الاثنين، نوفمبر 17، 2008


2008-11-16
الهند تثير أحزاننا السياسية والوطنية
وضعت أول مركبة فضاء هندية غير مأهولة مسبارا على سطح القمر يوم السبت الماضي بهدف إجراء عدة اختبارات علمية حول طبيعة سطح القمر، والطبقات العميقة من تربته وغلافه الجوي. وقد انتشى علماء هيئة بحوث الفضاء الهندية فرحا وهم يرون المسبار المطلي بألوان علم الهند يقترب من سطح القمر. وفي الحقيقة فإن العلم نفسه لم يعد له أثر على سطح القمر، لأن المسبار – كما كان مخططا له – اصطدم بسطح القمر بسرعة هائلة (حوالي 5000 كيلومتر في الساعة). هذا الاصطدام العنيف للمسبار الذي يزن 30 كيلوجراما تم قبله تصوير هبوط المسبار خلال مرحلة هبوطه التي استغرقت 25 دقيقة من خلال نظام رادار وتصوير بالفيديو باستخدام 11 آلية رصد منها 5 آليات هندية الصنع.لقد أثار هذا الحدث أحزاننا السياسية والوطنية، ونحن نرى دولة تحررت من الاستعمار الانجليزي وبدأت مشوار التنمية معنا تقريبا، وها هي تخطو خطوات حضارية ضخمة وتحقق إنجازات علمية واقتصادية وعسكرية هائلة برغم أن لها نسيجا اجتماعيا شديد التعقيد والاختلاف، وبرغم أنها محملة بأكثر من مليار إنسان، واستطاعت أن تجعل من تعداد السكان مصدرا للثروة الوطنية فصارت تصدر الأيدي العاملة والعمالة المدربة والعقول الرائدة في التكنولوجيا المتقدمة. أثار الحدث أحزاننا وهمومنا لأننا لابد أن نعقد المقارنات بيننا وبينهم.التعليم عندنا وصل إلى درجة من الانهيار تهدد أمننا القومي، والتعليم عندهم نتائجه ملموسة في مستوى الخريجين خاصة في تكنولوجيا المعلومات والطب والهندسة والزراعة. ولقد رأيت المراكز الهندية للتعليم عن بعد عبر شبكة الإنترنت يرتبط بها عشرات الآلاف من الطلاب داخل الولايات المتحدة الأمريكية، وأعدادهم في نمو مضطرد. ورأيت نظما إدارية تعليمية تصدرها الهند لكبريات الجامعات الأمريكية بدءا من إدارة المعامل الافتراضية إلى شئون الطلاب والموظفين وإدارة المناهج وقياس الجودة والمنح الدراسية والإسكان الجامعي، حتى صارت بعض هذه المنتجات الهندية تمثل وحدات قياسية في هذا المجال الإداري الهام.والبحث العلمي عندنا يرثى له، وميزانية جامعة القاهرة المخصصة للبحث العلمي لا تكفي لـ 1% من طلبة الدراسات العليا للقيام بأبحاثهم على الوجه المطلوب. والبحث العلمي عندهم أثمر هذا الغزو الفضائي لتلحق الهند بالولايات المتحدة وروسيا ووكالة الفضاء الأوروبية والصين واليابان ولا سابع لهم. والبحث العلمي عندهم طويل النفس يسير على خطط لها أهداف استراتيجية، وقد بدأ البرنامج الفضائي الهندي منذ 45 سنة، أي بعد 15 سنة فقط من استقلالها. فهذا الانجاز ليس ضربة حظ وليس فقاعة إعلامية، إنما يتطلب جهودا علمية ضخمة تتكامل فيما بينها لتحقيق هذا الإنجاز.والنمو الاقتصادي عندنا يحبو ويغفل في كثير من الأحيان البعد الاجتماعي للتنمية، والنمو الاقتصادي عندهم جعل الهند قوة كبرى أجبرت روسيا والولايات المتحدة مؤخرا على الاعتراف بها رسميا كقوة نووية ووقعتا معها بروتوكولات للتعاون النووي. والاقتصاد الهندي ركز على جوانب الاقتصاد التقليدي في الصناعة والزراعة والتجارة والرعي والصيد على حساب اقتصاد الخدمات المالية الهش. وهو اقتصاد راعى البعد الاجتماعي، حتى أن حكومة حزب المؤتمر الحالية جاءت إلى السلطة بسبب تراخي الحكومة السابقة لحزب "بيهارتي ياجاناتا" في مراعاة البعد الاجتماعي لجهود التنمية، ولم يشفع لرئيس الوزراء السابق "فاجبايي" إنجازاته الكبيرة، ففي فترة حكمه شهدت الهند نموا اقتصاديا غير مسبوق، وحققت مشروعها النووي، وصنعت قنبلتها النووية، وطورت قدراتها الذرية، وسارت بخطوات إلى الأمام نحو إبرام اتفاق سلام مع جارتها وعدوتها التقليدية "باكستان". ومع كل هذا أسقطها الشعب لإغفالها للبعد الاجتماعي في النمو الاقتصادي.
والحالة السياسية عندنا يهيمن عليها الحزب الوطني وأحزاب المعارضة ضعيفة قد انكفأت على نفسها في صراعات داخلية على رائحة فتات السلطة، ولعل أحداث حزب الغد الأخيرة واحتراق مقره في قلب القاهرة في عز الظهر يجسد الحالة السياسية الراهنة . والحالة السياسية عندهم مستقرة والحكومة الهندية الرمكزية وحكومات الولايات كلها منتخبة وجاءت إلى السلطة عبر انتخابات نزيهة وبنظام إليكتروني للتصويت غطى جميع أنحاء الهند. وذلك برغم وجود أحزاب دينية متطرفة وأحزاب يمينية متطرفة تعمل تحت مظلة القانون وتتنافس لكسب أصوات الناخبين.
ولقد شاهدت أحد السياسيين المتحذلقين عندنا في برنامج حوار تليفزيوني يهاجم المشروع الفضائي الهندي، ويقول سيادته ".. إن هذا المشروع للمنظرة، وكان أجدر بالهند أن تحارب الفقر والتخلف أولا قبل أن تتباهى بهذا المشروع المنظر .."اهـ. وهذا كلام "خيبان" وساذج وبمثل آراء سيادته تتخلف بلادنا. ومع أن الكلام لا يستحق الرد، فإنه للعلم فقط، قد أعلنت الهند أهدافا اقتصادية لهذا الإنجاز العلمي الرائع، منها أنه يعطيها مصداقية وسمعة رفيعة في التجارة العالمية، ومنها أن مركبة الفضاء شندرايان 1 (و شندرايان معناها سطح القمر باللغة الهندية القديمة) ستمضي في رحلتها الاستكشافية لمدة عامين، وسيقوم المسبار الآلي بمحاولة التقاط خريطة ثلاثية الأبعاد للقمر، وتحديد انتشار العناصر والمعادن فوق سطحه. ومنها أن مهمة المسبار الهندي ستشمل البحث عن مياه متجمدة محتملة تحت سطح القمر. ومن أهداف المشروع أيضا أن المسبار سيعمل على رصد غاز الهليوم 3 وهو غاز نظيره نادر فوق كوكب الأرض، والذي يعتقد أنه سيصبح مصدرا ثمينا للطاقة في المستقبل. هذا كله برغم أن المهمة تكلفت 78 مليون دولارا فقط وهو مبلغ زهيد بالنسبة لكلفة المشروعات المماثلة للدول الأخرى.
د. محمد هشام راغب

ليست هناك تعليقات:

تأثير التدفق غير المنتظم لمياه النيل على دولتي المصب

 مع اقتراب موسم الأمطار في إثيوبيا، تتواتر تحذيرات في مصر من زيادة حجم المياه في «سد النهضة» بصورة كبيرة مما قد يتسبب في تكرار سيناريو التدف...