| 'رشوة التوريث' الملغومة وتوابع الانتخابات الأمريكية على مصر محمد عبد الحكم دياب 15/11/2008 ![]() |
| انتخابات الرئاسة الأمريكية كشفت عن وجه آخر للديمقراطية الأمريكية، بقطبيتها وهي تحقق الشيء ونقيضه.. فتاريخيا قامت واستمرت على أشلاء ملايين من أهل البلاد الأصليين، وجماجم عبيد مجلوبين من القارة السوداء، وضحايا شعوب غير بيضاء، وبعد ذلك حققت انجازات حسبت لها إنسانيا، فقرار إلغاء تجارة العبيد كان أمريكيا، والنقلات التي جرت في مجال الحقوق المدنية كانت أمريكية. أما نتائج الانتخابات الأخيرة فقد جاءت على هوى كثيرين.. لأنها تطابقت مع نبوءات البعض، ولبت أشواق البعض الآخر، من خارج في الولايات المتحدة، بدءا من الزعيم الليبي معمر القذافي ونبوءته التي أوردها في كتابه الأخضر في سبعينات القرن الماضي، وهي أن 'السود سيسودون العالم' وانتهاء بأشواق إمرأة من بوركينا فاسو، كادت تطير وهي تبكي فرحا بعد قضاء شهور تتوسل فيها إلى ربها من أجل فوز أوباما. الذي كان تنفيسا عن رغبات وآمال كامنة في افريقيا أكثر منها في أمريكا، فمنذ أن تخلصت من المعقل العنصري قبل الأخير، منذ أقل من عقدين، وهي تدفع ثمنا باهظا، فقد تصاعدت فيها وتيرة الصراعات والحروب الأهلية، وجاءت هذه الانتخابات لتفتح باب الأمل في الانعتاق من جديد. انتخابات لها هذا التأثير على غير الأمريكيين وانتشلت الشعب الأمريكي من السقوط. واجهتها اتجاهات وآراء تدعو إلى عدم الإفراط في التفاؤل. وترى أن أوباما لم يحصل على هذه الأصوات كواحد من دعاة المساواة والحقوق المدنية، فهو ليس مارتن لوثر كينغ، ولا حتى القس جيسي جاكسون، ومختلف عن جون كينيدي وجيمي كارتر وكلينتون. ويرونه 'الرئيس الأسود ذا القلب الأبيض'.. وبياض القلب المقصود هنا ليس بالمعنى الأخلاقي والإنساني إنما بالمعنى العرقي والثقافي، والابن الوفي للمؤسسة الأمريكية.. ليس طارئا عليها. ولن يخرج عن ضوابطها وقيودها، وإلا تعرض للخطر، مثل ذلك الذي أودى بحياة كينيدي ولوثر كينغ، وهذه المؤسسة هي التي رأت فيه منقذا، بعد الذي أصابها من جراء جرائم وتجاوزات المحافظين الجدد من المسيحيين الصهاينة و'هدت الحيل' الأمريكي، ومرغت أنف الدولة العظمى في التراب وأسقطت مكانتها، لذا يصعب تصنيف النجاح باعتباره انجازا في مواجهة العنصرية، والمعروف أن الموقف من العنصرية لا يتجزأ، فالصهيونية، كشكل من أشكال العنصرية كانت تقتضي الإدانة، وبدا أنه غير مؤهل لذلك.. لم يكن عامل العداء للعنصرية ضمن حسابات الفوز. وكان العامل الأكثر تأثيرا هو الكراهية الشديدة للرئيس المنتهية ولايته، جورج دبليو بوش، والأثر السلبي لما مني به من فشل في قيادة العالم بالقوة والحرب والتطهير العرقي، وتأمل 'المؤسسة' أن ينجح أوباما فيما فشل فيه سلفه ، لكن بوسائل أقل عنفا وأكثر دبلوماسية وبتكلفة أقل.. عن طريق التفاوض والضغوط والحصار، واستمرار 'الحرب ضد الإرهاب'، ومواجهة تنظيم القاعدة!.. وكان لرفع شعار التغيير تأثير كبير على القوى الشبابية والمهمشة، ولهم تأثير كبير في الحياة الأمريكية. أما تأثير التداول السلمي والانتقال السلس للسلطة في الديمقراطية الأمريكية فهو الذي ينقلنا إلى القاهرة، التي تئن من وطأة حكم مستبد وفاسد وعائلي.. مانع للتغيير وقاصم لظهر من يطلبه، بكل الأسلحة والسبل. .هذه المقارنة تكشف مرونة النظام الأمريكي وعناد وتحجر الحكم المصري. وهو ما جعل نتائج الانتخابات الأمريكية مصدرا للانزعاج السياسي، وقد شغلت توابعها الرأي العام. خاصة أن فوز أوباما ارتبط بتحول في المزاج الأمريكي العام، له تأثيره على القرار الرسمي المصري بتوجهاته الصهيونية، فذلك المزاج كان قد وقف على يمين اليمين، خلال فترتي رئاسة بوش الابن، وها هي الانتخابات تقدم دليلا على سير الرئيس المنتخب في اتجاه معاكس لسياسة المحافظين الجدد السند الحقيقي لجماعة الليبراليين الجدد من أتباع جمال مبارك. ومع إقرارنا باختلاف الظروف والفروق بين أمريكا ومصر، نجد أن المواطن الأمريكي عانى من حكم بوش الابن، ومن الأعباء المالية والاقتصادية والسياسية والنفسية الكبرى، بتأثير الغزوات والحروب، والتدخل غير المشروع في شؤون الدول الأخرى، وأكبر عدد من ضحاياها من أبناء الوطن العربي والعالم الإسلامي. وتأتي معاناة المواطن المصري من نوع مختلف.. وبينما تتركز المعاناة الأمريكية بتأثير المعارك المتجهة صوب الخارج، نجد العكس تماما في مصر.. فكل 'حروب الحكم' موجهة نحو الداخل، وفي مواجهة المواطن وأرضه وثروته ودوره وثقافته وحياته.. وإذا كان عار أمريكا، وما زال، هو غوانتنامو وأبو غريّب فإن عار مصر تجسده أقبية لاظوغلي وزنازين أقسام ومراكز الشرطة والأمن.. وإذا كانت وصمة أمريكا فيما قامت به من ممارسة التعذيب عن طريق طرف ثالث، وإرسال معتقليها من العرب والمسلمين إلى دول أخرى تنوب عنها في تلك المهام القذرة، نجد أن الوصمة التي ألصقتها 'العائلة' بمصر تمثلت في عدم اكتفائها بما تفعله بمواطنيها والقبول بدور 'مقاول التعذيب' الأصغر لحساب المقاول الأكبر في واشنطن، لهذا لم يكن حسني مبارك مجاملا حين أعلن بأن علاقته بالولايات المتحدة 'أزلية' في تصريحه أثناء المؤتمر الصحفي مع الرئيس اللبناني في زيارته الأخيرة للقاهرة!.. وبوش الذي يتهيأ لترك البيت الأبيض ترك بلده وهي في وضع حرج.. دورها متآكل، ونفوذها متراجع، وسمعتها هابطة، ومكانتها منهارة، ومصر، التي لن يتركها حسني مبارك في المدى المنظور.. غابت فيها الدولة وتآكل منها الدور وتراجع عنها التأثير، والفرق هو أن بوش الابن يحزم حقائبه ويرحل تاركا الأمر لغيره لإنقاذ بلده، ومبارك الأب لن يترك الحكم، إلا إذا قبل المصريون بـ'التوريث'، أمريكا احتاجت منقذا فجاءها عن طريق صناديق الاقتراع، أما مصر فتقف على شفا الثورة أو الفوضى أو كليهما معا!! انتعشت آمال قطاعات مؤثرة في الرأي العام المصري في انتخابات حرة، وتداول سلطة سلمي، وتحررية (ليبرالية) مبرأة من أمراض الطوائف والأعراق والمذاهب، ونظام جديد معافى من علل الثروة، وطاعون الاحتكار، وسرطان التمييز الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والديني.. نظام يتساوى فيه أهل البلاد وأصحاب الأرض على قاعدة المواطنة وحماية القانون، من غير رعب أو قهر أو قتل. انتشرت الأحلام بقدوم لحظة قادمة تتيح للفرد.. أبيض وأسمر وأسود وأصفر.. مسلم وغير مسلم.. غني وفقير، تتيح أمامه فرصة الترشح لمقعد الرئاسة وما دونه.. دون أن يناله أذى أو يتعرض للتنكيل، على طريقة أيمن نور منافس مبارك الأب على مقعد الرئاسة، في انتخابات 2005، وتم التنكيل به تحصينا للابن من المنافسة حين تحين اللحظة المنتظرة.. وهناك من تطلع لأوباما مصري.. يخرج من بين الشباب (حسن نافعة 'المصري اليوم' 9/11)، وكان محقا وهو يشير إلى عدم إمكانية ذلك نتيجة اختزال شباب مصر في شخص جمال مبارك.. كان لمطلب التغيير مفعول السحر في الحملة الانتخابية لأوباما، بينما تركز حملات 'العائلة' على تحسين الشكل (نيولوك)، بعد أن أكل منه الزمان وشرب، والاحتفاظ بلغة الجمود والتخلف والأفكار العتيقة والعقيمة، للمصادرة على مطلب التغيير الملح، وإلغائه من قاموس الحياة السياسية.. واستغراقا في العقم والجمود تنشغل 'العائلة' بـ'التوريث' عن كل ما عداه، ومن أجله صعدت من وتيرة أعمالها المضادة، بالاستمرار في تمكين التكتل الاقتصادي 'الترست' الحاكم من الثروة العامة وإدارتها لحساب 'العائلة'. وفي وقت يتجه فيه العالم إلى صياغة نظام مالي ومصرفي جديد، وتوصل مجموعة 'بريك'.. المكونة من روسيا والهند والصين والبرازيل مؤخرا إلى موقف موحد تجاه صندوق النقد الدولي، من أجل أن يعطي دورا أكبر للاقتصاديات الناهضة والنامية، ويحد من انفراد القوى الكبرى المتحكمة بالنظام العالمي.. وذلك على العكس من أوروبا التي تضغط لدور أوسع للصندوق، وتتخذ روسيا موقفا متشددا، وتصر على تقليص دور صندوق النقد، وتسعى لإقناع دول أخرى بذلك.. والمفروض أن تتم تسوية هذا الصندوق بالأرض، بما جلب من ويلات عرضت العالم للخطر، ولتدخله البائس ونشره للجوع والتخلف والحروب. وفي الوقت الذي ينشغل فيه العالم بمثل هذه الأمور، تحدث جمال مبارك عن شيء مختلف.. والتجربة أثبتت أنه إذا تكلم تحل المصائب، وإذا قرر تقع الكوارث.. تحدث عما أسماه 'نقل ملكية أصول الدولة' إلى المصريين، وهي في حقيقتها'رشوة توريث' ملغومة.. توزع لمرة واحدة، ثم تباع بعد ذلك لكيانات مالية مصرية قائمة.. فتسلبها ممن آلت إليهم، كما سلبت حقوق وممتلكات المصريين على مدى العقود الثلاثة الماضية.. إنها خصخصة ملتوية، بعد أن توقفت الخصخصة في بلدانها الأصلية، والادعاء بأن فكرتها مستلهمة من تجارب دول أوروبية شرقية، والملفت للنظر أن الإلهام لم يأت هذه المرة من رعاة الحكم في واشنطن ولندن وتل أبيب بل جاء من شرق أوروبا. وقد وصفت هذه الفكرة من البعض بأنها ساذجة، ونعتقد أنها غير ذلك، فالقدرات المتواضعة والأفق المحدود، إذا ما كان له القول الفصل فإنه يسمح بتقليد الأفكار الشيطانية وتبنيها، وهو ما أضعف مصر.. اقتصادا ودورا وثقافة ومكانة. ولا يجب أن نفاجأ إذا ما استغلت 'رشوة التوريث' في معالجة مشكلة رفض الدعم النقدي وإلغاء ما تبقى من دعم لبعض السلع التي يحتاجها محدودو الدخل، وإلغاء البطاقات التموينية لحملة هذه الأسهم المجانية، والتغطية على تبديد أموال التأمينات الاجتماعية، وفوق كل هذا وذاك تبدو الفكرة أنها مصممة لتوريط المواطنين في جريمة الخصخصة وبيع ما تبقى من القطاع العام. السياسة التي بنت قواعدها على رفض مبدأ إشراك الشعب في الملكية، شكلا وموضوعا، وانتزعت الأرض من أيدي الفلاحين وصغار الملاك، وتولت تصفية القطاع العام، وحرمت الشعب من حقه في الخدمات المجانية.. تعليمية وصحية.. ولم تتوقف عن محاربة الفقراء ومحدودي الدخل ومتوسطي الحال. سياسة لم يعرف عنها الرحمة أو أنها تابت وأنابت، ثم تعود للحديث عن إشراك الشعب في إدارة أصول الدولة فإنها تبطن شيئا لا يبعث على الاطمئنان.. كان عليها بدلا من ذلك أن تسترد ما فرطت فيه، وتعيده لأصحابه، أو على الأقل تعيد للدولة دورها فقد تنجح فيما فشل فيه 'الحكم'. |

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق