السبت، سبتمبر 26، 2009

دعوة القذافي الى إرساء نظام دولي جديد


د. ابراهيم يسري
25/09/2009


حاكم القذافي النظام الدولي القائم وفجر قنبلة بخطابه الجريء الذي القاه من منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث طرح بشكل واضح وصريح دلائل فشل النظام الدولي الذي ارساه نظام سان فرانسيسكو وانتقد بشدة تشكيل مجلس الأمن وما تتمتع به الدول الكبرى من حق الاعتراض مما يجعل الامن والسلم الدوليين في خدمة مصالح هذه الدول الخمس، وطالب بشكل صريح وقوي بالغاء امتيازات الدول الخمس ونادى بالتمثيل القاري في المجلس وبتمثيل التكتلات الدولية. وطالب الزعيم الليبي باعطاء السلطات الكاملة للجمعية العامة بحيث تصبح قراراتها ملزمة ويكون مجلس الأمن مجرد تنفيذي يعكف على تنفيذ قرارات الجمعية العامة التي تتساوى فيها الدول حيث يكون لكل دولة صوت واحد مهما كان حجمها . و تناول خطاب معمر القذافي الذي استمر اكثر من ساعة ونصف وقوطع بالتصفيق عدة مرات نقدا عنيفا للدول الاستعمارية ونادى بحق الدول التي عانت من ربقة الاستعمار في الحصول على تعويض من الدول المستعمرة قدره بـ777 تريليون دولار ضاربا المثل بايطاليا.
غير اننا سنتناول هنا جانبا واحدا مما اثاره القذافي حول اصلاح الامم المتحدة ونقل مقرها من نيويورك منوها بانه استمر هناك اكثر من 50 عاما.
لا يختلف إثنان في أن الولايات المتحدة الأمريكية، قد وجهت بالتحالف مع الغرب ضربة قاضية لمصداقية الأمم المتحدة وهددت استمرار وجودها ذاته، كما هدمت كل تراث المجتمع الدولي من المبادئ والقواعد التي قام عليها القانون الدولي والتي اعتمدها ميثاق الامم المتحدة بغزوها الفاضح لأفغانستان وللعراق وتأييدها المطلق للجرائم الإسرائيلية وانسياقها التام في تناول القضايا الدولية لرؤية أحادية ضربة شديدة الظلم للآخر ووقوعها في فوبيا الحرب ضد الإرهاب، وتسخير الأمم المتحدة في تنفيذ السياسة الأمريكية الغربية في معظم المسائل الخاصة بحفظ الأمن والسلم الدوليين.
وقد اثار ذلك جدلا واسعا في الأوساط القانونية والسياسية على مستوى العالم كله تراوح بين المناداة بالإنسحاب من المنظمة الدولية ومن ثم إلغائها، وبين المناداة بإصلاحها وإدخال التعديلات المناسبة على ميثاقها لتعديل مسارها وإخراجها من دائرة نفوذ أمريكا أو أي دولة كبرى أخرى . ولا يتسع المجال في هذه العجالة لأن نعرض لأصول نشأة التنظيم الدولي في المجتمع الدولي المعاصر وجوانب عدم مشروعية الحروب الظالمة والعدوانية التي قامت بها أمريكا خاصة على أفغانستان والعراق . نترك ذلك كله لنناقش مدى إمكانية تطوير ميثاق الأمم المتحدة لنجعله أكثر ملاءمة لخدمة المجتمع الدولي ككل مع إيجاد توازن عادل بين مصالح الدول الكبرى وبين حمـاية حقوق الدول الصغرى والنامية وحماية أمنها وإحترام سيادتها ووحدتها الإقليمية .
وقبيل انتهاء الحرب العالمية وبعدها تواصلت اجتماعات الحلفاء للنظر في اقامة نظام أمن جماعي دولي، وتبلورت الفكرة عند المجتمعين في دومبارتون أوكس ويالتا الى ضرورة قيام الدول الكبرى بدور مسيطر والى أن مشاركة الدول الصغيرة التنظيم ستكون في اطار Innocuous debating organ مع ضرورة اجماع الدول الكبرى على ان أي عمل من اعمال حفظ الامن والسلم الدولي، وعلى هذا الاساس عقد مؤتمر سان فرانسيسكو في 25 نيسان/ابريل 1945 وحضرته 45 دولة هي الدول المؤسسة للامم المتحدة.
وهكذا نشأت الامم المتحدة كوليد ضعيف نتيجة اصرار الدول الكبرى على الاستقلال بمسؤولية الحفاظ على الامن الدولي بمعنى احتكارها لاستخدام القوة في الوقت الذي ضمنت فيه ميثاقها الكثير من المبادئ التي طالما تعنى بها المثاليون من دعاة ارساء المجتمع الدولي على اساس تلك المبادئ. غير انه في التطبيق العملي لم تجد بعض نصوص الميثاق طريقها الى التطبيق (المادة 27/3) الخاصة بعدم طرح المسائل الإجرائية والمادة 43 التي تسمح بتكوين قوات دولية توضع تحت تصرف الأمم المتحدة كما ان القوى الكبرى أساءت استخدام السلطات التي خولها لها الميثاق وعلى الأخص حق الاعتراض فأسرف الاتحاد السوفييتي في السابق تارة والولايات المتحدة والغرب تارة اخرى في استخدام هذا الحق لحساب مصالحه ولعرقلة خطط القوى الاخرى في الالتفاف من حوله، فقد وضع الميثاق حق الفيتو وخصت به عددا معينا من الدول الكبرى من واقع تحمل هذه الدول المسؤولية الكبرى في الحفاظ على السلم والأمن الدولي. وتحدث الكثيرون في مؤتمر سان فرانسيسكو الذي اقر ميثاق عن انه من المفترض ان يستخدم حق الاعتراض لا عرقلة اعمال مجلس الامن غير ان القوى الكبرى قد أساءت استخدام هذا الحق. وترتب على ذلك ما شهده المجتمع الدولي من تضاؤل دور مجلس الامن في فترة الحرب البادرة، ثم خضوعه بشكل يكاد يكون كاملا لسياسة الولايات المتحدة بعد اختفاء الاتحاد السوفييتي فأسرفت هي الأخرى في استخدام حق الفيتو حتى ولو كان ذلك يتعارض مع توفر الإجماع بين جميع الأعضاء الآخرين في المجلس. وإزاء الشلل الذي أصاب مجلس الأمن في فترة الحرب الباردة لجأت دول التحالف الغربي بقيادة وموافقة الولايات المتحدة الى تقوية دور الجمعية العامة ودفعها الى اصدار قرارات هي من صميم اختصاص مجلس الامن وبدأ ذلك في مرحلة مبكرة عندما استصدرت دول التحالف الغربي قرارا من الجمعية العامة باستمرار ترجفي لي في عمله كسكرتير عام للامم المتحدة، بل انها قامت بعمل من اعمال القمع الورادة في الفصل السابع من ميثاق الامم والتي يختص بمجلس الامن باصدار القرارات الخاصة بها بناء على قرار شهير للجمعية العامة وهو قرار الاتحاد من اجل الســـلم الذي أصدرته في 30 تشرين الثاني/نوفمبر 1950 (377{7})بعد ان استخدم الاتحاد السوفييتي السابق حقه في الاعتراض لإحباط أي تدخل غربي في كوريا.
سلطات وصلاحيات الجمعية العام:وقد وضع ميثاق الأمم المتحدة الجمعية العامة فوق جميع فروع الأمم المتحدة بما فيها مجلس الأمن فأعطاها في المادة العاشرة سلطات غير محدودة للتطرق لبحث أي موضوع وإصدار أي توصيات بشأنه مع قيد واحد فقط هو عدم مناقشة المسائل التي ينظرها مجلس الأمن والمتعلقة بحفظ السلم والأمن الدوليين، وأوجب الميثاق في مادته الخامسة عشرة على جميع فروع المنظمة بما فيها مجلس الأمن، ولها بموجب المادة 17 سلطة إعداد ميزانيتها وإقرارها كما أن من سلطتها وفقا للمادة 22 أن تنشئ فروعا جديدة، وتستطيع أن تصدر قرارات في المسائل الهامة (حفظ السلم والأمن الدوليين) باغلبية الثلثين. وبرزت في تأييد سلطات الجمعية العامة ليس فقط في اطار حفظ الامن والسلم الدوليين بل في كل شؤون الامم المتحدة الكثير من الجهود الفقهية الليبرالية التي لجأت الى التوسع في تفسير المواد 10و11و12 بما يشير الى ان الميثاق قد منح الجمعية العامة نوعا من المسؤولية في حفظ السلم والامن الدولي طالما عجز مجلس الامن عن اصدار قراراته بسبب سوء استخدام حق الاعتراض، وجاء بعد ذلك حكم محكمة العدل الدولية الشهير في قضية التعويضات الذي اشار الى وجود سلطات ضمنية لضمان الفاعلية على اعتبار انه وفقا للقانون الدولي فان المنظمة الدولية لا بد من الاعتراف لها بسلطات معينة ولو لم ترد في وثيقة انشائها اذا ما كانت هذه السلطات لازمة لقيامها بواجباتها وقد شهدنا ما يؤيد ذلك في بزوغ انشطة جديدة لم ينص عليها الميثاق مثل عمليات حفظ السلام.
وبعد ان كانت الولايات المتحدة تؤيد اعطاء سلطات مجلس الامن الى الجمعية العامة لتفادي الفيتو السوفييتي عادت بعد اختفاء الاتحاد السوفييتي الى استبعاد حق الجمعية العامة في ذلك لما اتيح لها من سهولة استخدام مجلس الامن في اصدار قرارات خارج صلاحياته التي قررها الميثاق هادفة بذلك أن تحقق تلك القرارات الباطلة مصالحها الذاتية وليس بالضرورة مصالح المجتمع الدولي. مجلس إلأمن يتحول إلى مجلس إدارة العالم :ويمكن القول ان وظيفة مجلس الأمن المنصوص عليها في الميثاق ومسؤوليته في حفظ السلم والأمن الدوليين قد تضاءلت لتحل محلها قيامه بدور العصا الغليظة التي يلوح بها للدول الصغيرة والفقيرة تحقيقا لمصالح الدول دائمة العضوية بزعامة أمريكا وتحريض اوروبا الغربية بحيث اصبح المجلس اشبه ما يكون بمجلس إدارة العالم بحيث يعطي لنفسه التدخل في اي شأن داخلي أو خارجي في اي دولة دون سند صحيح من القانون في إساءة بالغة الخطورة لأحكام الفصل السابع من الميثاق بعد التوسع المجحف في تفسيره . إصلاح الأمم المتحدة :فشلت كل مزاعم الإصلاح التي قدمتها الدول الكبرى من خلال الأمين العام ونرى أنه لا يمكن التفكير في إدخال إصلاحات على الأمم المتحدة دون إيجاد آليات ووسائل للحد من الهيمنة الأمريكية الجائرة ودون التحسب لعدم تكرار هذه الهيمنة من اي دولة كبرى في المستقبل، وتكمن الصعوبة الأساسية في اي إصلاح في أن تعديل الميثاق يجب أن يحظى بموافقة الأعضاء الخمس الدائمين بمعنى أن أي دولة منها تستطيع إلغاء أي قرار بتعديل الميثاق إذا إستخدمت حق الفيتو ضده .
وفي تقديرنا أن هذا العمل سيواجه صعوبات قد تضعه في مصاف المستحيل نظرا لما يتوقع من ضغوط شديدة تمارسها القوى الكبري ضد الدول الصغيرة والنامية والفقيرة، غير أنه في كل الأحوال يظل ممكنا طالما بقي التسلط الأمريكي الأوروبي وطالما أحست الشعوب بالظلم والغبن وعلى ضوء ما تتمتع به كتلة دول العالم الثالث من اغلبية في الجمعية العامة ويمكن العمل هنا على مرحلتين: المرحلة الأولى: وتتمثل في تفعيل دور الجمعية العامة تحت قرار الإتحاد من أجل السلم السابق الإشارة اليه، وقرارات أخرى تحت المفهوم المستقر الذي سبق أن اشرنا إليه من أن الجمعية العامة هي الفرع الرئيسي الذي تخضع له كافة الفروع الأخرى، وعليه يمكن عرض الأمر على مجلس الأمن للمناقشة ثم استدراج فيتو أمريكي يتم على ضوئه صدور قرار إجرائي بتسعة أصوات لا يجوز استخدام الفيتو ضده بإحالة الأمر للجمعية العامة التي يمكن أن تصدر قرارات ملزمة بحكم إختصاصها العام وقرار الإتحاد من أجل السلم :
' عقد دورة طارئة لها في المقر الأوروبي في جنيف، واستمرار إنعقاد إجتماعاتها وكل أجهزتها وفروعها في جنيف، ونقا أمانتها العامة الى جنيف أيضا. ' العمل على تعديل الميثاق وخاصة ما يتعلق بإعادة تشكيل مجلس الأمن وإلغاء أو تطوير حق الفيتو وتقليص سلطاته .. ' تجريم ومنع التدخل العسكري خارج نطاق الميثاق والاسراع بتشكيل لجنة أركان الحرب والفصائل التي تخصصها الدول للقوة الدولية كما فصلها الفصل السابع والعدول عن تشكيل ما يسمى بالقوة المتعددة الجنسيات وعدم منحها أي غطاء من الأمم المتحدة. ' تعريف دقيق شامل مانع للعدوان ومراعاة التزام الدول المعتدية بتعويض الدول المعتدي عليها عن خسائرها البشرية والمادية نتيجة للعدوان. ' ترصين ما يسمى بالحرب على الإرهاب وتعريف دقيق للإرهاب وملاحــقته وفقا للمبادئ الميثاق ومنع التصرف الأحادي في هذا المجال.
المرحلة الثانية: الدعوة إلى مؤتمر دبلوماسي للنظر في تعديل الميثاق.
ويتم فيها دراسة التعديلات التي يمكن إدخالها على نظام الأمم المتحدة، والتي تحتفظ للقوى الكبرى بنصيب معقول في حفظ مصالحها وفي الإسهام في حفظ السلم والأمن الدوليين دون هيمنة أي منها على الآخرين، في الوقت الذي تدخل فيه المزيد من الديمقراطية التي تمكن الدول الصغرى والنامية من التعبير عن آرائها وحفظ حقوقها .
ويمكن هنا تفادي الفيتو الأمريكي بأن تتم الدعوة إلى مؤتمر دبلوماسي لتعديل الميثاق، وهنا تسري القاعدة العامة التي قننتها إتفاقية فيينا لقانون المعاهدات، بأنه في المعاهدات المتعددة الأطراف، فإن الدول التي تصدق على التعديلات تلتزم بها فيما بينها، بينما تبقى الدول الرافضة للتعديلات ملتزمة بالنص الأصلي، وهنا ستكون لدينا منظمتان للأمم المتحدة، الأولي وتضم أمريكا وقليلا من الدول تطبق الميثاق الحالي، والثانية وتضم بقية دول العالم بما فيها دول كبرى مثل الصين وروسيا وفرنسا وكندا والبرازيل والهند وأندونيسيا وربما اليابان وجنوب إفريقيا ونيجيريا ومصر وغيرها. ويمكن أن تشمل التعديلات توسيع العضوية الدائمة في مجلس الأمن وزيادة أعضائه وتحديث آليات إستخدام القوة وترشيدها بحيث لا تقع تحت هيمنة دولة واحدة أو دول قليلة، بالإضافة الى تعديلات هامة أخرى تضمنتها مضابط لجنة الأمم المتحدة لتعديل الميثاق التي تجتمع سنويا في إطار اللجنة السادسة للجمعية العامة، والتي تناقش التعيلات المقترحة وفقا لما نص عليه الميثاق من ضرورة مراجعة نصوصه دوريا .
ولسنا نقلل من الصعوبات الجوهرية التي يمكن أن تواجه هذا الإتجاه لتعديل الميثاق، غير أنه يبقى ممكنا طالما توافرت إرادة بعض الدول الدائمة مثل روسيا والصين، خاصة وأن هناك توافقا مؤكدا لهذا الإتجاه بين الدول العربية ودول عدم الإنحياز والإتحاد الإفريقي ومنظمة المؤتمر الإسلامي وربما منظمة الدول الأمريكية (باستثناء الولايات المتحدة )، كما أن هذا التعديل تمليه تطورات العلاقات الدولية ومستقبلها في الألفية الثالثة .

ليست هناك تعليقات: