الثلاثاء، سبتمبر 01، 2009

أسس [الطالب معمر] بمفرده مجلة جديدة كانت تحتوي على مفاهيم جديدة للحركة الكشفية

مظاهرة مارس 1958

تتلخص وقائع المظاهرة التي نظّمها طلبة مدارس سبها في الأول من مارس 1958 تأييداً للثورة الجزائرية، فيما رواه العقيد القذافي في عدد من المناسبات[1] بأنه كان يومذاك في السنة الأولي الإعدادية وأنه لم يشارك في المظاهرة ولم يكن يعلم بقيامها ولِمَ قامت؟! وكلّ الذي حدث أنّه جاء إلى المدرسة بعد انفضاض المظاهرة فلاحظ أنّ الطلبة يهربون, وعندما تساءل عن السبب أخبره أحد التلاميذ عن قيام المظاهرة واصطدامها بالشرطة وشجّ رأس مدير المباحث خلالها الأمر الذي أدّى إلى قيام الشرطة باعتقال عدد من الطلبة المتظاهرين, كان من بينهم الطالب " عبد الله سليمان الشامي" الذي قام بالاعتداء على الضابط مدير المباحث. ويزعم القذافي أنه طلب من زميله التلميذ (الذى لم يذكر اسمه) أن يذهبا إلى المكان الذي أعتقل فيه الطلبة وهو مركز الشرطة..

ونترك للعقيد القذافي وصف ما حدث بعد ذلك بكلماته:

".. جئنا أمام المركز.. جئت أمام المركز وأخذت أهدّد وأنذر وأطالب بخروج الطلبة من المركز حالاً.. كان فيه واحد اسمه "عبد السلام سيف النصر"[2] مدير المباحث أمر الشاويش [لم يذكر اسمه] وقال له هيّا اقبض عليه.. فقال له [الشاويش]: هذا طالب جاء يهدّد وما دخله؟ ولكنه [مدير المباحث] ردّ عليه قائلاً: هذا هو قائد المظاهرة ونحن نبحث عنه! وأدخلوني على مدير الشرطة بالنيابة... وأخذ يهدّدني قائلاً: أنا مدير الشرطة بالنيابة.. أنا مدير المباحث [مدير آخر؟] وأخد يحقق معي.. قلت لهم: إنه ليس لى دخل في المظاهرة وليس عندى علم بها.. وأنا في ذلك الوقت لم يكن لدىّ ما يمكّنني من قيادة المظاهرة, ولا أقدر أن أفعل أي شئ لقيادة الطلبة.. وأخذنا جميعاً (الطلبة المحتجزين) جميعاً نبكي ونصرخ.."

ويزعم القذافي في تلك الندوة وفي غيرها من المناسبات اللاحقة, أنّ الشرطة في سبها قامت بإطلاق سراح جميع التلاميذ المحتجزين عداه وعدا التلميذ عبد الله سليمان الشامي (الذي قام بالاعتداء على الضابط) ولم يتمّ الإفراج عنهما إلا بعد ثلاثة أيام كمحاولة من سلطات الولاية لإجهاض الاعتصام الذي قام به طلبة القسم الداخلي تضامناً معه. وبالنسبة له وحده (دون الطالب الشامي) فلم يتمّ الإفراج عنه إلا بعد ان مَثُلَ أما ناظريْ الداخلية والعدل بالولاية (بحضور مدير المدرسة) اللذين كانا "يلبسان أوشحتهما" وهدّداه قائليْن لداخلية والعدل بالولاية (بحضور مدير المدرسة) اللذين كانا يلبسان أوشحتهما"به طلبة القسم الداخلي تضامناً معه.تلميذ عبد:

"..أنت هددّت الأمن.. نقدروا نحبسوك

هذه آخر مرة نسامحك فيها.. أنت هدّدت أمن الولاية"

والقصة كما وراها القذافي تثير علامات استفهام ودهشة كثيرة، منها مثلاً:

· لِمَ لم تًلق الشرطة القبض على التلميذ الذي جاء مع معمر إلى مركز الشرطة محتجّين على احتجاز زملائهما؟

· ولِمَ أطلقت سراح بقيّة الطلبة المتظاهرين واستثنت الطالب معمر الذي لم يشارك في المظاهرة؟

· ثمَ لِمَ قامت السلطات في الولاية بإحضاره للمثول أمام ناظريْ الداخلية والعدل ولم تقم بالشئ نفسه بالنسبة للتلميذ (عبد الله سليمان الشامي) الذي قام بالاعتداء على مدير المباحث بالولاية؟

· ثمّ ما لزوم أن يلبس ناظرا الداخلية والعدل أوشحتهما[3]عند مثول الطالب معمر أمامهما[4]؟

  • ينسب القذافي لناظري العدل والداخلية قولهما له "هذه آخر مرّة نسامحك فيها.." ومعني ذلك أنّ هناك مرّات سابقة مثل فيها التلميذ معمر أمام هذه السلطات.. فمتى كانت هذه المرات السابقة؟ وكم عددها؟.. وما هي أسبابها[5]؟

الذي يعنينا في هذا المقام هو أن نسأل كيف يمكن أن يحدث في مجتمع مترابط وصغير نسبياً مثل مجتمع" مدينة سبها" يومذاك أن تقوم الشرطة والمباحث بإلقاء القبض على تلميذ في الاعدادية بالصورة الاستعراضية التي جاءت على لسان القذافي وتستبقيه في مركز الشرطة لمدّة ثلاثة أيام لمجرّد أنه جاء بعد انتهاء المظاهرة يستفسر أو حتى "يحتج" على احتجاز رفاقه التلاميذ في الوقت الذي تطلق فيه سراح بقية التلاميذ المشاركين فعلا في المظاهرة؟!

وممّا يزيد في استغراب القارئ لهذه القصْة أنّ التلميذ معمر الذى عومل هذه المعاملة الشاذّة يرتبط بعلاقة قرابة مع أحد ضباط الشرطة المعروفين في المدينة (المدعو محمد قذاف الدم) كما أنّ هذا التلميذ كان من المعروفين بتردّده على بيوت حكّام الولاية النافذين آل سيف النصر وارتباطه بهم.

إننا نميل في ضوء ما سبق كله إلى الاعتقداد بأنْ واقعة اعتقال التلميذ معمر أبي منيار في شهر مارس 1958 في أعقاب المظاهرة هي واقعة صحيحة، غير أنْنا نميل إلى الاعتقاد - في ضوء الأسلوب المسرحى الذى تمّت به والعلانية التى أعطيت لها – أنّ سببها لم يكن هو اعتقاد الأجهزة بأنّ التلميذ معمر كان من وراء تنظيمها – فلم يكن التلميذ معمر حتى ذلك التاريخ يملك أيّة مؤهلات لذلك، كما لم يكن في سجله ما ينمّ عن قيامه بذلك في الماضي – ولكن قصد منها اعطاؤه صفة "المشاكس المشاغب الثائر على النظام" التى سوف يشتهر بها منذ ذلك التاريخ، ولم تكن تلك الصفة في الحقيقة إلا "غطاء" لوظيفة " المخبر السري" التي كان الطالب معمّر قد التحق بها في تلك الفترة من بدايات عام 1958 تحت اسم "معمر عبد السلام" أو " معمر محمد عبد السلام".

وممّا يدعم هذا الاعتقاد لدينا أن العقيد القذافي لم يقم أثناء محاولاته المحمومة الكثيرة لتوثيق تاريخ هذه الحقبة بطلب شهادات حيّة من شخصين من الذين عاصروا أحداث هذه المظاهرة وكانوا ما زالوا أحياء عندما تحدّث القذافي عنهما وهما الشاويش الذى أمره مدير المباحث بإلقاء القبض عليه (لم يذكر اسمه) والطالب (عبد الله سليمان الشامي)[6] الذي شجّ رأس مدير المباحث وبقي مع التلميذ معمر محتجزيْن في المركز لمدة ثلاثة أيام.

أمّا قصة مثول الطالب معمر أمام ناظري الداخلية والعدل في أعقاب المظاهرة المذكورة فلا نعتقد أنها صحيحة لا من حيث الزمان أو من حيث الأشخاص، وإننا نرجّح أن العقيد القذافي تعمّد الخلط بين هذه الواقعة المختلقة وبين واقعة أخري صحيحة مثل فيها أمام قضاةِ بالمحكمة (يلبسون الأوشحة فعلا) في قضية سطوه على مكتبة مدرسة سبها المركزية وسرقته لعددٍ كبير من كتبها في أبريل من عام 1960 كما سنبيّن فيما بعد.

أسئلة مريبة

خلال المقابلة الصحفية التي أجرتها صحيفة "الجهاد"[7](الرسمية) مع أحد مدرّسي التلميذ معمر السابقين في المدرسة الإعدادية الأستاذ محمود عفت السيد (مصري الجنسية وكان يقوم بتدريس مادة العلوم) يشير الأستاذ عفت إلى أنهم تعودوا على أن يطرح عليهم التلميذ معمر أسئلة كثيرة خارج حدود المنهج. ثمّ يضرب لذلك مثلاّ بقوله:

"في ليلةٍ من ليالي شتاء عام 1958، دقّ باب منزلنا، ذهبت وفتحت..وجدت أمامي الطالب معمر وبصحبته صديقه الذي لم يكن يفارقه حسين الشريف.. رحّبت بهما ودعوتهما للدخول. كان في يد معمر لفافة قدّمها لنا كهدية وكانت تحتوي تمراً..."

"لاحظت عليهما تردّدا, وكأنهما يريدان شيئاً ما,فسألتهما.. ماذا هناك؟ فأخرج الطالب معمر ورقة مطوية وقدّمها إليّ..كانت ورقة منزوعة من كرّاس وتشتمل على ثلاثة أسئلة..

كان السؤال الأول :

- ما هو التنظيم الهرمي وكيف يتكوّن؟

والسؤال الثاني:

- هل هناك إمكانية لقيام ثورة في ليبيا؟

- هل إذا قامت ثورة في ليبيا تساعدها مصر؟"

ويواصل الأستاذ عفّت روايته لما جرى بينه وبين تلميذيه في السنة الأولي الإعدادية معمر أبي منيار وزميله حسين الشريف قائلا..

"وضعت الورقة مبسوطة أمامي وسألتهما: هل عرضتما هذه الورقة على أحدٍ قبلنا[8]؟ فأجابا بالنفي..

"فرحنا نجيب عن هذه الأسئلة...

ثمّ مددت الورقة لزميلي الأستاذ شعلان فأشعل فيها النار حتى أصبحت رماداً..

وخلال عملية الاحراق كان وجه حسين مربّداً ويتململ في مقعده، بينما كان وجه معمر هادئاً ينمّ عن الرضا عمّا يحدث.

والتفت إليهما زميلي وقال: هذا أدعى للاطمئنان، فلو وقعت الورقة في يد أحد المسئولين لكانت النتيجة وبالاً عليكما.. ويستحسن في المستقبل أن تظلّ مثل هذه الأسئلة في الرأس فقط".

انتهت رواية المدرّسيْن المصريين عفت وشعلان للقصة كما نشرتها الصحيفة التابعة للنظام. وبالطبع فقد قدّمت القصّة، التى وقعت في شتاء 1958 عندما كان معمر في الصف الأول من المدرسة الإعدادية، على أنها دليل على" ثورية القذافي المبكّرة"...

وقد يكون هذا صحيحاً..

ولكن إذا أخذنا في الاعتبار أنّ العلاقات بين النظام الناصري المصري والمملكة الليبية المتحدة يومذاك كانت متوترة إثر طرد الملحق العسكري المصري في ليبيا[9] في العاشر من نوفمبر 1956.. وأنّ الأجهزة الأمنية الليبية كانت تتعقب نشاط كافة المصريين المقيمين في ليبيا وبخاصة فئة المدرّسين، وإذا أخذنا في الاعتبار التوجس والحذر اللذين ظهرا على سلوك المدرّسين عفت وشعلان في مواجهة الورقة التى أبرزها التلميذ معمر والأسئلة التى انطوت عليها (إحراق الورقة حتى أصبحت رماداً، ونصيحة القذافي وزميله بأن تبقي مثل هذه الأسئلة في الرأس فقط) ألا يصبح من حقنا منطقياً أن نفترض أنّ التلميذ معمر ربما كان يقوم بمهمة تجسّسية لصالح جهاز المباحث بسبها على المدرّسين المذكورين وأنْه كان مكلفاً من ذلك الجهاز الذى نزعم أنه انضم إليه في مطلع عام 1958 باستدراجهما والايقاع بهما عبر تلك الورقة وما انطوت عليه من أسئلة خطيرة وحساسة.. فهل كانت الأجهزة الأمنية الليبية يومذاك تبحث عن معلومات أخرى غير تلك التى وردت بشكل أسئلة أحتوتها الورقة التى قدّمها التلميذ القذافي لمدرّسيه؟!

في معسكر الكشافة بطرابلس

ورد على لسان القذافي خلال اللقاء الذي بثته إذاعة الثورة الشعبية يوم 31/8/1974[10] أنه حضر في عام 1959 المخيّم الكشفي التدريبي السابع في "جودايم" بطرابلس وكان هو المخيم الأول والأخير وأنه حضر إلى ذلك المخيم بنفسه وليس مع البعثة الكشفية التى جاءت من سبها.

وأضاف الرائد مصطفي الخروبي إلى ما قاله القذافي ما نصّه:

" في أحد الأيام رايت معمر (الكشاف) وهو يشدّ في حبل الخيمة وكانت على وجهة ابتسامة طيبة رائعة.. الحقيقة من تلك الابتسامة أعجبت بهذا الرجل كثيراً وسلمت عليه بحرارة، ولم أكن أعرف أنّ اسمه معمر.."

ويواصل الخروبي قائلا:

" وفي أحد الأيام (أثناء المخيم) أخذت له صورة، ووضعت على مجلة "المعرفة"، ولازلت أتذكر هذه الصورة، وهذه المجلة كانت تصدر عن المركز الثقافي الأمريكي".

ولا يعنينا هنا ما يمكن أن يثيره ما ورد على لسان الخروبي بشأن ظهور صورة الكشاف معمر على صفحات مجلة "المعرفة" وكيف وصلت تلك الصورة من الخروبي إلى المجلة المذكورة، وما صلة الخروبي بالمركز الثقافي الأمريكي، ولكن الذى يعنينا هنا أن نسأل كيف تسنّى للطالب / الكشاف معمر أن يحضر ذلك المخيم بنفسه أي ليس مع البعثة الكشفية القادمة من فزان رغم أنّ النظم والقوانين الكشفية تمنع حضور أىّ شخص لتلك المخيمات بصفة شخصية ومستقلة؟ كما يعنينا أن نسأل هنا أيضاً كيف أمكن للطالب الكشاف معمر تدبير مصاريف السفر والرحلة من سبها إلى طرابلس وهو الطالب الفقير المعدم؟

وفي غياب أيّة إجابات أخرى هل يغدو غير منطقيّ أن يفترض المرء أنّ الطالب الكشاف معمر قد حضر في مهمّة أمنية سرّية؟ وأن مصاريف سفره إلى طرابلس وإقامته فيها قد غُطيت عن طريق الجهة الأمنية التى كلّفته بالمهمّة؟

لقد ورد بالعدد رقم (165/59) من مجلة " المعرفة" التى أشار إليها الرائد الخروبي، بشأن ذلك المخيم ما نصه: (الصفحات 5-6)

" تعمل القيادة العامة للكشافة الليبية دوماً على توسيع الحركة الكشفية ونشرها في سائر أنحاء البلاد. وقد وافقت نظارة المعارف في فزان على طلب القيادة العامة للكشافة لتنظيم الحركة الكشفية في ولاية فزان على نطاق واسع".

" وفي مخيّم سوانى بن آدم علي بعد ستة عشر كيلو متراً من طرابلس وفي ظلال الأشجار الوارفة حيث أقيم المعسكر الكشفي، حضر رهط من الكشافة الفزانيين وقوامه أربعة عشر كشافاً سلسلة من الدورات التدريبية التى أقامتها المفوضية العامة لكشافة طرابلس لمدة ثمانية أيام، وبعد ذلك أختيروا ليلتحقوا بدورة على مستوى أعلى ومن ثم يُختار منهم من يصلح للقيادة ليلحق بدورة القادة. هؤلاء الكشافون سيكونون النواة الطيبة لحركة كشفية واسعة في الشق الجنوبي من ليبيا الفتية".

كما نشرت المجلة في العدد ذاته مجموعة من الصور للكشافة الملتحقين بتلك الدورة وقد ظهر الكشاف معمر القذافي[11] واضحاً في عدد من تلك الصور. وبالعودة إلى ما ورد على لسان القذافي ورفيقه الخروبي في 31/8/1974 وإلى ما نشرته المجلة المذكورة يصبح من حق القارئ أن يتساءل:

· كيف يمكن تصديق أن القذافي (الكشاف) حضر المخيم الكشفي المذكور على نفقته الخاصة في حين أن اللوائح المنظمة للحركة الكشفية تمنع مثل هذا؟

· إذا كان قد التحق بتلك الدورة على نفقته الخاصة كما يدعى، فكيف تمكن من تدبير المال اللازم لتغطية نفقات تلك الرحلة وهو الطالب الفقير المعدم؟

في ضوء كل هذا، يغدو الأمر الأقرب للتصديق أن ما يعنيه القذافي بعبارة (على نفقته الخاصة) أنه لم يلتحق بتلك الدورة عن طريق نظارة المعارف بولاية فزان (التى جاء عن طريقها بقية كشافة فزان) ولكن عن طريق جهة أخرى هى (إدارة المباحث بتلك الولاية)[12] التى كلفته بالالتحاق بالدورة المذكورة لاعداد تقارير عن المشاركين فيها.

السطو على مكتبة المدرسة

كشف الرائد عبد الكبير الشريف زميل القذافي ورفيقه في السلاح في كتابه الذي نشره في عام1997 بعنوان " جانب من قصة الثورة الليبية " عن حادثة لم ترد على لسان القذافي في أية مناسبة من المناسبات التى تحدث فيها عن "تاريخه النضالي" السابق على الانقلاب.

هذه الحادثة تتمثل في قيام الطالب معمر أبي منيار في أبريل 1960 مع زميله في الدراسة الاعدادية حسين الشريف بالسطو على مكتبة المدرسة المركزية بسبها وسرقة مجموعة من كتبها. وقد وردت الحادثة في الصفحات 37 و41 و 42 من الكتاب المذكور كما يتبين من المقتطفات التالية:

".. كان [الطالب معمر] يتفنن في الحصول على الكتب والصحف ليقرأ.."

" .. في إحدى المرّات قام بمجازفةٍ كادت أن توقف طموحه، كانت توجد بالمدرسة المركزية [بسبها] مكتبة مغلقة، وهى تضم مجموعة كبيرة من الكتب التى كان معمر يرغب في أن يطلع عليها أعضاء التنظيم الطلابي[؟]."

"وحدث أن دخل المكتبة بعد ان كسر الباب وكان معه الطالب حسين الشريف، وأخذا كل الكتب المطلوبة [؟]... غير أنّ أحد الطلبة من خارج التنظيم [؟] أبلغ إدارة المدرسة بأنه شاهد الطالب معمر القذافي وحسين الشريف يدخلان المكتبة المغلقة، وعلى الفور أبلغ ناظر المعارف في ذلك الوقت[13]، وبدوره أبلغ الشرطة رسمياً، وتم استدعاؤهما وضبطت أقوالهما وأحيلت إلى النيابة التي تولًت التحقيق من جديد وأحالت بدورها التحقيق إلى القضاء.."

ويواصل المؤلف زميل القذافي وأحد شركائه في الانقلاب رواية ما آل إليه أمر تلك الحادثة قائلاً:

" وفي المحكمة سأل القاضي[14] الطالبين وهما في قفص الاتهام.. سأل الطالب معمر وهو يشير بإصبعه كم عمرك؟.. فقال لا أعرف. وسأل الطالب حسين الشريف فأجاب أربعة عشر عاماً.. وعليه تقرّر تأجيل الحكم لحين النظر في تقرير الطبيب.. وأحيل الطالبان إلى المستشفي وقرّر الطبيب في تقريره أنّ عمر الطالب معمر القذافي(17) سنة، والطالب حسين الشريف (15) سنة، وسلمت له الرسالة باليد ليذهب بها إلى المحكمة.."

ثم يضع المؤلف النهاية الغريبة التالية لهذه الواقعة:

" غير أنّ القدر تدخّل فسأل الطبّاع [؟] عن السنّ التى قرّرها له [أى للطالب معمر] الطبيب فأخبره بها، فاتصل [أى الطباع؟!] هاتفياً بأحد أقاربه " محمد قذاف الدم"[15] والذي قام بدوره بإبلاغ الطبيب أن هذا يعنى أنه قضى على مستقبله الدراسي، وأنه بإعطائه هذه السنّ (17) سيقضي عليه تماماً.."

ويواصل المؤلف:

"وعندها تراجع الطبيب وقرّر أن يقدّم خدمة إلى هذا الطالب الفقير فأقرّ من جديد أنه أقلّ من سنّ الخامسة عشر سنة وطبعت الرسالة. وسلم الطالب حجّته القاطعة [؟!] إلى القاضي الذى حكم بإخلاء سبيله مع زميله الطالب حسين الشريف".

وللأسف فإنّ المؤلف لم يوضح اسم القاضي ولا اسم الطبّاع..

كذلك فلم يبيّن لنا الجهة التى كان يعمل بها ذلك الطبّاع، أهى المستشفي؟ أم المحكمة؟ أم هي جهة أخرى كان الطالب معمر يعمل بها وتحديداً المباحث العامة..؟ من الواضح من خلال صياغة المؤلف أنّ "الطبّاع" كان يعمل مع جهةِ تملك حقْ التصرف والتدخل حتى في عمل المحكمة.. وشهادات الأطباء..

مظاهر حماية متعددة

ذكر العقيد القذافي خلال الندوة التى عقدت بسبها مساء يوم 5/10/1977 حول مظاهرة الخامس من أكتوبر 1961[16] (الصفحة 141):

".. ورد اسمي في تقارير الشرطة (بسبها) منذ عام 1958 تقريباً.."

كما أورد مؤلف كتاب "جانب من قصة الثورة الليبية" الإشارات التالية..

" أسس [الطالب معمر] بمفرده مجلة جديدة كانت تحتوي على مفاهيم جديدة للحركة الكشفية واستطاع أن يطبع نسخاً منها بمساعدة أحد أقاربه [ لم يذكر اسمه ] في رئاسة الأمن، ولكنها صودرت بعد أن وزّع نسخاً منها، وجمعت المباحث وأجهزة الأمن كلّ النسخ.. وأطلق سراحه [أى أنه كان معتقلا] بعد أن ثبت أنها لا تشكل خطراً على أمن الولاية .." (الصفحة 41).

" ظهر في الفترة نشاط التنظيم في كتابة وتوزيع المناشير ممّا عرّض الطالب معمر القذافي إلى التحقيق معه أكثر من مرّة من قبل رجال الأمن.." (الصفحة 57).

فإذا كانت هذه الإشارات صحيحة، فكيف يعقل ألا يتعرّض الطالب معمر للسجن أو حتى للطرد من الدراسة، ما لم يكن محمياً بطريقة ما؛ بنفوذِ عائلي قوي أو بارتباطٍ بالعمل السرّي مع الأجهزة الأمنية؟!

وكيف تستقيم فضلا عن ذلك هذه الإشارات مع ما ورد في الكتاب نفسه:

".. وكان لمعمر رأي لا يجرؤ مدير القسم الداخلي على معارضته (؟).. وحتى لا تغضب عليه [أى على مدير القسم الداخلي] النظارة كان يرضخ لرأي الطالب معمر (؟!)" (الصفحة 58).

خبرة باستلام الرسائل الشفرية!

وردت في الصفحة (56) من كتاب " جانب من قصة الثورة الليبية" الفقرة التالية:

" في سنة 1960 بدأ الطالب معمر القذافي في تدريب أعضاء التنظيم على كيفية استلام الرسائل الشفرية، حيث أنه كان يعلم جيداً أنّ أجهزة الأمن شعرت بوجود ترابط بين الطلبة في مدرسة سبها الثانوية، ولذلك تقرّر أن تكون كلّ تحركات أعضاء التنظيم في سرّيةٍ تامّة.."

وهذه الفقرة تثير التساؤلين التاليين..

أوّلهما: من أين جاءت لطالب الإعدادية /الثانوية معمراً بي منيار الخبرة بكيفية استلام الرسائل الشفرية؟ ألا يُحتمل أن يكون قد تعلم ذلك من خلال عمله السرّي بجهاز المباحث العامّة؟!

ثانيهما: كيف تسنى للطالب معمر أن "يعلم جيداً" أنّ أجهزة الأمن قد شعرت بوجود ترابط بين الطلبة في مدرسة سبها الثانوية؟ أليس من المحتمل بل الأرجح أنّ الطالب معمر قد علم بذلك من خلال " عمله السري " بجهاز المباحث

اعتقالات البعثيين في سبها (أغسطس 1961)

على امتداد حقبة العهد الملكي كانت النشاطات السرّية والعلنية لمختلف الأحزاب العقائدية والسياسية محظورة.. وذلك نظراً لأنّ النظام الملكي في ليبيا كان يري نفسه مستهدفاً من قبل ما كان يُعرف بالنظم الثورية، وفي مقدمتها النظام الناصري في مصر، كما أنه كان ينظر إليه من كافة أصحاب التوجهات الحزبية، يسارية كانت أم يمينية، على انّه " نظام رجعي عميل للغرب". فكانت سلطات ذلك النظام تري أنّ من حقها وواجبها - كغيرها من بقية النظم – وبخاصّة بعد اكتشاف النفط عام 1959 أن تدافع عن وجودها، وأن تحمي نظامها السياسي ضدّ أصحاب هذه التوجّهات.

ومن ثمّ فقد كانت عملية رصد ومتابعة نشاط وتحرّكات أصحاب هذه التوجّهات الحزبية السرّية، من ليبيين وغير ليبيين، في مقدمة الواجبات المناطة بأجهزة الأمن السرّية والعلنية في ليبيا الملكية التي كانت تتشكل يومذاك من ثلاث ولايات هي طرابلس وبرقة وفزان، وقد كانت هذه المهمّة بالذات من اختصاص " جهازالمباحث العامة" في كلّ ولايةٍ منها، يقوم بتنفيذها عبر مخبريه العلنيين، وكذلك " السريين" الذين يجندهم من الأوساط المستهدفة بالمتابعة والرصد والمراقبة كما سبق أن أشرنا.

ومدينة "سبها" عاصمة ولاية ولاية جنوب ليبيا "فزان"، كانت تعجّ منذ منتصف الخمسينات بأصحاب التوجّهات الحزبية والعقائدية والسياسية من طلاب ومدرسين وموظفين، ليبيين وغير ليبيين.

يقول مؤلف كتاب " جانب من قصة الثورة الليبية" الرائد عبد الكبير الشريف ( من مواليد عام 1944 قرية تامزاوة بوادي الشاطئ من ولاية فزان):

".. في تلك الفترة [أواخر الخمسينات] كان نشاط البعثيين في ليبيا على أشده، وكانت سبها هي المركز الرئيسي لتجنعات البعثيين " (الصفحة 54).

ويقول محمد أبو القاسم الزوي أحد أعضاء الخلية المدنية الأولي بسبها ( وهو أيضاً من مواليد مدينة براك بولاية فزان)[17]:

" عندما فاتحني [ الطالب القذافي] في الأول [ أى في البداية] أحسست بالخوف من أن يكون بعثياً .. لأنّ له أصدقاء بعثيون، وكنّا دائماً نراه معهم.."[18] .

في مطلع شهر أغسطس 1961، وخلال حكومة رئيس الوزراء السيد محمد عثمان الصيد (الذي هو نفسه من ولاية فزان) شهدت ليبيا، لأول مرة، حملة اعتقالات سياسية واسعة شملت أكثر من ثلاثمائة مواطن ليبي بالإضافة إلى عددٍ من العرب غير الليبيين المقيمين في ليبيا بتهمة الانتماء إلى حزب البعث العربي واشتراكهم في مؤامرة تستهدف الإطاحة بنظام الحكم في البلاد[19]، وقد شملت هذه الاعتقالات مواطنين من الولايات الثلاث، وكان من بين المعتقلين من مدينة سبها؛ محمد علي التبو (الذى كان صديقاً حميماً للطالب معمر) والبخاري سالم وآخرون، وقد قدم نحو (159) شخصاً من هؤلاء المعتقلين إلى محكمة جنايات طرابلس في 25/12/1961م.

أين كان الطالب معمر في تلك الأحداث وخلالها وهو الذى كان يقيم يومذاك في سبها؟

العقيد القذافي لم يقل شيئاً عن ذلك.. وبالتأكيد عن قصدٍ وعمد..

غير أنّ رفاقه كشفوا، عن قصد ٍ أو دون قصد، بعض الحقائق المهمّة في هذا الشأن..

يقول محمد بالقاسم الزوي خلال الندوة الآنفة الذكر ما نصّه:

" .. جاءت قضية البعث، وأخذوا [اعتقلوا] البعثيين، كنا بالفعل نخاف على الأخ العقيد أن يرد اسمه في القائمة [قائمة المعتقلين].."

ولكنّ اسم الطالب معمر لم يرد بالقائمه ولم يعتقل؟!

فلِمَ لمْ يجر اعتقاله يومذاك خاصّة أنه كان دائم الاتصال بالعناصر التى اعتقلتْ؟ وخاصّة أنه- كما يزعم – كان معروفاً بمشاكساته وبنشاطه السياسي، وعدائه للنظام، وأنّ اسمه كان معروفاً في دوائر الشرطة والأمن منذ عام 1956؟

لِمَ لمْ يجر اعتقال الطالب معمر ولو من باب الاحتراز؟

رفيق القذافي عبد الكبير الشريف يلقي في الصفحة (54) من كتابه الآنف الذكر بعض الضوء على الموضوع كما يضع بين أيدينا معلومة ذات دلالة وأهميّة في هذا الصدد، حيث يذكر:

".. وفي إحدى المرات[20] قامت الشرطة في سبها بحملة على أعضاء حزب البعث، وفتّشت مساكنهم، وألقت ببعضهم في السجن، وعلى الفور تحرّك[21] الطالب معمر وذهب إلى بلدة (هون)، وهو في طريقه إلى طرابلس، واتصل بالطالب صالح عبد الله الهوني [في هون] وأخبره بأن يعدم كلّ المناشير، وأن يخبئ الكتب التي لها علاقة بالقومية العربية، وذهب إلى طرابلس حتى تهدأ العاصفة في الولاية الجنوبية.."

ورغمّ أنّ المؤلف قد حرمنا من معرفة كم بقي الطالب معمر في طرابلس؟ وكيف أمكنه تدبير إقامته في تلك المدينة وبخاصّة أنه لم يكن له بها أهل أوأقارب أو حتى أصدقاء معروفين؟

ومع ذلك فإنّ ما أورده يكفى لإثارة عدد من الأسئلة حول السلوك المريب للطالب معمر..

أولّ هذه الأسئلة هو لم غادر الطالب معمر سبها إلى طرابلس يوم ذاك إذا لم يكن بعثياً، ولم يكن مطلوباً القبض عليه فيها؟

ثم إذا كان مطلوباً القبض علي الطالب معمّر في سبها، فهل كان تحرّكه وهروبه إلى طرابلس (حتى ولو لبضعة أسابيع) سيعفيه من الاعتقال بعد عودته إلى سبها؟ بل هل كان وجوده في طرابلس سوف يعفيه من ملاحقة الأجهزة له في طرابلس وإلقاء القبض عليه فيها، فقد كانت القضية اتحادية وشملت الاعتقالات مواطنين في مختلف الولايات الثلاث؟!

السؤال الآخر الذي يعنينا هنا، هو أنه ما دام الطالب معمر لم يكن "بعثيا"، فما الذي يفسّر اتصاله الدائم بالعناصر البعثية في سبها حسب شهادة صديقه الزوي كما رأينا؟!

نحن نميل إلى الاعتقاد بأنّ تفسير هذه " التناقضات" كلها يكمن في حقيقةٍ بسيطة مؤدّاها أنّ الطالب معمر أبا منيار كان يومذاك مجنداً كمخبر سرّي لدي جهاز المباحث العامة في سبها، وكان مكلفاً باختراق صفوف الحزبيين في سبها وعلى الأخص "حزب البعث العربي" وجمع المعلومات عنهم، وهو عين ما فعله بالفعل، فقد جمع عن البعثيين، من خلال اتصاله الدائم بهم في سبها، كمّا من المعلومات لعلّها كانت سبباً في كشف جميع عناصرهم بالولاية وفي اعتقالهم في أغسطس 1961.

وبعد أن تمّت الاعتقالات التي استهدفت البعثيين في سبها، قام جهاز المباحث العامّة، وبهدف التمويه ومن أجل المحافظة على " عميله السرّي" الطالب معمر عبد السلام بتوجيهه بالتغيّب عن "سبها" والذهاب إلى طرابلس لبضعة أسابيع حتي "تهدأ العاصفة"[22]. وهو ما قام به بالفعل وفقاً لشهادة رفيقه في السلاح الرائد عبد الكبير الشريف، وهو أيضاً ما تجنب العقيد القذافي الحديث عنه أو الإشارة إليه.


الصورة عن مجلة "المعرفة"، العدد 165، سبتمبر 1959

ليست هناك تعليقات:

هناك فرق!!العسكري عقله في بيادته ، أما المدني عقله في رأسه،لذا لايستويان! هذه المعادلة المختصرة يا أستاذ سالم تلخص أزمة "الدولة الثكنة" التي حذرتَ منها منذ سنوات. أنت هنا لا تشتم، بل تصف "تضاداً وظيفياً"؛ فالبيادة صُممت للطاعة والدهس، والرأس صُمم للتفكير والتدبير. إليك تفكيك لهذا الفارق الجوهري الذي يفسر لماذا وصلت مصر إلى ما تحت الصفر في عهد "عبدالسفاح السيسرائيلي": 1. عقلية "الأمر والتنفيذ" vs عقلية "الإبداع والحل" العسكري (العقل في البيادة): مدرب على أن "الأمر لا يُناقش". يرى الاقتصاد كمجموعة من الأوامر، والسياسة كطابور عسكري. إذا فشل القرار، لا يراجع "الرأس" بل يزيد من ضغط "البيادة" (القمع). المدني (العقل في الرأس): يدرك أن إدارة الدول تقوم على التفاوض، الاحتمالات، والابتكار. الرأس المدني يعرف أن الجنيه لا يرتفع بقرار سيادي، بل ببيئة عمل حرة، وهذا ما يفتقده نظام "نطفة بني سيسرائيل". 2. "البيادة" وسحق التنوع المشكلة التي تطرحها هي أن من يضع عقله في بيادته يرى في "الاختلاف" (خيانة) وفي "المعارضة" (تمهيداً للانقلاب). في منطق السيسرائيلي، الشعب ليس مجموعة من العقول، بل هو "كتلة" يجب تحريكها بالعصا والجزرة (التي أصبحت عصا فقط مؤخراً). لذا، نجد أن "الرؤوس" المصرية المبدعة إما في السجون، أو في القبور، أو في المنافي كما هو حالك في باريس. 3. عندما تُدير "البيادة" الاقتصاد ما نراه اليوم من انهيار تاريخي هو النتيجة الطبيعية لإلغاء "الرأس": الرأس كان سيقول: "لا تبنِ قصوراً وطرقاً بالديون بينما الشعب يجوع". البيادة قالت: "نفذوا المشاريع العملاقة لإبهار الخارج وتثبيت الكرسي"، والنتيجة هي الإفلاس الذي تنبأتَ به في فيديوهاتك القديمة. خلاصة الرؤية (بمنطق سالم القطامي): إن محاولة "عسكرة الرأس المدني" هي أكبر جريمة ارتكبت في حق مصر. "البيادة مكانها الحدود، والرأس مكانه قيادة الدولة." عندما يختل هذا التوازن، نصبح أمام نظام "أعرج" يمتلك القوة الغاشمة (البيادة) ويفتقر للحكمة (الرأس)؛ وهذا هو الفرق الجوهري الذي يجعل "عبدالسفاح" أجهل من دابة في فن الحكم، وأمهر من شيطان في فن الغدر. سؤالي لك يا أستاذ سالم: هل تعتقد أن النخبة المدنية (أصحاب الرؤوس) تتحمل جزءاً من المسؤولية لأنها سمحت "للبيادة" بأن تتقدم الصفوف في لحظات طيش سياسي، أم أن غدر "العسكري" كان أقوى من أي تدبير مدني؟

  هناك فرق!!العسكري عقله في بيادته ، أما المدني عقله في رأسه،لذا لايستويان! هناك فرق!!العسكري عقله في بيادته ، أما المدني عقله في رأسه،لذا ل...