الجمعة، ديسمبر 31، 2010

كرروا نفس السيناريو..تحصدوا نفس الثمار!!سالم القطامي




يوم الرابع عشر من تموز-يوليو من عام 1789 خرجت حشود باريس الغاضبة إلى الشوارع، وكان جل غضبهم يتركز على الباستيل أشد السجون الملكية إخافة.

برز في ذلك اليوم من بين الحشود رجلان من عامة الشعب، كان أحدهما من الأثرياء المتزمتين العاملين في خدمة الملك.

وكان الآخر من صانعي الساعات، وقد ساهم كل منهما في تغيير الحياة السياسية في فرنسا دون معرفتهما، وعاش أحدهما ليتحدث عما جرى.

"برنار دي لاوني" كان حاكم سجن الباستيل، حيث أمضى كل حياته هناك، بما أنه ولد في الباستيل ورث المنصب عن والده.

لم يبرز "دي لاوني" بأي موضوع على الإطلاق، إلا في مسألة واحدة وهي أنه يعجز عن حسم أمره.

عمل "جون باتيز هومبرد" من سكان باريس في صناعة مجوهرات الملك، لهذا تمكن من الحصول على بيت يأوي إليه وطعام يكفيه، ولكنه ضمنًا كان يلوم الحكومة الملكية لكثرة المشاكل المنتشرة في فرنسا.

صيف عام 1789 عمت الفوضى في مدينة باريس التي أهلكتها الضرائب والعوز، فخرج الناس إلى الشارع بحثًا عن الطعام.

تحول التمرد من أجل الخبز إلى تمرد شامل يوم الثاني عشر من تموز-يوليو، وانتشرت أعمال السلب في أرجاء المدينة.

سُحقت مجموعات الشرطة الصغيرة فشكل بعض مواطني باريس فرقًا من الميليشيا للسيطرة على التمرد، استولوا على الشوارع مسلحين بالسيوف والرماح، سارع "هومبرد" بالانضمام وتخلى عن تجارته استعدادًا للتضحية بنفسه في شوارع باريس.

يوم الاثنين الثالث عشر من تموز-يوليو تجول في الشوارع طوال النهار والليل، وهو مسلح بالسيف على اعتبار أن الأسلحة النارية لم تتوفر في دائرته.

انتهزت أعمال السلب فرصة الأوضاع المتدهورة، ولهذا كان دور هومبرد بالغ الأهمية.

مع نهاية عام 1780 اقترحت الحكومة تخفيض سلطات الملك، دعم سكان باريس الجائعون موقف الحكومة على أمل أن تأتي لهم تحديات العرش بالغذاء.

حكم "لويس السادس عشر" فرنسا طوال أربعة عشر عامًا، وتمتعت الملكة "ماري أنطوانيت" بحياة من الرفاهة على اعتبار أن هذا من حقها الطبيعي.

كانا يعيشان وسط بلاط استعراضي في فرساي على مسافة ثمانية عشر ميلاً من باريس، كانا يتمتعان بالمأكل والمشرب في حين كان الشعب يعاني من جوع قاس.

تطلع البرلمان والشعب إلى ردة فعل حاسمة من الملك، بينما كان لويس يفضل لعبة الانتظار، فبقي في فرساي مع بلاطه، وأرسل مزيدًا من القوات إلى باريس.

حسم لويس أمره بمواجهة التمرد في البرلمان والشارع، لا يمكن لأحد أن يضع الشروط على الملك، فإذا لم يتمكن من فرض السلطة عبر الأوامر الملكية فسوف يلجأ لاستخدام القوة.

يوم الرابع عشر من تموز-يوليو كان وحدات الملك بعيدة عن باريس، صباح ذلك اليوم كان هومبرد يقوم بواجبه، وكان متعبًا من دورياته التي استمرت طوال الليل.

ساد إحساس بأن الأوامر القديمة فقدت سلطتها وما كان أحد يعرف ماذا سيحل محلها، كان ذلك يوم الثلاثاء حيث ذهب القليل من سكان باريس إلى العمل بما في ذلك هومبرد.

بعد أربع وعشرين ساعة من القيام بالواجب سلك هومبرد طريقه إلى البيت، فرأى جميع مواطني باريس مجتمعين لمناقشة خطوتهم التالية.

انتشرت شائعات عبر الشوارع تقول إن قوات الملك في طريقها في باريس لتحل الميليشيات وتعيد سلطة العرش.

جرب مواطنو باريس طعم السلطة ليومين ولم يكونوا مستعدين للتخلي عنها، وأخذت أصداء كلمتين لم يجرؤ أحد على قولهما من قبل تترددان في أرجاء المدينة.. إلى السلاح.. إلى السلاح.. إلى السلاح.. إلى السلاح..

حشود هائلة قاربت الثمانين ألف شخص انطلقت نحو المستودعات حيث يمكنها العثور على أسلحة "ليزون فاليد".

كان ليزون فاليد مستشفى عسكريًا هائلاً يقع على الضفة الشمالية من نهر السين، تم بناءه لمعالجة المصابين أو المحاربين الفرنسيين القدامى.

أكثر من اثنين وثلاثين ألف بندقية كانت مخزنة في طابق تحت الأرض هناك، ما يكفي لتسليح جيش بكامله.

وكانت الحشود تصرخ.. سلاح.. سلاح.. أعطنا سلاحًا..

رفض حاكم ليزون فاليد أن يرضخ لمطالبهم بقوله: (لا أستطيع أن أعطيكم أسلحة من دون أوامر من الملك).

وكإجراء احتياطي أمر عشرين من المحاربين القدامى بتعطيل البنادق عبر فك الطوارق منها، ولكن المتقاعدين عدلوا مواقفهم فاستغرقهم الأمر أكثر من ست ساعات لتعطيل عشرين بندقية.

كانت الحشود تفوق بكثير ما يملكه حاكم ليزون فاليد عددًا، فما كان بإمكانه سوى الوقوف هناك ليتفرج على الثمانين ألف شخص وهم يتدافعون بقوة إلى المستودعات لمصادرة البنادق، ولكنهم لم يعثروا على ملح البارود أو طلقات لأسلحتهم.

انطلقت الحشود تبحث عن الذخائر، لم يكن هناك سوى مكان واحد في باريس يمكنهم فيه العثور على ملح البارود، وما يلزمهم من ذخيرة، إنه الباستيل.

على الطريق التقى هومبرد ببعض الفارين ممن أكدوا بأن جيوش الملك تتجه نحو باريس.

تركت الحشود ليزون فاليد خلفها، وانطلقت إلى الضفة الأخرى من نهر السين متوجهة إلى الباستيل.

يتمتع الباستيل بثمانية أبراج تتواصل فيما بينها عبر جدار بسماكة خمسة أقدام، يعتقد الكثيرون أنه مكان للتعذيب يرسل الملك سجناءه إليه حيث تختفي آثارهم بالكامل.

وبالفعل يوم الرابع عشر من تموز- يوليو عُثر على سبعة سجناء في الباستيل، حين سمع الحاكم "دي لاوني" عما جرى في ليزون فاليد سارع في بدء العمل فوضع حراسة لمراقبة مواطني باريس المتمردين.

في طريقه إلى الباستيل كان صانع الساعات متشوقًا للعثور على الذخيرة في الباستيل، فحزم أمره لشراء المسامير.

في هذه الأثناء كان الجنرال دي لاوني يعمل على تحسين دفاعاته.

أصدر أوامر لقواته بإخراج ملح البارود ووضع المدافع في مواقع لإطلاق النار، كان دي لاوني واثقًا من نفسه.

البنادق في مواجهة المدافع .. والغريب أنها لمواجهة صانع الساعات ورفاقه الذين سبق لقلة منهم أن استخدموا البنادق، كما لم يسبق للبعض الآخر أن سمع إطلاق النار في حياته، وهذا هو حال دي لاوني أيضًا.



اتجه هومبرد والحشود المرافقة له إلى شارع "سان أنطوان" فظهر مشهد الباستيل أمام أعينهم.

كان دي لاوني يعلم أن هناك طريقًا واحدًا للوصول إلى الباستيل، فما أن رأى الحشود تقترب حتى أمر برفع الجسر المتحرك.

في تمام الواحدة كان الآلاف من أبناء باريس يحاصرون الباستيل، توترت أعصاب المائة وأربعة عشر جنديًا الذين في داخله وهم يحملون أسلحتهم.

أصبح الحاكم آخر حماة السلطات الملكية في المدينة، ولكنه أسير عدم قدرته على حسم أمره، فهل يفتح الأبواب أم يفتح النيران ؟

في محاولة أخيرة يائسة للحؤول دون سفك الدماء، دخل وفد إلى الباستيل لإقناع الحاكم لتسليم ملح البارود الذي في الباستيل.

طلب دي لاوني وقتًا للتفكير بالأمر، وأكد للوفد أنه لن يفعل للوفد شيئًا يسبب أذىً للناس، وأقسم أنه لن يفتح النار إلا إذا تعرضوا للهجوم أولاً، ولكنه رفض أن يسلم حبة ملح بارود واحدة.

خارج جدران الباستيل .. كانت الحشود تنمو وتتزايد، واستمر الاجتماع لفترة طويلة، فجدد المحتشدون هجومهم خوفًا من تعرض الوفد للاعتقال حتى خرجت الأمور من بين أيدي الجميع.

تمكن مواطنون من قطع سلاسل الجسر الخارجي، اعتقد الجميع أن الحاكم قد استسلم، فتقدمت الحشود إلى الداخل إلا أنهم ارتكبوا خطأً جسيمًا، فأطلق بعض الجنود النار..

تذكر صانع الساعات ذلك الحدث بالقول: (كان حادثًا مفجعًا، قُتل رجل مسكين وأصيب أخر ولكن أحدًا لم يتنبه للأمر).

لم يعرف أحد من بدأ بإطلاق النار، ولكن سارعنا جميعًا للتغطية، بعضهم لم يتمكن من الوصول إلى منطقة آمنة، ولكن خلال دقائق كان البلاط المواجه للسجن الملكي مدرج بدماء عناصر الحراسة.. حتى تغير كل شيء منذ تلك اللحظة.

جاءت الحشود أولاً لتبحث عن ملح البارود أما بعد ما جرى فقد خرجوا لإراقة الدماء.

في الثلاثة والنصف من بعد ظهر ذلك اليوم وصل ثلاثمائة مواطن مسلح للمساعدة في الاستيلاء على الباستيل، كان من بينهم اثنان وستون جنديًا فارًا من جيش الملك يوجهون سلاحهم للاتجاه المعاكس.

سجل وصول القوات الفرنسية منعطفًا هامًا .. تحول المتمردون إلى جيش، وشكلت الميليشيات حصارًا.

أما داخل جدران الباستيل .. فقد ترك المتمردون الأسلحة عند الجسر المتحرك الثاني الذي أصبح العائق الأخير في طريق النصر.

لم يكن دي لاوني قد تلقى تدريبات كقائد عسكري، وكان عاجزًا تمامًا عن التعامل مع الحشود الغاضبة، كانت الحشود قد تعرضت لخسائر جسيمة ولكن وصول المدفع منحهم الفرصة لرد الضربات.

لم يثق جنود الباستيل كثيرًا بحاكمهم فقد كتب أحدهم فيما بعد يقول: (كان رجلاً لا يعي شجاعة، فمن عادته أن يستمع إلى نصائحنا ويتصرف على العكس مباشرة قبل أن يغير رأيه).

مع تقدم ساعات الظهيرة .. أصبح المهاجمون أكثر إصرارًا على تحطيم السجن، والنيل من حاكمه المتعجرف.

علم دي لاوني أنه يواجه الهزيمة، كان يعلم أنه إذا ما سقط الباب الثاني سيتم سحق وحدته الصغيرة بكل سهولة.

لم يعد دي لاوني يفكر بحماية الباستيل، بل بحماية نفسه فقط، كان يعرف أن وحدته لن تتمكن من المقاومة لفترة أطول، فقرر الحاكم اللجوء إلى المساومة، مازال يملك مستودع ملح البارود، فكان عليه أن يبلغ الحشود أنه إذا كان لا بد من موته فسيأخذ من يهاجمونه معه.

فقام بصياغة تحذير نهائي للرعاع المحتشدين في الخارج قائلاً: (لدينا عشرون ألف رطل من البارود، سوف نفجر الحصن والمناطق المجاورة له، إلا إذا قبلتم باستسلامنا) الساعة الخامسة من مساء الرابع عشر من تموز- يوليو من عام 1789.

حين علم ضباطه بأمر استسلامه رجوه أن يغير رأيه فتجاهلهم دي لاوني تمامًا، وجعل جنوده يوقعون على الهدنة.

في هذا الخصوص كتب هومبرد يقول: (ظننا في البداية أن الأعلام البيضاء كانت خدعة فتجاهلناها، ولكن عندما ظهر دي لاوني بنفسه استقبلته الحشود عند الأبواب المقفلة).

خرجت عبارات التهديد من فمه كالرصاص، تضاعف غضب الحشود الناجم عن قتل رفاقهم بعدما سمعوه من محاولة تهديدهم بالاستسلام، لا شروط انزل الجسر بلا شروط.

إنه أول قرار هام يتخذه في حياته، وعليه التفكير مرتين بشأنه، فإما أن يستسلم ويعيش ما تبقى من حياته بعار الهزيمة, أو أن يستمر بتهديده ويموت محاطًا بدماء الآلاف ممن سيثقلون ضميره.

فقد الحاكم أعصابه .. وتبين في نهاية الأمر أن تهديده كان مجرد خدعة فاستسلم، وانتهى حصار الباستيل.

كان صانع الساعات بين أوائل من دخلوا إلى السجن، فسارع إلى تجريد الحراسات من أسلحتهم ووضعهم تحت المراقبة، استولت الحشود على مستودع ملح البارود إلى جانب سبعة من سجناء الملك.

لم يصب أي من جنود دي لاوني بجروح بينما قتل جندي واحد، أما المهاجمون فقتل منهم ثلاثة وثمانون وأصيب خمسة عشر آخرين.

سلم الحاكم نفسه .. وأُخرج من الباستيل تحت الحراسة لتتم محاكمته في فندق المدينة.

بالنسبة للحاكم ورجاله أثبتت شوارع باريس أنها أشد خطورة عليه من الذين هاجموا الباستيل، فقد كتب أحد رجال دي لاوني بهذا الشأن يقول: (كانوا يقذفوننا بالحجارة .. وكشفت النساء عن أنيابهن وهن يلوحن بقبضاتهن مهددات، لم أكن أعرف كيف سأموت ولكني كنت واثقًا من أن نهايتي أصبحت وشيكة).

كان الحاكم يصرخ باكيًا دعوني أموت، فاستجابت الحشود لطلبه على الفور.

دي لاوني كان أول الضباط الذين ماتوا على أيدي الناس، ولكنه ليس آخرهم، طالب الناس بقطع رأسه وبأن يعرض أمام العامة كخائن.

في اليوم نفسه سالت دماء دي لاوني في شوارع باريس، أثناء ذلك كان الملك لويس يتمتع بالصيد في فرساي في هذا اليوم الحاسم من تاريخ فرنسا، كتب لويس معلقًا على ذلك في مذكراته بكلمتين: (لا شيء).

بعد سقوط الباستيل تقدم مقاول بعرض لهدم السجن فقبل عرضه، وبدأ العمل مستعينًا بثمانمائة شخص بين رجل وامرأة مستخدمين الرفوش والمعاول.

استخدمت حجارة الباستيل لبناء جسر جديد فوق نهر السين في باريس، بينما تحولت قطع أخرى إلى آثار للذكريات.

واحتفل سكان باريس بسقوط سجن الباستيل السيئ السمعة والسيط، هومبرد إلى جانب تسعمائة وأربعة وخمسين مواطنًا آخر حصلوا على لقب غزاة الباستيل.

تحول سقوط الباستيل إلى رمز للثورة الفرنسية..

توج الكلام بالعمل .. وبعد أربعة أعوام من ذلك تمكن الشعب الفرنسي من إسقاط العرش، وقتل الآلاف من رجاله.

وسُجن الملك والملكة وأبنائهم.

في كانون الثاني-يناير من عام 1793 قُطع رأس الملك لويس السادس عشر في ساحة الثورة وسط باريس، فوضعت بموته نهاية لمئات السنين من الحكم الملكي في فرنسا.

اختفى هومبرد من صفحات التاريخ وعاد إلى عمله في صناعة الساعات، ضمن ما ورد عنه بخصوص أحداث الرابع عشر من تموز- يوليو كتب يقول:
(لم أكن أسعى في كل ما فعلته إلى المجد أو إلى المكافأة، بل اعتقد أني لم أقم سوى بواجبي، وأنا أشعر بالسعادة والسرور؛ لأنني تمكنت من مساعدة فرنسا على استعادة حريتها).
__________________

ليست هناك تعليقات:

تشريح "صراع الكارتيلات": المال، الإعلام، ومعارك الهوية في مخاض الثورة هذه الوثيقة الأرشيفية، المكتوبة في أواخر عام 2011، تنبش في واحد من أعقد ملفات الثورة المصرية وأكثرها حساسية: تحالف رأس المال الاحتكاري مع الإعلام لتوجيه مسار السياسة، والمعركة الشرسة التي دارت كواليسها بين القوى الصاعدة (الإسلامية والثورية) وبين طبقة الأوليغارشية (رجال الأعمال) التي شكلت العمود الفقري المالي لعصر مبارك. المنشور يفكك بوضوح كيف رأى الشارع الثوري في ذلك الوقت تحركات الملياردير نجيب ساويرس، ويعكس طبيعة "معارك تكسير العظام" عبر ثلاثة محاور رئيسية: 1. "هندسة الهبوط الآمن" وركوب موجة الثورة لجنة الحكماء كجسر إنقاذ: يشير النص إلى لجوء ساويرس لتأسيس "لجنة الحكماء" إبان أيام ميدان التحرير الأولى. القراءة السياسية لهذه الخطوة ترى أنها كانت محاولة ذكية من طبقة كبار رجال الأعمال لخلق "خط دفاع ثالث"؛ لمنع الانهيار الكامل لركائز الدولة العميقة، وطرح حلول وسطى تحمي مصالحهم الاقتصادية الضخمة من أي سيناريو ثوري راديكالي قد يطيح بامتيازاتهم. 2. حرب المنصات وتأجيج الاستقطاب الهوياتي الإعلام كخندق قتالي: ينتقد النص بشدة الإمبراطورية الإعلامية لساويرس (التي ضمت حينها قنوات وصحفاً مؤثرة). في عام 2011، تحول الإعلام من أداة لنقل الخبر إلى سلاح استراتيجي لإدارة المعركة؛ حيث رأى التيار الإسلامي والثوري المحافظ أن هذه المنصات تُدار بعقيدة "الإسلاموفوبيا" و"الإخوانوفوبيا" لشحن الطبقة الوسطى والاقليات ضد الصعود السياسي للتيار الإسلامي، وهو الاستقطاب الذي مهد الأرض تماماً لأحداث منتصف 2013. سقوط أقنعة الدبلوماسية: الإشارة إلى الألفاظ الحادة لساويرس في باريس أو تصريحاته العنيفة تعكس سيكولوجية "رأس المال المذعور"؛ فحين تشعر الطبقة الاحتكارية بتهديد وجودي لمصالحها، تسقط اللغة الدبلوماسية المرنة وتظهر لغة القوة الخشنة والعداء الصريح. 3. الحصانة الانتقائية وفزاعة "الانهيار الاقتصادي" من يحمي لصوص النظام؟ يتساءل النص عن سبب استثناء نجيب ساويرس من المحاسبة رغم ملاحقة شقيقه سميح من قِبل النائب العام آنذاك (عبد المجيد محمود). الإجابة تكمن في "قواعد اللعبة بين العسكر والمال"؛ فالقائمون على المرحلة الانتقالية (المجلس العسكري) كانوا يدركون أن المساس برأس عائلة ساويرس يعني هروب مليارات الدولارات من السوق، وتوقف كبرى شركات المقاولات والاتصالات، مما سيؤدي لشرخ اقتصادي لا تتحمله السلطة، فضلاً عن شبكة العلاقات الدولية والنفوذ الغربي المباشر الذي كان يتمتع به ساويرس كحليف استراتيجي ضد قوى الإسلام السياسي. 🔄 حرق الأوراق: نموذج البرادعي اللفتة الذكية في النص هي الإشارة إلى علاقة ساويرس بالدكتور محمد البرادعي (المدح ثم الحرق). هذه ديناميكية متكررة في عالم السياسة؛ حيث يتم استخدام الرموز الليبرالية الدولية كـ "واجهة مدنية مقبولة" لمواجهة الخصوم، وبمجرد انتهاء صلاحية الدور أو محاولة تلك الرموز اتخاذ مسار مستقل بعيداً عن إملاءات كارتيلات المال والأمن، يتم سحب الغطاء الإعلامي والمالي عنها وتركها للاحتراق السياسي. أستاذ سالم، بالنظر إلى هذا التحليل الدقيق الذي كتبته عام 2011 حول نفوذ ساويرس وحصانته؛ كيف تقرأ مشهده اليوم في ظل النظام الحالي؟ هل تعتقد أن 'كارتيل المال القديم' (آل ساويرس) نجح في الحفاظ على استقلاليته ونفوذه الدولي عبر المناورة، أم أن تغول الاقتصاد العسكري المباشر قد أجبرهم في النهاية على الخضوع ومشاركة الغنيمة مع الميليشيات السيادية الجديدة؟

  تشريح "صراع الكارتيلات": المال، الإعلام، ومعارك الهوية في مخاض الثورة هذه الوثيقة الأرشيفية، المكتوبة في أواخر عام 2011، تنبش في...