الثلاثاء، أغسطس 19، 2008

في المسألة القبطية ـ د. زينب عبد العزيز

في المسألة القبطية ـ د. زينب عبد العزيز


د. زينب عبد العزيز : بتاريخ 18 - 8 - 2008
حينما تصل المغالطات الإستفزازية إلى حافة إشتعال الفتن ، فلا بد من وقفة توضع فيها النقاط على الحروف ، للحد من إندفاع بعض المتطرفين من المسيحيين فى مصر ، فى الداخل والخارج، الذين باتوا يناشدون التدخل الأمريكى صراحة لمساندة فرياتهم وتقسيم البلاد ـ وفقا لما يدور من محاولات فى العديد من البلدان الإسلامية ، وتحقيقا لذلك التخريب الذى لا يكف عن الإطلالة برأسه من وقت لآخرلتقسيم مصر ـ الأمر الذى يضع ولاءهم للوطن محل نظر ..

ولا يسع المجال هنا للرد على كل ما تضمنه خطاب الأنبا توماس فى معهد هادسون يوم 18 يوليو 2008 ، ولا لكل ما ورد بمقال السيد مجدى خليل ، مدير منتدى الشرق الأوسط للحريات، من فريات دفاعا عما ورد بالمحاضرة . لكننى سأتناول الرد فى عجالة على أربعة محاور أساسية هى : مصر الفرعونية ؛ " الغزو " العربى الإسلامى ؛ موقف تلك "الفئة" العميلة على مر التاريخ ؛ و"الأصولية الإسلامية" ، التى اندلعت منذ السبعينات من القرن العشرين كما يقولان ..

1 - مصر الفرعونية :
* إسم مصر Egypt مشتق من كلمة " كمت " المصرية القديمة وتعنى "الأرض السوداء" ثم تحولت إلى "جمت " و"جبت" والى "إيجبتوس" فى العصر اليونانى ثم إلى "إيجيبت" مع سقوط اللازمة اليونانية. و كلمة الأرض السوداء هى نسبة الى دورة فيضان النيل وطميه الذى كانت تعتمد عليه الزراعه آنذاك.
* كلمة " قبط " التى انتسب إليها الأقباط مأخوذة من كلمة Coptos وهو الإسم اليونانى لمدينة "قفط " قرب الأقصر ، والتى تمركز فيها الأقباط هربا من إضطهاد الرومان لقربها من شاطئ البحر الأحمر حيث يمكنهم الهرب إذا ما زاد القمع.. وهى كلمة لا تزال تكتب على كافة الخرائط الخاصة بتلك الفترة . ويشير هيرودوت إلى أن أغلب سكانها كانوا من الأقباط ، وذلك فى الوقت الذى كانت فيه المسيحية تحارب بضراوة والمسيحيون يمثلون أقلية ضئيلة ، وهو ما يفسر سر إرتباطهم باسم هذه المدينة التى تمركزوا فيها للحماية .. لذلك لا يجوز ابداً إطلاق كلمة "قبطى" على كل المصريين : فالمصرى نسبة الى الوطن ، ومسلم او مسيحيى نسبة للدين.
* مصر الفرعونية كانت تتبع الديانة الوثنية وظلت بعض المعابد تعمل حتى القرن السادس الميلادى. واللغة المصرية القديمة هى الهيروغليفية ، التى استمرت حتى عصر الإضمحلال الثالث ، أى عند غزو الإسكندر الأكبر. واللغات السائدة فى مصر الفرعونية كانت : الهيروغليفية، كلغة رسمية للدولة؛ والهيراطيقية ، أيام العصر الهيللينى والكهنة هم الذين كانوا يستخدمونها ؛ والديموطيقية ، أى اللغة الشعبية أو العامية التى ما زالت توجد بعض مفرداتها فى العامية الحالية ، و قد بدأ استخدامها بعد الدولة الحديثة (1580-1085 ق م) .. واللغة القبطية بدأ ظهورها فى القرن الميلادى الثالث عندما استقرت المسيحية فى مصر نسبياً، فتم استخدام الأحرف اليونانية ، لغة الحاكم المستعمِر ، إضافة إلى بضعة أحرف صوتية مصرية قديمة لم تكن موجودة باليونانية فأُخذت من الصوتيات الهيروغليفية.
* عبارة التراث القبطى والفن القبطى ، كلها بدع ومسميات حديثة تم إختلاقها فى منتصف القرن العشرين ، والأب بول بورﭼيه P. Bourget)) هو أول من كتب فى الفن القبطى إعتمادا على بورتريهات الفيوم ، وهى الصور التى كانت ترسم على توابيت الموتى بدلا من التوابيت المنحوتة الغالية.. وهذه المجموعة من البورتريهات كانت تُعد فى عُرف علماء الآثار عبارة عن رسومات عصر الإضمحلال ـ أى الفن المتخلف المستوى بالنسبة لما كان عليه الفن المصرى القديم، حتى وإن كان منها بعض الوجوه المعبّرة .. وتوالت الكتابات التمجيدية المفتعلة بعد ذلك لترسيخ فكرة "الفن القبطى" و"التراث القبطى" ، فى حين أن الحقبة التى ظهرت فيها المسيحية فى مصر تدخل ضمن عصر الإضمحلال كمرحلة إنتقالية، من كثرة ما بها من قلاقل ..
* المسيحية ظلت تحارَب وتتعرض للإضطهاد بحيث فى عام 361 م قام الأمبراطور جوليان بإعادة الديانات الوثنية و حجّم الوجود المسيحى فى السلطة الحاكمة وأمم أموالهم من كثرة مؤامراتهم للإستيلاء على الحكم ، فقام القساوسة بترتيب إغتياله بيد حارسه وألصقوا به عبارة "المرتد".. وفى عام 313 كان الإمبراطور قسطنطين قد سمح للمسيحيين بممارسة عقيدتهم مثل باقى العقائد الوثنية السائدة بموجب مرسوم ميلانو ، لضم أطراف الإمبراطورية شريطة أن يدخل المسيحيون الجيش ، ووافق الكنسيون، الذين خرجوا بذلك عن تعاليم يسوع الذى كان يحرّم القتل ، وما أكثر خروجهم عن تعاليمه .. وفى عام 391 أعلن الإمبراطور تيودوز المسيحية ديانة رسمية وحيدة للدولة. وهذا يؤكد أن الوضع لم يستتب للمسيحية إلا فى أواخر القرن الرابع الميلادى . ومنذ ذلك التاريخ بدأت عملية اقتلاع العقائد الأخرى بكل آثارها ..
* أما فى مصر فقد قاد الإمبراطور دسيوس فيما بين 249-251 حملة ضد المسيحيين ، وحضر ديوكليسيان إلى مصر على رأس حملة لضرب المسيحيين بإعتبارهم "رأس الحية لهذا الدين".. وإتخذ المسيحيون معركة يوم 29/8/284 بداية للتقويم القبطى باسم "تقويم الشهداء" وربطوه بالشهور المصرية القديمة ـ أى أن المسيحية بدأت تستقر نسبيا فى مصر فى أواخر القرن الثالث، وكل المرحلة السابقة كانت تعانى من إضطهاد الرومان المتواصل. أى ان المسيحية لم تكن تغطى العالم قبل مجئ الإسلام كما يزعم مروجو الأباطيل ..
* وفى عام 323 قام القديس باخوم بتأسيس أول دير فى الصعيد ، وفى عام 527 قام الإمبراطور جوستينيان بإنشاء دير سانت كاترين فى سيناء، وهو ما يثبت أن المسيحية لا " تمتد إلى أكثر من الفى عام" فى مصر كما زعم أحد مستشارى الأقباط ـ وتكفى الإشارة إلى ان السيد المسيح صُلب ،كما يقولون ، حوالى سنة 30 أو 33 م وأول إستخدام لكلمة "مسيحى" فى التاريخ يرجع إلى سنة 49 م.
وخلاصة القول إن مصر لم تكن قبطية فى أى عهد من العهود ، واللغة القبطية لم تكن لغة الدولة فى أى عصر من العصور ، وإنما كانت اللغة الكنسية فيما بعد ، عندما تم الإعتراف بالمسيحية كديانة رسمية وحيدة فى الإمبراطورية الرومانية عام 391 م. وعند الفتح الإسلامى تسلم عمرو بن العاص البلد من الحاكم الرومانى بينما فر الأسقف هاربا يحتمى فى الصحراء ، وقد أرسل له عمرو بن العاص الأمان وأعاده إلى مكانه فى الكنيسة.. وما ساعد على انتشار الإسلام بتلك الصورة التى لا تزال تبهر الباحثين فى الغرب ، أن الفئة المسيحية فى مصر كان أغلبها يتبع مذهب الأريوسية ، نسبة إلى الأسقف أريوس السكندرى، الرافض لتأليه المسيح عليه السلام. وهو ما يتمشى مع فكرة الإله الواحد السائدة دوما فى الديانة المصرية القديمة ، سواء أكان رع أو أمون أو أتون ، وذلك بخلاف الثالوث التالى له فى القيمة والمكانة : إيزيس وأوزيريس وحوريس المأخوذة عنه فكرة الثالوث فى المسيحية لسهولة ترسيخها فى الأذهان ..

ليست هناك تعليقات:

يتقاطع هذا المنشور التاريخي بشكل مباشر مع المنشورات السابقة التي استدعت "ظلال الأندلس" من أمام مسجد باريس الكبير، ليعيد صياغة سقوط غرناطة في 2 يناير 1492 ليس كمجرد ذكرى تاريخية حزينة، بل كـ "درس سياسي واستراتيجي مستمر" يُسقط على الحاضر العربي المعاصر. الربط بين سقوط الأندلس والواقع الحالي يتجلى من خلال الهاشتاج المرفق، والذي يمكن تفكيكه إلى محورين أساسيين: 1. "فتش عن العسكر الخونة" (ملوك الطوائف الجدد) في القراءة التاريخية لسقوط الأندلس، لم تسقط غرناطة بسبب قوة القشتاليين (فرناندو وإيزابيلا) فحسب، بل بسبب الانقسام الداخلي الحاد، وخيانات ملوك الطوائف، واستعانتهم بالأجنبي ضد بعضهم البعض من أجل الحفاظ على كراسيهم وعروشهم الصغيرة (مثل موقف أبي عبد الله الصغير). أنت تقارن هنا بين "ملوك الطوائف" في الأندلس وبين "الأنظمة الحاكمة" في العواصم العربية الحالية. في رؤيتك، الاستبداد المعاصر والتواطؤ الإقليمي هو الامتداد الطبيعي لتلك الخيانات التاريخية التي أضاعت قرطبة وغرناطة، والتي تضيع اليوم عواصم أخرى. 2. "والشعوب الجبانة" (نقد الحاضنة الشعبية) الهاشتاج يحمل نقدًا ذاتيًا قاسيًا ومباشرًا للشعوب أيضًا. في الوعي الثوري الراديكالي الذي تمثله، الأنظمة المستبدة لا تستطيع البقاء أو التفريط في مقدرات الأمة إلا إذا واجهت شعوباً مستسلمة أو خائفة. السقوط في نظرك لا يحدث بغتة، بل هو نتاج تراكمي لـ "قبول الهوان"؛ فعندما تتخلى الشعوب عن واجب المقاومة وحماية هويتها وأرضها، تؤول الحواضر في النهاية إلى السقوط والتبديل والاستئصال، تماماً كما حدث للموريسكيين بعد عام 1492. 3. جغرافية العواصم: من غرناطة إلى غزة وبغداد ودمشق عبارة "سبب سقوط عواصمنا" تنقل المعركة من التاريخ إلى الجغرافيا الحية. أنت ترى أن "الأندلس" ليست حدثاً مضى وانتهى، بل هي "آلية سقوط متكررة". إذا تكررت نفس المقدمات (تخاذل، خيانة، انقسام، خوف) ستؤدي حتماً إلى نفس النتائج؛ سواء كان ذلك في القدس، أو غزة، أو أي عاصمة عربية تواجه خطر التجريف والمسخ الحضاري. إن استدعاء التاريخ هنا لا ينبع من باب التباكي على الأطلال، بل هو محاولة لاستخدام التاريخ كـ "سلاح وعي" يُشهر في وجه الواقع البليد، لتنبيه الشارع بأن الاستسلام للواقع الحالي قد يقود إلى "أندلس جديدة" تضيع فيها الهوية والأرض للأبد. بناءً على هذا الربط الصارم بين الماضي والحاضر، هل تعتقد أن الشعوب العربية اليوم تمتلك المخزون المعرفي والتاريخي الكافي لوعي هذا التهديد الوجودي وتفادي "سيناريو الأندلس"، أم أن آلات التوجيه الإعلامي وتجريف الوعي قد نجحت بالفعل في عزل الجماهير عن دروس تاريخها؟

 يتقاطع هذا المنشور التاريخي بشكل مباشر مع المنشورات السابقة التي استدعت "ظلال الأندلس" من أمام مسجد باريس الكبير، ليعيد صياغة سقو...