الأحد، سبتمبر 27، 2009

رضيت بالله رباًبنو أميةانتهى ملكهم سنة (132هـ)

الميلاد الأول لنوح :
في تاريخ الحضارات وقادتها الأنبياء (عليهم السلام) ميلادان : الأول والثاني ...
ـ إن هؤلاء الأئمة للحضارة الحقة "الأنبياء" هم الذين اصطفاهم الله ليخرجوا البشرية في كل طور من أطوار التاريخ (بالوحي ثم بالعقل) من الوثنيات إلى التوحيد، ومن الجهل إلى العلم بالدنيا والآخرة !!
وفي تاريخ هؤلاء القادة المصطفين تنقسم حياة البشر أقساماً متتابعة ، كل قسم منها يمثل نقلة جديدة في الزمان والمكان والأفكار والمسئوليات !!
ومع أن (الأب الثاني للبشرية) الرسول (نوح عليه السلام) عاش ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعو قومه إلى الإسلام إلا أنه ما آمن معه من قومه إلا قليل !!
ومن ثم أمره الله سبحانه وتعالى بعبور هذه المرحلة ... مرحلة (الميلاد الأول) لنوح في أرضه القديمة .
وقد جاء الطوفان لأن هذه الأرض صارت نجسة ، ويجب أن تطهر بالطوفان ؛ بعد أن حملت بنْيتها وبنية من عليها بذور الفساد الذي لا إصلاح له، فَبَنى نوح
ـ عليه السلام ـ سفينته التي كانت مرحلة جديدة في استخدام العلوم لتسخير الكون ، وركوب البحر بوحي من الله؛ بطريقة يعجز البشر الأشقياء ، عبدة العقل والمادة أن يصلوا إلى شيء قريب منها ، فضلاً عن فقهها والإيمان بسنتها وغاياتها ؛ لأنهم عبيد النسبية والأرضية !!
ركب النبي نوح عليه السلام البحرـ بدون أية خطة ولا أية معرفة ـ ولكن هذه هي عناية القدرة الإلهية مع كل الأنبياء .

الميلاد الثاني لنوح :
ومضت السفينة ـ على بركة الله ـ في طريق (الميلاد الثاني) إلى أرض جديدة قابلة لبذور الإيمان بعد أن استوت السفينة على الجودي ... وقيل بعداً للقوم الظالمين .
وكانت السفينة التي تمخر عباب البحر مؤشراً للمؤمنين على أن الوحي هو القائد الحقيقي للحضارة والعقل، ومؤشراً على أن أي طريق آخر يفتقد قيادة الوحي محكوم عليه بالموت، وبدأت البشرية بعد (الاستواء على الجودي) تدخل بقيادة نوح النبي الموحى إليه وقائد السفينة الماضية بوحي الله ـ إلى عالمها الجديد (الميلاد الثاني) بقيادة الوحي ـ أولاًـ والعلم والعقل الصحيحين أخيراً .
إبراهيم أبو الأنبياء بين ميلاديه الأول والثاني :
الميلاد الأول لإبراهيم :
ليس لنا أن نتوقع أن نصل إلى يقين أو شبه يقين في التاريخ الذي ظهر فيه إبراهيم خليل الرحمن.
ليس لأن ذلك مضت عليه أربعة آلاف من السنين، بل لأن ذلك فوق طاقة كل البشر، وهو من علم الله وحده... وقد غرق في المستنقع هؤلاء الذين حاولوا عن طريق تاريخ الآثار أو علم السلالات والأجناس البدائية (الأنثربولوجيا)، أن يصلوا إلى شيء من الحقائق في هذا التاريخ البعيد حتى ولو استعانوا بما يسمى العهد القديم!!
وأياًما كان الأمر فإن خليل الرحمن قد نشأ قبل ألفى سنة من ميلاد المسيح
عليه السلام ـ وأنه نشأ ـ ليس كما تقول بعض كتب التفسير التي احتشدت بالأساطير وزعمت أنه ظهر بالشام ـ بل ظهر بالعراق بين أهل يسمّون (فران أران) وهذا نقلته التوراة عن السابقين. وورد أيضا في (إنجيل برنابا) في بلدة (أور الكلدانية)، وتقع الآن ـ كما يقولون ـ بأرض العراق المحتل (أعاده الله للإسلام ، وقضى على القوة الصهيونية الصليبية المحتلة) بين نهري دجلة والفرات ، في الجنوب (أرض السواد) ..
كانت البشرية يحفها الظلام الوثني ، وحاولت قوة الظلام في (أور) أن تحرق إبراهيم بالنار ؛ فقال الله للنار : "كوني برداً وسلاماً على إبراهيم" ؛ فكانت عليه برداً وسلاماً !!
ـ وكان لابد أن يخرج إبراهيم، فخرج هو ورهط معه بدون خرائط جغرافية يعبر آلاف الكيلومترات في الصحراء التي لا يعرف عن معالمها أو طرقها شيئاً ، والتي لا زرع فيها ولا ماء ؛ معتمداً على العناية الإلهية ... وهذا الرهط مكون من أحرار ثلاثة هم : إبراهيم خليل الرحمن ، وزوجته المجاهدة سارة ، وابن أخيه لوط ـ عليه السلام ـ بالإضافة إلى بعض الرقيق الذين لا نعرف عددهم .
ـ ولْيقل لنا أهل العلم والعقل الآن :
ـ كيف عَبَر إبراهيم الذي لا يملك أدنى وسائل المواصلات هذه الأراضي، وليس هناك إلا الجمال والخيول .. "والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق ما لا تعلمون" ؟
وكيف عبر إبراهيم مرحلة (الميلاد الأول) إلى مرحلة (الميلاد الثاني) ، عبر طرق غير معروفة ، وكل علمه أنه يهتدي بالنجوم ؛ حتى يصل إلى الشام ومصر لينشر عقيدة التوحيد وقواعد انطلاق حضارة الإسلام؟
ـ وليقل لنا هؤلاء العلماء العقلانيون اليوم من خلال علمهم المعاصر :
ـ أي تفسير علمي أو عقلي لهذه الرحلة ؟
ـ وأي تفسير لقصة هاجر ـ زوجة إبراهيم ـ وطفلها الوحيد (إسماعيل) ؟ حينما تركهما إبراهيم وحدهما في صحراء جرداء ؛ لا زرع فيها ولا ماء، ليبعث الله من جديد (بالمرأة والطفل) الوحيدين ، عقيدة التوحيد مرة ثانية، وليصنع وحي الله ـ بالعقل الملتزم ـ أعظم حضارة ومدنيّة عرفها التاريخ في تلك البقعة التي ستصبح أشهر مدينة في العالم (مكة المكرمة) .
(الميلاد الثاني لإبراهيم) :
ومن عجب أن تبدأ نواة (الميلاد الثاني) في هذا المكان بإرادة إلهية بواسطة أم وطفل بعد أن أتى بهما (أبو الأنبياء) بوحي ، دون امتلاك أية وسائل للحياة حتى الماء؟
ـ إنها الأوامر الإلهية التي يصعب أن تدرك حقائقها العقول الغرائزية الحيوانية ؛ وإنها هي التي صنعت التاريخ الإنساني والعقلي والإبداعي ؛ لكل مراحل التاريخ ؛ بالطبع دون إغفال لدور (العقل الإنساني) الرباني الملتزم ..!!
ـ هذه المرأة الضعيفة المسكينة التي تركها خليل الرحمن بأرض جدباء؛ لا زرع فيها ولا ماء ، سيكون ابنها الرضيع (إسماعيل) إمام الحضارة الربانية التي ترجع إلى إمامها (خليل الرحمن) وتنبثق عنه.
ـ وفي هذا المكان الذي اصطفاه الله سترفع قواعد أعظم بيوت التوحيد في الأرض (الكعبة المشرفة) ، فقد بَنَى الله ـ هنا ـ أعظم مسجد في الدنيا للتوحيد (المسجد الحرام) وبه الكعبة التي ستكون (قبلة المسلمين) في الدنيا كلها (القبلة الواحدة) ، وستولد مكة ، وتظهر على مسرح التاريخ الإنساني في القرن السادس الميلادي ، وبالضبط بعد ميلاد الرسول ، أي عام الفيل سنة (571م) ثم في بعثته عام (610م) ، وهو ما يمثل تحولاً جديداً في التاريخ الإيماني.
ولنا أن نقول هنا لعبدة العقل:
ـ ألا سحقاً للمجانين الذين يكفرون بالله مالك الملك ، العليم الخبير المحيط القادر ؛ الذي يقول للشيء كن فيكون، ويؤمنون بهذا العقل النسبي المحدود الذي لا يساوي أي شيء ، عندما لا يكون تابعاً للوحي الكريم .. إنه هو العقل المهلك للإنسانية مهما توافرت له الوسائل !!
ـ وقد مرَّ هذا الرهط الكريم ـ إبراهيم ، وسارة زوجة إبراهيم ، ولوط ابن أخيه ، والرقيق ـ ببلاد : مصر، واستقر بالشام ، وبالتحديد فلسطين .
* وهنا تنتهي المعالم الكبرى للميلاد الثاني لقصة خليل الرحمن ، إبراهيم ـ عليه السلام ـ .
يوسف (عليه السلام)
(الميلاد الأول):
وصعدت روح إبراهيم إلى الله، وخلفه إسماعيل ثم إسحاق، وخلف إسحاق يعقوب، وخلف يعقوب يوسف عليه السلام.
ولا نزعم أن التجربة التي تمثلها مرحلة يوسف تقترب ـ إلا قليلا ـ من المرحلتين السابقتين في غزارتها إلا أن دروسها أقرب إلينا؛ لأنها دروس مهدت وحدها الطريق بظهور الكليم موسى عليه السلام في صوت أعمق وأعظم.. إلا أنه التدرج الزمني والانتقاء النوعي لاستخلاص الدروس والعبر الذي يفرض علينا أن نشير إلى الآباء والأبناء والأحفاد في سلسلة النسب النبوي عليهم الصلاة والسلام.. كان يعقوب والد يوسف يقيم في منطقة أبيه وجده في فلسطين في الشام، ورزق الله يعقوب أبناء كثيرين من أربع نسوة.. وكان يوسف وبنيامين من أم واحدة.. وكعادة الأحقاد اليهودية التي يقتل بعضها بعضاً في سبيل أوهن الأشياء مضحين بأعز العلاقات حتى بعلاقات الآباء والأخوة والأبناء.. وأيضاً.. وفاقاً لقوانين الفطرة أظهر يعقوب عطفه وحبه أكثر لولده الصغير يوسف عليه السلام، وكان هذا كافياً لتحريك النار الشيطانية الرابضة في قلب بنى إسرائيل بينهم وبين كل الناس دون تقدير لحقوق الأبوة أو الأخوة أو الدين. *ومن هنا قرر هؤلاء الأخوة الأعداء أن يقتلوا يوسف بعد خداع أبيهم، وأخذوه إلى الصحراء وزعموا أن الذئب (البريء) قتله بأدب شديد، لأنه لم يترك على قميصه نقطة دم واحدة ثم رموه في الجب حيث انتشل ليباع عبداً ، ويصل هذا العبد (يوسف النبي ابن النبي والكريم ابن الكريم) إلى بيت عزيز مصر عبداً وخادماً. *ويشبّ يوسف ويصبح أفضل الخدم والعبيد، ويحبه سيده ويعطيه رئاسة الخدم.
ومع بداية شبابه ظهر جماله الذي لا مثيل له، وكماله وسمته الإيماني، وأعجبت به زوجة العزيز، وراودته عن نفسه، ولكنه اعتصم وأبى فاتهمته زوراً، ونجحت بضغطها القوى على القوانين وعلى زوجها (كسيدة ثانية لمصر) في إدخاله السجن. وبعد سنوات عدة اكتشفت الحقيقة على يد سجين سابق كان عبداً أخطأ وعوقب بالسجن من الملك الهكسوسى، ورأى رؤيا وفسرها له يوسف فكانت كفلق الصبح.. وبعد سنوات تذكر هذا السجين السابق يوسف عندما رأى هذا الملك الهكسوسى رؤيا حار فيها الكهان والوثنيون، ففسرها يوسف تفسيراً حقيقياً وإيمانيا فطلبه العزيز لنفسه وقال: ائتوني به، فقال يوسف: لن أخرج إلا بعد ظهور براءتي ... واعترفت امرأة العزيز على نفسها أنها التي راودته عن نفسه واعترف النسوة بالأمر وباعترافها أمامهن.. وهنا قبل يوسف أن يخرج... وهذه دروس لجميع الناس الشرفاء، فليس الشرط أن تكون في سجن أو في غيره، بل الشرط أن تكون في الحياة مكرماً معززاً لا ينال من عرضك أحد..!! (الميلاد الثاني):
لم يترك لنا القرآن شيئاً للحديث عن هذا الميلاد الثاني لنبي الله يوسف لاسيما في ميلاده الثاني أو طوره الثاني عندما خرج بعد رحلة عذاب وهوان كبيرين من السجن ليكون الرجل الثاني شكلياً والأول حقيقياً في مصر.
وهنا نتساءل سؤالاً نخشى أن يكون قد غاب عن كثير جداً من المفسرين والمؤرخين في عصرنا الحديث. فضلاً أن يكون قد خطر على بال واحد من هذه الحيوانات المجنونة التي تحمل شهادات السوريون وجامعات مصر...هذا التساؤل هو: -هذا الطفل المخطوف من بيت والده الملقى في الجب والخادم في قصر العزيز والسجين في سجن الملك الهكسوسي وليس الفرعوني كما يزعم العهد القديم ؛ فلعدة قرون حكم الهكسوس الوافدون مصر وتسموا (بالملوك) ولم يتسموا بالفراعنة ؛ لأن مصطلح "فرعون" مختص بمصر وبملوكها وحكامها (أشباه الآلهة) في القديم والحديث؛ وحتى اليوم فما تزال تتألق صور الوثنية الفرعونية !!!
وكان هذا الإنسان (النبي العظيم) الخارج من السجن (يوسف عليه السلام) لا يحمل إلا مؤهلات الخدمة ـ مع الرق في بيت عزيز مصر ، ثم السجن والخلوة والتفكير في الله ؛ مع تذكر ماضيه القديم حينما كان يعيش في بيت نبي الله يعقوب وهو طفل وشبه فتى !!
ـ لكنه لا يحمل أية مؤهلات في مجالات الدراسات المتعمقة أو غير المتعمقة مثل : الاقتصاد ، والمحاسبة ، وفنون السياسة والحكم، والإحصاء ، والزراعة ، والرعي ، والاجتماع وغير ذلك ؛ مما يعرفه العصر الحديث ، والذي يعجز كل واحد فيه من المتخصصين عن تطبيق تخصصه في مجاله الضيق .
ـ وكانت مؤهلات (يوسف) إشعاعات مباشرة من الوحي الإلهي ؛ أي من الله الذي يعلم كل شيء ، والذي يعلمنا مفتاح طلب العلم الحقيقي بقوله : "واتقوا الله ويعلمكم الله"، والذي يملك مفاتيح الغيب ، ويعلم ما خلق ومن خلق وهو اللطيف الخبير.
ـ أما تلك العلوم الغرائزية النسبية ، البعيدة عن الوحي ، التي تبنى (مادياً) ، وتهدم كثيراًَ في كل شيء، وعلى رأس ما تهدم (المعالم الكبرى للحياة) ، تلك التي لا يمكن أن تكون الحياة إنسانية متقدمة تقدماً حقيقياً إلا بها.
ـ إنها بإيجاز (معالم الإيمان) المستمد من (الوحي والالتزام الإيماني) العقلي والروحي والقلبي ، والذي يمنح الإبداع المادي والعملي إشعاعات الروح، ومعاني الخلود ؛ مع العبودية المطلقة لخالق الكون، والتسليم بأن قادة الحضارات الصحيحة هم الأنبياء ؛ رسل الله ، وأئمة الهدى؛ وعلى رأسهم محمد بن عبد الله ؛ عليهم جميعاً الصلاة والسلام .
ـ وكل قيادة على غير منهج الأنبياء ؛ تهدم أكثر مما تبني آلاف المرات .. وهي لا تبني إلا في المجال المادي الدنيوي الغرائزي القريب من الحيوانية (أسفل سافلين) والقرنان التاسع عشر والعشرون من الميلاد ، وطلائع الحادي والعشرين من أقوى الأدلة العملية على ذلك .
ـ وهكذا كان (الميلاد الثاني العظيم ) ليوسف ـ عليه السلام ـ !

الميلاد الثاني للفرد المسلم العادي
عندما نتكلم عن (الميلاد الثاني) على هذا النحو؛ يتصور بعض الناس أنه يختص بالأنبياء وحدهم ؛ وأنه لا علاقة للبشر غير الأنبياء بالوصول إلى هذا المستوى ... وذلك خطأ كل الخطأ ..!!
ذلك لأن الأنبياء جميعاً ـ وعلى رأسهم محمد خاتمهم ؛ عليهم الصلاة والسلام ـ إنما جاءوا قبل كل شيء لبناء الإنسان (الفرد) ذكراً كان أم أنثى ...
حقيقة أن الأنبياء هم الذين وجهوا المؤمنين ـ كما هو طبيعيّ ـ إلى أن هذا الإنسان هو مركب حضاري كامل، وأنه مستخلف في عمارة الأرض ، وأنه جرم عظيم انطوى فيه العالم الأكبر .. "وفي أنفسكم أفلا تبصرون" .. كما أن المؤمنين عليهم التأسي به ، ومحاولة الصعود إلى السموّ البشري الكامل .. ومعلوم أنه لا تجوز أبداً الاستهانة بالإنسان الفرد كما يأمرنا الأنبياء عند إقامة دعائم الدين والحضارة ، فهو الأساس ومجال الاقتداء ؛ كما عرفنا ذلك في شعاب مكة ، ودار الأرقم ، والمسجد النبوي الشريف.
إن الإنسان (الفرد) المؤمن الملتزم ، الذي يبدو ضعيفاً هو عالم كبير لو حركناه من داخله !!
* ويضرب لنا تاريخنا المستمد من سنّة نبينا أمثلة كثيرة ؛ لكننا نختار منها نموذجاًَ واحداً ؛ في المستوى البشري الراقي، وهو الذي استطاع بفضل الله أن يكون خامس الخلفاء الراشدين ...
ـ إنه (عمر بن عبد العزيز)  .. ذلك الخليفة الراشدي الخامس (99 ـ 101هـ) الذي أحدث الانقلاب العظيم في نفسه ، بعد أن كان مترفاً قبل الخلافة .. لكنه عندما فرضت عليه الخلافة التي لم ينتظرها .. وإنما جاءته بتأثير، ثم توجيه العالم الرباني (رجاء بن حيوة)  للخليفة الأموي (سليمان بن عبد الملك) .. الذي استجاب له، وحطم قواعد النظام في وراثة الحكم .. فولى (عمر بن عبد العزيز) ، وعندما ولى عمر الخلافة فوجئ الناس بأنه نَبَذَ كل حياته المترفة السابقة ، وتحول إلى زاهد كبير، بينما هو أمير الدنيا ؛ وكذلك زوجته (فاطمة بنت الخليفة وأخت الخلفاء) التي خيَّرها بين ما كانت عليه أسرتها من الترف، وما اغتصبه لها أهلها الخلفاء السابقون من مال المسلمين؛ وبين حياة التقشف التي ارتضاها (عمر) لنفسه بعد الخلافة ، وبالتالي عليها أن تعيد مالها كله إلى بيت مال المسلمين وهو كثير؛ وإلا فلتذهب إلى حالها ...
ـ لكن فاطمة .. أطاعته ، وقالت له : رضيت بالله رباً ، وأنا زوجك الوفية إلى ما شاء الله !!
ـ كانت نعم الزوجة .. وكان الله قد رزقها من عمر خير الأولاد ؛ الذين مات أبوهم أمير الدنيا دون أن يترك لهم درهماً ولا ديناراً مجتهداً اجتهاداً خاصاً ؛ خوفاً من أن تكون ثمة شبهة حرام دخلت من غير طريق الحلال إلى جسم أولاده ) !!
ـ وقد غضب بنو أمية الذين ألفوا الترف والثروة ...
ـ ولكن عندما انتهى ملكهم سنة (132هـ) شردوا في الشوارع يستجدون الناس، ويتعرضون للذل والبؤس ؛ بينما أغنى الله أولاد (عمر بن عبد العزيز) الذي لم يترك لهم والدهم شيئاً خوف الشبهة ، فأصبحت أموالهم تكال كيلاً ، ولا تعد عداً من كثرتها..!!
وهكذا كانت خلافة خامس الراشدين سنة (99هـ) الميلاد الثاني (لعمر بن عبد العزيز)  .

نموذج الميلاد الثاني لإنسان عادي
ـ وهذا نموذج للميلاد الثاني في حياة إنسان أعرفه ـ كما أعرف نفسي ـ لأنه بعض نفسي ، وأنا بعض نفسه ..
ـ إنه أخي في الله (كأنه أنا وكأنني هو) عاش وعشنا معاً تجربة الميلاد الثاني ... فرأى ورأينا ـ بعقلنا وقلبنا ـ ما جعلنا نبصر بشائر (الميلاد الثاني) ونعيشه ..
كان ذلك في نهاية شعبان وبداية رمضان المبارك 1430هـ ؛ شهر القرآن والمغفرة .. لقد تمكن منه ـ ومني ـ المرض كأنه المقدمات للمرض الأخير .. حتى ظن الضعفاء الذين تعميهم الأسباب عن إجلال وتوحيد مسبب الأسباب ..
ـ لكنني ـ ولكنه ـ كنت أثق ثقة مطلقة في أن عناية الله ستنسأ في أجلي .. وتمنحني فرصة أخرى أتجرد فيها لله (أو هكذا قال صديقي الذي يكاد يكون أنا) ورأيت الإنشاء الجديد لي ... خلقاً آخر ... وأبصرت الأمر ـ بعين البصيرة ـ على ما لم أكن أحلم به ، ورأيت العظام تكسى لحماً، وقد عرفت ضعف البشر ومدى حاجتهم لله، وأدركت أن الإيمان بالله ، وبهذا الدين الحق هو الوجود الحقيقي .
ـ وقد سألت الله في مخاض ميلادي الثاني أن يهدي إخواننا الذين لم يغوصوا في أعماق هذا الدين ، ولم يتفكروا في كتاب الله المنظور، ووحيه المسطور ـ كما ينبغي ـ وقدموا الإسلام من الحناجر والخارج ، وليس من الوجدان والداخل .. قدموه ببلاغة وفصاحة وخطب رنانة ، وأقوال رصيدها من العمل الاجتماعي والاقتصادي قليل ، وتذكرت هنا قول معلمي الحبيب ـ رحمه الله ـ الذي لم أنسه قط (الشيخ محمد الغزالي)، والذي كان يتأوه أمامي ويقول لي:
"إن هذا الدين يا بني قضية عادلة ؛ لكنه وقع بين أيدي محامين فاشلين" .
وقد أراني الله في قلب المرض بشائر المرحلة الجديدة ، التي عاهدته فيها أن أتجرد له ، وأن أهب عقلي وعلمي المحدودين لخدمة هذا الدين في ميلادي الثاني .
ـ وشكراً لله على الشفاء والتمكين من استئناف المسيرة .
والشكر بإذنه وبأمره لكل من بثوا فينا روح الحياة ، ودعوا لنا عبر العالم بالشفاء ؛ وعلى رأسهم أحبابنا وأساتذتنا ؛ العلماء العاملون في الجمعية الشرعية بقيادة الإمام الدكتور/ (محمد المختار المهدي) الخليفة المعاصر للإمام المؤسس الشيخ (محمود السبكي).
ـ وشكراً للمئات من الأعلام الذين كانوا معنا من العالم التركي ، والأمريكي ، والأفريقي لاسيما الجزائر حرسها الله ..
وقد توجت الرحمة الإلهية بتشريف عالمين بارزين لبيتنا المتواضع هما صديقنا الدكتور (محمد سليم العوا) .. وكان مسك الختام أستاذنا علامة العصر الأستاذ الدكتور الشيخ (يوسف القرضاوي)؛ أطال الله عمره .. وزاده تمكيناً في عالم أمة الإسلام الرحيب ؟! كما زارنا ابننا وصديقنا عمرو خالد الذي تجشم عناء السفر لزيارتنا في المحلة الكبري .
وسلام على عباده الذين اصطفى ، وصدق الله العظيم .. "الله يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس" .

ليست هناك تعليقات:

تأثير التدفق غير المنتظم لمياه النيل على دولتي المصب

 مع اقتراب موسم الأمطار في إثيوبيا، تتواتر تحذيرات في مصر من زيادة حجم المياه في «سد النهضة» بصورة كبيرة مما قد يتسبب في تكرار سيناريو التدف...