خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، شاع بين الفنانين الأوروبيين استخدام صبغة عُرفت باسم "المومياء البنية" (Mummy Brown) أو "البني المصري" في رسم اللوحات الفنية، خصوصاً لإضفاء الظلال والتدرجات اللونية الشفافة. وقد حظيت هذه الصبغة بمكانة كبيرة بين الرسامين بفضل لونها الدافئ وعمقها المميز.
كما جاءت تسميتها من طريقة تصنيعها غير المألوفة، إذ كانت تُنتج عبر طحن أجزاء من المومياوات المحنطة وخلطها بمواد أخرى لصناعة الألوان. ولضمان توفرها، عمد بعض الرسامين وصناع الأصباغ إلى شراء المومياوات واستخدامها كمادة خام. فيما ترتبط هذه الممارسة بقصة استثنائية تخص الملك الفرنسي لويس الرابع عشر، إذ استُخدمت أجزاء من قلبه بعد وفاته في القرن التاسع عشر لإنتاج هذه الصبغة التي دخلت لاحقاً في رسم إحدى اللوحات الفنية.
"الملك الشمس"
في 14 مايو (أيار) 1643، اعتلى لويس الرابع عشر عرش فرنسا خلفاً لوالده لويس الثالث عشر. واستمر حكمه أكثر من 72 عاماً، في واحدة من أطول فترات الحكم بتاريخ أوروبا. وخلال تلك الحقبة، عزز مكانة فرنسا سياسياً وعسكرياً، كما أولى اهتماماً كبيراً للفنون والآداب والعمارة والعلوم.
كما خاض عدة حروب بارزة، من بينها حرب الأيلولة (War of Devolution) ما بين عامي 1667 و1668 والحرب الهولندية ما بين 1672 و1678 وحرب الخلافة الإسبانية ما بين 1701 و1714، ما ساهم في توسيع نفوذ فرنسا وترسيخ مكانتها كإحدى أبرز القوى الأوروبية. وبفضل تأثيره الواسع في السياسة والثقافة، اشتهر بلقب "الملك الشمس".

تدنيس القبور
توفي لويس الرابع عشر في الأول من سبتمبر (أيلول) 1715، ودُفن في مقبرة سان دوني (Saint-Denis) شمال باريس، التي ضمت حينها قبور 40 ملكاً فرنسياً إضافة للعديد من الأمراء، فيما جرى استخراج قلبه وتحنيطه ووضعه داخل جرة جنائزية في كنيسة سان بول سان لويس، وفق التقاليد المعمول بها آنذاك.
وبقي القلب محفوظاً لنحو 78 عاماً، قبل أن تتعرض مقبرة سان دوني للتدنيس خلال الثورة الفرنسية، حيث نُبشت قبور الملوك ونُقلت رفاتهم إلى مقبرة جماعية. وخلال تلك الأحداث، استولى أشخاص على قلب لويس الرابع عشر، الذي تنقل بين عدد من المالكين على مدى سنوات.
فيما برر العديد من المسؤولين هذه الأفعال بمحاولة الجماهير الغاضبة الحصول على التوابيت المصنوعة من الحديد والرصاص بهدف صهرها وتحويلها لذخيرة لمواجهة الغزو الذي تعرضت له البلاد من قبل القوى الأوروبية الأخرى.
استخدام القلوب للرسم
في نهاية المطاف، آل القلب إلى الرسام الفرنسي ألكسندر بو دي سان مارتان (Alexandre Pau de Saint-Martin)، الذي يُعتقد أنه امتلك أيضاً قلب الملك لويس الثالث عشر. فيما تشير مصادر تاريخية إلى أنه استخدم أجزاء من قلب لويس الرابع عشر لصناعة صبغة "المومياء البنية" أثناء رسم لوحة "منظر من كان" (Vue de Caen).
وخلال السنوات الأخيرة، أظهرت تحاليل علمية وجود بروتينات وأنسجة قلبية في مكونات اللوحة، ما عزز الرواية المتداولة حول استخدامها أجزاء من قلب الملك الفرنسي. كما تحدثت مصادر أخرى عن استخدام أجزاء من قلبي لويس الثالث عشر ولويس الرابع عشر في لوحة "داخل أحد المطابخ" للفنان الفرنسي مارتن درولينغ (Martin Drölling).




Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire