، فسار إلى وادي سليط القريب من طليطلة، وتقدم هو في أعداد قليلة من جيشه بعد أن كمن معظمه خلف التلال التي تحيط بالوادي، وأغرت هذه الأعداد القليلة أهالي طليطلة وحلفاءهم النصارى، فتقدموا للقائها على ثقة من تحقيق النصر، وعند ذلك ارتد محمد بجنوده متظاهرا بالهزيمة نحو وادي سليط، فلما تبعهم الثائرون انقضت عليهم الكمائن المختبئة ومزقتهم شر ممزق، وأبادوا جموعهم في ساعة من نهار، وقدر عدد القتلى بأحد عشر ألفا، وأسرت أعداد جمة،كان من بينها كثير من القساوسة الذين أعدموا على الفور.
نهاية تلك الثورات
وعلى الرغم من تلك الهزيمة القاسية التي لحقت بأهالي طليطلة، فقد استمروا على تمردهم وعصيانهم، وهو ما جعل الأمير محمد يتخذ تدابير وقائية للسيطرة على المدينة الثائرة طوال فترة حكمه التي امتدت خمسة وثلاثين عاما، ولم تنقطع ثورات طليطلة إلا في عهد الخليفة عبد الرحمن الناصر الذي نجح في إحكام قبضته عليها بعد عدد من الحملات العسكرية عليها، ثم اتبع معها سياسة رشيدة، فأمن أهلها واهتم بتنظيم أحوالها وشئونها، وصارت قاعدة تنطلق منها الجيوش المسلمة لرد غزو النصارى الأسبان.
يوم الرابع عشر من تموز-يوليو من عام 1789 خرجت حشود باريس الغاضبة إلى الشوارع، وكان جل غضبهم يتركز على الباستيل أشد السجون الملكية إخافة.
برز في ذلك اليوم من بين الحشود رجلان من عامة الشعب، كان أحدهما من الأثرياء المتزمتين العاملين في خدمة الملك.
وكان الآخر من صانعي الساعات، وقد ساهم كل منهما في تغيير الحياة السياسية في فرنسا دون معرفتهما، وعاش أحدهما ليتحدث عما جرى.
"برنار دي لاوني" كان حاكم سجن الباستيل، حيث أمضى كل حياته هناك، بما أنه ولد في الباستيل ورث المنصب عن والده.
لم يبرز "دي لاوني" بأي موضوع على الإطلاق، إلا في مسألة واحدة وهي أنه يعجز عن حسم أمره.
عمل "جون باتيز هومبرد" من سكان باريس في صناعة مجوهرات الملك، لهذا تمكن من الحصول على بيت يأوي إليه وطعام يكفيه، ولكنه ضمنًا كان يلوم الحكومة الملكية لكثرة المشاكل المنتشرة في فرنسا.
صيف عام 1789 عمت الفوضى في مدينة باريس التي أهلكتها الضرائب والعوز، فخرج الناس إلى الشارع بحثًا عن الطعام.
تحول التمرد من أجل الخبز إلى تمرد شامل يوم الثاني عشر من تموز-يوليو، وانتشرت أعمال السلب في أرجاء المدينة.
سُحقت مجموعات الشرطة الصغيرة فشكل بعض مواطني باريس فرقًا من الميليشيا للسيطرة على التمرد، استولوا على الشوارع مسلحين بالسيوف والرماح، سارع "هومبرد" بالانضمام وتخلى عن تجارته استعدادًا للتضحية بنفسه في شوارع باريس.
يوم الاثنين الثالث عشر من تموز-يوليو تجول في الشوارع طوال النهار والليل، وهو مسلح بالسيف على اعتبار أن الأسلحة النارية لم تتوفر في دائرته.
انتهزت أعمال السلب فرصة الأوضاع المتدهورة، ولهذا كان دور هومبرد بالغ الأهمية.
مع نهاية عام 1780 اقترحت الحكومة تخفيض سلطات الملك، دعم سكان باريس الجائعون موقف الحكومة على أمل أن تأتي لهم تحديات العرش بالغذاء.
حكم "لويس السادس عشر" فرنسا طوال أربعة عشر عامًا، وتمتعت الملكة "ماري أنطوانيت" بحياة من الرفاهة على اعتبار أن هذا من حقها الطبيعي.
كانا يعيشان وسط بلاط استعراضي في فرساي على مسافة ثمانية عشر ميلاً من باريس، كانا يتمتعان بالمأكل والمشرب في حين كان الشعب يعاني من جوع قاس.
تطلع البرلمان والشعب إلى ردة فعل حاسمة من الملك، بينما كان لويس يفضل لعبة الانتظار، فبقي في فرساي مع بلاطه، وأرسل مزيدًا من القوات إلى باريس.
حسم لويس أمره بمواجهة التمرد في البرلمان والشارع، لا يمكن لأحد أن يضع الشروط على الملك، فإذا لم يتمكن من فرض السلطة عبر الأوامر الملكية فسوف يلجأ لاستخدام القوة.
يوم الرابع عشر من تموز-يوليو كان وحدات الملك بعيدة عن باريس، صباح ذلك اليوم كان هومبرد يقوم بواجبه، وكان متعبًا من دورياته التي استمرت طوال الليل.
ساد إحساس بأن الأوامر القديمة فقدت سلطتها وما كان أحد يعرف ماذا سيحل محلها، كان ذلك يوم الثلاثاء حيث ذهب القليل من سكان باريس إلى العمل بما في ذلك هومبرد.
بعد أربع وعشرين ساعة من القيام بالواجب سلك هومبرد طريقه إلى البيت، فرأى جميع مواطني باريس مجتمعين لمناقشة خطوتهم التالية.
انتشرت شائعات عبر الشوارع تقول إن قوات الملك في طريقها في باريس لتحل الميليشيات وتعيد سلطة العرش.
جرب مواطنو باريس طعم السلطة ليومين ولم يكونوا مستعدين للتخلي عنها، وأخذت أصداء كلمتين لم يجرؤ أحد على قولهما من قبل تترددان في أرجاء المدينة.. إلى السلاح.. إلى السلاح.. إلى السلاح.. إلى السلاح..
حشود هائلة قاربت الثمانين ألف شخص انطلقت نحو المستودعات حيث يمكنها العثور على أسلحة "ليزون فاليد".
كان ليزون فاليد مستشفى عسكريًا هائلاً يقع على الضفة الشمالية من نهر السين، تم بناءه لمعالجة المصابين أو المحاربين الفرنسيين القدامى.
أكثر من اثنين وثلاثين ألف بندقية كانت مخزنة في طابق تحت الأرض هناك، ما يكفي لتسليح جيش بكامله.
وكانت الحشود تصرخ.. سلاح.. سلاح.. أعطنا سلاحًا..
رفض حاكم ليزون فاليد أن يرضخ لمطالبهم بقوله: (لا أستطيع أن أعطيكم أسلحة من دون أوامر من الملك).
وكإجراء احتياطي أمر عشرين من المحاربين القدامى بتعطيل البنادق عبر فك الطوارق منها، ولكن المتقاعدين عدلوا مواقفهم فاستغرقهم الأمر أكثر من ست ساعات لتعطيل عشرين بندقية.
كانت الحشود تفوق بكثير ما يملكه حاكم ليزون فاليد عددًا، فما كان بإمكانه سوى الوقوف هناك ليتفرج على الثمانين ألف شخص وهم يتدافعون بقوة إلى المستودعات لمصادرة البنادق، ولكنهم لم يعثروا على ملح البارود أو طلقات لأسلحتهم.
انطلقت الحشود تبحث عن الذخائر، لم يكن هناك سوى مكان واحد في باريس يمكنهم فيه العثور على ملح البارود، وما يلزمهم من ذخيرة، إنه الباستيل.
على الطريق التقى هومبرد ببعض الفارين ممن أكدوا بأن جيوش الملك تتجه نحو باريس.
تركت الحشود ليزون فاليد خلفها، وانطلقت إلى الضفة الأخرى من نهر السين متوجهة إلى الباستيل.
يتمتع الباستيل بثمانية أبراج تتواصل فيما بينها عبر جدار بسماكة خمسة أقدام، يعتقد الكثيرون أنه مكان للتعذيب يرسل الملك سجناءه إليه حيث تختفي آثارهم بالكامل.
وبالفعل يوم الرابع عشر من تموز- يوليو عُثر على سبعة سجناء في الباستيل، حين سمع الحاكم "دي لاوني" عما جرى في ليزون فاليد سارع في بدء العمل فوضع حراسة لمراقبة مواطني باريس المتمردين.
في طريقه إلى الباستيل كان صانع الساعات متشوقًا للعثور على الذخيرة في الباستيل، فحزم أمره لشراء المسامير.
في هذه الأثناء كان الجنرال دي لاوني يعمل على تحسين دفاعاته.
أصدر أوامر لقواته بإخراج ملح البارود ووضع المدافع في مواقع لإطلاق النار، كان دي لاوني واثقًا من نفسه.
البنادق في مواجهة المدافع .. والغريب أنها لمواجهة صانع الساعات ورفاقه الذين سبق لقلة منهم أن استخدموا البنادق، كما لم يسبق للبعض الآخر أن سمع إطلاق النار في حياته، وهذا هو حال دي لاوني أيضًا.
اتجه هومبرد والحشود المرافقة له إلى شارع "سان أنطوان" فظهر مشهد الباستيل أمام أعينهم.
كان دي لاوني يعلم أن هناك طريقًا واحدًا للوصول إلى الباستيل، فما أن رأى الحشود تقترب حتى أمر برفع الجسر المتحرك.
في تمام الواحدة كان الآلاف من أبناء باريس يحاصرون الباستيل، توترت أعصاب المائة وأربعة عشر جنديًا الذين في داخله وهم يحملون أسلحتهم.
أصبح الحاكم آخر حماة السلطات الملكية في المدينة، ولكنه أسير عدم قدرته على حسم أمره، فهل يفتح الأبواب أم يفتح النيران ؟
في محاولة أخيرة يائسة للحؤول دون سفك الدماء، دخل وفد إلى الباستيل لإقناع الحاكم لتسليم ملح البارود الذي في الباستيل.
طلب دي لاوني وقتًا للتفكير بالأمر، وأكد للوفد أنه لن يفعل للوفد شيئًا يسبب أذىً للناس، وأقسم أنه لن يفتح النار إلا إذا تعرضوا للهجوم أولاً، ولكنه رفض أن يسلم حبة ملح بارود واحدة.
خارج جدران الباستيل .. كانت الحشود تنمو وتتزايد، واستمر الاجتماع لفترة طويلة، فجدد المحتشدون هجومهم خوفًا من تعرض الوفد للاعتقال حتى خرجت الأمور من بين أيدي الجميع.
تمكن مواطنون من قطع سلاسل الجسر الخارجي، اعتقد الجميع أن الحاكم قد استسلم، فتقدمت الحشود إلى الداخل إلا أنهم ارتكبوا خطأً جسيمًا، فأطلق بعض الجنود النار..
تذكر صانع الساعات ذلك الحدث بالقول: (كان حادثًا مفجعًا، قُتل رجل مسكين وأصيب أخر ولكن أحدًا لم يتنبه للأمر).
لم يعرف أحد من بدأ بإطلاق النار، ولكن سارعنا جميعًا للتغطية، بعضهم لم يتمكن من الوصول إلى منطقة آمنة، ولكن خلال دقائق كان البلاط المواجه للسجن الملكي مدرج بدماء عناصر الحراسة.. حتى تغير كل شيء منذ تلك اللحظة.
جاءت الحشود أولاً لتبحث عن ملح البارود أما بعد ما جرى فقد خرجوا لإراقة الدماء.
في الثلاثة والنصف من بعد ظهر ذلك اليوم وصل ثلاثمائة مواطن مسلح للمساعدة في الاستيلاء على الباستيل، كان من بينهم اثنان وستون جنديًا فارًا من جيش الملك يوجهون سلاحهم للاتجاه المعاكس.
سجل وصول القوات الفرنسية منعطفًا هامًا .. تحول المتمردون إلى جيش، وشكلت الميليشيات حصارًا.
أما داخل جدران الباستيل .. فقد ترك المتمردون الأسلحة عند الجسر المتحرك الثاني الذي أصبح العائق الأخير في طريق النصر.
لم يكن دي لاوني قد تلقى تدريبات كقائد عسكري، وكان عاجزًا تمامًا عن التعامل مع الحشود الغاضبة، كانت الحشود قد تعرضت لخسائر جسيمة ولكن وصول المدفع منحهم الفرصة لرد الضربات.
لم يثق جنود الباستيل كثيرًا بحاكمهم فقد كتب أحدهم فيما بعد يقول: (كان رجلاً لا يعي شجاعة، فمن عادته أن يستمع إلى نصائحنا ويتصرف على العكس مباشرة قبل أن يغير رأيه).
مع تقدم ساعات الظهيرة .. أصبح المهاجمون أكثر إصرارًا على تحطيم السجن، والنيل من حاكمه المتعجرف.
علم دي لاوني أنه يواجه الهزيمة، كان يعلم أنه إذا ما سقط الباب الثاني سيتم سحق وحدته الصغيرة بكل سهولة.
لم يعد دي لاوني يفكر بحماية الباستيل، بل بحماية نفسه فقط، كان يعرف أن وحدته لن تتمكن من المقاومة لفترة أطول، فقرر الحاكم اللجوء إلى المساومة، مازال يملك مستودع ملح البارود، فكان عليه أن يبلغ الحشود أنه إذا كان لا بد من موته فسيأخذ من يهاجمونه معه.
فقام بصياغة تحذير نهائي للرعاع المحتشدين في الخارج قائلاً: (لدينا عشرون ألف رطل من البارود، سوف نفجر الحصن والمناطق المجاورة له، إلا إذا قبلتم باستسلامنا) الساعة الخامسة من مساء الرابع عشر من تموز- يوليو من عام 1789.
حين علم ضباطه بأمر استسلامه رجوه أن يغير رأيه فتجاهلهم دي لاوني تمامًا، وجعل جنوده يوقعون على الهدنة.
في هذا الخصوص كتب هومبرد يقول: (ظننا في البداية أن الأعلام البيضاء كانت خدعة فتجاهلناها، ولكن عندما ظهر دي لاوني بنفسه استقبلته الحشود عند الأبواب المقفلة).
خرجت عبارات التهديد من فمه كالرصاص، تضاعف غضب الحشود الناجم عن قتل رفاقهم بعدما سمعوه من محاولة تهديدهم بالاستسلام، لا شروط انزل الجسر بلا شروط.
إنه أول قرار هام يتخذه في حياته، وعليه التفكير مرتين بشأنه، فإما أن يستسلم ويعيش ما تبقى من حياته بعار الهزيمة, أو أن يستمر بتهديده ويموت محاطًا بدماء الآلاف ممن سيثقلون ضميره.
فقد الحاكم أعصابه .. وتبين في نهاية الأمر أن تهديده كان مجرد خدعة فاستسلم، وانتهى حصار الباستيل.
كان صانع الساعات بين أوائل من دخلوا إلى السجن، فسارع إلى تجريد الحراسات من أسلحتهم ووضعهم تحت المراقبة، استولت الحشود على مستودع ملح البارود إلى جانب سبعة من سجناء الملك.
لم يصب أي من جنود دي لاوني بجروح بينما قتل جندي واحد، أما المهاجمون فقتل منهم ثلاثة وثمانون وأصيب خمسة عشر آخرين.
سلم الحاكم نفسه .. وأُخرج من الباستيل تحت الحراسة لتتم محاكمته في فندق المدينة.
بالنسبة للحاكم ورجاله أثبتت شوارع باريس أنها أشد خطورة عليه من الذين هاجموا الباستيل، فقد كتب أحد رجال دي لاوني بهذا الشأن يقول: (كانوا يقذفوننا بالحجارة .. وكشفت النساء عن أنيابهن وهن يلوحن بقبضاتهن مهددات، لم أكن أعرف كيف سأموت ولكني كنت واثقًا من أن نهايتي أصبحت وشيكة).
كان الحاكم يصرخ باكيًا دعوني أموت، فاستجابت الحشود لطلبه على الفور.
دي لاوني كان أول الضباط الذين ماتوا على أيدي الناس، ولكنه ليس آخرهم، طالب الناس بقطع رأسه وبأن يعرض أمام العامة كخائن.
في اليوم نفسه سالت دماء دي لاوني في شوارع باريس، أثناء ذلك كان الملك لويس يتمتع بالصيد في فرساي في هذا اليوم الحاسم من تاريخ فرنسا، كتب لويس معلقًا على ذلك في مذكراته بكلمتين: (لا شيء).
بعد سقوط الباستيل تقدم مقاول بعرض لهدم السجن فقبل عرضه، وبدأ العمل مستعينًا بثمانمائة شخص بين رجل وامرأة مستخدمين الرفوش والمعاول.
استخدمت حجارة الباستيل لبناء جسر جديد فوق نهر السين في باريس، بينما تحولت قطع أخرى إلى آثار للذكريات.
واحتفل سكان باريس بسقوط سجن الباستيل السيئ السمعة والسيط، هومبرد إلى جانب تسعمائة وأربعة وخمسين مواطنًا آخر حصلوا على لقب غزاة الباستيل.
تحول سقوط الباستيل إلى رمز للثورة الفرنسية..
توج الكلام بالعمل .. وبعد أربعة أعوام من ذلك تمكن الشعب الفرنسي من إسقاط العرش، وقتل الآلاف من رجاله.
وسُجن الملك والملكة وأبنائهم.
في كانون الثاني-يناير من عام 1793 قُطع رأس الملك لويس السادس عشر في ساحة الثورة وسط باريس، فوضعت بموته نهاية لمئات السنين من الحكم الملكي في فرنسا.
اختفى هومبرد من صفحات التاريخ وعاد إلى عمله في صناعة الساعات، ضمن ما ورد عنه بخصوص أحداث الرابع عشر من تموز- يوليو كتب يقول:
(لم أكن أسعى في كل ما فعلته إلى المجد أو إلى المكافأة، بل اعتقد أني لم أقم سوى بواجبي، وأنا أشعر بالسعادة والسرور؛ لأنني تمكنت من مساعدة فرنسا على استعادة حريتها)
(لم أكن أسعى في كل ما فعلته إلى المجد أو إلى المكافأة، بل اعتقد أني لم أقم سوى بواجبي، وأنا أشعر بالسعادة والسرور؛ لأنني تمكنت من مساعدة فرنسا على استعادة حريتها)
الثورة الفرنسية
ابتدأت عام 1789م وانتهت تقريباً عام 1799.
عرف القرن 18م بفرنسا قيام حركة فكرية نشرت أفكار جديدة وانتقدت النظام القديم، ومن أهم زعمائها :
مونتسكيو
وفولتير الذي انتقد التفاوت الطبقي
جون جاك روسو الذي ركز على الحرية والمساواة.
==========
الثورة الفر نسية حدث تاريخي مهم بدأ على شكل انقلاب سياسي في فرنسا(1789) وأثر في العالم كله. ويختلف المؤرخون كثيراً في أسبابها، فيرى بعضهم أنها حركة عقلية نشأت من حركة الاستنارة الحرة في القرن الثامن عشر، ويرى آخرون أنها ثورة الطبقات المحرومة من الامتيازات ضد الطغيان الاقطاعي، ويرى غيرهم أنها توطيد لسلطة البورجوازية الرأسمالية الحديثة ضد نظام اقتصادي واجتماعي مقيد وعتيق.
والرأي الغالب هو أن السبب المباشر للثورة كان دون شك حالة الإفلاس التي كانت عليها خزانة الدولة، إذ نشأ عن حروب القرنين السابع عشر والثامن عشر وقصور النظام الضريبي ومجافاته للعدالة والإسراف والتدخل في الثورة الأميركية دين عام ضخم عجزت الدولة عن إيفائه. من جهته، دعا لويس السادس عشر مجلس طبقات الأمة، وكان يرجو أن يوافق على الإصلاحات الضريبية الضرورية فاجتمع بفرساي(5 أيار ـ مايو 1789)، ومنذ البداية انضم إلى نواب طبقة العامة عدد كبير من صغار رجال الدين وقليل من النبلاء، وطالبوا بإصلاحات سياسية واجتماعية كاسحة وخارجة عن نطاق سلطات المجلس، وتحدوا الملك وأعلنوا أنفسهم جمعية وطنية (17 حزيران ـ يونيو)، وأقسموا ألا ينفضوا حتى يضعوا للبلاد دستوراً، وقبل الملك ولكن أدى طرده لأحد الإصلاحيين إلى هجوم الناس المتحمسين على سجن الباستيل (14 تموز ـ يوليو)، وأذعن الملك مرة أخرى فأعاد ذلك الشخص،لكن قيادات الثورة أنشأت مجلس خاص عرف بالكومون لحكم مدينة باريس، ونظم الحرس الوطني، فيما ألغت الجمعية الوطنية في4 آب ـ اغسطس جميع الامتيازات الاقطاعية.
وفي 5 تشرين الأول ـ أكتوبر سارت الجماهير إلى قصر فرساي وأجبرت الأسرة المالكة والجمعية على الانتقال لباريس، وقامت الجمعية التأسيسية (وهو الإسم الذي اتخذته آنذاك الجمعية الوطنية) برسم دستور قيد السلطة التنفيذية إلى حد العجز(1791)، وكانت مقدمة إعلان حقوق الإنسان الشهير، وصدرت تشريعات ضد رجال الدين حين طلب إليهم أن يقسموا اليمين للسلطة المدنية(1790)، ما أدى إلى نفور المراكز الريفية المتدينة العديدة من الثورة. واعتزم الملك اللحاق بالنبلاء الذين سبقوه إلى الهرب للخارج (المهاجرون)، ولكن قبض عليه بعد فراره (21 حزيران ـ يونيو 1791) وأرجع إلى باريس وقبل الدستور الجديد. وفي الجمعية التشريعية تغلب الثوريون وأصبح الشعار الجديد هو "الحرية والمساواة والإخاء".
==========
ساهمت عدة عوامل في اندلاع الثورة الفرنسية:
• اجتماعيا: كان المجتمع الفرنسي على شكل هرم تراتبي يوجد في قمته طبقة النبلاء والإكليروس المستفيدين من عدة امتيازات، ثم الهيئة الثالثة المشكلة من البورجوازية الناشئة المحرومة من المشاركة السياسية، وفي أسفل الهرم الفلاحون الذين كانوا يعانون من ثقل الضرائب وأعمال السخرة.
• اقتصاديا: اعتمدت فرنسا على النشاط الفلاحي، وقد أدى توالي المحاصيل السيئة إلى تأزم البوادي وارتفاع المجاعة وتفشي البطالة بالمدن. مما أدى إلى توالي الانتفاضات انطلاقا من البوداي التي توجت بثورة باريس يوم 14 يوليو عام 1789م.
• سياسيا: تميز نظام الحكم في فرنسا قبل الثورة باستحواذ الملك والنبلاء والإكليروس على الحكم في إطار ملكية مطلقة تستند إلى الحق الإلهي مع عدم وجود دستور يحدد اختصاصات السلطه.
== دامت الثورة الفرنسية عشر سنوات، ومرت عبر ثلاث مراحل أساسية:
• المرحلة الأولى (يوليوز1789 - غشت 1792)، فترة الملكية الدستورية: تميزت هذه المرحلة بقيام ممثلي الهيئة الثالثة بتأسيس الجمعية الوطنية واحتلال سجن لاباستي، وإلغاء الحقوق الفيودالية، وإصدار بيان حقوق الإنسان ووضع أول دستور للبلاد.
• المرحلة الثانية (غشت 1792 - يوليوز 1794)، فترة بداية النظام الجمهوري وتصاعد التيار الثوري حيث تم إعدام الملك وإقامة نظام جمهوري متشدد.
• المرحلة الثالثة، (يوليوز 1794 – نونبر 1799)، فترة تراجع التيار الثوري وعودة البورجوازية المعتدلة التي سيطرت على الحكم ووضعت دستورا جديدا وتحالفت مع الجيش، كما شجعت الضابط نابليون بونابارت للقيام بانقلاب عسكري وضع حدا للثورة وأقام نظاما ديكتاتوريا توسعيا.
نتائج الثورة الفرنسية:
1 ـ النتائج الساسية:
عوض النظام الجمهوري الملكية المطلقة، وأقر فصل الدين عن الدولة والمساواة وحرية التعبير.
2 ـ النتائج الاقتصادية:
تم القضاء على النظام القديم،وفتح المجال لتطور النظام الرأسمالي وتحرير الاقتصاد من رقابة الدولة وحذف الحواجز الجمركية الداخلية، واعتماد المكاييل الجديدة والمقاييس الموحدة.
3 ـ النتائج الاجتماعية:
تم إلغاء الحقوق الفيودالية وامتيازات النبلاء ورجال الدين ومصادرة أملاك الكنيسة كما أقرت الثورة مبدأ مجانية وإجبارية التعليم والعدالة الاجتماعية وتوحيد وتعميم اللغة الفرنسية.
ثورة الجوع ..... زمن المستنصر الفاطمي
لقد أفاض المؤرخون فيما أصاب الناس من جرَّاء هذه المجاعة من تعذر وجود الأقوات وارتفاع الأسعار، فكان رغيف الخبز وحده يُباع بخمسة عشر دينارًا (7.5 جنيهات)، واضطرار الناس إلى أكل الميتة من الكلاب والقطط، والبحث عنها لشرائها، حتى بيع الكلب بخمسة دنانير والقط بثلاثة دنانير، وزاد من خطورتها أنه صاحب هذه المجاعة انتشار الأوبئة والأمراض التي فتكت بالناس حتى قيل:
إن ثلث السكان قد ماتوا، ولم يعد يرى في الأسواق أحد، ولم تجد الأرض مَن يزرعها، ونقص عدد القرى في مصر من 3834 إلى 2062، واضطر الميسورون من الناس إلى بيع كل ما عندهم مقابل كسرةٍ من الخبز حتى إن حارةً سُميت بحارة الطبق، إذ بيعت فيها عشرون دارًا مقابل طبقٍ من الدقيق، اشتدت المحنة حتى أكل الناس بعضهم بعضًا حسبما ذكر المؤرخون، وكان الرجل يخطف ابن جاره فيشويه ويأكله، وبلغ من الأزمة أن الخليفة اضطر إلى أن يبيع كل ما في قصره من ثيابٍ وأثاثٍ وسلاح وصار يجلس في قصره على حصير.
وتوالت المساعدات الإنسانية على مصر، فيُذكر أن أهل الأندلس المسلمين أرسلوا إلى المصريين سفنًا مملوءةً بالطعام والغلال لمساعدتهم في محنتهم، وبدورهم أعاد المصريون هذه السفن محملةً بالذخائر الحربية كي يستطيع الأندلسيون الاستعانة بها في كفاحهم ضد الأسبان.
وكان من نتيجة هذه الأزمة العاتية أن أخذت دولة المستنصر بالله في التداعي والسقوط، وخرجت كثير من البلاد عن سلطانه، فقُتل البساسيري في العراق سنة (451هـ/ 1059م) وعادت بغداد إلى الخلافة العباسية، وقُطعت الخُطبة للمستنصر في مكة والمدينة، وخُطب للخليفة العباسي في سنة (462هـ/1070م)، ودخل النورمان صقلية واستولوا عليها، فخرجت عن حكم الفاطميين سنة (463هـ/1071م) بعد أن ظلَّت جزءًا من أملاكهم منذ أن قامت دولتهم، وتداعى حكم الدولة الفاطمية في عهد المستنصر في بلاد الشام.
في ظل هذه الأوضاع المأساوية يروي المؤرخ المقريزي في كتابه (إغاثة الأمة في كشف الغمة):
وضمن هذه الظروف الصعبة أن سيدةً من نساء القاهرة كانت على شيءٍ من الثراء آلمها صياح أطفالها الصغار وهم يبكون من الجوع فلجأت إلى شكمجية حُليها وأخذت تقلب ما فيها من مجوهرات ومصوغات ثم تتحسر لأنها تمتلك ثروةً طائلةً ولا تستطيع شراء رغيف واحد فاختارت عقدًا ثمينًا من اللؤلؤ تزيد قيمته على ألف دينار، وخرجت تطوف أسواق القاهرة والفسطاط فلا تجد مَن يشتريه، وأخيرًا استطاعت أن تقنع أحد التجار بشرائه مقابل كيسٍ من الدقيق واستأجرت أحد الحمَّالين لنقل الكيس إلى بيتها.
ولكنها لم تكد تخطو بضع خطواتٍ حتى هاجمها جحافل الجياع، فاغتصبوا الدقيق، وعندئذٍ لم تجد مفرًّا من أن تزاحمهم حتى اختطفت لنفسها حفنةً من الدقيق وانطلقت تجري بها حتى وصلت إلى بيتها فعكفت على عجن حفنة الدقيق وصنعت منها قرصةً صغيرةً وخبزتها، وانطلقت إلى الشارع صائحة :
الجوع الجوع .. الخبز الخبز، والتفَّ حولها الرجال والنساء والأطفال وسارت معهم إلى قصر الخليفة المستنصر، ووقفت على مكانٍ مرتفعٍ ثم أخرجت القرصة من طيات ثوبها ورفعتها بيديها ولوحت بها وهي تصيح :
أيها الناس لتعلموا أن هذه القرصة كلفتني ألف دينار، فادعوا معي لمولاي السلطان المستنصر الذي أسعد الله الناس بأيامه، وأعاد عليهم بركات حسن نظره حتى تقومت عليَّ هذه القرصة بألف دينار.
فلما سمع المستنصر الصارخ أطلَّ من شرفته، وعلم بما حدث، فاشتدَّ به الجزع لما أصاب الرعية، وامتعض له أشد الامتعاض، مما دفعه أن يفعل شيئًا، فأرسل يستدعي والي القاهرة، وشدد عليه بأن يتخذ التدابير الحاسمة لكي تخرج الغلال إلى الأسواق وإلا فُصل رأسه عن جسده، وكان الوالي ماكرًا، وزاده الحرص على حياته مكرًا ودهاءً، فخرج واستدعى جماعةً من المجرمين المحكوم عليهم بالسجن سنواتٍ طوالاً، وألبسهم ملابس التجار الأثرياء، وحجزهم في غرفةٍ من داره، ثم أرسل فاستدعى تجار الغلال في القاهرة والفسطاط، فلمَّا تكامل عددهم أمر حاجبه فأحضر واحدًا من المجرمين حتى فاجأه الوالي بقوله: "ألم يكفك أيها التاجر أن عصيت أمر مولانا الخليفة حتى حبست الغلال ومنعتها عن الأسواق وتسببت في هذه المجاعة التي كادت تؤذي بالشعب؟
وقبل أن يفيق الرجل من ذهوله وقبل أن يفتح فمه بكلمةٍ للدفاع عن نفسه كان السياف أطاح برأسه، وفعل نفس الحيلة مع تاجرٍ آخر، وهنا علت وجوه التجار صفرة الموت فخروا راكعين متوسلين العفو عنهم على أن يخرجوا ما في مخازنهم من قمحٍ ودقيقٍ إلى الأسواق، ويبيعوا رطل الخبز بدرهم واحد، ولكن الوالي لم يقبل وطلب إليهم أن يكتفوا بدرهم واحد ثمنًا لرطلين، وفي ساعاتٍ قليلة كانت الأسواق قد امتلأت بالقمح والخبز والدقيق!!.
وبدأت الدولة تُقدِّر أن إبعاد شبح المجاعة عن مصر لا يتأتي إلا بتخزين الحبوب، فخصصت من ميزانيتها كل عامٍ مائة ألف دينار لشراء محصول القمح وتخزينه، وكان هذا الاحتياطي في وقت الحاجة يوزع على الطحانين والخبازين، وكذلك كان للدولة متاجر تملكها لبيع الغلال ودكاكين لبيع الخبز بقصد تثبيت سعرها المواد الغذائية الأخرى بإقامة سعر لكل شيء حتى لا يتلاعب التجار بالأسعار.
صدق الشاعر القائل: الدهر كالدهر والأيام واحد ... والناس كالناس والدنيا لمَن غلب، فكأننا نعود لهذا الزمن، والتاريخ يعيد نفسه تفصلنا خطوط عن هذه العصور لكن ما كان يحدث قديمًا يحدث الآن أيضًا، تغيَّرت الشخصيات لكنَّ الفعلَ باقٍ، ويا ليتنا لا يصل الحال بنا كما وصل بهم، فها هي الأسعار تتزايد ويتاجر الفاسدون بأقوات الفقراء، فالماء يُباع ويشتري ويرتفع سعر رغيف الخبز ناهيك عن مهازل طوابير الخبز وغلاء الأسعار، ولحوم الكلاب والقطط والحمير واللحوم المستوردة الفاسدة التي تُباع في محلات الجزارة والمطاعم وحدث ولا حرج ...
فهل يخرج علينا حكيم من حكماء هذا الزمن لا ينافق حاكمًا ليبصره بما وصل له حال بلدنا كما فعل الحكيم إبور، ومتى تخرج علينا امرأة من عصرنا لتقف على باب القصر الرياسي لتقول
"ادعوا معي لمولاي الرئيس، فقد اشتريت البيضة بستين قرشًا ورغيف الخبز بخمسة وعشرون قرشًا، ويا ليته يُؤكل لعدم جودته؟!!
إن التاريخ يقول لنا : لا بد من الضرب بيدٍ من حديدٍ على أولئك المتحكمين والمحتكرين
لقد أفاض المؤرخون فيما أصاب الناس من جرَّاء هذه المجاعة من تعذر وجود الأقوات وارتفاع الأسعار، فكان رغيف الخبز وحده يُباع بخمسة عشر دينارًا (7.5 جنيهات)، واضطرار الناس إلى أكل الميتة من الكلاب والقطط، والبحث عنها لشرائها، حتى بيع الكلب بخمسة دنانير والقط بثلاثة دنانير، وزاد من خطورتها أنه صاحب هذه المجاعة انتشار الأوبئة والأمراض التي فتكت بالناس حتى قيل:
إن ثلث السكان قد ماتوا، ولم يعد يرى في الأسواق أحد، ولم تجد الأرض مَن يزرعها، ونقص عدد القرى في مصر من 3834 إلى 2062، واضطر الميسورون من الناس إلى بيع كل ما عندهم مقابل كسرةٍ من الخبز حتى إن حارةً سُميت بحارة الطبق، إذ بيعت فيها عشرون دارًا مقابل طبقٍ من الدقيق، اشتدت المحنة حتى أكل الناس بعضهم بعضًا حسبما ذكر المؤرخون، وكان الرجل يخطف ابن جاره فيشويه ويأكله، وبلغ من الأزمة أن الخليفة اضطر إلى أن يبيع كل ما في قصره من ثيابٍ وأثاثٍ وسلاح وصار يجلس في قصره على حصير.
وتوالت المساعدات الإنسانية على مصر، فيُذكر أن أهل الأندلس المسلمين أرسلوا إلى المصريين سفنًا مملوءةً بالطعام والغلال لمساعدتهم في محنتهم، وبدورهم أعاد المصريون هذه السفن محملةً بالذخائر الحربية كي يستطيع الأندلسيون الاستعانة بها في كفاحهم ضد الأسبان.
وكان من نتيجة هذه الأزمة العاتية أن أخذت دولة المستنصر بالله في التداعي والسقوط، وخرجت كثير من البلاد عن سلطانه، فقُتل البساسيري في العراق سنة (451هـ/ 1059م) وعادت بغداد إلى الخلافة العباسية، وقُطعت الخُطبة للمستنصر في مكة والمدينة، وخُطب للخليفة العباسي في سنة (462هـ/1070م)، ودخل النورمان صقلية واستولوا عليها، فخرجت عن حكم الفاطميين سنة (463هـ/1071م) بعد أن ظلَّت جزءًا من أملاكهم منذ أن قامت دولتهم، وتداعى حكم الدولة الفاطمية في عهد المستنصر في بلاد الشام.
في ظل هذه الأوضاع المأساوية يروي المؤرخ المقريزي في كتابه (إغاثة الأمة في كشف الغمة):
وضمن هذه الظروف الصعبة أن سيدةً من نساء القاهرة كانت على شيءٍ من الثراء آلمها صياح أطفالها الصغار وهم يبكون من الجوع فلجأت إلى شكمجية حُليها وأخذت تقلب ما فيها من مجوهرات ومصوغات ثم تتحسر لأنها تمتلك ثروةً طائلةً ولا تستطيع شراء رغيف واحد فاختارت عقدًا ثمينًا من اللؤلؤ تزيد قيمته على ألف دينار، وخرجت تطوف أسواق القاهرة والفسطاط فلا تجد مَن يشتريه، وأخيرًا استطاعت أن تقنع أحد التجار بشرائه مقابل كيسٍ من الدقيق واستأجرت أحد الحمَّالين لنقل الكيس إلى بيتها.
ولكنها لم تكد تخطو بضع خطواتٍ حتى هاجمها جحافل الجياع، فاغتصبوا الدقيق، وعندئذٍ لم تجد مفرًّا من أن تزاحمهم حتى اختطفت لنفسها حفنةً من الدقيق وانطلقت تجري بها حتى وصلت إلى بيتها فعكفت على عجن حفنة الدقيق وصنعت منها قرصةً صغيرةً وخبزتها، وانطلقت إلى الشارع صائحة :
الجوع الجوع .. الخبز الخبز، والتفَّ حولها الرجال والنساء والأطفال وسارت معهم إلى قصر الخليفة المستنصر، ووقفت على مكانٍ مرتفعٍ ثم أخرجت القرصة من طيات ثوبها ورفعتها بيديها ولوحت بها وهي تصيح :
أيها الناس لتعلموا أن هذه القرصة كلفتني ألف دينار، فادعوا معي لمولاي السلطان المستنصر الذي أسعد الله الناس بأيامه، وأعاد عليهم بركات حسن نظره حتى تقومت عليَّ هذه القرصة بألف دينار.
فلما سمع المستنصر الصارخ أطلَّ من شرفته، وعلم بما حدث، فاشتدَّ به الجزع لما أصاب الرعية، وامتعض له أشد الامتعاض، مما دفعه أن يفعل شيئًا، فأرسل يستدعي والي القاهرة، وشدد عليه بأن يتخذ التدابير الحاسمة لكي تخرج الغلال إلى الأسواق وإلا فُصل رأسه عن جسده، وكان الوالي ماكرًا، وزاده الحرص على حياته مكرًا ودهاءً، فخرج واستدعى جماعةً من المجرمين المحكوم عليهم بالسجن سنواتٍ طوالاً، وألبسهم ملابس التجار الأثرياء، وحجزهم في غرفةٍ من داره، ثم أرسل فاستدعى تجار الغلال في القاهرة والفسطاط، فلمَّا تكامل عددهم أمر حاجبه فأحضر واحدًا من المجرمين حتى فاجأه الوالي بقوله: "ألم يكفك أيها التاجر أن عصيت أمر مولانا الخليفة حتى حبست الغلال ومنعتها عن الأسواق وتسببت في هذه المجاعة التي كادت تؤذي بالشعب؟
وقبل أن يفيق الرجل من ذهوله وقبل أن يفتح فمه بكلمةٍ للدفاع عن نفسه كان السياف أطاح برأسه، وفعل نفس الحيلة مع تاجرٍ آخر، وهنا علت وجوه التجار صفرة الموت فخروا راكعين متوسلين العفو عنهم على أن يخرجوا ما في مخازنهم من قمحٍ ودقيقٍ إلى الأسواق، ويبيعوا رطل الخبز بدرهم واحد، ولكن الوالي لم يقبل وطلب إليهم أن يكتفوا بدرهم واحد ثمنًا لرطلين، وفي ساعاتٍ قليلة كانت الأسواق قد امتلأت بالقمح والخبز والدقيق!!.
وبدأت الدولة تُقدِّر أن إبعاد شبح المجاعة عن مصر لا يتأتي إلا بتخزين الحبوب، فخصصت من ميزانيتها كل عامٍ مائة ألف دينار لشراء محصول القمح وتخزينه، وكان هذا الاحتياطي في وقت الحاجة يوزع على الطحانين والخبازين، وكذلك كان للدولة متاجر تملكها لبيع الغلال ودكاكين لبيع الخبز بقصد تثبيت سعرها المواد الغذائية الأخرى بإقامة سعر لكل شيء حتى لا يتلاعب التجار بالأسعار.
صدق الشاعر القائل: الدهر كالدهر والأيام واحد ... والناس كالناس والدنيا لمَن غلب، فكأننا نعود لهذا الزمن، والتاريخ يعيد نفسه تفصلنا خطوط عن هذه العصور لكن ما كان يحدث قديمًا يحدث الآن أيضًا، تغيَّرت الشخصيات لكنَّ الفعلَ باقٍ، ويا ليتنا لا يصل الحال بنا كما وصل بهم، فها هي الأسعار تتزايد ويتاجر الفاسدون بأقوات الفقراء، فالماء يُباع ويشتري ويرتفع سعر رغيف الخبز ناهيك عن مهازل طوابير الخبز وغلاء الأسعار، ولحوم الكلاب والقطط والحمير واللحوم المستوردة الفاسدة التي تُباع في محلات الجزارة والمطاعم وحدث ولا حرج ...
فهل يخرج علينا حكيم من حكماء هذا الزمن لا ينافق حاكمًا ليبصره بما وصل له حال بلدنا كما فعل الحكيم إبور، ومتى تخرج علينا امرأة من عصرنا لتقف على باب القصر الرياسي لتقول
"ادعوا معي لمولاي الرئيس، فقد اشتريت البيضة بستين قرشًا ورغيف الخبز بخمسة وعشرون قرشًا، ويا ليته يُؤكل لعدم جودته؟!!
إن التاريخ يقول لنا : لا بد من الضرب بيدٍ من حديدٍ على أولئك المتحكمين والمحتكرين
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق