الأحد، أغسطس 02، 2009

هل لا تزال ثورة يوليو تصلح عيداً وطنياً لمصر؟ ـ

هل لا تزال ثورة يوليو تصلح عيداً وطنياً لمصر؟ ـ السفير د. عبدالله الأشعل

السفير د. عبدالله الأشعل


لكل دولة عيدها القومى. فالعيد القومى أو اليوم الوطنى للسعودية هو تاريخ قيام المملكة عام 1933، واليوم الوطنى فى دول الخليج الأخرى هو يوم إعلان الاستقلال عن بريطانيا. أما اليوم الوطنى لإسرائيل فهو يوم نكبة فلسطين، فهو اليوم الذى قامت فيه إسرائيل على جثة الفلسطينيين. واليوم الوطنى لفرنسا هو الثورة الفرنسية، كما أن اليوم الوطنى للولايات المتحدة هو يوم إعلان الولايات المتحدة ودستورها وهكذا بالنسبة لجميع دول العالم. وفى مصر أصبح يوم قيام الثورة هو عيدها الوطنى، ولا مانع من الاحتفال بعد ذلك بعدد آخر من الأعياد مثل نصر أكتوبر ورمضان، وثورة مايو التى كانت مصر السادات تحتفل بها باعتبارها نصرا للسادات على الجناح الناصرى الذى أبدى عدم التعاون معه. لدينا أيضاً تاريخ اتفاقية الجلاء وتاريخ إعلان الجمهورية. ونظرا لتعقد فصول التاريخ المصرى فإن تاريخ إبرام اتفاقية جلاء القوات البريطانية عن مصر ليس هو تاريخ الاستقلال كما هو مألوف فى دول أخرى، لأن بريطانيا ادعت أن مصر قد أصبحت دولة مستقلة ذات سيادة عام 1922 رغم أنها لم تتمتع بأى قسط من السيادة أو الاستقلال تماماً كما تفعل واشنطن الآن مع العراق، ولذلك قد لايصلح هذا التاريخ عيدا وطنياً لمصر. أما إعلان الجمهورية والانتصار على الملكية وإزالتها، فقد سمح تاريخ مصر المعاصر للمراقبين بأن يترحموا على أشياء أساسية فى العصر الملكى أهمها حساسية الحكم لاتجاهات الرأى العام،وحساسية الحكومات اتجاه النقد فضلاً عن أن عدم تداول السلطة بطريقة سلميه وعدم محاسبة القيادة السياسية طمس أى فارق بين النظام الملكى والنظام الجمهورى. ولاشك أن 6أكتوبر فى ذاته له دلالة حاسمة فى قرار التحرير من الغصب السياسى والنفسى قبل الغصب الإقليمى للعدو الإسرائيلى، وسيظل دلالة هذا اليوم كذلك، كما تظل دلالة الانتصار فى معركة طابا القانونية. والحق أن ثورة يوليو قد انتهت بنهاية جمال عبد الناصر، حيث ماتت عام 1967 أو فى أحسن الفروض دفنت مع عبدالناصر عام 1970، وهى مجرد محطة فى تاريخ مصر الحديث لابد من الاعتزاز بها رغم أخطاء قادتها، ولكن الخطر هو أنها فتحت الباب للاحتفال السنوى بها وقد انعكست تماما كل المبادئ التى طالبت بها وسارت مصر فى الاتجاه المعاكس لهذه المبادئ. وإذا كانت ثورة يوليو قد ولدت فى رحم الهزيمة الأولى أمام المشروع الصهيونى فى فلسطين عام 1948 أى أن الثورة هى المعادل العربى لهذا المشروع، فإن هزيمة هذا المشروع لهذه الثورة عام 1967 قد سمح بأن يحضر رموز المشروع الصهيونى احتفال السفارة المصرية فى إسرائيل بذكرى الثورة، فهل حضروا ذكرى ثورة يوليو التحريرية من كل قيد على سيادة مصر وقيادتها للعالم العربى، أم حضروا الذكرى السنوية لوفاة هذه الثورة، وكان الأولى والحال كذلك أن يقيم نتانياهو هذه الذكرى وأن يدعو فيها السفير المصرى احتفاء بهذه المناسبة السعيدة التى أصبح الخطاب السياسى المصرى يتحدث عن إسرائيل بصفتها حليفاً، وسوف يضيق المقام عن تعداد أمثلة ذلك مما يجب ألا يغيب عن فطنة المؤرخين المعاصرين, لكن يكفى أن نشير إلى تصريح فى يونيو 2009 لنتانياهو يؤكد فيه أن إسرائيل سحقت مصر عام 1973 خلال عدوان مصر "الغادر" على إسرائيل يوم عيدها فى يوم الغفران ولذلك زحفت مصر المهزومة والمسحوقة على ركبتيها طلباً للسلام مع إسرائيل وهذا هو درس بليغ كما يقول نتانياهو وهو أن السلام مع الفلسطينيين لابد أن بسبقه سحقهم حتى يطلبوا السلام وهم ضارعون خاشعون، لأن السلام فى المنطق الصهيوني لاتصنعه إلا القوة والنصر على العدو وليس المداولات والصياغات والوساطات العقيمة التى لابد أن تعكس ميزان القوة المائل دانما لصالح إسرائيل.
هذا التقييم الصهيونى لحرب 1973 لايمنع شهادة شارون فى مذكراته لصالح الجيش المصرى الذى أتيح له أن يخوض حرباً حقيقية فى ذلك العام لأول مرة فى تاريخه المعاصر.
أليس غريباً أن يرفع الناس فى مصر والعالم العربى حتى الآن صور عبدالناصر ويحتفل القوميون بثورة يوليو التحررية فى عودة إلى الماضى هروباً إليه من الحاضر؟ أليس فى ذلك رسالة قبل أن يرفع الستار ويصدر التاريخ حكمه القاسى؟.

ليست هناك تعليقات:

عبد الرحمن أبو زهرة عن عمر ناهز 92 عام

  غيب الموت الفنان المصري القدير عبد الرحمن أبو زهرة عن عمر ناهز 92 عاماً، بعد رحلة فنية طويلة حافلة بالأعمال التي رسخت اسمه كأحد أبرز رموز...