هذا الصمود حتى النهاية يرجع إلى وقوف الدولة المصرية وراء المرشح بكل ما تبقى لها من ثقل، سواء في التسويات التي سبقت الترشيح لإقناع دول عربية بسحب مرشحيها الأكفأ منه أو أثناء الحملة الانتخابية وحتى لحظة النهاية.
وضعت مصر قضية حسني على جدول الاجتماعات والمقايضات السياسية مع الأمريكيين والإسرائيليين والفرنسيين، وهو ما لم تفعله لمرشح مصري سابق للمنصب نفسه، هو إسماعيل سراج الدين، بل كانت أقرب لتأييد المرشح السعودي غازي القصيبي، في دورة 1999 التي فاز بها الياباني كويشيرو ماتسورا، المدير الذي أنهى دورتين هذا العام.
هذا التجنيد الاستثنائي لإمكانيات الدولة لصالح معركة فاروق حسني ليس له سوى تفسير واحد؛ فقد صار بأخطائه عبئاً ثقيلاً على النظام، وعزيزاً في ذات الوقت. ومن هنا كان الأمل المصري في تحويل اليونسكو إلى مخبأ آمن للوزير الذي وقع عدد من أقرب مساعديه في السجن بتهم الرشوة على مدى أعوام استوزاره الاثنين والعشرين.
' ' '
بذلت الدبلوماسية المصرية أقصى جهدها، لكن وراء المرشح الخطأ، انطلاقاً من تصور خاطئ يتعامل مع اليونسكو بوصفها إحدى مؤسسات التكريم المصرية، مثلها مثل كيان لا عمل له اسمه 'المجالس القومية المتخصصة' التي يقضي فيها رجال الحكومة سنوات ما بعد الأضواء انتظاراً لقرار الرحمة الإلهية، وهي الهيئة التي أنشأها عبدالقادر حاتم ورأسها عام 1974، شبيه فاروق حسني في ولادته بحي كرموز الشعبي بالإسكندرية، وفي العمر المديد بالسلطة. لكن اليونسكو لا تشبه المجالس القومية المصرية، ولا ولاية لمصر عليها كي تجعل منها مدفناً صحياً خاصاً بها.
وما يمكن أن نستشفه من الصمود المدهش لفاروق حسني، هو أن اقتناص المنصب الدولي لم يكن صعباً لو قدمت مصر المرشح المناسب. وبدلاً من الاعتراف بخطأ الاختيار تم تجنيد الطاقات الإعلامية لتحويل فاروق حسني رمزاً وطنياً وإعطاء خسارته أبعاداً وطنية مصرية وقومية عربية، وأممية إسلامية!
ولم يخل الهتاف بحياة المرشح المصري من مبالغات، وضعت عدم مساندته في مصاف الخيانات الوطنية!
ومن الطبيعي أن ينهمك في الخدمة أفراد الحراسة الإعلامية قليلو الشأن، الذين لا تهمهم أية قضية سوى إثبات الإيمان الصافي، كإيمان العوام، بكل ما يفعله أو يريده النظام. ومن الطبيعي أن يشارك في حفل الزار الوطني المستفيدون شخصياً من فاروق حسني، الخبير في إدخال المثقفين الحظيرة.
لكن المدهش أن يتسع طيف النائحين في 'المقتل' الرمزي لفاروق حسني، ليشمل جماعة الإخوان، التي اعتادت استدراجه إلى درب الأخطاء، حيث استنكر النائب البرلماني الذي جره إلى تصريح المحرقة خسارة المنصب، معتبراً أن خسارة حسني جاءت نتيجة مؤامرة إسرائيلية-أمريكية، حشدت الغرب ضده، طالباً إعادة النظر في تعاملاتنا مع أمريكا، التي أسفرت عن وجهها القبيح.
هذه الجماعة بالذات هي التي جرت فاروق حسني إلى كل الأخطاء التي لا يمحوها اعتذار، وكانت في مقدمة الاعتراضات الدولية عليه. وهي اعتباره ممثلاً لنظام الحجر على حرية التعبير، وقد كانت مناسبات مصادرة الكتب تأتي دائماً بطلبات إحاطة وأسئلة للوزير من الإخوان تحت قبة مجلس الشعب. وكان تعهده الشهير بإحراق أي كتاب إسرائيلي يوجد على أرض مصر آخر هذه السلسلة، عندما استجوبوه حول وجود كتب إسرائيلية في مكتبة الإسكندرية.
ودخل الوزير بسرعته المعهودة فخ 'المحرقة' بكل رمزيتها في الذهن الغربي واليهودي، ثم كانت اعتذاراته المتعددة عن هذا التصريح، سقوطاً على الجانب الآخر، بل إن بعض التصرفات العملية كانت مسيئة للوطنية المصرية (حتى لا نتحدث عن خيانة مثل مشايعيه) ومنها ترميم المعبد اليهودي، وتسويقه باعتباره ترضية لإسرائيل، بينما هو أثر مصري مثل غيره من الآثار الفرعونية والقبطية والإسلامية، ولا يجب أن نطلب من وراء ترميمه رضى أية دولة أو أي كيان آخر.
وبعد كل الاسترضاء الذي أثمر سكوتاً إسرائيلياً وصهيونياً، عاد المرشح 'المنصاع' بعد الهزيمة ليتهم المنظمات اليهودية بالوقوف ضده، وهي مبالغة في قوة هذه المنظمات لصالح تحويله بطلاً، بينما الحقيقة في مكان آخر.
' ' '
في كل الأحوال، الانتخابات مجرد تجربة، ليست في شناعة أخطاء الوزير المزمن، وقد صرح عقب عودته أن مبارك قال له (ارم وراء ظهرك) ما يعني العودة إلى المربع الأول. وإذا كان فاروق حسني تعهد قبل سفره إلى باريس بالاستقالة في حالة إخفاقه، فقد ترك الباب مفتوحاً لعمل الرئيس، إذ قال (إلا إذا طلب الرئيس مني البقاء) ما يذكر بموقفه عقب المحرقة الحقيقية لستة وخمسين مسرحياً، عندما أطلق 'عرض' الاستقالة في الصحف ولم يتقدم بها رسمياً.
سيبقى فاروق حسني وزيراً، ولديه ولدى كل من ينصرونه ظالماً ومظلوماً، الوقت لكي يدركوا حقائق عصر الشفافية، حيث لم تعد هناك أسرار في هذا العالم، حتى أن بعض الاعتراضات على ترشيحه تعلقت بذهابه إلى مكتبه متأخراً، والمكوث فيه ساعة ونصف الساعة في المتوسط، بينما ينصرف باقي يومه لحياته الخاصة كفنان. ولم تغفل الاعتراضات الدولية الموضوعية سنه الكبيرة، ولا كونه رمزاً للجمود السياسي، بالبقاء نحو ربع قرن في الوزارة، المدة التي لو قضاها أندريه مالرو في وزارة الثقافة الفرنسية لاعتبره الفرنسيون عدو الثقافة رقم واحد. والمصريون ليسوا بدعة، وكانت توقعاتهم أسوأ من هذا.
ولفاروق حسني أن يهنأ بالخسارة المشرفة، ويشكر الظروف وألعاب الحظ الجيدة التي جعلته يصمد خلال خمس جولات تصويت، بدلاً من تصوير الأمر بوصفه صراعاً بين الشمال والجنوب أو مؤامرة ضد مصر والعرب والمسلمين!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق