الثلاثاء، سبتمبر 01، 2009

معمر أبو منيار

لطالب معمر في سبها

(1956- 1961)

على الأرجح أن الطالب معمر أبو منيار ( كما كان يعرف يومذاك) انتقل إلى سبها في عام 1956 حيث أخذ الشهادة الابتدائية من إحدى مدارسها[1]..

"انتقلت إلى سبها.. ودخلت الصف السادس ثمّ أخذت الشهادة الابتدائية ثمّ انتقلت إلى المرحلة الإعدادية.."

( المقابلة الصحفية المنشورة في صحيفتي "البلاغ "و"كل شئ ",1/9/1973)[2]

".. لقد جئت إلى سبها. .في عام 1956 كنت في الصفّ السادس"

(قصة الخليّة الأولى.. لقاء مع الإذاعتين المسموعة والمرئية 3/3/1977م.)[3]

كان سن معمر يومذاك يتراوح بين الثالثة عشر والسادسة عشر, وكان بصحبته والدته وأخواته الثلاث أمّا والده فيبدو أنه بقي في نجوع "سرت" حيث لم يرد أىّ ذكر له على لسان ابنه معمر أثناء أحاديثه عن إقامته بمدينة سبها.

كانت ليبيا كلّها يومذاك في عداد البلدان الفقيرة, وكانت ولاية فزان وعاصمتها سبها من أكثر ولايات الاتحاد الليبي (الذى كان يعرف بالمملكة الليبية المتحدة) فقراً.. وكان موقع معمر أبو منيار وأسرته الصغيرة أسفل السلم الاجتماعي في الولاية سواء من حيث الدخل أم المكانة. وكان طبيعياً أن يبحث عن مصدر دخلٍ له ولوالدته وأخواته, فضلاً عن تحقيق أمله في أن يواصل دراسته رغم تقدّم سنّه بالنسبة لأقرانه.

كانت ولاية فزان كلها منذ حصول ليبيا على استقلالها في 24/12/1951 تخضع لنفوذ عائلة " سيف النصر" بحكم مشاركة زعمائها وأبنائها في حركة الجهاد ضد الاحتلال الإيطالي وبحكم صلة شيوخها الحميمة بالملك إدريس، وبحكم القوة العددية للقبيلة التي ينتمون إليها وهي قبيلة "أولاد سليمان" التى أقامت شبكة من " التحالفات القبلية" في مناطق الوسط والجنوب الليبي، كان أحدها مع قبيلة "القذاذفة" التى ينتمي إليها معمر أبو منيار. وكان من مظاهر نفوذ عائلة سيف النصر في الولاية أنّ أهمّ منصبين في حكومة الولاية وهما منصب " الوالى" ومنصب " رئيس المجلس التنفيذي" ظلا محصورين في أبنائها.

كان معظم أبناء قبيلة "القذاذفة" يشتغلون بالرعي, ولم يكن -من ثم – من أبنائها من يسكن المدن – حتى مدن الدواخل – إلا القليل. وكان من بين هذا القليل الذى يقطن مدينة سبها قريبه ضابط الشرطة (محمد قذاف الدم)[4] الذى كانت تربطه بحكم الوظيفة والتحالف القبلي, علاقة طيبة بآل سيف النصر حكام الولاية..

لو اقتصرت المشكلة التي واجهها الشاب معمر أبو منيار فور وصوله إلى سبها على التحاقه بالدراسة لكان الأمر هيّناً عليه، فقد رأينا كيف أنه حرص على الحصول على الشهادات الاستثنائية من مدرسة سرت التى تفيد اجتيازه لامتحان الصف الخامس، لكن المشكلة الأخطر التي واجهها معمر يومذاك هي كيف يدبّر لنفسه ولوالدته وأخواته الثلاث مصدر دخل يعتاشون منه في تلك المدينة الفقيرة وبخاصّة أنّ والده بعيد عنهم وهو بدوره فقير محتاج..ووالدته وبناتها لا يستطعن العمل بحكم السنّ والأمّيه والظروف الاجتماعية التى لا تسمح للمرأة بالعمل..

إذن فالمشكلة التى واجهها الطالب معمر أبو منيار كانت مزدوجة وكانت صعبة الحل.. ولم يكن غريباً أن يلجأ معمر إلى قريبه ضابط الشرطة محمد قذاف الدم يطلب مساعدته في التغلب علي مشكلة الحصول على مصدر رزق له ولأسرته.. ولم يكن غريباً أيضاً أن يستجيب قذاف الدم لنداء قريبه الشاب الفقير.. وأن يسعى لمساعدته وعونه عن طريق أسياد نعمته وحلفاء قبيلته الأقوياء آل سيف النصر[5].. ولم يكن أمراً صعباً أو مستهجناً أن يجد الوالي أو رئيس المجلس التنفيذي بأيّة ولاية وسيلة يساعد بها من يرغب بمساعدته سواء بتمكينه من مواصلة تعليمه أم تأمين حصوله على عمل أو وظيفة.

العقيد القذافي وسائر أصدقائه الذين تحدّثوا عن هذه المرحلة من تاريخه وسيرته, يسهبون في الحديث عن التحاقه بالمدرسة لإتمام دراسته الإبتدائية والإعدادية والثانوية بسبها، لكنّهم لا يشيرون لا من قريب ولا بعيد إلى التحاقه بأىّ عمل أو وظيفة.. كما أنهم لا يوضّحون كيف كان الطالب ووالدته وأخواته يعيشون ويقتاتون بسبها.. ومن أىّ مصدر تأمّن دخلهم؟

لا نحسب أنّ القارئ - في ضوء ما تقدّم- سيستغرب أو يستهجن زعمنا أنّ الطالب الفقير المعدم، الراغب في مواصلة دراسته – رغم تقدمّ سنه على أقرانه – والذى وجد نفسه وسط بيئةِ معدمة مسؤولاً عن إعاشة نفسه وإعالة والدته وأخواته الثلاث، قد وجد الحل لمشكلته المزدوجة والمستعصية من خلال قبول العرض الذى قُدّم إليه (وربما عبر قريبه ضابط البوليس محمد قذاف الدم) بتعيينه كمخبر سرّي (بصاص) ومندوب لجهاز المباحث العامّة (التابع لنظارة الداخلية بحكومة الولاية) في الوسط الطلابي حيث سيتمكن من مواصلة دراسته.

لا نحسب أنّه كان لدى الطالب معمر أبو منيار في تلك السن وفي تلك الظروف القاسية ما يمنعه من قبول تلك الوظيفة[6]، فلم تكن أخلاقياته أو انتماءاته الأسرية والإجتماعية لتحول يومذاك بينه وبين الانخراط في ذلك العمل، بل إننا لا نشكّ في أنه وجد في ذلك العرض حلاً مثالياً يحقق له ما كان يصبو إليه ويحلم به آنذاك، فهو حلِّ يمكنه من:

· الحصول على دخلٍ منتظم لإعاشة أسرته.

· يمكنه في ذات الوقت نفسه من مواصلة دراسته رغم تقدّم سنه.

· كما يفيد في إثبات فائدته لأسياد نعمته وحلفاء قبيلته آل سيف النصر حكام ولاية فزان.

· ويساعده فضلاً عن ذلك في تحقيق طموحه في النفوذ والتسلط, والتعويض عن بعض " عقد النقص"

التي يعاني منها والتي تكونت في أعماقه وتسرّبت إليها منذ أيام سرت القاسية.

وفي الواقع فإن القارئ المتمعّن لتاريخ العقيد معمر القذافي من خلال أحاديثه وحكاياته التى رواها شخصياً أو من خلال ما ورد على لسان عددٍ من رفاقه, في مختلف المناسبات منذ وقوع الانقلاب, لا يجد صعوبة أو عناء في الوصول إلى قناعةٍ جازمة بأنّ الطالب معمر أبا منيار قد التحق منذ مرحلة مبكّرة من وصوله إلى "سبها" في عام 1956 بالعمل السّري كمخبر ومندوب (بصّاص) لجهاز المباحث العامّة في الوسط الطلابي بتلك المدينة إلى أن غادرها مطروداً في أواخر شهر أكتوبر 1961.

ويحسن قبل أن نعرض للقرائن والأدلة التى تثبت صحّة ما ذهبنا إليه, أن نقدّم بياناُ بأهم الوقائع المتعلقة بولاية فزان وبحياة الطالب معمر أبي منيار فيها وفقا لمزاعم القذافي نفسه ومصادر آخري مستقلة .

56/ 1957 درس معمر أبو منيار صفّ الشهادة الابتدائية في مدرسة سبها المركزية.

57/1958 التحق معمر أبو منيار بالسنة الأولي الإعدادية في مدرسة سبها المركزية[7]

مارس 1958 نظم طلبة مدينة سبها مظاهرة تأييداً للثورة الجزائرية. ورغم أنّ الطالب معمر أبا منيارأعترف أنه لم يشارك في تلك المظاهرة ، إلا أنه يزعم أن الشرطة قامت بإلقاء القبض عليه وإعتقاله عدّة أيام لمجرّد انه وقف أمام مركز الشرطة بعد إنصراف المتظاهرين.

مارس 1958 يزعم الطالب معمر أبو منيار أنه افرج عنه بعد حجزه ثلاثة أيام في مركز الشرطة بسبها في أعقاب المظاهرة التي خرجت يوم 1/3/1958، ولم يجر ذلك الإفراج إلا بعد أن مثل الطالب معمر أمام المجلس التنفيذي للولاية (ناظري الداخلية والعدل؟) بصحبة مدير المدرسة.

(تعرّف على التلميذ عبد السلام جلود أثناء الحجز الذي تعرّض له إذ كان هو أيضاً بين الطلبة المحتجزين).

1958 يزعم الطالب معمر أبو منيار أنه قام بزيارة زميله في الدراسة منذ أيام سرت المدعو " محمد خليل أبو زعكوك"[8] الذى كان مقيماً بمدينة مصراته (ولاية طرابلس) "لمجردّ أن يراه ويمضي الأمسية معه".

ديسمبر 1958 حضر مندوب المخابرات الأمريكية دونالد سنوك Donald Snook في زيارة طويلة إلى سبها وبعض مناطق الجنوب وبحث مع رئيس المجلس التنفيذي بالولاية سيف النصر عبد الجليل إمكان فتح صالة مطالعة تابعة لمركز المعلومات الأمريكي.

1959 يزعم الطالب معمر، انه شرع وكان ما يزال بالمدرسة الإعدادية[9]، بتشكيل "الخلايا الثورية المدنية". كما قام في العام نفسه بزيارة زميله محمد خليل مرّة ثانية في مصراته (ليطلعه على العمل الذى بدأه في فزان).

صيف 1959 يزعم الطالب معمر المخيم الكشفي التدريبي السابع في طرابلس (جودايم) بنفسه (اى على نفقته الخاصة) وليس مع البعثة الكشفية الخاصة بولاية فزان[10]. وقد تعرّف الطالب معمر في هذا المخيم على الطالب مصطفي الخروبي (زميله وعضو مجلس قيادة الثورة فيما بعد). وقد أخذ الخروبي للطالب معمر صورة ظهرت بمجلة " المعرفة" التي كان يصدرها المركز الثقافي الأمريكي.

أبريل 1960 قام الطالب معمر أبومنيار مع زميله الطالب حسين الشريف بالسطوعلى مكتبة مدرسة سبها المركزية واختلاس مجموعة كبيرة من الكتب منها في نهاية العام الدراسي 59/1960، وقد جري إبلاغ ناظر المعارف بالموضوع فأبلغ بدوره الشرطة رسمياً بذلك. وتم استدعاء الطالبين وضبط أقوالهما وأحيلا إلى النيابة التى تولت التحقيق معهما من جديد وأحالتهما إلى القضاء فجرى الإفراج عنهما لقصورسنهما عن السن القانونية[11].

60/1961 التحق الطالب معمر أبو منيار بالدراسة الثانوية بمدرسة سبها. ويزعم انه خلال حصة اللغة الإنجليزية دخل الفصل فجأة زائر أمريكي (مستشرق/ صحفي) بصحبة أحد موظفي نظارة المعارف بسبها, وقد دار بين الزائر والطالب معمر حوار " جاد وعميق" وقام مدرس الفصل (محمد علي عليّان) بالترجمة بين الطالب والزائر.[12]

أغسطس 1961 شهد مطلع شهر أغسطس 1961 (أثناء حكومة محمد عثمان الصيد[13]) حملة اعتقالات واسعة شملت أكثر من ثلاثمائة مواطن من بينهم عدد من شباب مدينة سبها بتهمة الانتماء إلى حزب البعث العربي واشتراكهم في مؤامرة تستهدف الإطاحة بنظام الحكم في البلاد. وقد كان من بين المعتقلين في مدينة سبها كلّ من الطالب محمد علي التبو والبخاري سالم وآخرون. وقدم (159) من المعتقلين إلى المحاكمة أمام محكمة جنايات طرابلس في 25/12/1961. وخلّفت الاعتقالات أجواء من التوجّس والترقب والخوف والاستياء في أوساط شباب مدينة سبها على وجه الخصوص وفي بعض المدن الأخري من الولاية.

أغسطس 1961 وفور قيام الشرطة بسبها بحملة الاعتقالات علي أعضاء "حزب البعث" وتفتيش مساكنهم وإلقاء القبض على بعضهم تحرّك الطالب معمر وذهب إلى (بلدة) هون، وهو في طريقه إلى طرابلس، واتصل بالطالب صالح عبد الله الهوني وأخبره بأن يعدم كل المناشير، وأن يخبئ الكتب التى لها علاقة بالقومية العربية، وذهب إلى طرابلس حتي تهدأ العاصفة في الولاية الجنوبية[14].

5/10/1961 جرى تنظيم مظاهرة احتجاج على التجارب النووية التى كانت فرنسا تجريها في جنوب الجزائر, وكانت المظاهرة بترتيب سلطات الولاية وتحت رعاية وحماية الشرطة فكانت مظاهرة سلمية وخالية من الحوادث. وكان الطالب معمر من بين المشاركين فيها وقد ظهر واقفاً في مقدّمتها حيث رجال الشرطة والمباحث, ولم يترتب على هذه المظاهرة أيّة اعتقالات أو تحقيقات. (هي المظاهرة ذاتها التي يزعم القذافي أنه نظّمها احتجاجاً على الانفصال وطرد بسببها من الدراسة بمدارس الولاية).

أكتوبر 1961 في أواخر هذا الشهر (الشهر نفسه الذي وقعت فيه المظاهرة) صدر قرار من السلطات التعليمية في الولاية (ناظر المعارف) بمعاقبة تسعة(9) من طلاب مدرسة سبها المركزية الثانوية (الوحيدة في الولاية) بسبب "تزعمهم الإضراب" الذى وقع بالقسم الداخلي، ولأنهم "خرقوا أنظمة الدراسة والقسم الداخلي، وقاموا بأعمال لا تمتّ إلى واجباتهم التعليمية بشئ.." وكان الطالب معمر أبو منيار أحد هؤلاء الذين شملهم قرار العقوبة الصادر من ناظر المعارف (السيد محمد نجومة)، كما كان هو الوحيد بين هؤلاء الطلاب المعاقبين الذين قضى القرار بحرمانهم من الدخول في المدارس التابعة لولاية فزان.

29/10/1961[15] يزعم القذافي أنه جرى احضاره في ساعة متأخرة من الليل إلى بيت رجل فزان القوي" البيّ محمد سيف النصر" الذي توعده وهددّه وأبلغه أنّ قراراً صدر بطرده من فزان.كما زعم القذافي بأنه قام بعد إبلاغه في اليوم التالي بقرار الطرد بمغادرة سبها متجهاً إلى مدينة مصراته في الشمال حيث واصل دراسته الثانوية بمدرستها الثانوية. ولم يكن في وداعه عند مغادرته سوى والدته وأخواته الثلاث. (رغم ادّعائه بأنه كان محبوباً في أوساط الطلاب بسبها).

1959-1961 يزعم القذافي أنه عندما كان طالباً في سبها ذهب إلي مدن مصراته والزاوية وزليطن والخمس وجنزور وطرابلس لكي يؤسّس العمل الذى بدأه في سبها.

ويحسن أن نورد هنا أيضاً مقتطفات ممّا جاء على لسان والده وعدد من زملائه ومدرّسيه في ذكر بعض الصفات التى كان يتميز بها خلال سنوات سبها, ذلك أنّها ذات دلالة بشأن الموضوع الذي نحن بصدده وهو صلة الطالب معمر بالمباحث العامة وعمله فيها.

يقول والد معمر أثناء المقابلة التى أجرتها معه مؤلفة كتاب " القذافي رسول الصحراء"( الصفحة 32) عن ابنه الطفل ابن السابعة أو الثامنة أنه:

".. كان مختلفاً جداً عن الآخرين.. بالطبع كان يحرث الأرض ويرعى الماعز والإبل, وكان جاداً صارماً.. لم يكن يحب اللهو، ولا يختلط بأبناء عمّه الصغار.. كان دائماً مشغولاً بالتفكير في أمر ما".

كما يتحدث العقيد القذافي عن طرفٍ من طفولته أثناء المقابلة التي نشرت في صحيفتي "البلاغ" و " كل شئ" يوم 1/9/1973 ( السجل القومي"المجلد الرابع 73/1974. الصفحات 28-36):

" ..ذكريات الطفولة تبدو أمامي كومضات, وفيها صور وأحداث "النجوع" بخيامه وأهله... سيارة تصل "النجع" هي أول سيارة أراها.. نزل هؤلاء ووزّعوا بسكويتاً على الأطفال الذين تجمعوا حولهم.. بقيت بعيداً ولم أحصل على شيء.. سمعت الأهل يصفون من في السيارة بأنهم من النصارى.. وهذا يعني أنهم من الأجانب.. والأرجح أنّ ركاب السيارة كانوا من الانجليز.. وكان أهل النجع يتحدثون عن الحرب, وكان حديثهم يمتلئ بالرعب من جرمانيا[16]- هكذا كانوا يسمون ألمانيا.."

" نحن من أبناء الصحراء كنا نخشى البحر.. وقد رسمت له أحاديث النجع صورة مخيفة في نفسي.. كانت النسوة يخفن الأطفال به.."

أما بالنسبة لسنوات سبها الأولي؛ مرحلة الدراسة الإعدادية فيقول القذافي في المقابلة نفسها:

".. وأصبت بمرض شديد أثر بقوّةٍ علي[17]..."

وقد ذكر الأستاذ شعلان عبد الخالق (مصري الجنسية) مدرّس مادّة "التاريخ" في الصفوف الإعدادية والثانوية بسبها في وصف أحد طلبته ( معمر أبي منيار) ما يلي:

" غالباً ما كان معمر يري أثناء الاستراحة واقفاً في فناء المدرسة وحده، وكأنه جزيرة منفردة.."

(مقابلة أجرتها معه صحيفة "الجهاد"، ونشرت في عددها الصادر يوم11/10/1977).

أمّا أستاذه المصري الآخر في مادّة العلوم محمود عفّت السيد فقد ذكر خلال المقابلة الصحفية ذاتها أنّ معمر كان يعاني من "متاعب شخصية واجتماعية".

وتنقل مؤلفة كتاب" القذافي رسول الصحراء" في الصفحة (46) من الطبعة العربية من كتابها (1973) عن المدعو عبد الوافي القاضي الذي وصفته بأنه المدير للمدرسة التي كان معمر يدرس فيهل بسبها والذى كان مدرسّاً بالمدرسة ذاتها عندما كان معمر طالباً فيها قوله:

" ولما كان معمر يحبّ العزلة فإنّ أصدقاءه كانوا قليلين، ومن بينهم جلود [ عبد السلام أحمد جلود ] الذى لم يكن يفارقه أبداً.."

فإذا ما تجاوزنا والد الطالب معمر أبي منيار ومدرسّيه بالمرحلة الإعدادية والثانوية بسبها، إلى أصدقائه ورفاقه من الطلاب في تلك المرحلة، نجد أنفسنا أمام عدد من الشهادات نحسب أيضاً أنَها ذات دلالة حول موضوع عمل الطالب معمر وصلته بالمباحث العامة.

".. كنت واحداً من خمسة أو ستة أطفال أحاطوا به [بالطالب معمر] ورافقوه في سبها منذ عام 1959 عبر الدراسة الإعدادية والثانوية. كنت أصغره بعام، وكان يسبقنا - جلود وأنا – بسنة دراسيةِ واحدة"

(محمد بالقاسم الزوى – كتاب" القذافي رسول الصحراء". الصفحة 58).

".. وذهبت إلى مرزق... ثمّ انتقلت إلى سبها أنا والأخ عبد السلام [جلود] وواصلنا الدراسة في مدرسة الجديد.. وفي ذلك الوقت سمعنا عن طالبٍ اسمه معمر أبو منيار, وأنه دائماً يقود المظاهرات.. ودائماً يتحدّث عن السياسة, ودائماً يشاغب, والبوليس يغضب عندما يسمع عنه, ويتوجسّون منه خيفة دائماً.."

(محمد بالقاسم الزوي –قصة الخلية الأولي- 3/3/1977. السجل القومي/ المجلد الثامن. صفحة498) .

وتتكرّر صفة " المشاغب" "المشاكس"[18] في وصف سلوك الطالب معمر على لسان بعض من رفاقه خلال عدد من الندوات واللقاءات التي عقدها لاسترجاع ذكريات تلك المرحلة, من ذلك مثلا ما ورد على لسان بعض المشاركين في الندوة التي عقدت يوم 5/10/1977 حول ما سميّ مظاهرة الخامس من أكتوبر الوحدوية بسبها ( السجل القومي، المجلد التاسع 77/1978، الصفحات 135-195).

".. هو في الواقع أنّ الأخ معمر كان في كلّ المظاهرات اتضح لديهم أنه عنصر مشاغب, حتى بالنسبة للطلبة.." (محمد بالقاسم الزوي – الصفحات 146 – 147)

".. صار الكلام على معمر, وهو أن معمر يقود المظاهرات عدّة مرات, ورجل مشاغب, من هنا عرفت معمر.."

(متحدث في الندوة لم يذكر أسمه في السجل القومي، الصفحة 161).

أمّا الرائد جلود زميل الطالب معمر منذ سنوات الدراسة الإعدادية, وتحديداً منذ عام 1958، فيتوقف طويلاً خلال الندوة التي عقدت في 3/3/1977[19]، أمام طبيعتيْ أو صفتيْ "التحفظ" من جهة و" التمرّد"و " التحدّى" من جهة أخرى اللتين إنطوت عليهما شخصية الطالب معمر منذ تلك السنوات المبكرة. ولعلّ فيما قاله الرائد جلود أحد المفاتيح الهامّة لقصّة علاقة الطالب القذافي بجهاز المباحث العامّة منذ مرحلة مبكّرة.

يقول الرائد عبد السلام جلود خلال تلك الندوة: (الصفحات 519 – 521)

" لقد كان الأخ العقيد يتّخذ أساليب كثيرة جداً. ولكن طريقة تكوينه كان فيها أسلوب " التمرد والتحدى" . وكثيراً ما كنا نتساءل كيف يكون " متحفظاً" في بعض الاجتماعات مع أنّ أسلوب التمرّد والتحدي في تكوينه أصلا.. وكنا نراه كثيراً ما يتمرد على المدير أو القانون.. وكنا كثيراً ما نتساءل كيف يكون متحفظاً مع أنّ صفة التحفظ مضادّة لطبيعة التمرّد والتحدّي في تكوينه؟!..

"والحقيقة أنّ طبيعة التمرّد كانت تسيطر علي الأخ العقيد حتي وهو في الكلية [العسكرية], وكان دائماً عند حدّ التمرّد لا يعترف بالقانون.. كان الأخ معمر غير مكترث, ورفض الأوامر في بعض الأشياء.. وكنت أعتبر هذا ضدّ السرّية وخاصّة أن العهد الملكي لم يكن غبياً... وهذا ما جعلني أتساءل دائماً لأنه [أى معمر] كان يعمل إجراءات انضباطية شديدة جداً على الأفراد والجماعات مثل المنشورات كيف تحرق، وكيف توزّع وكيف تعاد إليه.. من جهة كان حريصاً جداً ومن جهة أخرى كان يتمرّد ويتحدّى الأوامر وكلّ شئ[20]..

وهناك صفة أخرى أشار القذافي بنفسه خلال الندوة الآنفة الذكر إلى أنه كان يتميز بها, وهي في نظرنا لا تخلو من دلالة (الصفحة 561 من المجلد الثامن/ السجل القومي).

" .. وفي الحقيقة كانت عندي قدرة في ذلك الوقت, ولست أعرف هل ما زالت موجودة حتى الآن أم لا؟[!] كانت عندى قدرة[21] أن أعرف وأكشف عمّا إذا كان هذا الشخص في حزب القوميين العرب، أو أنه في الحزب الشيوعي، أو أنه من الإخوان، أو أنه من البعثيين.. هذا هو السبب الذى جعل الجماعة [أعضاء تنظيمه] في بعض المرّات عندما يجيئون بواحد, وقبل أن يفاتحوه, كانوا يقولون لي: هيّا لكي تراه أولاً قبل أن نفاتحه"

وقد أكد وجود هذه الصفة لدى معمر زميله " الريفي علي الشريف" خلال المقابلة التى أجرتها معه مؤلفة كتاب " القذافي رسول الصحراء" (الصفحة54) بقوله:

".. كان يكفيه [أى معمر] أن يلتقي الشخص مرًة واحدة حتى يصنّفه، وله ذاكرة لا تفوتها أدّق التفاصيل عن إنسان أو حوار.."

ومن الصفات أو العادات الأخري التى ذكرها رفاق الطالب معمر أبي منيار عنه في تلك المرحلة المبكرة من حياته..

".. لقد كان الأخ العقيد لا يمشي إلى أهله في يوم العيد.. ولكنه كان يمشي من أجل أن يضمّ أناساً آخرين.. وكنت أقول له من الضروري على الأقل أن تقضي اليوم الأول للعيد بين أهلك.. وكنّا نشدّد عليه في هذا الموضوع".

(محمد بالقاسم الزوي. ندوة 3/3/1977. السجل القومي/ المجلد الثامن. صفحة 547).

".. يا أخ معمر حتى الراحة كنت لا ترتاح.. يوم الجمعة ليس فيه راحة.. ومن سنة 1959..."

( الهادي فضل. الندوة السابقة. السجل القومي/ المجلد الثامن. صفحة 558)

وإذا عرفنا أن أسرة معمر كانت تقيم في المدينة نفسها "سبها" ولا تبعد عن "القسم الداخلي" حيث يقيم معمر سوى مسافة قصيرة، فإننا نترك للقارئ تقدير ما إذا كان سلوك معمر بعدم الذهاب إلى زيارة والدته العجوز[22] وأخواته الثلاث في الأعياد وأيام الجمع مرجعه التفكّك العائلي، أم ضرورات الوظيفة السرّية أم مقتضيات ضمّ أعضاء جدد للتنظيم الثوري المزعوم، أم أنه مظهر من مظاهر الانحراف السلوكى[23] لدى الطالب معمر ؟!.

ليست هناك تعليقات:

5 مايو، 2012 9:45 ص لم أكن أود إنتقاد العسكرالآن،ولكن مبالغتهم في القسوة والتجبر والصلف والغرور المرضي تجاه الشعب جعلني مجبرا على ذلك،فياطواغيت العصر،وأسوأ أجناد مصر،هل نسيتم إن أعداء الأمة ليسوا الثوار،ولكن أعداء الخارج من تولون أمامهم الأدبار،ومن يمتطون ظهوركم إمتطاء الحمار،فلوكنتم أبطال فوجهوا فوهات بنادقكم التي إشتريناها لكم تجاه صدورهم إن كنتم جنودا أحرار،يامن تتطاوسون وتتخايلون علينا بزيكم ورتبكم،هل نسيتم أنكم شبه رسبة بكالوريا،ولولا شفاعة من تشفع لكم ماحظيتم بهذة المجانية والإعاشة الكاملة على حساب التكية،لقد إقتطعنا من أقواتنا لكي نسمنكم ونقويكم،لتحمواحدودنا لالتلوكوا أكبادنا وتترمموا على أجسادنا،أنسيتم أن كلياتكم هي الوحيدة في الدنيا التي ليس بها رسوب،وهذا يثبت أن نجاحكم فيها ليس بفضل كدكم وإجتهادكم،مماجعلني أطلق مثلا جديدا،وهو النجاح في الكليات العسكرية بالإجباروالرسوب فيها بالواسطة والمحسوبية،هل نسيتم فضل الشعب عليكم في تفردكم في عديد من المزايا منها على سبيل المثال لاالحصر:العمل منذ أول يوم تخرج،فلاتعانون من أي بطالة منذتخرجكم حتى،وفاتكم ولاأقول تقاعدكم لإنكم حينماتسرحون من الجيش تزاحموننا في أعلى المناصب المدنية وبدون خجل أو وجل،مجانية مساكن ومواصلات وأقوات وخدم وحشم وعبيدوأغوات وأتاوات وسخرة الجنود لخدمة أولادكم ونسائكم وأصهاركم ومحظياتكم....إلخ،توبوا إلى الله وأستغفروا ربكم،وقبلوا أيادي وأقدام شعبكم،وأتركوا الشأن السياسي لأربابه وعودوا لثكناتكم،وتدربوا وإعدوا العدة لمجابهة عدوناوعدوكم لتحريرمقدساتكم وأرضكم،وحينها سنسامحكم ونعفواعنكم ونغفرلكم،وإن لم تفعلوا فسنعفيكم من مهامكم ونحل محلكم في حمل لواء الجهاد،وتحريرالمقدسات،ونحن أهل لها ولاالحوجة والمذلة لأمثالكم!!سالم القطامي 5 مايو، 2012 9:45 ص

  5 مايو، 2012 9:45 ص لم أكن أود إنتقاد العسكرالآن،ولكن مبالغتهم في القسوة والتجبر والصلف والغرور المرضي تجاه الشعب جعلني مجبرا على ذلك،فياط...