زحام المسلسلات يلغي بعضها البعض وآفة التوريث تمتد الى العراق
13/09/2009
وعلى ذكر المثل، العليا منها و( الواطية) ، فإن الكم الأكبر من هذه المسلسلات لا يفعل سوى اعادة تدوير وترسيخ إما لمفاهيم بالية، متآكلة، خارج العصر والحداثة وبعضها لا يقل خطرا عن المخدرات. ودون الخوض في تفاصيل أي من المسلسلات، ولا حتى التعرض لخطوطها العريضة يكفي الاستماع للمقدمات الغنائية للعديد من هذه المسلسلات لنجد انها في معظمها تدور حول بكائيات القدر و'المكتوب على الجبين لازم تشوفه العين'، والمستخبي، وإن الدنيا فانية وأن الجري وراء الماديات عبث لا طائل من ورائه، والسعادة في الرضا بالمقسوم. وسوف تجد أيضا ان نفس الأصوات تتكرر وبنفس النبرات النواحية التي تلائم هذه البكائيات.
أما تلك القيم الصالحة والمثل العليا فقد انقرضت اصلا من المجتمعات ومن ثم فإن محاولة ترويجها او احيائها عبر المسلسلات هو حرث في البحر واهدار للوقت والمال، وهذه ايضا لا تبدو حجة مقنعة لوقف الهدر المسلسلاتي لأننا نفوق كل شعوب العالم في إهدار الإثنين، فالدول العربية الغنية تهدر اموالها في شراء اسلحة لا تستخدمها او انشاء منابر اعلامية تحاول ان تحصل بها على نفوذ لم تستطع ان تحصل عليه بالسياسة ولا بالأموال، والفقيرة تهدر الأموال في الفساد ومشاريع النهب واللصوصية وشراء الأتباع والأزلام وأيضا في مشاريع إعلامية فاشلة. أما عن إهدار الوقت فلا يوجد من يبز العرب فيه، فقد انفقنا سنوات في مفاوضات سلام عقيمة ( بعد حروب لا تقل عقما لم نذق فيها طعم النصر الا لماما)، ونحن الآن منهمكون في مفاوضات مصالحات عقيمة أيضا، بين الفلسطينيين من حملة الجنسية الفتحاوية واولئك من حملة الهوية الحمساوية، وبين الطوائف اللبنانية التي تتجمل بأسماء حركية كالأكثرية النيابية (الأربعتاشرية)، والمعارضة الأقلوية المسيحيوإسلامية . وبين شمال السودان وجنوبه، وحكومته ودارفوره ، والعراق الذي يفرز كل يوم تحالفات وعداوات وخصومات وتفجيرات كلها تنويعات على نفس اللحن الجنائزي القديم قدم مواكب التعازي الحسينية.
يتوازى مع الحروب المسلسلاتية الرمضانية، هجوم كاسح ماسح على المشاهدين بفيض من برامج (طق الحنك)، وبرامج الاستجوابات الاستفزازية التي تدعي إحراج النجوم او محاصرتهم بالأسئلة، وهي في النهاية ليست سوى منابر للمذيع او المذيعة لتلميع نفسيهما' فوق البيعة' مع النجوم، لأن معظم هذه اللقاءات معدة سلفا ومتفق على مضمونها Staged، أي انها مفتعلة شكلا ومضمونا. وهناك برامج التظرف التي يظهر فيه نجوم كوميديا غير مضحكين، وبرامج ' المقالب' والملابسات وعشرات التنويعات على الكاميرا الخفية، ولا ننسى الفوازير والحزازير وغيرها من أبناء عائلة الزير.
تليفزيون الواقع السياسي العربي أكثر إثارة
بعيدا عن حديث المسلسلات الممل، تجلى كرم شهر رمضان وبركاته هذا العام على نحو مختلف فأتحفنا بمسلسلات من نوع آخر أكثر درامية، ومأساوية، وهزلية وعبثية إلى آخر التنويعات المسلسلاتية. الفارق الأساسي ان النوع الرمضاني الأحدث مشتق من صميم الواقع بل هو النسخة الأصلية من المدرسة الواقعية، واعني ' الطبيعية'، المدرسة الأدبية/الدرامية التي انطلقت على يد كتاب مثل ' إميل زولا'ولم يكتب لها ان تدوم كثيرا في المسرح بالذات لاستحالة الالتزام بمعاييرها الفنية الصارمة في اصرارها على نقل الواقع بحذافيره على خشبة المسرح. تذكرون في العام الماضي أفرز الواقع العربي مسلسلا اكتسح كل المسلسلات الفضائية انعقدت البطولة فيه لهشام طلعت مصطفى، أحد حيتان النهب الاقتصادي المنظم لمصر في القرن الواحد والعشرين،ومطربة لبنانية مغمورة نالت من الشهرة بموتها اضعاف ما كان يمكن ان تحققه لو عاشت حتى صارت في عمر الشحرورة ( أطال الله في عمرها كمان وكمان).
رمضان هذا العام هو بجدارة شهر تليفزيون الواقع Reality TV، فلدينا أكثر من مسلسل. أولها ميلودرامي/ عبثي مع نفحات كوميدية تتخلل حلقاته تنعقد البطولة فيه لرئيس الوزراء العراقي، الذي استعاد ذاكرته فجأة واكتشف ان هناك جرائم ارتكبت في العراق تستدعي تدخل الأمم المتحدة لإنشاء محكمة دولية للبت فيها. ولم يفته أن يذكر من لديه الوقت ليستمع لترهاته بأن العملية التي راح ضحيتها العشرات من العراقيين في بغداد الشهر الماضي ليست أقل من تلك الجرائم التي اقيمت لها محاكم دولية مثل رواندا والبوسنة ولبنان ( لا أستطيع حتى الان أن أصدق أنه قال ذلك! لعله نسي ان يضيف الهولوكست أيضا). محكمة المالكي الدولية لن تنظر في جرائم من نوع غزو العراق، ولا مذابح فرق الموت، ولا مجازر جلاوزة فرق وزير الداخلية السابق بيان جبر صولاغ، ولا معتقل ابو غريب، ولا تدمير الفلوجة على رؤوس أهلها ولا مجازر او مذابح حديثة وأخواتها، ولا مئات آلاف العراقيين الذين قتلوا منذ الغزو ولا الذين هجروا او طردوا او فروا، كلا فهذه لا تدخل في اختصاص المحكمة المالكية الدولية. كان يمكن للمسلسل ان يتحول الى كوميديا سوداء او دامعة، باعتبار دماء الأبرياء المراقة من ناحية، وهزلية أو ' أراجوزية' رئيس الوزراء ومطالبته المضحكة المبكية بمحكمة دولية من ناحية أخرى، لو لم تتكفل سورية برد يعيد بعضا من العقل المفقود المغيب من السياسة العربية، وقد جاء ذلك على لسان رئيسها بشار الأسد، الذي ولأول مرة منذ ان وعيت به رئيسا أسمعه يدلي بكلام يمكنني ان أفهمه سياسيا ولغويا، ولا يغرق في عموميات او يستطرد في محاضرات كتلك التي يحلو له القاؤها في القمم العربية، متخمة بشعارات قومية، نضالية، صمودية تعبوية، انقرضت من على أرض الواقع السوري والعربي منذ زمن سحيق. كان محقا في وصفها اتهامات المالكي (وليس العراق، فهناك أكثر من لسان يتحدث باسم اكثر من عراق على غير ما يزعم رئيس وزرائه) بأنها لا أخلاقية. ليس فقط لأن سورية تستضيف اكثر من مليون لاجئ ونازح عراقي على أراضيها، فروا او هربوا من حكم المالكي الرشيد، وإنما لأن المالكي نفسه كان واحدا من هؤلاء في الأمس القريب جدا، الذين وجدوا ملاذا آمنا في سورية هربا من نظام دموي سابق (فما اشبه الليلة بالبارحة!)، قبل ان تهبط عليه الوزارة في ليلة القدر ببركات رمضان- أو يهبط عليها هو بالبراشوت. صحيح: إذا لم تستح فافعل ما شئت.
مسلسل عراقي آخر يختلط فيه الجد بالهزل. ففي غضون ساعات من اعلان وفاة عبد العزيز الحكيم رئيس المجلس الأعلى الاسلامي في العراق (المجلس الأعلى للثورة الاسلامية سابقا) وزعيم الائتلاف العراقي الموحد، تواترت الأنباء عن تأهب ابنه، عمار الحكيم لتولي رئاسة الحزب رغم حداثة سنه، وذلك سيرا على النهج العربي غير القويم، وعملا بالتقاليد العربية العريقة 'المتوارثة'، في توريث البلاد والعباد والعروش والكروش والمناصب والمقاعد البرلمانية، وليس انتهاء بالمواهب التمثيلية والغنائية.ولاينبغي ان يفوتنا في هذا الصدد توجيه الشكر في هذا الصدد الى الريادة اللبنانية في تطعيم الجسد العربي بجينات الوراثة السياسة، كما تتجلى في عائلات شمعون وفرنجية والجميل والحريري وجنبلاط الذي يؤهل عميدها كمال ابنه تيمور لدخول المعترك الوراثي، فيما اقتحمت صغرى عائلة تويني المعترك بالفعل عبر الانتخابات الأخيرة.
ونبقى في لبنان البلد المتخم بالسياسة والسياسيين ومسلسل آخر بدأ بانتخابات نزيهة، شفافة، هفهافة، نفنافة أريقت فيها مئات الملايين من الدولارات في شراء الذمم والأصوات، وفازت الأغلبية (الأربعتاشرية)، لكنه كان فوزا مثل عدمه. فلا يزال الحريري، وريثا آخر من تجليات النظام الوراثي العربي، يدور حول نفسه يقضي ساعات نهاره متنقلا بين ربوع لبنانية من دولة الرئيس بري الى دولة الرئيس الآخر ميشيل سليمان، ويعرج تارة على السيد نصر الله، وتارة على دارة الجنرال، وثالثة على قلعة الحكيم جعجع، فيما يقضي مساءاته متنقلا بين عواصم عربية واجنبية، حتى يتخفف من عبء (الحرتقات وطق الحنك اللبناني) وليستزيد علما ونصحا وارشادا من اهل الحل والعقد. ولا حكومة شكل ولا أمل بتشكيلها يلوح في الأفق طالما ظل الحريري ضائعا بين بعبدا والمتن والأشرفية وباريس وواشنطن والرياض والقاهرة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق