الأربعاء، سبتمبر 02، 2009

الاعتدال وتحمل المسئولية

رصد "تقرير واشنطن" تبني إدارة الرئيس باراك أوباما سياسة مغايرة لسياسة إدارة سلفه جورج بوش تجاه الحركات الإسلامية التي فازت في انتخابات ديمقراطية بشهادة منظمات دولية أمريكية وغربية، ومن بينها جماعة "الإخوان المسلمين" في مصر، التي حصلت على 88 مقعدًا في البرلمان خلال الانتخابات التشريعية التي جرت في أواخر العام 2005.
ولاحظ التقرير أن خطاب أوباما من القاهرة في الرابع من يونيو حمل تغيرًا في الموقف الأمريكي تجاه الحركات الإسلامية عمومًا، حيث يشير إلى اعتراف أمريكي بنتائج الانتخابات الديمقراطية التي تفوز فيها، لكن سياسة الرئيس الأمريكي تجاه تلك الحركات التي فازت في انتخابات ديمقراطية وكما يؤكد التقرير مقرونة بإعلانها التخلي عن العنف كأحد أدواتها السياسية، والالتزام بمبادئ العملية الديمقراطية.
فبحسب التقرير، حمل خطاب أوباما انفتاحًا أمريكيًّا على جماعة "الإخوان المسلمين" التي كان عدد من أعضائها بين حضور الخطاب، حيث حملت كلماته طمأنة للجماعة بأن "الولايات المتحدة سترحب بكل الحكومات التي تنتخب ديمقراطيًّا وبطريقة سلمية"، وهو انفتاح يتناقض مع سياسة إدارة بوش الابن التي قلصت دعم برامج الديمقراطية بعد فوز "الإخوان" في الانتخابات التشريعية، فقد تناقص تمويل المجتمع المدني من 50 مليون دولار إلى 20 مليون دولار في ميزانيتها السابقة.
لكنه مع ذلك، استبعد أن يضع الرئيس الأمريكي كل ثقله وراء الديمقراطية في مصر ما دامت الانقسامات في الفكر السياسي مستمرة حتى اليوم داخل جماعة "الإخوان"، ففي الوقت الذي يلحظ فيه أن الكتلة البرلمانية للإخوان تعطي أولوية للمصالح المصرية على أهداف حركات المقاومة الدولية، واعتبار نفسها لاعبًا شرعيًّا في الحياة السياسية المصرية، إلا أنه في المقابل يصف مكتب الإرشاد بالجماعة بأنه يعد تعبيرًا صارخًا عن الجماعات والمنظمات الراديكالية بالشرق الأوسط التي تكرس جهودها لتعطيل عملية السلام في المنطقة وتبني نهج المواجهة الأبدية، على حد قول التقرير.
وفي هذا الإطار، نفل التقرير عن المرشد العام لجماعة "الإخوان" محمد مهدي عاكف، القول، إن "هناك أجندتين في المنطقة، الأولى تعمل على حماية المقاومة وتعزيز انتصارها على العدو الصهيوني، والأخرى معنية فقط باسترضاء الأمريكيين والصهاينة".
ويرى الدكتور عمرو حمزاوي الباحث بمؤسسة "كارنيجي" للسلام الدولي أن هذا الفصل من "منطق المواجهة الأبدية"، ويضحي بالأمن القومي المصري وسيادته من أجل دعم الحركات والمنظمات الراديكالية النشطة بمنطقة الشرق الأوسط خارج حدود مصر مثل "حزب الله" اللبناني.
وأكد التقرير أن هدف أوباما من كلماته في خطابه بالقاهرة دفع العناصر الراديكاليين وغير البرلمانية من جماعة "الإخوان" إلى الاعتدال وتحمل المسئولية التي تتحملها الكتلة البرلمانية للإخوان من خلال الانفتاح الأمريكي على الجماعة.
غير أن سياسات أوباما للانفتاح على "الإخوان"، وكما يقول التقرير تحمل في طياتها مخاطرة، لأن الجماعة لم توضح موقفها حيال عديد من القضايا الحاسمة، مشيرًا إلى تساؤلات عدد من الخبراء السياسيين حول ما إذا كانت الحركة ستحترم المعاهدات السابقة مثل اتفاقية كامب ديفيد الموقعة مع إسرائيل عام 1979، وهل ستتسامح مع المعارضة السياسية والأقليات، واحترام المرأة، وإعلاء سيادة القانون؟
وأضاف التقرير: كانت كلمات أوباما في خطابة بالقاهرة مجرد خطوة أولى، وإذا كانت الجماعة تريد دعمًا أمريكيًّا أبعد من الدعم الخطابي بتقويض العلاقات الأمريكية مع نظام مبارك الذي ترى فيه الجماعة أنه "استبدادي"، فإن عليها الإعلان عن تأييدها لهدف أوباما للاستقرار الدولي، والتعبير عن المثل الديمقراطية التي يدعو إليها الرئيس الأمريكي.

ليست هناك تعليقات:

تشريح "صراع الكارتيلات": المال، الإعلام، ومعارك الهوية في مخاض الثورة هذه الوثيقة الأرشيفية، المكتوبة في أواخر عام 2011، تنبش في واحد من أعقد ملفات الثورة المصرية وأكثرها حساسية: تحالف رأس المال الاحتكاري مع الإعلام لتوجيه مسار السياسة، والمعركة الشرسة التي دارت كواليسها بين القوى الصاعدة (الإسلامية والثورية) وبين طبقة الأوليغارشية (رجال الأعمال) التي شكلت العمود الفقري المالي لعصر مبارك. المنشور يفكك بوضوح كيف رأى الشارع الثوري في ذلك الوقت تحركات الملياردير نجيب ساويرس، ويعكس طبيعة "معارك تكسير العظام" عبر ثلاثة محاور رئيسية: 1. "هندسة الهبوط الآمن" وركوب موجة الثورة لجنة الحكماء كجسر إنقاذ: يشير النص إلى لجوء ساويرس لتأسيس "لجنة الحكماء" إبان أيام ميدان التحرير الأولى. القراءة السياسية لهذه الخطوة ترى أنها كانت محاولة ذكية من طبقة كبار رجال الأعمال لخلق "خط دفاع ثالث"؛ لمنع الانهيار الكامل لركائز الدولة العميقة، وطرح حلول وسطى تحمي مصالحهم الاقتصادية الضخمة من أي سيناريو ثوري راديكالي قد يطيح بامتيازاتهم. 2. حرب المنصات وتأجيج الاستقطاب الهوياتي الإعلام كخندق قتالي: ينتقد النص بشدة الإمبراطورية الإعلامية لساويرس (التي ضمت حينها قنوات وصحفاً مؤثرة). في عام 2011، تحول الإعلام من أداة لنقل الخبر إلى سلاح استراتيجي لإدارة المعركة؛ حيث رأى التيار الإسلامي والثوري المحافظ أن هذه المنصات تُدار بعقيدة "الإسلاموفوبيا" و"الإخوانوفوبيا" لشحن الطبقة الوسطى والاقليات ضد الصعود السياسي للتيار الإسلامي، وهو الاستقطاب الذي مهد الأرض تماماً لأحداث منتصف 2013. سقوط أقنعة الدبلوماسية: الإشارة إلى الألفاظ الحادة لساويرس في باريس أو تصريحاته العنيفة تعكس سيكولوجية "رأس المال المذعور"؛ فحين تشعر الطبقة الاحتكارية بتهديد وجودي لمصالحها، تسقط اللغة الدبلوماسية المرنة وتظهر لغة القوة الخشنة والعداء الصريح. 3. الحصانة الانتقائية وفزاعة "الانهيار الاقتصادي" من يحمي لصوص النظام؟ يتساءل النص عن سبب استثناء نجيب ساويرس من المحاسبة رغم ملاحقة شقيقه سميح من قِبل النائب العام آنذاك (عبد المجيد محمود). الإجابة تكمن في "قواعد اللعبة بين العسكر والمال"؛ فالقائمون على المرحلة الانتقالية (المجلس العسكري) كانوا يدركون أن المساس برأس عائلة ساويرس يعني هروب مليارات الدولارات من السوق، وتوقف كبرى شركات المقاولات والاتصالات، مما سيؤدي لشرخ اقتصادي لا تتحمله السلطة، فضلاً عن شبكة العلاقات الدولية والنفوذ الغربي المباشر الذي كان يتمتع به ساويرس كحليف استراتيجي ضد قوى الإسلام السياسي. 🔄 حرق الأوراق: نموذج البرادعي اللفتة الذكية في النص هي الإشارة إلى علاقة ساويرس بالدكتور محمد البرادعي (المدح ثم الحرق). هذه ديناميكية متكررة في عالم السياسة؛ حيث يتم استخدام الرموز الليبرالية الدولية كـ "واجهة مدنية مقبولة" لمواجهة الخصوم، وبمجرد انتهاء صلاحية الدور أو محاولة تلك الرموز اتخاذ مسار مستقل بعيداً عن إملاءات كارتيلات المال والأمن، يتم سحب الغطاء الإعلامي والمالي عنها وتركها للاحتراق السياسي. أستاذ سالم، بالنظر إلى هذا التحليل الدقيق الذي كتبته عام 2011 حول نفوذ ساويرس وحصانته؛ كيف تقرأ مشهده اليوم في ظل النظام الحالي؟ هل تعتقد أن 'كارتيل المال القديم' (آل ساويرس) نجح في الحفاظ على استقلاليته ونفوذه الدولي عبر المناورة، أم أن تغول الاقتصاد العسكري المباشر قد أجبرهم في النهاية على الخضوع ومشاركة الغنيمة مع الميليشيات السيادية الجديدة؟

  تشريح "صراع الكارتيلات": المال، الإعلام، ومعارك الهوية في مخاض الثورة هذه الوثيقة الأرشيفية، المكتوبة في أواخر عام 2011، تنبش في...